وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
قراءة جديدة في كتاب نهج البلاغة

الدكتور عبد الكريم الأشتر

ينبغي أن أنبه إلى أني أقرأ " نهج البلاغة " من منطلق الوحدة ، لأني أقرؤه وحال العرب والمسلمين كما يرى القراء ، وكما رأى صاحب الكتاب نفسه في خطبته التي تتخطى إلينا العصور ، كأنه لا يريد بها اليوم أحدا غيرنا :

" أيها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم . . . أي دار بعد داركم تمنعون ؟ ! " .

فلهذا قصدت الإنسان في كتاب (النهج) ، فشخصت لي أفكار تبلورت من حوطا حقائق تدور كلها من حول محور واحد هو العناية بجوهر الإنسان ، أعني الإرادة الإنسانية التي تتفرع عنها أكثر حقائق الكتاب في كل ميدان : في الاجتماع والسياسية والإدارة وتربية الذات .

وقد سحرتني العودة إلى الكتاب ، فأخذت أستجلي هذه النفس العظيمة التي حملت قدرها الدامي على كتفيها ، ووقفت وحدها تتلفت في كل اتجاه ، كالصارخ في التربة ، في عالم يرفضها ، لأنه لم يعد يقبل من يتمسكون بأخلاق النبوة وقيمها ، فيلبسون الإزار المرقوع ، ويخصفون نعالهم بأيديهم ، ويرونها أحب إليهم من إمرة الناس إلا أن يقيموا حقا أو يدفعوا باطلا (من خطبته عند خروجه لقتال أهل البصرة) ، كأن قضية الحق والباطل شغلها الشاغل " فلأنقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه " لأنها قضية العدل الذي هو أساس الاستقرار الاجتماعي في كل مجتمع إنساني متحضر ، تحكمه قيم وأعراف ودساتير .

والعدل ، في آخر الأمر ، إرادة ، لأنها هي التي تقيمه في سياسة المجتمعات الإنسانية في الداخل والخارج ، وفي سياسة الاقتصاد والتعليم ، فمن هنا عدت إلى لب لباب الكتاب ، فوجدته في العناية بجوهر الإنسان ، أعني الإرادة كما قلت ، باعتبارها السبيل إلى تحقيق إنسانيته : بتحريره من الشهوات ، وإقامة العدل الذي يكون به وحده حفظ الحياة وازدهارها . لقد كان من قدر الإمام علي بن أبي طالب (وهو القدر الذي تنبني على مثله أقدار خطيرة تتحدد بها وجهة التاريخ في أعمار الأمم) ، أن يعيش في أصعب مراحل التاريخ ، فالفتن تأخذه من كل جانب بعد مقتل عثمان :

١ - معاوية والأمويون وفن انحاز إليهم ، وقد اهتبلوا فرصة القتل ، فرفعوا القميص ، ولوحوا للناس بالدنيا بعد أن انساحت خيرات الفتوح ، وتفتحت شهوات النفوس بعد انحباس طويل ، وتفتقت الأطماع التي قربها افتقاد معنى الشرع ، فأصبح أقوى الناس أكثرهم قدرة على تجاوز الحق ، وأضعفهم أكثرهم تحرجا من مساس الحدود .

٢ - والخوارج ، وهم في الأصل أصحاب علي ، الذين رفضوا التحكيم الذي نهى هو عنه ، فكانوا ، في حساب النتائج السياسية ، عونا لمعسكر معاوية .

٣ - والطامعون في الخلافة الذين أغرتهم بها الفرصة السانحة ، ورأوا أن حقهم فيها أقرب من حق معاوية ، وقريب من حق علي .

٤ - والانتهازيون الذين يركبون موج الأحداث ، ويتصيدون غنائمها . ففي هذه المرحلة أدرك الإمام علي أن جذور الفتنة تضرب في أعماق النفس ، فتوجه إليها في خطبه وكتبه ومواعظه على السواء ، ومن يقرأ ما في كتاب النهج منها تنكشف له هذه الحقيقة التي هي أم الحقائق فيه : " أيها الناس ا لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله ، فإن الناس قد اجتمعوا عل مائدة شبعها قصير ، وجوعها طويل " . " لقد بصرتم إن أبصرتم ، وأسمعتم إن سمعتم ، وهديتم إن اهتديتم " . " تخففوا تلحقوا " . " إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى ، وطول الأمل . فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة . . .

فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن كل ولد سيلحق بأمه يوم القيامة " .

وفي كتبه يقول لابنه الحسن بن علي : " أحي قلبك بالموعظة ، وأمتها بالزهادة ، وقوه باليقين ، ونوره بالحكمة ، وذلله بذكر الموت . . . وبصره فجائع الدنيا . . . فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك . . . وعود نفسك التصبر . . . . وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها ، وتكالبهم عليها . . . . " .

وللأشتر النخعي لما ولاه مصر : " وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ، ويزعها عند الجمحات ، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله " .

ويقول لنفسه أيضا : " إليك عني يا دنيا ، فحبلك على غاربك ، قد انسللت من مخالبك ، وأفلت من حبائلك . . . اغربي عنى ، فوالله لا أذل لك فتستذليني ، ولا أسلس لك فتقوديني " .

ولكن الإمام عليا كان يقف في وجه الأمواج التي ركبها عبدة الأهواء في هذه المرحلة الحائرة من مراحل التاريخ الإسلامي .

فمن هنا يتضح روح هذه المرحلة التاريخية التي هي أكثر مراحل التاريخ دلالة على امتداد الصراع بين المثال والواقع ، حتى ما تكاد تشبهها مرحلة أخرى من مراحل هذا التاريخ في قوة دلالتها عليه .

وقد أدرك معاوية سر هذه المرحلة واستكان له،إذ كان الشاهد عليه في معسكر خصمه أشد شخوصا منه في معسكره هو .

ولكن الإمام عليا أبى أن يستكين : " والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنا . . . وسأجهد في أن أطهر الأرض (أنظروا إلى عظمة الحلم الإنساني) من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس ، حتى تخرج المدرة من حب الحصيد . . . " . "

ما لي ولقريش ؟ ! والله لقد قاتلتهم كافرين ، ولأقاتلنهم مفتونين ، وإني لصاحبهم بالأمس ، كما أنا صاحبهم اليوم " . " إن أبوا أعطيتهم حد السيف ، وكفى به شافيا من الباطل وناصرا للحق " . " والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم . . . ولكني أضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه ، وبالسامع المطيع العاصي المريب أبدا ، حتى يأتي علي يومي " .

والسؤال المطروح : أكان الإمام علي قادرا على أن يكون أقل التزاما بنصرة الحق الذي يراه ، وهو ، بحكم التكوين النفسي أولا ، ربيب بيت النبوة وتلميذها ؟ فكيف إذن وهو أمير المؤمنين وفي يديه أمانة التاريخ الإسلامي كله ، وأمانة تراثه الخلقي ؟ فقد كان إذن هذا قدره العظيم : أن يسد مجرى الريح ؟ ومن هنا نفهم المعنى الكبير لشيوع الشكوى من ثقل الواقع ومرارته البالغة في كتاب (النهج) . " فيا عجبا والله يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم ! فقبحا لكم وترحا . . .

يا أشباه الرجال ولا رجال ! حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال ! لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم . . . قاتلكم الله ! لقد ملأتم قلبي قيحا (أنظروا مرارة التعبير) وشحنتم صدري غيظا " . " أيها الناس ! إنا قد أصبحنا في دهر عنود ، وزمن كنود ، يعد المحسن فيه مسيئا ، ويزداد الظالم فيه عتوا " . " أف لكم ! لقد سئمت عتابكم . أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا ، وبالذل من العز خلفا . . . ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها ، فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر " .

" منيت بمن لا يطيع إذا أمرت ، ولا يجيب إذا دعوت ، لا أبا لكم ، ما تنظرون بنصركم ربكم ؟ ! أما دين يجمعكم ولا حمية تحمشكم ؟ ! أقوم فيكم مستصرخا ، وأناديكم متغوثا ، فلا تسمعون لي قولا ولا تطيعون لي أمرا . . . فما يدرك بكم ثأر ، ولا يبلغ بكم مرام " .

فهكذا إذن بدأ هذا الرجل الذي يحمل على كتفيه ثقل هذه المرحلة التاريخية الصعبة ، يدرك أنه يحارب في معركة خاسرة . وأن القدر اختاره ليكون الشاهد عليها وعلى الإنسانية المغلوبة على أمرها ، الطامحة أبدا إلى تجاوز واقعها وتثبيت ميزان العدل وفي ضوء هذا الإدراك السامي نفهم فهما ممتازا مثل قولته في (النهج) :

" أما والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه عندي أهون من عفطة عنز " . وما العدل ، إن لم يكن ، في معانيه المتسعة ، لباب الدين والسياسة والاجتماع ؟ ! ومن يبينه وينهض له إلا الذين استعلوا على شهوات أنفسهم ؟ !

وهل العدل في النفس إلا تثبيتها على جادة الحق ؟ ! وهل يقوم للانسان معنى بغير العدل والمجاهدة فيه ؟ ! وهل يكون للحياة وللوجود معنى بغير العدل الذي هو أساس توازنهما ؟ ! وكيف يقوم العدل إلا بالإرادة التي هي لب العقل ؟ ! فتطهير النفوس ، في آخر الأمر ، يعني تهيئتها ، لتقيم هي مجتمع العدل.

ولست أجد في كتاب (النهج) معنى يتصل بسياسة الناس في أنفسهم وأموالهم وأهليهم ومن يكرهون ومن يحبون إلا والعدل أساسه : " اعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ " . " والله لو أعطيت الأقاليم السبعة ، بما تحت أفلاكها ، على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت . . . نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل " . " يا بني عبد المطلب ! لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا ، تقولون : قتل أمير المؤمنين . ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي . . . أنظروا إذا أنا مت من ضربته (لاحظوا تقييد الفعل بوقوع ضرر الجرم) فاضربوه ضربة بضربة . ولا يمثل بالرجل ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور " ! فإذا وقع العدل في النفس ، في مثل هذا الموقف ، ففي أي المواقف يغيب ؟ ! وانظروا إلى العدل في الأموال وتقسيم فئ المسلمين فيهم ، وفي النفس والأهل ، من كتاب إلى أحد ولاته في فارس : " . . . ألا وإن حق من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفئ سواء " .

وإلى عامله على البصرة : " ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدي به . . . ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعمه بقرصيه . ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد . . . " .

وإلى عماله على الخراج : " أنصفوا الناس من أنفسكم . . . فإنكم خزان الرعية ، ووكلاء الأمة ، وسفراء الأئمة " .

وإلى الأشتر لما ولاه مصر : " أنصف الله ، وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ، ومن لك فيه هوى من رعيتك ، فإنك إلا تفعل تظلم . . . وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق ، وأعمها في العدل ، وأجمعها لرضى الرعية . . . ولا يكن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء ،فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان ، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة " .

" وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد " .

العدل بهذه المعاني كلها هو القصد ، والإرادة هي السبيل . والغاية الكبرى حفظ الحياة وازدهارها .

فبتحرير النفس من الشهوات الرخيصة ، والارتفاع بها عن درك الأهواء ، تسطع حقيقة الله فيها وفي ما تقيمه من المؤسسات ، وتتحقق إرادته في أنفسنا وحياتنا ومجتمعاتنا ، وذلك هو لب لباب الكتاب .

****************************