وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                
وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                

Search form

إرسال الی صدیق
في رحاب نهج البلاغة (الإسلام والإمام علي عليه السلام) – الثاني

(الدين المنزّل والتأويل الإلهامي)

السيد محمّد أمير امام

وكما قدّمت في هذا البحث، كل الصفات تنبعث من وجود الواجب المطلق أي خالق الكل، فالصفة الأولى هي صفة التوحيد وصفة العدل وجميع الصفات الإلهية الأخر تنبعث من التوحيد. وكل واحد من هذه الصفات لاتتوهّم ولا تتّهم، كما تعلمنا من كلمات مولانا وسيدنا الإمام علي المرتضى(عليه السلام) في التوحيد والعدل لأنهما ليستا كالصفات البشرية.

كما قدّمت، نحن نحتاج إلى الايمان بالتوحيد والعدل لفلاحنا ونجاتنا في الدارين، في الدنيا والآخرة ويلزم علينا أن يكون إيماننا مطابقاً لما تعلّمناه من تعليمات الإمام علي المرتضى(عليه السلام) وكما هونفسه تعلّم من القرآن المجيد وعن الرسول الأكرم محمّد المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) فلنقرأ من معارفه في التوحيد:

"ما وحّده مَن كيّفه ولا حقيقته أصاب مَن مثّله ولا إيّاه عنى مَن شبّهه ولا صمده مَن أشار إليه وتوهّمه..." [١].

وأيضاً يلزمنا تذكر ماقدمت من قبل من أفكار مولانا وسيدنا الإمام علي(عليه السلام)في التوحيد والتنزيه، ولابدّ من الاجمال والاختصار بتقديمنا أمثلة من كلام الإمام علي (عليه السلام) هنا في هذه المقالة، وأرجوأنّ القارئين سيقرؤون خطب الامام (عليه السلام)لتأكيد ما أبحثه هنا من أفكاره (عليه السلام) في التوحيد والعدل.

وكما اتضح من هذا البحث فإنّ التأويل العلوي يوضح التنزيل الإلهي على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) كما هوحقه وكما قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ان علي بن أبي طالب يقاتل على تأويل القـرآن كما قاتل الرسول على تنزيله [٢].

ولأنّ التوحيد والعدل أصل الأصول في إيماننا وديننا وأهم أركان الإيمان والدين، كان التوحيد والعدل من جانب وأركان صنمي قريش ـ العصبية والملك ـ من جانب آخر من أهم أسباب الاختلاف والصراع الصارم بين الطرفين، فهذا هوالسبب الأصلي للقتال بين الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)ومخالفيه من زعماء قريش على التنزيل وكان امتداد هذا القتال، القتال بين وصيّه الإمام علي (عليه السلام)ومناوئيه المتعصبّين لعصبية قريش وملكهم.

وكانت مخالفة قريش ومناوأتهم للإسلام لمصالحهم الذاتية الاستئثارية ولحفظ ثروتهم وأموالهم وسلطتهم السياسية والاجتماعية، وههنا ماقاله مولانا وسيدنا الإمام علي المرتضى(عليه السلام)بالايجاز في وصف الأوضاع السياسية والاجتماعية العصرية في زمانه وأعمال الأشخاص وتعاملهم فيها: "إنّ الوفاء توأم الصدق ولا أعلم جنّة أوقى منه، ولا يغدر مَن علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. مالهم قاتلهم الله، قد يرى الحُوّل القُلّب وجه الحيلة ودونه مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها مَن لا حريجة له في الدين" [٣] .

لقد تغيّر الزمان ومعه تغيّرت الدنيا! نُسي الإيمان بالأقدار الروحانية والقيم الأخلاقية. عطّل الاعتقاد بالتوحيد والعدل وانقلب المجتمع العربي إلى ماضيه الجاهلي واعتقاده بصنمي قريش ـ العصبية والملك ـ وكان في وسط هذا الانقلاب على الأعقاب الرهط الذي كان يقود الجماعة التي كانت لها العصبية لقريش وبالأخص للأمويّين الذين كانوا يمثلون العصبية الكبرى ـ ويشير إلى غلبة العصبية الكبرى ابن خلدون في المقدمة ويبحثها مع الملك المستبد [٤] ـ وهذه العصبية الكبرى كانت تقود المجتمع العربي إلى الإنقلاب على الأعقاب وإلى الرجعة القهقرية حتّى الانتهاء بالجاهلية التي تمت بخلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان! فبهذا الانقلاب القهقري استبدل أهل العصبية حكمة رسالة التوحيد والعدل باستبداد العصبية والملك فخالفوا تأويل التنزيل واتبعوا أمانيّهم الأنانية الباطلة وعاندوا المساواة الإسلامية بتأييدهم لملكهم وسلطتهم ولانفرادهم بالمجد، وليس مجدهم بمجد حقيقي بل كان هوتفاخرهم وتكبّرهم فقط، فهكذا انقلبوا على أعقابهم إلى الجاهلية الأولى!.

كان معاوية جسوراً في تظاهره بالتديّن لأنه تأكّد أن زعماء قريش كانوا محتاجين إليه لعصبيّته وعصبية عشيرته من الأمويين وأيضاً لثروته وثروة عشيرته وكان لا يبالي بأي مانع أورادع أووازع وكان لا يهتم بأي تذميم أوتحريم أوترديد في تعقيبه لهدفه، فهدفه تحصيل السلطة والتسلط والملك والتملّك والغلبة والتغلّب على جميع الناس والأقاليم.

وكان يتهكم ويستهزئ بأي تذميم أوترديد أوتحريم للعصبية والملك من جانب الله ورسوله الأكرم. والإمام علي(عليه السلام) وصيّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قال ما يلي في معاوية وسياسته: "والله مامعاوية بأدهى منّي ولكنّه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنتُ من أدهى الناس; ولكن كلّ غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة، والله ماستغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة" [٥].

فنعرف أن الغدر والرياء (أوالنفاق) توأمان، الواحد يلزم الآخر! فيكفي من جانب الحق والدين والأخلاق الحسنة والإنسانية جواباً حاسماً لاستهزاء أهل الباطل كمعاوية ورهطه وتهكمهم: ( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ * اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [٦].

فهذا هوالجواب من أهل الحق للمنافقين من أمثال معاوية بن أبي سفيان، ونعرف أن المبادلة والمساومة للمنافع الشخصية والاستفادات السيئة كانت مستمرة من وراء استار النفاق والرياء، كما أشار إليه الإمام علي(عليه السلام): "عجباً لابن النابغة (عمروبن العاص) يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة وأني امرؤ تلعابة أعافس وأمارس. لقد قال باطلاً ونطق آثماً، أما وشرّ القول الكذب إنّه ليقول فيكذب ويعد فيخلف ويَسأل فيلحف ويُسأل فيبخل ويخون العهد ويقطع الإلّ فإذا كان عند الحرب فأيّ زاجر وآمر هو، مالم تأخذ السيوف مآخذها.... أما والله إنّي ليمنعني من اللّعب ذكر الموت وإنّه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة، إنّه لم يبايع معاوية حتّى شرط له أن يؤتيه أتيّة ويرضخ له على ترك الدين رضيخةلا يصلح العيش والمعاش الانساني إلاّ في جو متمدّن متصف بالثقافة مرتّب بالشرائع أومنظّم بالقوانين.

أمّا الشرائع أو القوانين فلا تنفع من دون عامل آخر أي الضمير أو الوجدان والتهكم والاستهزاء إن غلبا على المرء وضميره (أو وجدانه) فقد المرء الإيمان والاعتقاد بالأصول الأخلاقية واستعداده للتمييز بين ما يجوز وما لا يجوز، أي بين الخير والشر والحسن والقبيح، فبعد هذا الفقدان يعمل المرء حسب أغراضه الشخصية وحسب أنانيّته، وبين أنانيّة البشر والعصبيات العائلية والقبائلية والقومية وغيرها اتصال ورابطة فلهذا يميل المرء إليها ـ أي إلى العصبيات ـ وكما قال ابن خلدون، الملك هدف طبيعي للعصبية [٧] البشرية.

وعليه فإنّ الخصلة الوحيدة التي تحول بين الخير والشر والحسن والقبيح هي الإيمان بالله ورسله وأنبيائه والعمل بأوامرهم والاجتناب عن نواهيهم ونعلم أن الله ورسوله أمرانا بالمؤاخاة البشرية والمساواة الإجتماعية لأنّنا من نسل آدم وحوّاء فلا يجوز لنا التفاخر النسلي أوالطبقاتي كما نقرأ في القرآن المجيد وكتب الأحاديث وأيضاً كما نقرأ في ديوان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام):

الناس من جهة الأمثال أكـفاء ***** أبـوهـم آدم والأمّ حوّاء

وإن يكن لهم من أصلهم شرف ***** يفاخرون به فالطين والماء

العصبيات العائلية والقبائلية والنسلية والقومية تنشىء التفاوتات الاجتماعية والمالية مع المنافسات بين الأفراد وتنتهي إلى المعارك بينهم فتزداد بينهم الخصومة وهذا هو سبب تذميم العصبية وتحريمها من جانب الله الخالق الودود الرؤوف ومن جانب رسوله الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأيضاً سبب تذميم الملك بدون العدل، وهكذا انهدم صنما قريش بالإيمان بالتوحيد والعدل الإلهي..

هذه هي حكمة الله في اصلاح المخلوق وينزل الله رحمته علينا بعد ابتلائنا قال سبحانه تعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) [٨]، ( كُلُّ نَفْس ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) [٩].

وهذه سنّة الله التي لا نجد فيها أيّ تبدل أوتغيّر مدى الدهر وطول الزمن: ( سُنَّةَ اللّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً ) [١٠].

ونجد في كلام مولانا وسيدنا الإمام علي(عليه السلام) التأويل للتنزيل في خطبه وكلامه بالتفصيل، ولكن لقيد الإجمال أنا أقدم هنا بعض حكمه من الخطبة المعروفة بالقاصعة، كما قال الشيخ محمّد عبده في شرحه "  الماء بالعطش" وتتضمن هذه الخطبة ذم الاستكبار والعصبية والحمية والتعصب والجهل والجاهلية، وأما الكلمات التي تأوّل معاني الآيات السابقة فههنا:

"... ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ويتعبّدهم بأنواع المَجاهد ويبتليهم بضروب المكاره إخراجاً للتكبّر من قلوبهم واستكاناً للتذلّل في نفوسهم وليجعل ذلك أبواباً فُتُحاً إلى فضله وأسباباً ذُلُلاً لعفوه..." [١١].

الأسفار التنزيلية من عند الله إلى الرسل والأنبياء من آدم ونوح وإبراهيم وأيوب إلى موسى وعيس ومحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، تشهد على حكمة الخالق في تخليق الخلق والمخلوق وتكوين الكون والكائنات، وتتابعت الأديان الإلهية والرسالات الإلهامية لهدايتنا إلى الحق وارشادنا إلى العدل ولقيامنا ضد العصبية والاستبداد واخلاصنا في الإيمان بالتوحيد والعدل الإلهي، ولأنّ الله أقرب الينا من حبل الوريد، لذا نوره مضمر في ضمائرنا [١٢].

وكما قدمنا من قبل، هو الذي خلقنا وسوّى أنفسنا [١٣]، وألهمنا التمييز بين الخير والشر فكلّ واحد منّا مشغول في الحياة الدنيا ونسأل ونحاسب يوم الحساب عما قدّمت أيدينا ( وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) [١٤].

وبينما السماوات والأرض والجبال أشفقن وأبين أن يحملن الأمانة حملها الإنسان نتيجة لظلمه وجهله [١٥]، وكما قال سبحانه تعالى ( لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) [١٦].

فالظالمون هم المحرومون من فضله ورضاه سبحانه تعالى والمؤمنون لهم أجر عند الله كما قال سبحانه وتعالى ( إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ ) [١٧].

وتكرّر في القرآن المجيد اللعن على الظالمين والمستبدين وبالسوية أو أكثر يذكر رحمة الله ورأفته وكرمه وعفوه وغفرانه، لكي يقتدي المؤمنون بالسماحة لخصومهم الذين ظلموهم، ونجد هذا التذكّر في جميع الرسالات التنزيلية مدى القرون والزمان فيشاهد هذا التسلسل الروحاني على الحكمة الربّانية في التخليق والتكوين للعالم والخلق والكون ولكل شيء ونفس فيه، وفي هذه الحكمة الربّانية توجد المعاني والرموز التي تشير إلى غاية وجودنا وغرض حدوثنا: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآيات لأُولِي الأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ) [١٨].

فلا أمل لنا لمعرفة المعاني في وجود العالم وفي وجودنا أولمعرفة غاية الوجود وغرضه إلاّ بالإيمان بتوحيد اللّه وبعدله سبحانه وتعالى ومن دون الإيمان بالتوحيد والعدل لا أمل لنا في الأمن والسلم والعدل بين الناس أو في سلامة الحياة البشرية.

إن ننصرف عن الرسالة التنزيلية، تنسحب عنا البركة والسلام، والسلامة اُنزلت علينا برحمة اللّه ونفقد المعرفة والعرفان التأويلي المضمر في الإيمان بتوحيد اللّه وعدله سبحانه وتعالى.

كما يشهد لنا التاريخ الديني والانساني أننا في قيامنا ومقاومتنا وكفاحنا ومكافحتنا ضد صنمي قريش ـ العصبية والملك ـ لا قوّة لنا إلاّ بالإيمان بتوحيد اللّه وبعدله.

وكما قال مولانا وسيّدنا الإمام علي(عليه السلام) التوحيد أن نتوهمه والعدل أن لا نتهمه، فربّنا وخالقنا هوالذي لا يوصف ولا ينطق به وكما أن الإمام(عليه السلام) تأوّل التنزيل في خطبه وأقواله أنّ سبحانه وتعالى لا مثيل له وأنه أحد لا بتأويل عدد وأنه لا يوصف لأنه ما وحده من كيّفه وأنّ كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، فبالاجمال نؤمن باللّه الخالق الواحد الوحيد الأحد ونعترف أنا ما عرفناه حقّ معرفته (كما ورد في الحديث) وتحيّرنا بأسباب وجود الكون ووجودنا ودهشتنا بعلل حدود الحوادث تجذبنا إلى الإيمان بوجود الخالق، هو خالق الكل وموجد الوجود ومحدث الحدوث وهو الواجب الوجود! وهذا الإيمان وهذا الاعتقاد منبعهما التنزيل والتأويل تعلّمناهما عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام علي (عليه السلام) نُجّينا بهما من ظلمات الخرافات التجسيمية والصنمية والوثنية.

العدل كما نعتقد صفة تتلووتتابع، عقلياً ومعنوياً، صفة التوحيد، وصفة العدل ليست إضافية بل صفة العدل تنبعث من صفة التوحيد وهكذا الصفات الأخر منبعثة أيضاً وليست اضافية ولا منال لنا ولا مجال في غوامض أسرار كنه ذاته سبحانه وتعالى لأنّ الرسل والأنبياء أنفسهم اعترفوا بعجزهم في هذه المسألة أما صفات الله المشتقة من الأسماء الحسنى فبامكاننا البحث فيها.

نعرف من تأويل مولانا وسيدنا الإمام علي (عليه السلام) أنّ صفة التوحيد ليست بمعنى العدد لأن " من أشار إليه فقد حدّه ومَن حدّه فقد عدّه ومَن عدّه فقد جزّأه " وهذا ليس بتعريف الخالق الأحد الصمد، فعلى هذا الأساس هو سبحانه وتعالى ليس بمركب من الصفات بل صفاته منبعثة من ذات الواحد الوحيد الأحد الخالق العادل الحكيم الرحمن الرحيم وانبعاث الصفات الحسنى من ذات الله سبحانه تعالى لازم، يقتضيه العقل والمنطق لأنّ الله هو الخالق المطلق ويلزم التخليق الحكمة والعدل والرأفة والكرم والرحمة وغيرها من الصفات، وإنّ انبعاث جميع صفات الله المذكورة في الأسماء الحسنى من منبع واحد أي ذات الله سبحانه وتعالى الواحد والوحيد والأحد ووحدته يعني أنّها لا تُعدّ وعدله أنّها لا تفقد.

انبعثت صفة عدله تعالى من وحدة ذاته المنزهة المقدسة وكما قضى التوحيد على العصبية (الصنم الأول من صنمي قريش)، قضى العدل على الاستبداد في الملك (الصنم الثاني من صنمي قريش).

والإيمان بالتوحيد يقتضي الإيمان بجميع صفات الله سبحانه وتعالى لأنّ البقية من صفاته عزّ وجل تنبعث من توحيده وكما يدل توحيده على وحدة ذاته فعدله يدل على عصمة ذاته وسموصفاته، جلّ جلاله وتجلّى كماله.

الإيمان بالتوحيد وبالبقية من الصفات الإلهية المنبعثة من الصفة الأولى يحرّر عقولنا وأفكارنا من المعتقدات الخرافية وأيضاً من خبط عشواء الملاحدة ومن خلوعقولهم عن معاني الحياة والوجود وغاياتهما وبعد تحرير عقولنا، يلهمنا الإيمان بالتوحيد بحكمة الخالق وبمعنوية الحياة والوجود وبغاياتها وبأنّ خلق المخلوق وتكوين الكون ماكان باطلاً، فندعوه سبحانه وتعالى ونكرّر كلمات الآية القرآنية ( ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ ) [١٩].

إنّي أيضاً أحسّ في باطن نفسي وأشعر في أعماق ضميري ووجداني أنّ في أسرار الوجود سرّاً أدق من التخيّل وأرق من التوهم، أنواره لا تُرى وأضواؤه منشورة في جميع الجهات تضيء الكون والوجود والضمائر والوجدان، وتوجَد الأمثال الأفضل والأعلى لهذا التنوير الروحاني الوجداني في سير الرسل والأنبياء والأولياء والأوصياء الذين اقتبسنا من كلام بعضهم أنواراً وقدّمنا إليكم عنهم أفكاراً.

والتسلسل والمماثلة في كلامهم وأفكارهم يدل على توحيد الرسالة التي اُرسلت لهم لإرشاد الناس إلى الحق والصدق والعدل والسلم في حياتنا في الدنيا ولصلاح آخرتنا ولفلاحنا في الدارين. توحيد هذه الرسالة يمتد من آدم ونوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى(عليهم السلام) ومحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعدهم تدوم الرسالة بنيابة الإمامة وبالاجتهاد بالنص لأنّ المنبع الروحاني واحد.

إنّي تأكدتُ من هذه الحقيقة بما قرأتُ في تأليف آية الله العظمى السيد محمّد هادي الحسيني الميلاني [٢٠]، حيث يذكر آية الله الميلاني الروايات المسندة أنّ علياً(عليه السلام) يشبه آدم ونوحاً وإبراهيم خليل الله ويوسف وموسى كليم الله وداود وسليمان وأيّوب ويحيى بن زكريا وعيسى بن مريم المسيح روح الله ورسول الله محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) حبيب الله.

وفي الصفحة ٣٨٧ ورد في هذا التأليف أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: انّه (أي علي) أشبه الخلق بعيسى.

وأعجبتني هذه الرواية لأنّي تذكرتُ المشابهة بين عيسى بن مريم المسيح(عليه السلام) والإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في مسألة اخرى قرأتها في كتاب "الارشاد" للشيخ المفيد وأيضاً يذكرها عباس محمود العقاد في تأليفه "عبقرية الإمام".

ولو أنهما أي الشيخ المفيد وعباس محمود العقاد لا يذكران المشابهة ولكنني أتذكر رواية في الإنجيل، وهذه الرواية وأيضاً مارُوي في كتاب "الارشاد" وفي "عبقرية الإمام" يدلّ على ما قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) "إن علياً أشبه الخلق بعيسى" ومن هذا الشبه بين المسيح والإمام عليهما السلام هومسألة القضاء وكنموذج لذلك  نذكر بعض الأمثلة:

ترجمة "حادث في الهيكل": "... فذهب عيسى إلى جبل الزيتون، صباحاً بالفجر حضر هولمرّة اخرى في الهيكل فاجتمع حوله جميع الناس، هوكان جالساً ومشغولا في تعليمهم إذ جاء الفقهاء وفرّيسيّون (الظاهريون المراؤون) بمرأة أخذوها وهي تزني... وقالوا له مولانا اُخذت هذه المرأة بيّناً في حالة الزنا وشرع موسى في الشيعة أن امرأة كهذه لابد أن ترجم فما تقول في هذه المسألة؟ وتأملوا أن يتهموه (بعدم إنفاذ الشريعة) فلمّا أصرّوا إيجابه لسؤالهم جلس مستقيماً وقال: هوالذي من برئ من الخطأ منكم يرمي إليها أولا الحجر... فإذ سمعوا ما قال ذهبوا واحداً بعد واحد حتى كان عيسى قائماً واحيداً فريداً والامرأة أيضاً كانت قائمة، فقال عيسى للمرأة: "أين هم؟ هل ما حكم عليك أحد؟" فأجابته مولاي لا أحد (حكم عليّ)، فقال عيسى لها: وأنا أيضاً ما أحكم عليكِ اذهبي ولا تذنبي بعد" [٢١].

وبعد الرواية السابقة في سيرة عيسى بن مريم المسيح نقرأ ما رواه الشيخ المفيد في كتاب "الارشاد" (صفحة ١٠٩ ـ ١١٠): "ورُوي أنّ مجنونة على عهد عمر فجر بها رجل فقامت البيّنة عليها بذلك فأمر عمر بجلدها الحد، فمرّ بها أمير المؤمنين (عليه السلام) لتجلد، فقال ما بال مجنونة آل فلان تعتل، فقيل له أن رجلا فجر بها وهرب وقامت البيّنة عليها فأمر عمر بجلدها، فقال لهم ردّوها إليه وقولوا له أما علمت أن هذه مجنونة آل فلان وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، إنها مغلوبة على عقلها ونفسها، فردّت إلى عمر وقيل له ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال عمر فرج اللّه عنه لقد كدتُ أن أهلك في جلدها، فدُرئ عنها الحد".

"ورُوي أن امرأة شهد عليها الشهود أنهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطؤها ليس ببعل لها، فأمر عمر برجمها وكانت ذات بعل فقالت: اللهم انك تعلم أني بريئة، فغضب عمر وقال وتجرح الشهود أيضاً، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام)ردّوها واسألوها فلعلّ لها عذراً فردّت وسئلت عن حالها؟ فقالت كان لأهلي إبل فخرجت في إبل أهلي وحملتُ معي ماء ولم يكن في إبل أهلي لبن وخرج خليطنا فكان في ابله لبن فنفد مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى امكنّه من نفسي فأبيتُ فلمّا كادت نفسي تخرج أمكنته من نفسي كرهاً، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): اللّه أكبر، ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَلا عاد فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) فلما سمع ذلك عمر خلّى سبيلها" [٢٢].

وذكر هذه الروايات عباس محمود العقاد أيضاً في تأليفه "عبقرية الإمام" (ط ٢، دار المعارف بمصر) ص: ١٥٥ ـ ١٥٦، في فصل " حكومته ".

وجدير بالذكر هنا ما قال عيسى بن مريم المسيح (عليه السلام) في النصف الأوّل من خطبته على الجبل: " لا تفرضوا أني جئتُ لأبطل الشريعة و(أخبار) الأنبياء ماجئتُ لأبطل بل لأكمّل، اخبركم ما دامت السماوات والأرض تدوم الشريعة ولا حرفاً ولا نقطة تزال أوتحذف من الشريعة حتى يحدث ما هوسيحدث أوحصل كل ما هوتقيم له الشريعة" [٢٣].

وهكذا نجد في القرآن أيضاً ( لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللّهِ ) [٢٤]، لا مرّة بل مرات أما الروايات التي تقدم ذكرها فتدل على حاجة الاجتهاد بالنصوص على أساس التذكر والتفكر والتعقل كما نقرأ في القرآن ( لِقَوْم يَذَّكَّرُونَ ) و( لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ )و( لِقَوْم يَعْقِلُونَ)، وبالاجتهاد كان التأويل للتنزيل. فرأينا كيف اجتهد عيسى بن مريم المسيح روح اللّه في شريعة موسى كليم اللّه واجتهد الإمام على بن أبي طالب (عليه السلام) في شريعة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، كل ذلك ضمن حدود الشريعة وهذه المماثلة بين عيسى المسيح والإمام المرتضى عليهما السلام، ألهمت وجدان بعض من المؤرخين وبالأخص وجدان المؤرخين وأهل العلم والفضل والأدب في المجتمع المثقف في لبنان، حتى صدرت من أفكارهم وأقلامهم الخلاقة المبدعة تأليفات تفسر سيرة سيدنا ومولانا الإمام علي(عليه السلام) وشخصيته المكرمة، وأنا استفدت منها جداً، ولو أني ولدتُ في عائلة كانت من ناحية الاعتقاد اثني عشرية جعفرية وهؤلاء المؤلفون من ناحية الاعتقاد هم من المسيحيين لكني لا أجد أي فرق بيني وبينهم في حبنا للإمام المكرم (عليه السلام) وهذا الاتفاق يدل على التوحيد والاتحاد في الدين المنزل والتنزيل من عند اللّه عزّ وجلّ وعلى الحكمة الإلهية في التخليق وفي تنظيمه للقصد المعنوي والغرض الأخلاقي ولهذا يجب علينا أن نذكر ما هو في الآية القرآنية من سورة آل عمران ( ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ ) فالقصد في التخليق والغرض فيه معنوي وأخلاقي وهذا هوما يحتويه الدين المنزّل والتنزيل. والتأويل عن المسيح الأعظم وأيضاً التأويل عن الإمام المكرم يفسران لنا كيف نعرف المعاني الروحانية والإنسانية في التنزيلات المنزلة.

ويجدر بي أن أذكر بعض التأليفات عن المؤلفين من لبنان: مثلا عن جورج جرداق "الإمام علي صوت العدالة الإنسانية" وفي المقدمة عن ميخائيل نعيمة وكلاهما ـ أي التأليف والمقدمة ـ يفصحان عن عظمة الإمام علي(عليه السلام)، وهذا التأليف في خمسة مجلدات، وفي المجلد الخامس "علي والقومية العربية" يذكر الاستاذ جورج جرداق "حب علي للناس وحب الناس لعلي" وبعد أن يتحدث عن ثلاثة من نوابغ العرب لهم في الإمام الجليل آراء جليلة وفي أقوالهم حرارة وحب... "قديم هوشاعر المعرّة وحكيمها وعظيمها أبوالعلاء، ومعاصران هما جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة" [٢٥].

لقد ذكرتُ فيما سبق أشعار أبي العلاء نقلا واقتباساً عن جورج جرداق ولا حاجة لتكراره وأرجوأن تقرؤوا ما كتب الأستاذ جرداق بالتفصيل في حبّ أبي العلاء للإمام المكرّم علي(عليه السلام)، بعد بحثه عن أبي العلاء هويبحث عن جبران خليل جبران وحبّه للإمام علي، وههنا شمة من الروائح الطيبة:

"... أما العظماء الثلاثة في قلب جبران، فالمسيح ومحمّد وعلي!... أما علي بن أبي طالب.. ينظر جبران إلى علي نظرته إلى الكائن الذي اتصل بأسمى ما في الوجود من معاني الوجود، وتاق إلى الكمال الروحي فأدركه واتحد به فإذا هو يلازم ما أسماه (الروح الكلية".." [٢٦] ثمّ بعده يقول الأستاذ جرداق: "... فإنّ الإمام علياً في نظر جبران نبي في غير قومه وفي غير وطنه وزمانه، حكيم في طليعة حكماء العصور..."  [٢٧] "وطالما كان جبران يردّد اسم علي بن أبي طالب في مجالسه الخاصة والعامة وحين يخلوإلى نفسه.. وينبيك عن ذلك أقرب الناس إليه، وأعني به ميخائيل نعيمة الذي يقول في رسالة إلى مؤلف هذا الكتاب، في جملة ما يقول: وأذكر أن جبران يجلّ الإمام كثيراً ويكاد يضعه في مرتبة واحدة مع النبي" [٢٨].

وأخيراً يبحث الأستاذ جرداق عن أفكار ميخائيل نعيمة في عظمة الإمام علي المرتضى (عليه السلام) وههنا اقتباس منها، فيذكر الاستاذ جرداق: "بعث ميخائيل نعيمة إلى المؤلف حين أخبره بأنه عازم على وضع كتاب عن الإمام، برسالة شيقة جاء فيها: عزيزي الأستاذ جرداق، نعمّا ما أقدمت عليه في وضع كتاب عن الإمام علي، حالفك التوفيق. تسألني رأيي في الإمام كرم اللّه وجهه، ورأيي أنه ـ من بعد النبي ـ سيد العرب على الاطلاق بلاغة وحكمة وتفهّماً للدين وتحمّساً للحق، تسامياً عن الدنايا... إنّ علياً لمن عمالقة الفكر والروح والبيان في كل زمان ومكان" [٢٩].

ويختم الأستاذ جرداق هذا الفصل في كتابه، المجلد الخامس (حبّ واجلال: المعرّي وجبران ونعيمة يتحدثون عن الإمام): "وهكذا تشدّ العصور بعضها إلى بعض لتجمع على حبّ الإمام واجلاله، وأنه لعظيم هذا الحب، وعظيم هذا الجلال، يلتقي فيها عبقريّ المعرة وفنّان لبنان وأديب العرب على هامة ألف عام واختلاف وجوه الأرض" [٣٠].

فبعدما قرأتُ هذه الآراء عن المسيحيين أنا أسأل وجداني ما هوالفرق بين آرائهم وآرائي بالنسبة إلى سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالبعليهما السلام؟! ولا أجد أي فرق! وسبب عدم الفرق هوالمماثلة بين عيسى بن مريم المسيح وعلي بن أبي  طالب عليهما السلام كما يتجلّى من قول رسولنا الأكرم ونبيّنا الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنه أشبه الخلق بعيسى" [٣١].

كما يجب علينا أن نتذكر اعجاب سليمان كتاني بشخصية الإمام علي (عليه السلام)وبسيرته العليا وتأليفه كتاب " الإمام علي، نبراس ومتراس " ويجب علينا أيضاً ذكر "عيد الغدير" لبولس سلامة "ملحمة شعرية تتناول أهم نواحي التاريخ الإسلامي وخاصة الهاشمّيين العلويين".

حبّ هؤلاء المؤرخين والأدباء والمؤلفين للإمام عليّ المرتضى (عليه السلام)لم يكن لشبهه بعيسى المسيح (عليه السلام) في سيرته وأخلاقه وأفكاره، كما أشار إليه رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه " أشبه الخلق بعيسى " فحسب وإنّما كما بسبب الأوصاف الحميدة والأخلاق الحسنة والأفكار الجليلة التي تنبعث من شخصيّتيهما وهذه المشابهة تدلّ على التوحيد والوحدة بين الرسالات الإلهية والتسلسل في الدين المنزّل والتأويل الإلهامي والاجتهاد في حدود النص كما تبيّن مما مر.

إنّ انهدام الصنم الأوّل من صنمي قريش كان هدف التوحيد ولم يكن الصنم الأوّل إلاّ العصبية العشائرية والقبائلية لأنها تؤدي إلى الاعتقاد في آلهة متعددة، إله لكل عشيرة أو لكل قبيلة، بينما الموحّدون كلهم يعتقدون بإله واحد، الخالق المطلق وخالق الكل فالموحّدون يقدّسون اللّه الواحد الأحد، وانهدام الصنم الثاني من صنمي قريش، أي الملك، كان هدف العدل لأن الملك يؤدي إلى الأنانية والاستبداد ثمّ ينتهي بالظلم والجور وإنّ الملك فقط للّه العادل الرحمن الرحيم والرؤوف بالمخلوق والعزيز الغفور.

إن علياً حمل رسالة الإسلام لتثبيت التوحيد ومحاربة الظلم والعصبية وإقامة العدالة الإنسانية الاجتماعية، وكان المثل الأروع، فاسمعه يقول: "... ولو شئتُ لاهتديتُ الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى، أوأكون كما قال القائل:

وحسبك داء أن تبيت ببطنة ***** وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ

أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أوأكون اسوة لهم في جشوبة العيش..." [٣٢].

وفي كتابه (عليه السلام) إلى بعض عماله، يختم الإمام (عليه السلام) أوامره بهذه الكلمات: "... واخفض للرعية جناحك وألن لهم جانبك وآس بينهم في اللحظة والنظرة والاشارة والتحية حتى لا يطمع العظماء في حيفك ولا ييأس الضعفاء من عدلك والسلام" [٣٣].

وفي عهد له كتبه للأشتر النخعي لما ولاّه على مصر وأعمالها: "... واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم... فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق..." [٣٤].

وفي كتابه (عليه السلام) إلى عماله على الخراج يأمرهم أن يخدموا الناس لأنهم خزّان الرعية ووكلاء الأمة: "... فأنصفوا الناس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم فإنكم خزّان الرعية ووكلاء الأمة وسفراء الأئمة ولا تحسموا أحداً عن حاجته ولا تحبسوه عن طلبته ولا تبيعنّ للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون علينا ولا عبداً ولا تضربنّ أحداً سوطاً لمكان درهم ولا تمسنّ مال أحد من الناس مصلٍّ ولا معاهد..." [٣٥].

ومن وصيّة له (عليه السلام) للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنة اللّه عليه: " اُوصيكم بتقوى اللّه... وقولا بالحق واعملا للأجر وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَن بلغه كتابي بتقوى اللّه ونظم أموركم وصلاح ذات بينكم فإنّي سمعت جدّكما (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، اللّه اللّه في الأيتام... اللّه اللّه في جيرانكم... يابني عبد المطلب لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون قتل أمير المؤمنين ألا لا تقتلنّ بي إلاّ قاتلي، انظروا إذا أنا متُ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ولا يمثّل بالرجل فإنّي سمعتُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور "... " [٣٦].

وفي وصيّة له للحسن بن علي عليهما السلام كتبها له بحاضرين منصرفاً من صفين: "... يابنيّ اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك فاحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما تحب أن لا تُظلم، وأحسن كما تحب أن يُحسن إليك..." [٣٧].

نلاحظ أن المسيح عيسى بن مريم صلوات اللّه وسلامه عليهما أمرنا بنفس السيرة [٣٨] وأن رسولنا الأعظم المكرم الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قال أيضاً في الحديث المرفوع "لا يكمل إيمان عبد حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ويكره لأخيه ما يكره لنفسه" [٣٩] وكذلك نلاحظ في كلام مولانا وسيدنا الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام بين تعاليمه الأخلاقية والروحانية التأكيد على الصفح والتسامح والمقاومة ضد الظالم والمستبد والقيام مع المظلوم والمعونة له، وهذه أسوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وسنّته وتكرّرت هذه الأسوة والسنّة والتعاليم في كلام الأئمة من آل محمّد(عليهم السلام) وفي أدعيتهم وأيضاً في سِيَرِهم السامية.

وكل هذه المحاسن الأخلاقية والروحانية مرتبطة ومتعلّقة بالإيمان بالتوحيد والعدل كما نقرأ ونعرف معانيهما ومفاهيمهما في القرآن المجيد.

أية حيلة أو محاولة تكون للإنفصال بين الدين المنزّل والتأويل الإلهامي تشوّه معتقدات مَن يسعى هذا السعي وتحرّف إيمانه ولا يقع أي تغيّر في الدين وتأويله الإلهامي إلى أبد الدهر كما نقرأ في القرآن المجيد:

( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوكَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوالَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوكَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) [٤٠].

كما يشهد تاريخنا أنّ الدين المنزّل يقضي التأويل الإلهامي حتى لا نضل عن الصراط المستقيم.

والصلاة والسلام على رسولنا الكريم وعلى وصيّه المكرم وعلى آله الطاهرين المعصومين.

----------------------------------------------------------------------
[١] . الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، من خطبة له(عليه السلام) في التوحيد، ج٢ / ص: ١١٩.
[٢] . آية الله السيد محمّد هادي الميلاني: قادتنا كيف نعرفهم، ج٢، الباب ١٦ / ص: ٧٧ ـ ٧٨.
[٣] . الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج١ / ص: ٩٢.
[٤] . ابن خلدون: المقدمة، الصفحات: ٢٤٤ ـ ٢٤٥، ٢٥٤، ٢٩٤، ٣٢٤، ٣٢٦.
[٥] . الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج٢ / ص: ١٨٠ ـ ١٨١.
[٦] . سورة البقرة، الآيتان: ١٤ ـ ١٥.
[٧] . الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج١ / ١٤٧ ـ ١٤٨.
[٨] . سورة البقرة، الآيات: ١٥٥ ـ ١٥٧.
[٩] . سورة الأنبياء، الآية: ٣٥.
[١٠] . سورة الفتح، الآية: ٢٣.
[١١] . الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج٢ / ص: ١٤٨.
[١٢] . سورة ق، الآية: ١٦ / سورة النور، الآية: ٣٥.
[١٣] . سورة الشمس، الآيات: ٧ ـ ١٠.
[١٤] . سورة آل عمران، الآية: ١٨٢.
[١٥] . سورة الأحزاب، الآية: ٧٢.
[١٦] . سورة البقرة، الآية: ١٢٤.
[١٧] . سورة الشعراء، الآية: ٢٢٧.
[١٨] . سورة آل عمران، الآيتان: ١٩٠ ـ ١٩١.
[١٩] . سورة آل عمران، الآية: ١٩١.
[٢٠] . آية الله السيد محمّد هادي الميلاني: قادتنا كيف نعرفهم، ج١ / الباب التاسع، "علي(عليه السلام)وشبهه بالأنبياء"، ص: ٣٢٣ ـ ٤٠٢.
[٢١] . الكتاب المقدس، انجيل كما رواه القديس يوحنّا، ٧: ٥٣ ـ ٥٨: ١١، ص: ١٤٣.
[٢٢] . الإمام الفقيه المحقّق محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد، المتوفى ٤١٣هـ: الارشاد، ص: ١١٠، مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ لبنان.
[٢٣] . الخطبة على الجبل، إنجيل كما رواه القديس متّى، ٥: ١٧ ـ ١٩.
[٢٤] . سورة يونس، الآية: ٦٤.
[٢٥] . جورج سجعان جرداق: الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ص: ٢١٩ و٢٢٢.
[٢٦] . المصدر السابق، ص: ٢٢٥.
[٢٧] . المصدر السابق، ص: ٢٢٧.
[٢٨] . المصدر السابق، الصفحة نفسها.
[٢٩] . المصدر السابق، ص: ٢٢٩.
[٣٠] . المصدر السابق، الصفحة نفسها.
[٣١] . محمّد هادي الميلاني: قادتنا كيف نعرفهم، ج١ / ص: ٣٨٧.
[٣٢] . الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج٣ / ص: ٧١ ـ ٧٢.
[٣٣] . المصدر السابق، ص: ٨٤.
[٣٤] . المصدر السابق، ص: ٧٦.
[٣٥] . المصدر السابق، ص: ٨٠ ـ ٨١.
[٣٦] . المصدر السابق: ص ٧٦ ـ ٧٨.
[٣٧] . المصدر السابق، ص: ٤٥.
The Sermon on the mount, The Gospel accoring to St.Mathew, The new testment of the bible, ٧:١٢ page: ١٠ (Pengum books, Oxford University press, Cambridge University press).
[٣٨] . الخطبة على الجبل، الانجيل كما رواه القديس متى، ص: ١٠ الكلمة والسطر ٧: ١٢
[٣٩] .  ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج٤ / ص: ٣١، دار الهدى ـ بيروت، لبنان.
[٤٠] . سورة براءة / التوبة، الآيتان: ٣٢ ـ ٣٣.   

انتهى .

البروفسور السيد محمّد أمير امام (باحث ومؤرخ إسلامي ـ لندن)

****************************