وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                
وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
قبسات من نهج البلاغة (الجهاد)

السيد سامي بن حسن خضرا

الجهـاد في نهـج البلاغـة

منذ نشأة الخليفة، كان أهل الحق وأهل الباطل، وفي كل مجتمع ومكان فيه البشر، كان الصراع قائماً بين الفرقتين، يحتدم حيناً، ويخبو أحياناً ... ولا بد لكل إنسان أن يُحدد موقفه: أمع هؤلاء أم مع أولئك؟.
ومن ظن أن نجح في الفرار من المعسكرين، خاب ظنه فهو من أهل الباطل، لا محالة، لأنه لا حياد بين الحق والباطل، وبين الخير والشر... واستطراداً نقول لا حياد بين الإسلام والكفر.
من هذا المنطلق كان طبيعياً أن يشرع الجهاد في الإسلام، ويبالغ في الاهتمام بشأنه وتعظيمه، بحيث يعتبر فزعاً وأساساً بني عليه الإسلام... بل هو ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها لحفظ حظيرة المؤمنين، ومسيرة الأنبياء والصديقين إلى قيام يوم الدين.
ولعل من أبرز المواضيع التي هتم بها نهج البلاغة المبارك، هو موضوع الجهاد، إذ قال علي(عليه السلام) : "فرض الله الجهاد ... عزاً للإسلام..".
ويقول(عليه السلام) في خطبة له مشهورة: "... فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه، ألبسه الله ثوب الذل...".
فالقوة يا أخي، وفي أكثر الأحيان، وكما تعملنا من التاريخ، ومن الأحداث المعاصرة، القوة لها التأثير الأكبر في فرض الحق، وإرساء قواعده، وردع المفسدين والمجرمين المعتدين... ولولاها لم تستقر دولة ولا مجتمع، ولا يأمن ولا فئة...
فالقوة مولانا علي(عليه السلام) في نهج البلاغة الشريف: "أيها المؤمنون، إنه من رأى عدواناً يعمل به، ومنكراً يدعى إليه... من أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الظالمين هي السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، قوام على الطريق، ونور في قلبه اليقين".
وحينما بلغه خبر الناكثين بيعه (عليه السلام) دم عملهم وحملهم مسؤولية الفوضى والشتات، وهددهم بالحرب ... ومما قاله حينها: "فإن أبوا، أعطيتهم حد السيف، وكفى به شافياً من الباطل، وناصراً للحق!".
فأنت ترى، يا أخي، وفي كل عصر ومصر، وفي كل مكان وجهة، ترى المنتفعين والمفسدين والمعتدين والمتكبرين والمجرمين... كلما سنحت لهم فرصة ما أخروها، وكلما انتهزوا برهة ما فارقوها، حتى يتركوا آثارهم فيها رعباً وخوفاً، دمعة وحزناً، تشريداً وتهجيراً، وهدراً للكرامات، وانتهاكاً للحرمات، وتلك آثارهم تدل عليهم... منذ آلاف السنين والقرون المتطاولة... وحتى يومنا هذا ... في فلسطين ولبنان، والبوسنة والهرسك، والصومال وأفغانستان، وأفريقيا وجنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية...
فمنهم من يدعي ما ليس له، وآخر يمنح الحق عن أهله... ومنهم من يسرد شعباً عن وطنه، وآخرون يروعون ويهجرون ويحتلون ويستوطنون... وكأن البشر ما خلفوا إلا لإترافهم ... هؤلاء لا يمنع أحد ظلمهم إلا الجهاد وحد السيف... ولن نشعر بالأمن والسلام، حتى نعمل بوصية علي(عليه السلام) فيهم وهي وصية الله إلينا حيث
قال (عليه السلام) في نهج البلاغة : "... ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي والنكث والفساد في الأرض، فأما الناكثون فقد قاتلت، وأما القاسطون فقد جاهدت، وأما المارقة فقد دوخت...".
ويقول(عليه السلام) : "... ألا وإني أقاتل رجلين : رجلاً ادعى ما ليس له، وآخر منع الذي عليه".
وفي خطبة حاسمة في الناكثين لعهودهم من أهل الجمل يقول(عليه السلام) :
"فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلاً واحداً، متعمدين لقتله، بلا جرم جره، لحل لي قتل ذلك الجيش كله، إذ حضروه فلم ينكروا، ولم يدفعوا عنه بلسان ولا بيد، دع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها عليهم!".
وقال(عليه السلام) : "فلقد كنا مع رسول الله (ص) وإن القتل ليدور على الآباء والأبناء والإخوان والقرابات، فما نزداد علت كل مصيبة وشدة إلا إيماناً، ومضباً على الحق، وتسليماً للأمر، وصبراً على مضض الجراح، ولكنا وإنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام علت ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة والتأويل... ".

إخلاص النية في الجهاد :

كثير من المسلمين، من شبابهم وكهولهم وشيوخهم، يرغبون في امتشاق السلاح، والجهاد في سبيل الله تعالى وتبارك... وهذا دليل الإيمان والصدق والإخلاص.
أما الذي لا يحدثون أنفسهم بالجهاد، ولا يظهرون استعداداً وتأهباً لذلك، فالأحرى بهم مراجعة إيمانهم، ومحاسبة أنفسهم، فهم على هطر داهم، فلو وقع عليهم الموت لساعتهم، فلا تجبر خسارتهم، ولا تعوض نكبتهم.
فالمسلم الذي لم يقوفقه الله تعالى للمشاركة في الجهاد والعمليات العسكرية، عليه أن يكون مستعداً لذلك، متأهباً، مقداماً، ليصنع نصراً يعز به الإسلام في الدنيا، أو ليلقى الله تعالى شهيداً مغتسلاً بدم الشهادة...
وقد أكد أمير المؤمنين(عليه السلام) أهمية الإخلاص في النية، والصدق في المواطن، والثبات في المواقع... ومما قاله(عليه السلام) : "ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم...".
وفي تعبير له(عليه السلام) عن عظيم صبر شيعته في الحرب وترك الاستسلام يقول(عليه السلام) : "... وطائفة عضوا على أسيافهم، فضاربوا بها حتى لقوا الله صادقين".
وقال(عليه السلام) : "وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة، ولا يحمل هذا العلم إلا أهل البصر والصبر، والعلم بمواضع الحق، فامضوا لما تؤمرون به، وقفوا عندما تنهون عنه...".
أخي وعزيزي، إن النية الخالصة من كل شائبة أساس في العبادات فهذه لا تصح إلا بها، كذلك الجهاد الذي هو من العبادات الجليلة والعظيمة... وإخلاص النية فيه واجب ... فمن لم يأته الموت وهو في ساحة الوغى، جاءه وهو في ساحة النية البيضاء، الخالية من الأدران... وبذلك لو مات على فراشه، فقد مات شهيداً، ووقع ثوابه على ربه الرحيم، اللطيف الخبير، العليم بذات الصدور وما تخفي، فيحصل بالنية ما لم يحصل بالسيف.
يقول مولانا يا سيد المجاهدين علي أمير المؤمنين(عليه السلام) : "... اصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه، وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته، مات شهيداً، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته لسيفه، فإن لكل شيء مدة وأجلاً".
ويصور(عليه السلام) قمة الصبر والرضا والتسليم لله تعالى عندما يضطر المرء ليعاند عواطفه وأحاسيسه بقتال أبيه أو أبنه أو أخيه ... وهذه الحالة هي من أهم الحالات التي يمتحن فيها الإنسان في نيته ودافع حركته ... فيقول(عليه السلام) : "ولقد كنا مع رسول الله (ص) ، نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً، ومضياً على اللقم، وصبراً على مضض الألم، وجداً في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا، يتصاولان تصاول القحلين، يتخالسان أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل عليه النصر، حتى استقر الإسلام ملقياً جرانه ومتبوئاً أوطانه، ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم، ما قام للدين عمود، ولا أخضر للإيمان عود" انتهى كلامه(عليه السلام) .
وفي نصوص أخرى يظهر(عليه السلام) تذمره(عليه السلام) من الناكثين لعهودهم والكاذبين والخائفين من مواجهة العدو فهو لا يستطيع الإتكال عليهم أو الاعتماد على وعودهم... ولا يستطيع تهديد العدو بهم ... لأنهم قد يخذلونه في اللحظة الحاسمة...
يقول (عليه السلام) : "... أصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدو بكم، ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبكم؟ القوم رجال أمثالكم..".
ثم قال(عليه السلام) : "... أف لكم ‍! لقد لقيت منكم برحاً، يوماً أناديكم ويوماً أناجيكم، فلا أحرار صدق عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاء".
ويقول(عليه السلام) : "أي دار بعد داركم تمنعون، ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب".

حرمـة الفــرار من الجهـاد :

يجمع الناس على أن من يترك الدفاع عن نفسه وعرضه وماله ووطنه، هو خائن ذليل. والإسلام دين الله تعالى، والفظرة السليمة، لا يخرج عن المتعارف والمتسالم عليه، فيحرم على المسلم الهرب والفرار من الزحف والجهاد، ويجعل ذلك من الكبائر والآثام العظيمة التي تحتاج إلى توبة وإنابة...
وفي نهج البلاغة، العديد من الشواهد والموارد، التي تخاطب الجبناء والمتخاذلين والفارين من الواجب المقدس, في الدفاع عن الأرض والعرض، خاصة وأن فرارهم لا ينجيهم من الذل في الدنيا العاجلة، ولا من الهوان في الآخرة الآجلة.
يقول(عليه السلام) في خطبة له قبل المعركة : " ... واعلموا أنكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله، فعاودوا الكر، واستحيوا من الفر، فإنه عار في الأعقاب ونار يوم الحساب...".
ويقول(عليه السلام) : فيمن ترك الجهاد، والعياذ بالله : "فمن تركه رغبة عنه، ألبسه الله ثوب الذل، وشملة البلاء، وديث بالصغار والقماءة، وضرب على قلبه بالإسهاب".
ويقول (عليه السلام) في حث أصحابه على القتال في سبيل الله، وترك الفرار :
"إن في الفرار موجدة الله، والذل اللازم، والعار الباقي، وإن الفار لغير مزيد في عمره، ولا محجور بيته وبين يومه...".
وفي نص، يسهب فيه(عليه السلام) في إظهار تأففه من المتخلفين عن إعداد العدة للقيام بواجب الدفاع المقدس والجهاد لرفع راية التوحيد ... يقول (عليه السلام) : "أف لكم، لقد سئمت عقابكم !أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً ؟ وبالذل من العز خلفا ؟ إذا دعوتكم إلى جهاد عودكم، دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة، تكادون ولا تكيدون، وتنتقض أطرافكم فلا تمتعضون لا ينام عنكم، وأنتم في غفلة ساهون، غلب والله المتخاذلون...".
وفي نص، أكثر ألماً وتذمراً وتقززاً من واقعهم المرير، وخوفهم وجبنهم وحججهم الواهية وأعذارهم الضعيفة ... حيث كانوا يعتذرون تارة من شدة
الحر... وطوراً من البرد ... يتصرفون وكأن الجهاد رحلة المترفين والعابثين.
يقول(عليه السلام) : "... فقبحاً لكم وترحاً، حيث صرتم غرضاً يُرمى، يُغار عليكم ولا تُغيرون، وتُغزون ولا تَغزون، ويُعصى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم : هذه حمارة القيظ، أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فراراً من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر‍! يا أشباه الرجال ولا رجال! حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفة، والله، جرت ندماً، وأعقبت سدماً، قاتلكم الله ! لقد ملأتم قلبي قيحاً، وشحنتم صدري غيظاً...".
ويتابع(عليه السلام) قائلاً : "فيا عجباً ! عجباً والله، يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقك".
ثم يحذر الأمير من خطورة التقاعس والتخاذل التي تورث خسارة الوطن والأرض واحتلال القرى والمدن. فيقول(عليه السلام) : "ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت، ,وإلى أمصاركم قد افتتحت، وإلى ممالككم تزوى، وإلى بلادكم تغزى‍! انفروا رحمكم الله إلى قتال عدوكم، ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا بالخسف وتبوءوا بالذل، ويكون نصيبكم الأخس، وإن أخا الحرب الأرق، ومن نام لم ينم عنه".
ويقول(عليه السلام) : "فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات، وملكت عليكم الأوطان".
ولا بد، وقبل الختام، من الإلفات إلى ملاحظات هامة جداً, وهي أن القائد العسكري والسياسي عليه أن يتحرك بمن يريد الجهاد من الناس، وأما من لا يريد فليترك لأنه سيثبط الهمم... قال(عليه السلام) : " فأنهد بمن أطاعك إلى من عصاك، واستغن بمن انقاد معك عمن تقاعس عنك، فإن المتكاره مغيبة خير من مشهده، وقعوده أغنى من نهوضه".

وجوب التصدي للفتنة لحفظ الإسلام

الفتنة في المجتمع كالنار في الهشيم، لا يلبث أن يدرك أولها آخرها، وبدانتها نهايتها. فالصغير من النار كبير، والقليل منها كثير، والمستسخف به منها خطير... فإذا شبت نهبت، وإذا هبت أهلكت.
وهكذا الفتنة، بل لعلها أشهد من ذلك، فالتنة أشد من القتل ... وأوجب الله تعالى التصدي لها، لأن عدم القضاء عليها، يقويها، لتقضي على الساكت عنها، فضلاً عن الراضي بها.
وأول ما تهدف إليه الفتنة النيل من الإسلام ودعائمه، أهل البيت(عليهم السلام) وأتباعهم، ولا ينفع الندم بعد ذلك.
أمير المؤمنين(عليه السلام) أشير عليه بأن لا يتبع طلحة والزبير، ولا يرصد لهما القتال، فبين مجيباً بأنه لا يخدع، قال: "والله لا أكون كالضبع : تنام على طول اللدم، حتى يصل إليها طالبها، ويختلها، راصدها ولكني أضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه، وبالسامع المطيع، العاصي المريب أبداً، حتى يأتي علي يومي، فوالله ما زلت مدفوعاً عن حقي، مستأثراً علي، منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يوم الناس هذا".
والفرق كبير بيننا، وبين أهل الفتنة وأنصارها، والهمج الرعاع من أتباعها، والعبيد المنقادين لها، ... وإن تستروا بالصلوات والعبادات، لكن، قريباً يكشف زيفهم، وتفضح سرائرهم... ولا تنفع عندها شعارات الوحدة والمحبة والأخوة ... بعد أن لم يحترم ناموسها، ويقدس شأنها.
يقول مولانا الأمير(عليه السلام) في رسالة جوابية إلى معاوية : "أما بعد، فإنا كنا نحن وأنتم، على ما ذكرت من الإلفة والجماعة، ففرق بيننا وبينكم أمس، أما آمنا وكفرتم، واليوم أنا استقمنا وفتنتم، وما أسلم مسلمكم إلا كرهاً...".
ويقول(عليه السلام) : قبل موته مذكراً الناس، واعظاً لهم: "غداً ترون أيامي، ويكشف لكم عن سرائري، وتعرفونني بعد خلو مكاني، وقيام غيري مقامي".
لذلك وقف الأئمة من أهل البيت في وجه كل الفتن التي وقعت في عصرهم، وما أكثرها، ولم يسكتوا عن واحدة منها، وإن اختلفت الأساليب، وتعددت الطرق. فهم صمام الأمان لحفظ الإسلام، سلام الله عليهم أجمعين.
وفي خطبة له(عليه السلام) يذكر فيها أهل البيت(عليه السلام) يقول : "هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحق، ولا يختلفون فيه، وهم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق إلى نصابه وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، فإن رواة العلم كثير، ورعاته قليل".
ويشكو(عليه السلام) ظلامته أمام بعض أصحابه الذين سألوه: كيف دفعكم فومكم عن هذا المقام، وأنتم أحق به؟ فكان مما قاله لهم : "حاول القوم إطفاء نور الله من مصباحه، وسد فوارهم من ينبوعه...".
وختم(عليه السلام) مستشهداً بقوله تعالى : (( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، إن الله عليم بما يصنعون)).

وجـوب قتـال المفسـدين :

أخي العزيز، با محب علي(عليه السلام)، تعلمنا من سيرة مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) ومن فترة توليه الخلافة، وإن كانت يسيرة جداً ... تعلمنا أن لا نفسح مجالاً لمثيري الفتنة في البلاد الإسلامية بل نقضي على أصولهم كما نقضي على فروعهم، ونستأصل أساسهم كما نستأصل مظاهرهم... حذراً من تمكنهم وشرهم، فيرتاح من مكرهم، مجتمع المسلمين، ويقوم الناب لرب العالمين.
وهذا في الواقع أمر الله تعالى، في استئصال المفسدين في الأرض، "وطاويط" الليل، المصطادين في الماء العكر، الطفيليين الذين لا يتكاثرون إلا في المستنقعات الآسنة، والأكوام النتنة... القتالين للناس بخططهم وشيطناتهم، فالتنة أشد من القتل، كما قال الله تعالى، ولعلها كذلك، لأنها قتل جماعي، أو قتل بلا حساب.
يقول(عليه السلام) في خطبته المشهورة بإسم القاصعة : "ألا وقد قطعتم قيد الإسلام، وعطلتم حدوده، وأمتُّم أحكامه، ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي والنكث، والفساد في الأرض، فأما الناكثون، فقد قاتلت، وأما القاسطون، فقد جاهدت، وأما المارقة، فقد دوخت، وأما شيطان الردهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه، ورجة صدره، وبقيت بقية من أهل البغي ولئن أذن الله في الكرة عليهم، لأديلن منهم ...".
وكان(عليه السلام) قد أشار إلى نعمة الأمن الاجتماعي عند القضاء على المفسدين (وهي نعمة لا تقدر ولا تثمن)، مقابل القلق والخوف والفواجع التي تظهر مع ظهور المفتنين، فقال(عليه السلام) : "فإن الله سبحانه، قد امتن على جماعة هذه الأمة، فيما عقد بينهم، من حبل هذه الإلفة التي ينتقلون في ظلها، ويأوون إلى كنفها، بنعمة لا يعرف أحد من الخلوقين لها قيمة، لأنها أرجح من كل ثمن، وأجل من كل خطر.
"واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعراباً، وبعد الموالاة أحزاباً، ما تنعلقون من الإسلام إلا باسمه، ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه".
ويتابع(عليه السلام) قائلاً : "النار ولا العار ! كأنكم تريدون أن تكفنوا، الإسلام على وجهه انتهاكاً لحريمه، ونقضاً لميثاقه الذي وضعه الله لكم حرماً في أرضه، وأمناً بين خلقه، وإنكم إن لجأتم إلى غيره، حاربكم أهل الكفر، ثم لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار ينصرونكم، إلا المقارعة بالسيف حتى يحكم الله بينكم".
"وإن عندكم الأمثال من بأس الله وقوارعه، وأيامه ووقائعه، فلا تسبطئوا وعيده جهلاً بأخذه، وتهاؤناً ببطشه، ويأساً من بأسه، فإن الله سبحانه، لم يلعن القرن الماضين بين أيديكم إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلعن الله السفهاء لركوب المعاصي، والحلماء لترك التناهي !" انتهى كلامه (عليه السلام)، والتحية والإكرام.
وقبل أن نختم، نتطرق إلى كلمة فصل له(عليه السلام) فيها من الحسم واليقين، ما يثبت القلوب عند الشدائد، في وجوب قتال الفتانين أو أهل الردة عن دين الله، والعياذ بالله تعالى من ذلك. فقد قال بعد إتمام استعداده لحرب أهل الشام : "ولقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه، وقلبت ظهره وبطنه، لم أر لي فيه، إلا القتال، أو الكفر بما جاء به محمد (ص) ".

مدح المؤمنين الزاحفين لضرب الفتنة :

في أكثر الأحيان لا يستطيع شخص واحد، بقرار أو بخطاب أن يئد الفتنة، ويقضي عليها ... بل لا بد من تكاتف جماعة المؤمنين، أو جماعة من المؤمنين، يقام الواجب بهم، وتحفظ بيضة الإسلام بقيامهم ونصرتهم.
يقول الأمير سلام الله عليه مفتخراً بجنده وجيشه، معتزاً بتاريخهم وحاضرهم، ممن امتحنوا فثبتوا، يقول : "وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، وقد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصابها في أخيك وخالك وجدك وأهلك (( وما هي من الظالمين ببعيد)).
وفي تحمس أنصاره والصالحين من أصحابه : ومدحتهم والافتخار بهم وتعظيم دورهم، يقول(عليه السلام) : أنتم الأنصار على الحق، والإخوان في الدين، والجنن يوم الباس، والبطانة دون الناس، بكم أضرب المدبر، وأرجو الطاعة المقبل، فأعينوني بمناصحة خلية من الغش، سليمة من الريب، فوالله إني لأولى الناس بالناس !" .
ويسترسل الأمير(عليه السلام) في مدح صحبه المخلصين، من جهة، وفي تحدي رأس الفتنة ورمزها معاوية، من جهة أخرى فيقول(عليه السلام) بقوة يقينه وتحديه لنصرة الحق الذي يمثل: "وأما طلبك إلى الشام، فإني لم أكن لأعطيك اليوم؟ ما منعتك أمس. وأما قولك : إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات أنفس بقيت، ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة، ومن أكله الباطل فإلى النار، وأما استواؤنا في الحرب والرجال، فلست بأمضى على الشك مني على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا، من أهل العراق على الآخرة...".
وفي رسالته إلى أهل الكوفة المخلصين المجاهدين المضحين، بعد فتح البصرة، يقول(عليه السلام) : "وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم أحسن ما يجزي العاملين بطاعته، والشاكرين لنعمته، فقد سمعتم وأطعتم، ودعيتم فأجبتم".
هكذا كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يخاطب جنده وأنصاره ... وكم نأسف وأشتاق عندما قتل في الحروب المفروضة عليه(عليه السلام) خيرة الصحابة والعباد والناسكين... وعظم أسفه عندما رأى بعضاً من البقية يتخاذل أو يجبن أو يبيع آخرته بدنيا غيره ... فقال(عليه السلام) : "أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي، كناقش الشوكة بالشوكة... أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن، فأحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً، وصفاً صفاً، بعض هلك، وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء، ولا يعزون عن الموتى، مره العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غيرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم، وتعض الأيدي على فراقهم...".

خطـر المنافقـين على مجتمع المسـلمين:

الحمد لله الذي علم السرائر، وخبر الضمائر، له الإحاطة بكل شيء، والغلبة لكل شيء، والقوة على كل شيء.
أخي الحبيب، السالك إلى الله تعالى، من أبرز فئات المجتمع التي يُخشى منها على الإسلام، وحذر منها المسلمون، النفاق والمنافقون ... هذه الفئة الخطرة التي تُبطن خلاف ما تظهر، وتخفي خلاف ما تعلن، تتجلبب بزي الصالحين وواقعها أشد من المشركين، وتتظاهر بمظهر أهل التقوى وعملها أخطر من عمل الكافرين.
لقد حذر الله تعالى من المنافقين في القرآن الكريم، وذكر صفاتهم، وأنزل سورة كاملة عنهم، وعشرات الآيات تناولتهم ... وما ذلك إلا تأكيد على خطرهم، وعلى خبث دورهم...
وأما الروايات عنهم ففاقت المئات ... وأما معاناة المسلمين منهم في التاريخ فتكاد لا تحصى، ولا يخلو منهم مصر ولا عصر، ولا أرض ولا زمن ... فهم جزء من المجتمع، ومثل الخبيث إبليس فيه.
ويكفي فيما نحن فيه، ما رواه مولانا الأمير، بعد التجربة المريرة عن سيد المرسلين محمد(ص) أنه قال: "وإني لا أخاف على أمتي، مؤمناً ولا مدركاً، أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيقمعه الله بشركه، ولكني أخاف عليكم كل منافق الجنان، عالم اللسان، يقول ما تعرفون، ويفعل ما تنكرون".
أما صفات المنافقين، ولأهميتها، فنتحدث عنها بحول الله وقوته في موضع آخر.
ومن أهم السبل لمعالجة النفاق، والعياذ بالله، الإخلاص لله تعالى، والصدق مع النفس والناس، وصدق القول والفعل، والتصديق بما جاء به الأنبياء والمرسلون، والاقتداء بالسلف الصالح ... وكل هذا يأتي بعد عرض النفس على القرآن الكريم، لبرمجتها وفق تعاليمه ... ويأتي أيضاً بتحسين الخلق.
يقول الأمير(عليه السلام) في موعظة له حول فضل القرآن : "واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم فإن فيه شفاء، من أكبر الداء : وهو الكفر والنفاق، والغي والضلال، فاسألوا الله به، وتوجهوا إليه بحبه، ولا تسألوا به خلقه، إنه ما توجه العباد إلى الله تعالى بمثله".
أما في شأن تحسين الخلق، فمن الطرق المختصرة إليه، الصدق في اللسان الموافق لما في الجنان... يقول(عليه السلام) : "ثم إياكم وتهزيع الأخلاق وتصريفها، واجعلوا اللسان واحداً، وليخزن الرجل لسانه، فإن هذا اللسنان جموح بصاحبه، والله ما أرى عبداً يتقي تقوى نفعه حتى يخزن لسانه، وإن لسان المؤمن من وراء قلبه، وإن قلب المنافق من وراء لسانه...".
أما عاقبة المنافق في الدنيا فلا بد منها فضلاً عن الآخرة، يقول(عليه السلام) في موعظة له : "إن من عزائم الله في الذكر الحكيم، التي عليها يثيب ويعاقب، ولها يرضى ويسخط، أنه لا ينفع عبداً، وإن أجهد نفسه، وأخلص فعله، أن يخرج من الدنيا، لاقياً لابه بخصلة من هذه الخصال، لم يتب منها : أن يشرك بالله فيما افترض عليه من عبادته أو يشفي غيظه بهلاك نفس، أو يعر بأمر فعله غيره، أو يستنتجح حاجة إلى الناس، بإظهار بدعة من دينه، أو يلقى الناس بوجهين، أو يمشي فيهم بلسانين، اعقل ذلك فإن المثل دليل على شبهة".
أخي، رأينا بحسب رأي الأمير(عليه السلام) فيما تقدم شدة خطر المنافقين على مجتمع المسلمين، والعلاجات المقترحة، والعواقب المترتبة ... أعاذنا الله وإياكم من كيدهم... وسنرى الآن علامات المنافقين وخصالهم.

علامـات المنـافقين :

بات من الواضح أن المنافقين أشد خطراً على مجتمع المسلمين من المشركين والكافرين، لأنهم يحاربون من الداخل ويحملون أسراره ويتظاهرون بالإسلام، بينما أولئك يحاربون من الخارج ويظهرون الكفر، فالحذر منهم واضح للجميع.
والسؤال الأهم، في هذا الخضم هو : هل للمنافقين علامات تميزهم عن غيرهم، ويعرفون بها؟ وما هي هذه العلامات؟
في الإجابة نقول :من أهم علامات المنافقين التلون بحسب الأشخاص والمناسبات، فيغيرون كلامهم وحركاتهم وابتساماتهم، بحسب الرياء الذي يرجى من ورائه رضى الآخرين،وإن كان في ذلك غضب الله تعالى.
ومن علاماتهم أنهم يتكلمون بالخير والنصيحة، وقد يستشهدون بالآيات والروايات ونصوص الحكماء، فتظن أن كلامهم دواء وشفاء ونقاء ... ثم ترى من أعمالهم ما يخالف ذلك، وما يجانب طريق الحق والهداية...
ومن علامات المنافقين أنك تجدهم في أهم المواقع والوقائع، كأنهم الحامي والمدافع، يعطون رأيهم دون مشورة ويتزلفون ويزينون ويستعينون بالكلام الجميل، والدمع الكثير... يتمادحون، ويتبادلون الثناء والتفخيم والألقاب، بلا حد ولا حساب، ثم تعجب من انتظارهم للحساب الذي يرجونه بلا عقاب.
ومن أهم علاماتهم، أنهم يحملون لكل سؤال جواباً، ولكل حدث حساباً ... وكل حق له عندهم باطل مهياً، وكذب معباً ... هم حزب الشيطان أعداء حزب الله حزب الرحمن.
وفي ملخص لكل ما تقدم ... وفي خلاصة لكل صفات وعلامات المنافقين، يتحدث أمير المؤمنين عنهم بإسهاب وعمق، يقول صلوات الله تعالى وسلامه عليه في شأن المنافقين.
"أوصيكم، عباد الله، بتقوى الله، وأحذركم أهل النفاق، فإنهم الضالون المضلون، والزالون، المزلون، يتلونون ألواناً، ويفتنون إفتناناً ويعمدونكم بكل عماد ويرصدونكم بكل مرصاد، قلوبهم دوية وصفاحهم نقية، يمشون الخفاء، ويدتون الضراء، وصفهم دواء، وقولهم شفاء، وفعلهم الداء العياء حسدة الرخاء، ومؤكدوا البلاء، ومقنطو الرجاء، لهم بكل طريق صريع، وإلى كل قلب شفيع، ولكل شجو دموع، يتقارضون الثناء، ويتراقبون الجزاء، إن سألوا ألحفوا وإن عذلوا كشفوا، وإن حكموا أسرفوا، قد أعدوا لكل حق باطلا، ولكل قائم مائلاً، ولكل حي قاتلاً، ولكل باب مفتاحاً، ولكل ليل مصباحاً، يتوصلون إلى الطمع باليأس، ليقيموا به أسواقهم، وينفقوا به أعلاقهم، يقولون فيشبهون ويصفون فيموهون، قد هونوا الطريق، وأضلعوا المضيق، فهم لمة الشيطان، وحمة النيران : أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون" انتهى كلامه(عليه السلام) .
ومن العلامات الفارقة للمنافق أنه يكثر من الكلام من دون أن يتدبره ويفكر به بل ينطق بكل ما يراه مناسباً بحسب رأيه. يقول الأمير سلام الله تعالى عليه : "وإن لسان المؤمن من وراء قلبه، وإن قلب المنافق من وراء لسانه، لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه، فإن كان خيراً أبداه، وأن كان شراً واراه، وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه، لا يدري ماذا له، وماذا عليه".
هذه يا أخي أهم علامات المنافقين، التي يعرفون بها، نجانا الله تعالى منها، ومن كيدهم، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

مـن أسـاليب أهـل الفـتن :

من مصلحة أهل الفتن في كل الأوقات، تأليب الناس على الخصم، ليأمنوا الحد الأندنى من إثارة علامات الاستفهام حوله، إضافة لإشاعة الفرقة والخلاف، وتحريك العواطف، والإيحاء بتهديد المصالح، فتقوم فئات من الناس، خاصة الأكثرية الصامتة أو الغافلة، تقوم ضد الخصوم المعترضين.
وهذا الأسلوب مستعمل من قديم الزمان، وفي فجر الإسلام، حيث تذكر النصوص، أن معاوية، كان يحاكي عواطف الناس في ضرورة حفظ شبابهم ورجالهم، وسحبهم من المعركة، والحفاظ على مجتمع العرب وأصوله كل ذلك ليس حباً بالقوم، بل زرعاً للفتنة في صفوفا العامة، وحتى تمنع الأم ابنها على موالاة علي(عليه السلام) ، والزوجة زوجها، والأخت أخاها.
كان علياً(عليه السلام) رد على هذه الإدعاءات والافتراءات بحسم وقوة، وأفهم الناس، أن القضية ليست قضية حياة أو موت، قرابة أو عاطفة ... بقدر ما هي مصلحة للإسلام، ونصر لدين الله عز وجل، وفوز بالرضى والجنة، فقال(عليه السلام) في رسالة جوابيه إلى معاوية الداهية في استدرار عطف الناس، وتحريك مشاعرهم...
قال(عليه السلام): "... وأما قولك : إن الحرب قد أكلت العرب، إلا حشاشات أنفس بقيت، ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة، ومن أكله الباطل فإلى النار... وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة".
ومن بين أساليب الفتانين أيضاً، الحديث عن الوحدة والسلام والمحبة والأخوة !!! ... ومن نرى ونسمع مثل هذه الكلمات والمواقف، التي ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب والنقمة ... وكم نسمع اليوم في المحافل الدولية هذه الألفاظ... والشعوب المستضعفة تقتل وتهجر وتسبى وتظلم... ولا يسمح لها بحظ قليل من الحياة العزيزة الكريمة ... بينما العناوين السليمة والإنسانية، تضج منها الآذان، والشعارات تضيق بها الصحف والجدران.
وينبغي علينا أن لا نحرص أو ننوه في غياهب هذه العناوين الزائفة، والشعارات الراجفة ... ونصم آذاننا عن بكاء الأطفال، وعويل الثكالى، وأنين الجرحى، وآهات المعذبين...
فالفرق واضح بين الإيمان والكفر، والاستقامة والضلالة، يقول الأمير(عليه السلام) في رسالة له لركن لركن الفتنة معاوية " ... أما بعد، فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت، من الإلفة والجماعة، ففرق بيننا وبينكم أمس، أنَّا أمنا وكفرتم، واليوم أنا استقمنا وفتنتم، وما أسلم مسلمكم إلا كرهاً...".
ويقول(عليه السلام) في خطبة له بعد قتل طلحة والزبير: "بنا اهتديتم في الظلماء، وتسنمتم ذورة العلياء ... ما زلت أنتظر لكم عواقب الغدر، وأتوسّمكم بحلية المغتربين، حتى سترني عنكم جلباب الدين، وبصرنيكم صدق النية، أقمت لكم على سنن الحق في جواد المضلة، حيث تلتقون ولا دليل، وتحتفرون ولا تميهون".
أخي : إن المراوغة والاحتيال المستعملة عند أهل الفتنة ... لا ينبغي بل لا يجوز أن تفت من عزيمتنا في محاربتها وإزهاقها ... يقول :(عليه السلام) "أيها الناس، فإني فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها، واشتد كلبها... إن الفتن إذا أقبلت، شبهت، وإذا أدبرت نبهت...".
ويقول (عليه السلام) في مورد آخر : " فنهضت في تلك الأحداث، حتى راح الباطل، وزهق، واطمأن الدين وتنهنه".
هذا قليل من مواقفه ((عليه السلام)) في شأن الفتنة، ولعلنا نوفق لتبيان المزيد منها، ولا قوة إلا بالله.

الموقـف مـن رأس الفتنـة :

أخي، نور عيني، من غير الجائز، ترك زعماء الفتنة، يسرحون ويمرحون، يخططون ويفسدون، دون عقاب. فأهل الفتنة والبغي، من أصحاب الجرائم الكبيرة والجليلة، الذين عظم خطرهم، وتشامخ بغيهم، وتجدر فسادهم، لا بد عن قلعهم، من أساسهم الذي أسسوا، وطريقهم الذي انتهجوا ... ولا بد من معاقبتهم، من قبل ولي أمر المسلمين، المؤتمن على دينهم ودنياهم... ولا بد من صدهم، ليعتبر المعتبرون، ويتعظ المتعظون، ويأمن المستضعفون... ولا تسول الأنفس لضعافها، في تعظيم الفتنة وامتطائها.
أما التساهل معهم فلعمري، لا تؤمن عواقيه، ولا يستكان إلى مستقبله، ولا تحفظ فيه النفوس.
ففي ذكر أصحاب الجمل، يقول الأمير أمير البيان، (عليه السلام) : "فقدموا على عاملي بها وخزان بيت مال المسلمين، وغيرهم من أهلها، فقتلوا طائفة صبراً، وطائفة غدراً، فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلاً واحداً، معتمدين لقتله، بلا جرم جره، لحل لي قتل ذلك الجيش كله، إذ حضروه فلم ينكروا، ولم يدفعوا عنه بلسان ولا بيد، دع ما أنهم قد فتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها عليهم ! ".
أخي العزيز: حتى يعي الناس خطورة ما يقوم به المنافقون ويساهموا في استئصالهم، لا بد من شن حرب إعلامية عليهم، إظهاراً لمساوتهم، وتبياناً لخطورتهم... وإلا فلن يعرف الناس ضرورة ردعهم، وردهم عن بغيهم بالعقاب والحساب. إذ يجب تجنيد المجتمع، كل المجتمع، للمساهمة في حرب أهل العدوان، والظلم والطغيان.
وفي ذكر السائرين نحو البصرة لقتاله، يقول الأمير(عليه السلام) في بيانه :
"فقدموا على عمالي، وخزان بيت المسلمين الذي في يدي، وعلى أهل مصر كلهم في طاعتي وعلى بيعتي، فشتتوا كلمتهم، وأفسدوا علي جماعتهم، ووثبوا على شيعتي، فقتلوا طائفة منهم غدراً، وطائفة عضو على أسيافهم، فضاربوا بها، حتى لقوا الله الصادقين".
وفي ضمن تشكيه(عليه السلام) من طلحة والزبير يقول : "اللهم إنهما قطعاني وظلماني، ونكثا بيعتي، وألبا الناس علي".
وفي إظهار الخطر على بلاد المسملين يقول(عليه السلام) مستنفراً ومستفزاً
المسلمين: "ألا ترون إلى أطرافكم قد انتفضت، وإلى أمصاركم قد افتتحت، وإلى ممالككم تزوى، وإلى بلادكم تغزى‍ !".
وفي خطورة معاوية يقول سلام الله عليه، في رسالة مفصلة له: "وأرديت جيلاً من الناس كثيراً، خدعته بغيك، وألقيتهم في موج بحرك، تغشاهم الظلمات، وتتلاطم بهم الشبهات، فجازوا عن وجهتهم ونكصوا، على أعقابهم، وتولوا على أدبارهم، وعولوا على أحسابهم، إلا من فاء من أهل البصائر، فإنهم فارقوك بعد معرفتك، وهربوا إلى الله من موازرتك إذ حملتهم على الصعب، وعدلت بهم عن القصد، فاتق الله يا معاوية في نفسك... فإن الدنيا منقطعة عنك والآخرة قريبة منك، والسلام".
بهذا الكلام القاطع، وبهذه الصراحة الواضحة، خاطب علي(عليه السلام) ، رمز الفتنة وشعارها معاوية... بل كان منه (عليه السلام) ماهو أصرح من ذلك، في رسالته لزياد بن أبيه عندما أراد معاوية أن يستدرجه ويستحلقه به. قال : "وقد عرفت أن معاوية، كتب إليك يستزل لبك... فاحذره، فإنما هو الشيطان...".
هذه بعض مواقفه (عليه السلام) من رأس النفاق والتفنة، نجانا الله من عدوانهم وكيدهم.

فضـح الفتنـة أمـام النـاس :

أخي أيها العزيز، الوضوح ودفع الشبهات والشجاعة، عناصر لا بد أن تتعاضد لوأد الفتنة قبل أن تشب، ... والفتنة أشد من القتل.
فلقد شاء الله تعالى لأنبيائه وأوليائه وأتباعهم، أن يتصدوا للفتن التي يصطنعها الأشرار والفجار، والطامعون والحساد، وضامروا السوء. والتصدي هذا، بحاجة إلى صبر وأناة، وشرح وتوضيح، وتصريح وتلميح، وإلى الاستعانة بالشواهد من الحاضر والتاريخ، وبيان الأمور المتشابهات، والوقوف في وجه الضلالات، وفضح رؤوس الفتنة ومعتقدهم، ونهجهم وأسرارهم، وكيدهم وأعمالهم.
وباختصار تجب تعرية أرباب الفتنة أمام الرأي العام، من خلال رسائل الإعلام، حتى لا يبقى أي إبهام، في مجتمع الأنام، ولئلا يسلب منهم السلام، ويسيطر أهل الهوى والهيام، والمدعون كذباً للإسلام.
يقول الأمير(عليه السلام) : "... واعملوا أنكم أن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به، حتى تعرفوا الذي نبذه، فالتمسوا ذلك من عند أهله، فإنهم عيش العلم، وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم...".
فيا أخي العزيز : لا بد لي ولك أن نتعاون لفضح المتآمرون، المعشعشين في داخل مجتمعنا، ولا يحق لي ولا لك أن نتهرب من المسؤولية، لأن قمع المنكر ودحضه لا يكونان إلا بتأزرنا وتعاضدنا، وهذا واجب علينا كما أفتى الفقهاء، وأقر العملاء...
فأهل الفتنة يغرون الناس بالهوى، وطبيعة الناس ميالة إليه... فيترعرع الباطل وله حُماته، ويضعف الحق وقليل أنصاره، ويكثر الكذب عند أهل الفتنة، لتزيين معتقدهم وباطلهم، ويفخرون بذلك، وينسبونه إلى الحنكة والذكاء، والفطنة والدهاء، وهم للحق ناصبوا العداء، ويهشون برياء آذانهم صماء، وعيونهم عن الحق عمياء، وهم كل الداء، ولا من دواء. وأهل الحق والطاعة والمعروف في إعياء، وقلوبهم في منتهى النقاء، ونفوسهم معلقة بالسماء، وكلماتهم كلم الله، لا تكف عن النداء، ويبقى لهم أمل ورجاء، مهما بعد اللقاء، مع الأنصار والأحياء.
يقول الأمير(عليه السلام) عن الزمان الآتي : "وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان، ليس شيء أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله، وليس عند أهل ذلك سلعة أبور من الكتاب إذا تُلي حق تلاوته، ولا أنفق، إذا حرف عن مواضعه، ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر! فقد نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته : فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيان، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد، لا يؤويهما مؤو. فالكتاب وأهله في ذلك الزمان، في الناس، وليسا فيهم، ومعهم وليسا معهم! لأن الضلالة لا توافق الهدى، وإن اجتمعا، فاجتمع القوم على الفرقة، وافترقوا على الجماعة، كأنهم أئمة الكتاب، وليس الكتاب إمامهم، فلم يبق عندهم منه إلا اسمه، ولا يعرفون إلا خطه وزبره ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة، وسموا صدقهم على الله قربة، وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة".
انتهى كلامه(عليه السلام) ... نسأل الله تعالى أن يهدينا بهداه، وأن يوفقنا لمكافحة الفتن، وتبصير الناس بها، لنتعاون جميعاً لردعها والقضاء عليها.

وأد الفتنـة في مهـدها :

كل مجتمع من مجتمعات التاريخ، يتعرض في بعض مراحل وجوده، للاهتزاز والاضطراب، لسبب داخلي أو خارجي. وأخطر الاهتزازات، وأفتك الاضطرابات، تلك التي تكون من الداخل، ومن أهل البيت الواحد، الذي يفترض، يعاضد بعضه بعضاً، ويساند جزءه الآخر...
وهذه الظاهرة الخطيرة، والحالة المريرة، اصطلح على تسميتها بالفتنة ... ومعناها لغة : الإحراق، والابتلاء والمحنة، على ما قبل.
هذه الفتنة يجب وأدها في مهدها، وخنقها في بدئها، لأنها لو كبرت وشابت، بطشت وهابت، ... فهي عدو داخلي، عارف بالأسرار مطلع على الأخبار، خبير بالأشخاص والمواقع، مميز بين القوي والضعيف، والغاوي والعفيف، ... يعرف المفاصل الخطيرة، والمواطن الجليلة... فالأسهل أن نوقف هذه الفتنة وهي صغيرة، يمكن السيطرة عليها، خير من أن تتجذر وتصبح كبيرة، تصعب الإحاطة بها... فهي غاوية باغية، مشؤومة ناعية، الخراب سبيلها، والدمار طريقها، تتغذى من القيل والقال، والدماء والنار...
والفتنة تبدأ خفية، وتظهر جلية ... يعلمك أنها صغيرة لا تضر، فإذا بها كبيرة تورث العلقم المر، ... تظن أنها انتهت من ذلك السلطان، فإذا بها حاضرة في كل آن... الأول من البغاة، يمهد الثاني، والثاني يسلم الثالث... وقليل من يسلم منها، ويصان من كيدها.
رجالها متنافسون، وأركانها متباعدون، يجتمعون عند المصالح الصغيرة، ويتهربون عند القضايا الكبيرة، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى،... يخيل إليك أنهم رجل واحد، وحقيقتهم رجال متباعدون، متكالبون، دنيئون، متلاعنون، متباغضون، هم أخطر على الدين من أعدائه، أنهم يفرقون بين المرء وأخيه، وأمه وأبيه، وأرحامه وبنيه، وعشيرته التي تؤويه... وإذا استفحلت الفتنة فعلى الإسلام السلام، في بلاد الإسلام.
في نهج البلاغة المبارك، يحذر الأمير، عليه صلوات الخبير البصير، من الفتنة الدفينة، التي قد تظهر في أي وقت دون سابق حساب، فيقول(عليه السلام) : "ثم إنكم معشر العرب، أغراض بلايا قد اقتربت، فاتقوا سكرات النعمة، واحذروا بواثق النقمة، وتثبتوا في قتام العشوة واعوجاج الفتنة عند طلوع جنينها، وظهور كمينها، وانتصاب قطبها، ومدار رحاها، تبدأ في مدارج خفية، وتؤول إلى فظاعة جلية".
"شبابها كشباب الغلام، وآثارها كآثار السلام يتوارثها الظلمة بالعهود! أولهم قائد لأخرهم، وآخرهم مقتد بأولهم، يتنافسون في دنيا دنية، ويتكالبون على جيفة مريحة، وعن قليل يتبرأ التابع من المتبوع، والقائد من المقود، فيتزايلون بالبغضاء، ويتلاعنون عند اللقاء، ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف، والقاصمة الزحوف، فتزيغ قلوب بعد استقامة، وتضل رجال بعد سلامة، وتختلف الأهواء عند هجومها، وتلتبس آراء عند نجومها، من أشرف لها قصمته، ومن سعى فيها حطمته، يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة! قد اضطرب معقود الحبل، وعمي وجه الأمر، تغيض فيها الحكمة، وتنطق فيها الظلمة... يضيع في غبارها الوحدان، ويهلك في طريقها الركبان، ترد بمر القضاء، وتحلب عبيط الدماء، وتثلم منار الدين، وتنقض عقد اليقين، يهرب منها الأكياس، ويدبرها الأرجاس، مرعاد مبراق، كاشفة عن ساق، تقطع فيها الأرحام، ويفارق عليها الإسلام، بريها سقيم، وظاعنها مقيم".
إنتهى كلامه، عليه صلوات الرب الرحيم... وقد بين بمنتهى التوضيح، علامات الفتنة، وضرورة ردعها في مهدها... ونختم بقول له (عليه السلام) يدل على مقدار ثباته ويقينه عند البلاء والامتحان، يقول : "ما شككت في الحق مذ أريته! ثم يوجس موسى(عليه السلام) خيفة على نفسه، بل أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال!".

****************************