وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُل خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
قبسات ونكات علمية وبلاغية من وحي نهج البلاغة – الأول

السيد الحسيني

بسم الله الرحمن الرحيم

( الخطبة الاولى ) ق ١

سنتعرض الى بعض الصور والنكات العلمية و البلاغية في نهج البلاغة باسلوب سهل وميسر ان شاء الله تعالى وبطريقة السؤال والجواب وسنبدأ بعون الله في الخطبة الاولى وفيها عدة نكات :
اولا : لماذا ابتدأ الامام بالحمد ؟
الجواب : لعله لوجهين :
١ـ اقتداءا بكتاب الله تعالى كما في سورة الحمد ..
٢ـ للحديث الذي يروى بهذا الصدد الذي يقول : ( كل امر لم يبدأ بحمد الله فهو ابتر )
ثانيا : لماذا قال الإمام في أول الخطبة : ( الحمدُ لله ) بنحو الجملة الاسمية ولم يقل ( أحمد الله ) بنحو الجملة الفعلية ؟
الجواب : لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت بخلاف الفعلية فإنها تفيد الحدوث وهو نظير جواب ابراهيم عليه السلام في قوله تعالى : {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} [هود : ٦٩] فالملائكة جائت بجملة فعلية ولهذا جاء نصب " سلام " في كلامهم بينما رفع في كلام ابراهيم عليه السلام ..
ثالثا : لماذا قدّم الإمام عليه السلام المفاعيل وأخّر الفواعل في كل مما يلي :
١ـ لا يبلغ مدحته القائلون / فمدحته مفعول و القائلون فاعل
٢ـ لا يحصي نعماءه العادّون / فنعماءه مفعول و العادون فاعل .
٣ـ لا يؤدي حقه المجتهدون / فإنّ حقه مفعول به و المجتهدون فاعل .
فلماذا في هذه الجمل يقدم المفعول به ويؤخر الفاعل مع ان الاصل تقديم الفاعل وتأخير المفعول به كما هو مقرر في علم النحو فإن الأصل ان تقول : أكرم زيد محمدا لا اكرم محمدا زيدٌ ؟
الجواب : قال اهل العلم ان تقديم ما حقه التاخير يفيد الاختصاص او الحصر كقوله تعالى :
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة : ٥] فهنا لغرض المبالغة في تعظيم في مدحه سبحانه وتعالى قدم المفعول واخر الفاعل نظير قوله تعالى : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر : ٢٨]
رابعا : لماذا قال : " ولا يحصي نعماءه العادّون " ولم يقل " ولا تعد نعمه الحاسبون " ؟
الجواب : لان الجملة الاولى ابلغ من الثانية ..
لماذا الجملة الاولى ابلغ من الثانية ؟
الجواب : لإن الجملة الاولى فيها الإحصاء والاحصاء يعني الإطاقة وبتعبيرنا اليوم التحمل فمثلا يقول الله تعالى : {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل : ٢٠] وقال : {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل : ١٨] والمعنى في ذلك انكم لا تطيقون ولا تتحملون حصرها و عدها فيكون مفاد الجملة الاولى أنكم إن اردتم عدَّ نعم الله تعالى فإنّكم عاجزون وغير قادرين على عدها لا انكم يمكنكم العد ولكن المعدود لا حد ولا نهاية له .لا ليس هذا المقصود بل المقصود انكم من اول الامر غير قادرين على الإحصاء ولذلك صارت الجملة الاولى ابلغ .. وكم فرق بين المعنيين ؟!!
خامسا : ما معنى قوله " الذي لا يدركه بُعد الهمم " ؟
الجواب :
ـ الهمم / جمع همة والهمة تعني العزم القوي والجازم و والتصميم العالي .وفي هذا النص معنى لطيف وهو انه نفى ادراك الهمم القوية والعالية له فما بالك بغيرها .. وعليه فيكون المعنى : ان الهمم على علوها وبعدها لا يمكن ان تدركه ..
هل معنى ذلك اننا لا يمكن ان نتعرف عليه تعالى فيكون مجهولا لنا ؟
الجواب : لا ، هذا لا يعني ان معرفته باي وجه من الوجوه غير ممكنة نعم معرفته تعالى بالكنه والحقيقة والاحاطة به مستحيلة ..
ولهذا ورد ايضا عنه عليه السلام : لم يطلع العقول على كنه معرفته ولم يحجبها عن واجب معرفته ..
سادسا : ماهو وجه البلاغة في قوله عليه السلام : " ولا يناله غوص الفطن " ؟
الجواب : هذا يسمى في علم البلاغة بـ " الاستعارة المكنية "
ماهو معنى الاستعارة المكنية ؟
الجواب : الاستعارة ببساطة امر نمارسه في كلامنا اليومي الاعتيادي ولكن دون ان نعرف انه استعارة ومع ذلك فهي نوع من المجاز في علم البلاغة وهي قسمان :
أــ التصريحية / و هي عبارة عن تشبيه حذف أحد طرفيه وذكر المشبّه به . على سبيل المثال في التعبيرات القرآنية عن الكفر والضلال بالظلمات وعن الايمان والهدى بالنور فهذه استعارة تصريحية لانه ذكر المشبه به وهو الظلمات والنور ..
ب ـ المكنية / لا يذكر فيها المشبّه به بنفسه بل بكلمة تكشف عنه وتدل عليه .. مثلا اقول " لا تقترب من زيد اخشى ان يلسعك " فهنا شبهتُ زيدا بالعقرب ولكني لم اصرح بالمشبه به وهو العقرب وانما ذكرتُ كلمة تعتبر من لوازم العقرب وهو اللسع وهي التي دلت على هذا المحذوف ..
كيف نطبق ذلك على كلام الإمام المتقدم وهو " ولا يناله غوص الفطن " ؟
الجواب : بما ان الذي يغوص هو الحيوان بالنسبة للماء فالمعنى الحقيقي هو نسبة الغوص الى الحيوان ولكن هنا استخدم الإمام في كلامه استعارة ونسب الغوص الى الفطن التي هي للإنسان وشبّه االمعاني بالماء وقد حذف المشبّه به ودلل عليه واشار اليه بـ " الغوص "
ماهي المشابهة بين معرفة الله وبين االبحر والماء حتى يحصل هذا التشبيه من الإمام ؟
الجواب : بما ان صفاته سبحانه وتعالى كذاته غير متناهية ولا حد لها ولا يمكن للإنسان ان يطلع على حقيقتها على ماهي عليه فهي من هذه الجهة تشبه البحر الذي تعرف بدايته ولا تدرك نهايته ولا يمكن الوصول الى قعره فجهة الشبهة من هذه الناحية هي التي جعلته يبدع لنا صلوات الله عليه هذا التشبيه ..
الامر السابع : ماهو وجه البلاغة في قوله عليه السلام : ( فطر الخلائق بقدرته .. ) ؟
الجواب : هذا من الاستعارة ..
ماهي الاستعارة ؟
الجواب : كما قال الجرجاني في تعريفاته هي : ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه، مع طرح ذكر المشبه من البين، كقولك: لقيت أسداً، وأنت تعني به الرجل الشجاع، ثم إذا ذكر المشبه به مع ذكر القرينة يسمى: استعارة تصريحية وتحقيقية، نحو: لقيت أسداً في الحمام، وإذا قلنا: المنية، أي الموت، أنشبت، أي علقت أظفارها بفلان، فقد شبهنا المنية بالسبع في اغتيال النفوس، أي إهلاكها، من غير تفرقة بين نفاع وضرار، فأثبتنا لها الأظافر، التي لا يكمل ذلك الاغتيال فيه بدونها، تحقيقاً للمبالغة في التشبيه، فتشبيه المنية بالسبع استعارة بالكناية، وإثبات الأظافر لها استعارة تخيلية. والاستعارة في الفعل لا تكون إلا تبعية، كنطقت الحال. .. إهــ
كيف نطبق مفهوم الاستعارة على هذا النص في نهج البلاغة ؟
الجواب : بما ان حقيقة الفطر هو الشق في الاجسام فتكون نسبته لى الخلق استعارة ..
ماهو وجه الاستعارة في المقام ؟
الجواب : وجهها ان المخلوق قبل ان يخرج من العدم الى الوجود كان معدوما ولا شيئية له وبطلان محض ، فتحصل للعقل صورة من ذلك العدم هي انه عبارة عن ظلمة دامسة متصلة لا شق فيها ولا مجال ، فاذا خرج الموجود من كتم العدم الى نور الوجود فيحسبه العقل انه خرج بشق العدم وبفطره أُخرج ذلك الموجود وهو مجرد توهم وخيال لا حقيقة له ..
الامر الثامن : مامعنى قوله عليه السلام ( ووتد بالصخور ميدانه ارضه ) ؟
الجواب : معناه ان الله تعالى جعل الارض ساكنة هادئة وغير مضطربة من خلال جعله للجبال في الارض قال تعالى : " والجبال اوتادا " ومن هنا نفهم ان ان مقصوده عليه السلام من الصخور هي الجبال ..
وماهو وجه البلاغة في ذلك ؟
الجواب : وجه البلاغة انه عليه السلام جعل الجبال الرواسي " والقى في الارض رواسي ان تميد بكم " جعلها كالوتد الذي يحمي الخيمة من الوقوع والاضطراب الذي يمكن ان يحصل لها .. فالجبال حامية للارض كما ان الاوتاد حامية للخيمة من السقوط .. وهو تشبيه ماخوذ من القران الكريم كما ذكرنا .. ..
وثمة وجه آخر لا باس ان ننبه عليه من بين الوجوه المحتملة لهذه الجملة العظيمة وحاصله :
ان المقصود من اوتاد الارض الذين استعار لهم عليه السلام لفظ " الصخور " هم الانبياء والاوصياء الذين تحفظ الارض ببركتهم والذين لولاهم لساخت الارض باهلها فهم كالاوتاد للأرض ولهذا قال الله تعالى مخاطبا نبيه {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال : ٣٣]
.. وعلى كل هذا احد الوجوه التي تذكر في المقام ..

يتبع .....

****************************