وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَد، خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ.                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
كلمات أقطاب العلم وعباقرة الأدب حول نهج البلاغة – الثاني

كلمة محمد محيي الدين مصدّر شرح النهج لابن عبدة:
«وبعد فهذا الكتاب (نهج البلاغة)، وهو ما اختاره الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسن الموسويّ من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وهو الكتاب الذي جمع بين دفّتيه عيون البلاغة وفنونها، وتهيّأت به للناظر فيه أسباب الفصاحة، ودنا منه قطافها، إذ كان من كلام أفصح الخلق ـ بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ـ منطقاً وأشدّهم اقتداراً وأبرعهم حجّة، وأملكهم للّغة، يُديرها كيف شاء، الحكيم الذي تصدر الحكمة عن بيانه، والخطيب الذي يملأ القلب سحر لسانه، العالم الذي تهيّأ له من خلاط الرسول وكتابة الوحي، والكفاح عن الدين بسيفه ولسانه منذ حداثته ما لم يتهيّأ لأحد سواه...».

كلمة السيد الشريف الرضي (رحمه الله) مؤلّف نهج البلاغة:
قال الرضي (رحمه الله): فإنّي كنت في عنفوان السنّ وغضاضة الغصن ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص الأئمة (عليهم السلام) يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر كلامهم، حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب، وجعلته أمام الكلام، وفرغت من الخصائص التي تخصّ أميرالمؤمنين علياً (عليه السلام)، وعاقت عن إتمام بقيّة الكتاب محاجزات الأيام ومماطلات الزمان، وكنت قد بوّبت ما خرج من ذلك أبواباً، وفصّلته فصولاً، فجاء في آخرها فصل يتضمّن محاسن ما نُقل عنه (عليه السلام) من الكلام القصير في المواعظ والحكم والأمثال والآداب، دون الخطب الطويلة والكتب المبسوطة، فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدّم ذِكره، معجبين ببدائعه ومتعجّبين من نواصعه، وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على المختار من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في جميع فنونه ومتشعّبات غصونه من خطب وكتب ومواعظ وأدب، علماً أنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وجواهر العربيّة وثواقب الكلم الدينيّة والدنياويّة ما لا يوجد مجتمعاً في كلام، ولا مجموع الأطراف في كتاب، إذ كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه (عليه السلام) ظهر مكنونها، وعنه أُخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كلّ قائل خطيب، وبكلامه استعان كلّ واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصّروا، وقد تقدّم وتأخّروا، لأنّ كلامه (عليه السلام) الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهيّ، وفيه عبقة من الكلام النبويّ.

كلمة ميرزا حبيب الله الخوئي :
«مؤلّف منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة»
«... ثم إنّ أحسن الروايات المنشورة، وأبهى الكلمات المنثورة، هو ما دوّنه السيد السند والركن المعتمد الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين الموسوي قدّس الله سره ونوّر ضريحه في نهج البلاغة من شرائف الكلام والخطب، ولطائف الوصايا والكتب والأدب، المأثورة من باب مدينة العلم والحكمة، والمتلقّاة من قطب دائرة الطهارة والعصمة، حجّة لله في عباده، وخليفة لله في بلاده.
ولعمري إنّه كتاب شرع المناسك للناسك، وشرح المسالك للسالك، وهو خلاص المتورّطين في الهلكات، ومناص المتحيّرين في الفلوات، ملاذ كلّ بائس فقير، ومعاذ كلّ خائف مستجير، مدينة المآرب وغنية للطالب، لأنّ ما أُودع فيه كلام عليه مسحة من الكلام الإلهيّ، وفيه عبقة من الكلام النبويّ، ظاهره أنيق وباطنه عميق، مشتمل على أمر ونهي ووعد ووعيد، وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص، لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه، يدلّ على الجنة طالبها، وينجي من النار هاربها، شفاء من الداء العُضال، ونجاة من ظلمة الضلال، دواء لكلّ عليل ورواء لكلّ غليل، وأمل لكلّ آمل، وبحر ليس له ساحل، وكنـز مشحون بأنواع الجواهر والدرر، يفوح من نفحاته المسك الأذفر والعنبر.
ومع ذلك قد احتوى من حقائق البلاغة، ودقائق الفصاحة ما لا يبلغ قعره الفكر، وجمع من فنون المعان وشؤون البيان ما لا ينال غوره النظر، وتضمّن من أسرار العربية والنكات الأدبية والمحاسن البديعية ما يعجز عن تقديره لسان البشر...».

كلمة الأستاذ حسن نائل المرصفي المصري:
تحدّث أستاذ الفن (حسن نائل المرصفي) مدرس البيان بكليّة العزيز الكبرى بمصر في مقدّمة شرحه على نهج البلاغة، فجمع بايجاز أطراف البيان حول عبقريّة الإمام وذكر مزاياه العالية وشرح ماهيّة كلامه في نهج البلاغة ملخّصاً فيما يأتي، قال:
«بهذه الخصال الثلاث ـ يعني جمال الحضارة الجديدة، وجلال البداوة القديمة، وبشاشة القرآن الحكيم ـ امتاز الخلفاء الراشدون، ولقد كان المجلي في هذه الحلبة علي صلوات الله عليه، وما أحسبني أحتاج في إثبات هذا إلى دليل أكثر من نهج البلاغة، ذلك الكتاب الذي أقامه الله حجّة واضحة على أنّ عليّاً (رضي الله عنه) قد كان أحسن مثال حيّ لنور القرآن وحكمته، وعلمه وهدايته، وإعجازه وفصاحته.
اجتمع لعليّ (عليه السلام) في هذا الكتاب ما لم يجتمع لكبار الحكماء وأفذاذ الفلاسفة ونوابغ الربّانيّين من آيات الحكمة السامية وقواعد السياسة المستقيمة، ومن كلّ موعظة باهرة، وحجّة بالغة، تشهد له بالعقل وحسن الأثر.
خاض علي في هذا الكتاب لجّة العلم والسياسة والدين، فكان في كلّ هذه المسائل نابغة مبرّزاً، ولئن سألت عن مكان كتابه من الأدب بعد أن عرفت مكانه من العلم، فليس في وسع الكاتب المسترسل، والخطيب المصقع، والشاعر المفلق أن يبلغ الغاية في وصفه والنهاية من تقريظه، وحسبنا أن نقول: إنّه الملتقى الفذّ الذي التقى فيه جمال الحضارة وجزالة البداوة، والمنـزل الفرد الذي اختارته الحقيقة لنفسها منـزلاً تطمئنّ فيه وتأوي إليه بعد أن زلّت بها المنازل في كلّ لغة».
وكم مثل هذا في الواصفين لنهج البلاغة من حكموا بتفوّقه على كتب الإنشاء ومنشآت البلغاء، واعترفوا ببلوغه حدّ الاعجاز، وأنّه فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق المتعال، وأعجبوا به أقصى الإعجاب، وشهدت ألسنتهم بدهشة عقولهم من عظمةٍ أضاء سنا برقها من ثنايا الخطب ومزايا الجمل، وليس إعجاب الأدباء بانسجام لفظه وحده، ولا دهشة العلماء من تفوّق معانيه البليغة حدّ الاعجاز فقط، وإنّما الإعجاب كلّه والدهشة كلّها في تنوّع المناحي في هذه الخطب والكلم، واختلاف المرامي والأغراض فيها، فمن وعظ ونصح وزهد وزجر، إلى تنبيه حربيّ واستنهاض للجهاد، إلى تعليم فنّي ودروس ضافية في هيئة الأفلاك وأبواب النجوم، وأسرار من طبائع كائنات الأرض وكامنات السماء، إلى فلسفة الكون وخالقه، وتفنّن في المعارف الإلهيّة وترسّل في التوحيد، وصفة المبدء والمعاد، إلى توسّع في أصول الإدارة وسياسة المدن والأمم، إلى تثقيف النفوس بالفضائل وقواعد الاجتماع وآداب المعاشرة ومكارم الأخلاق، إلى وصف شعري لظواهر الحياة، وغير ذلك من شتّى المناحي المتجلّية في نهج البلاغة بأرقى المظاهر.

كلمة الصحافي الشهير «أمين نخلة»:
ولا تغيب عنك كلمة الصحافي الشهير (أمين نخلة) من أفاضل المسيحيين مخاطباً من رجاه انتخاب (المئة) من كلمات الإمام (عليه السلام)، إذ قال:
«سألتني أن أنتقي مئة كلمة من كلمات أبلغ العرب أبي الحسن تُخرِجها في كتاب، وليس بين يديّ الآن من كتب الأدب التي يُرجع إليها في مثل هذا الغرض إلاّ طائفة قليلة منها إنجيل البلاغة (النهج)، فرحت أسرّح اصبعي فيه، ووالله لا أعرف كيف أصطفي لك المئة من مئات، بل الكلمة من الكلمات، إلاّ إذا سلخت الياقوتة عن أختها الياقوتة، ولقد فعلت ويدي تتقلّب على اليواقيت، وعيني تغوص في اللمعان، فما حسبتني أخرج من معدن البلاغة بكلمة لفرط ما تحيّرت في التخيير، فخذ هذه (المئة) وتذكّر أنّها لمحات من نور وزهرات من نَور، ففي نهج البلاغة من نِعم الله على العربية وأهلها أكثر بكثير من مئة كلمة».
يصف هذا الكاتب وغيره كلم الإمام (عليه السلام) بالدرّ والياقوت والجوهر، وأنّى لهذه الأحجار الغالية مزايا الحكمة العالية، ومن أين لها أن تهدي الحيارى في سُبل الحياة ومسالكها الشائكة، ومن أين لها الوساطة بين الجهل والعلم، وربط الانسان بعالم اللاهوت، أو أن تكشف للبصائر أسرار الملكوت.

كلمة «نرسيسيان»:
«رئيس كتّاب القنصلية البريطانية ببغداد سنة ١٣٢٨هـ»
وكان من فضلاء الأرمن زاعماً تفوّق نهج البلاغة على كلّ كلام عربي لكثرة ما فيه من السهل الممتنع الذي لا يوجد في سواه، وانقياد الأسجاع الصعاب فيه بلا تكلّف، واستشهد بقوله (عليه السلام):
«أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَشُغُفِ الْأَسْتَارِ نُطْفَةً دِهَاقاً وَعَلَقَةً مِحَاقاً وَجَنِيناً وَرَاضِعاً وَوَلِيداً وَيَافِعاً ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً وَلِسَاناً لَافِظاً وَبَصَراً لَاحِظاً لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ وَاسْتَوَى».
معجباً بحسن التسجيع وكيف يجري الروي كالماء السلسال على لسان الإمام (عليه السلام).
ثم قال: ولو كان يرقى هذا الخطيب العظيم منبر الكوفة في عصرنا هذا، لرأيتم مسجدها على سعته يتموّج بقبّعات الافرنج للاستقاء من بحر علمه الزاخر.

كلمة مستر «كرينو الانكليزي» أستاذ الآداب العربية:
في كلية (عليكده) الهندية عندما اجتمع الأساتذة والأدباء حوله في حفلة وسألوه عن إعجاز القرآن أجابهم:
«إنّ للقرآن أخاً صغيراً يُسمّى(نهج البلاغة)، فهل في إمكان أحد أن يأتي بمثل هذا الصغير حتّى يسوغ لنا البحث عن الأخ الكبير».

كلمة الأستاذ «جورج جرداق»:
تحدث الأستاذ (جورج جرداق) ـ وهو من أفاضل الكتّاب والمؤلّفين المسيحيين ـ في مؤلّفه «الإمام علي صوت العدالة الانسانية»، وتحت عنوان «الأسلوب والعبقريّة الخطابيّة» عندما يتحدّث عن (نهج البلاغة) قائلاً:
«نهج البلاغة آخذ من الفكر والخيال والعاطفة آيات تتّصل بالذوق الفنّي الرفيع ما بقي الانسان وما بقي له خيال وعاطفة وفكر، مترابط بآياته متساوق، متفجّر بالحسّ المشبوب والإدراك البعيد، متدفّق بلوعة الواقع وحرارة الحقيقة والشوق إلى معرفة ما وراء هذا الواقع، متآلف يجمع بين جمال الموضوع وجمال الاخراج، حتّى ليندمج التعبير بالمدلول، أو الشكل بالمعنى، اندماج الحرارة بالنار، والضوء بالشمس، والهواء بالهواء، فما أنت أزاءه إلاّ ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر، والبحر إذ يتموّج، والريح إذ تطوف، أو قبالة الحدث الطبيعي الذي لا بدّ له أن يكون بالضرورة على ما هو كائن عليه من الوحدة، لا تفرّق بين عناصرها إلاّ لتمحو وجودها وتجعلها إلى غير كون.
بيانٌ لو نطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضاً، ولو هدّد الفساد والمفسدين لتفجّر براكين لها أضواء وأصوات، ولو انبسط في منطقٍ لخاطب العقول والمشاعر، فأقفل كلّ باب على كلّ حجّة غير ما ينبسط فيه، ولو دعا إلى تأمّل لرافق فيك منشأ الحس وأصل التفكير، فساقك إلى ما يريده سوقاً، ووصلك بالكون وصلاً، ووحّد فيك القوى للاكتشاف توحيداً، وهو لو راعاك لأدركت حنان الأب ومنطق الأبوّة وصدق الوفاء الانساني وحرارة المحبة التي تبدأ ولا تنتهي، أمّا إذا تحدّث إليك عن بهاء الوجود وكمالات الخلق وجمالات الكون فإنّما يكتب على قلبك بمدادٍ من نجوم السماء.
بيانٌ هو بلاغة من البلاغة وتنـزيل من التنـزيل.
بيانٌ اتّصل بأسباب البيان العربي، ما كان منه وما يكون، حتّى قال أحدهم في صاحبه: إنّ كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.
وخطب الإمام جميعاً تنضح بدلائل الشخصيّة، حتّى لكـأنّ معانيها وتعابيرها هي خوالج نفسه بالذات، وأحداث زمانه التي تشتعل في قلبه كما تشتعل النار في موقدها تحت نفح الشمال، فإذا هو يرتجل الخطبة حسّاً دافقاً وشعوراً زاخراً وإخراجاً بالغاً غاية الجمال، وكذلك كانت كلمات علي بن أبي طالب المرتجلة، فهي أقوى ما يمكن للكلمة المرتجلة أن تكون من حيث الصدق وعمق الفكرة وفنّية التعبير، حتّى أنّها ما نطقت بها شفتاه إلاّ ذهبت مثلاً سائراً.
والخلاصة أنّ علي بن أبي طالب أديب عظيم نشأ على التمرّس بالحياة، وعلى المرانة بأساليب البلاغة، فإذا هو مالك ما يقتضيه الفنّ من أصالة في شخصية الأديب، ومن ثقافة تنمو بها الشخصيّة وتتركّز الأصالة.
أمّا اللغة لغتنا العربية الحبيبة التي قال فيها (مرشلوس) في المجلّد الأول من كتابه (رحلة إلى الشرق) هذا القول الذكي: «اللغة العربية هي الأغنى والأفصح والأكثر والألطف وقعاً بين سائر لغات الأرض بتراكيب أفعالها، تتبع طيران الفكر وتصوّره بدقّة، وبأنغام مقاطعها الصوتية تقلّد صراخ الحيوانات، ورقرقة المياه الهاربة، وعجيج الرياح وقصف الرعد». أمّا هذه اللغة بما ذكر (مرشلوس) من صفاتها وبما لم يذكر، فإنّك واجدٌ أصولها وفروعها وجمال ألوانها وسحر بيانها في أدب الإمام علي، وكان أدباً في خدمة الانسان والحضارة».
ولمّا كان في نفسه أن يُشبع الموضوع ويستعرضه عرضاً دقيقاً، استرسل في حديثه ثانية بقوله:
وإنّ قسط علي بن أبي طالب من الذوق الفنّي، أوالذوق الجمالي لممّا يندر وجوده لدى الكثيرين، وذوقه هذا كان المقياس الطبيعي الضابط للطبع الأدبي عنده، أمّا طبعه في ذلك فهو طبع ذوي الأصالة والموهبة الذين يرون فيشعرون، ويدركون فتنطلق ألسنتهم بما تجيش به قلوبهم وتنكشف عنه مداركهم انطلاقاًَ عفويّاً، لذلك تميّز عليٌّ بالصدق كما تميّزت به حياته، وما الصدق إلاّ ميزة الفنّ الأُولى ومقياس الأسلوب الذي لا يُخادع.
وإنّ شروط البلاغة ـ التي هي موافقة الكلام لمقتضى الحال ـ لم تجتمع لأديب عربي كما اجتمعت لعلي بن أبي طالب، فإنشاؤه أعلى مَثَل لهذه البلاغة بعد القرآن، فهو موجز على وضوح قويّ جيّاش تامّ الانسجام لما بين ألفاظه ومعانيه وأغراضه من ائتلاف، حلو الرنّة في الأذن، موسيقيّ الوقع، وهو يرفق ويلين في المواقف التي لا تستدعي الشدّة، ويشتدّ ويعنف في غيرها من المواقف، لاسيّما ساعة يكون القول في المنافقين المراوغين وطلاّب الدنيا على حساب الفقراء والمستضعفين وأصحاب الحقوق المهدورة، فأسلوب علي صريح كقلبه وذهنه، صادق كطويّته، فلا عجب أن يكون نهجاً للبلاغة، وقد بلغ أسلوب علي من الصدق حدّاً ترفّع به حتّى السجع عن الصنعة والتكلّف، فإذا هو ـ على كثرة ما فيه من الجمل المتقاطعة الموزونة المسجعة ـ أبعد ما يكون عن الصنعة وروحها، وأقرب ما يكون من الطبع الزاخر.
فانظر إلى هذا الكلام المسجّع وإلى مقدار ما فيه من سلامة الطبع «يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ وَمَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ وَاخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ وَتَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ». أو إلى هذا القول في إحدى خطبه: «وَكَذَلِكَ السَّمَاءُ وَالْهَوَاءُ وَالرِّيَاحُ وَالْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ وَاخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَتَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَطُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَتَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَالْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ... الخ».
و أُوصيك خيراً بهذا السجع الجاري من الطبع «ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ وَضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ وَأَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً وَقَمَراً مُنِيراً فِي فَلَكٍ دَائِرٍ وَسَقْفٍ سَائِرٍ... الخ».
فإنّك لو حاولتَ إبدال لفظٍ مسجوع في هذه البدائع جميعاً بآخر غير مسجوع لعرفت كيف يخبو إشراقها ويبهت جمالها، ويفقد الذوق فيها أصالته ودقّته، فالسجع في هذه الأقوال العلويّة ضرورة فنّية يقتضيها الطبع الذي يمتزج بالصنعة امتزاجاً، حتّى لكأنّهما من معدن واحد، يبعث النثر شعراً له أوزان وأنغام ترفق المعنى بصورٍ لفظيّة لا أبهى منها ولا أشهى.
وإذا قلنا إنّ أسلوب علي تتوفّر فيه صراحة المعنى وبلاغة الأداء وسلامة الذوق الفنّي، فإنّما نشير على القارئ بالرجوع إلى نهج البلاغة ليرى كيف تتفجّر كلمات عليٍ من ينابيع بعيدة القرار في مادّتها، وبأي حُلّة فنية رائعة الجمال تمور وتجري.
وإليك هذه التعابير الحسان في قوله: «الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ» وفي قوله: «الْحِلْمُ عَشِيرَةٌ» أو في قوله: «مَنْ لَانَ عُودُهُ كَثُفَتْ أَغْصَانُهُ» أو في قوله: «كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلَّا وِعَاءَ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ» أو في قوله أيضاً: «لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ» أوفي هذه الأقوال الرائعة: «الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ» «رُبَّ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ» «إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أَحَدٍ أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ» «لْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءً» «افْعَلُوا الْخَيْرَ وَلَا تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَقَلِيلَهُ كَثِيرٌ» «هَلَكَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ» «مَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ».
فأنت ترى ما في أقواله هذه من الأصالة في التفكير والتعبير، هذه الأصالة التي تلازم الأديب الحقّ بصورة مطلقة، إلاّ إذا فاتته الشخصية الأدبية ذاتها.
ويبلغ أسلوب علي قمّة الجبال في المواقف الخطابية، هذه الأصالة التي تثور بها عاطفته الجيّاشة، ويتّقد خياله فتعتلج فيه صور حارّة من أحداث الحياة التي تمرّس بها، فإذا بالبلاغة تزخر في قلبه، وتتدفّق على لسانه تدفّق البحار، ويتميّز أسلوبه في مثل هذه المواقف بالتكرار بغية التقرير والتأثير، وباستعمال المترادفات، وباختيار الكلمات الجزلة ذات الرنين.
والخطباء في العرب كثيرون، والخطابة من فنونهم الأدبية التي عرفوها في الجاهلية والإسلام، ولاسيّما في عصر النبي والخلفاء والراشدين، لما كان لهم بها من حاجة، أمّا خطيب العهد النبويّ الأكبر فالنبي لاخلاف في ذلك، أمّا في العهد الراشدي وفيما تلاه من العصور العربية قاطبة، فإنّ أحداً لم يبلغ ما بلغ إليه علي بن أبي طالب في هذا النحو، فإنّ الله يسّر له العدّة الكاملة بالفطرة السليمة والذوق الرفيع والبلاغة الآسرة، ثمّ بذخيرة من العلم انفرد بها عن أقرانه، وبحجّة قائمة وقوّة إقناع دامغة وعبقريّة في الإرتجال نادرة.
وابن أبي طالب على المنبر رابط الجأش شديد الثقة بنفسه وبعدل القول، ثمّ إنّه قوي الفراسة، سريع الإدراك، يقف على دخائل الناس وأهواء النفوس وأعماق القلوب، زاخر جنانه بعواطف الحريّة والانسانية والفضيلة، حتّى إذا انطلق لسانه الساحر بما يجيش به قلبه أدرك القوم بما يحرّك فيهم الفضائل الراقدة والعواطف الخاصّة.
أمّا إنشاؤه الخطابي فلا يجوز وصفه إلاّ بأنّه أساس في البلاغة العربية. يقول أبو هلال العسكري (في الصناعتين): «ليس الشأن في إيراد المعاني ـ وحدها ـ وإنّما هو في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته ومائه, مع صحّة السبك والتركيب، والخلوّ من أود النظم والتأليف، من الألفاظ ما هو فخم كأنه يجرّ ذيول الأرجوان أنفةً وتيهاً، ومنها ما هو ذو قعقعة كالجنود الزاحفة في الصفيح، ومنها ما هو كالسيف ذي الحدّين، ومنها ما هو كالنقاب الصفيق يلقى على بعض العواطف ليستر من حدّتها ويخفّف من شدّتها، ومنها ما له وميض البرق، ومنها ما له ابتسامة السماء في ليالي الشتاء، من الكلام ما يفعل كالمقرعة وهو كلام الانتقاد والتنديد، ومنه ما يجري كالنبع الصافي وهو المعدّ للرضى والغفران، ومنه ما يضيء كالشهاب وهو كلام التعظيم، كذلك من الكلام ما ليس له طابع خاصّ فيؤتى به لتقوية الجملة ودعم المعنى، فهو يلائم كلّ حال».
كلّ ذلك ينطبق على خطب الإمام علي في مفرداتها وتعابيرها، هذا بالاضافة إلى أنّ الخطبة تحسن إذا انطبعت بهذه الصفات اللفظية على رأي صاحب الصناعتين، فكيف بها إذا كانت كخطب ابن أبي طالب تجمع روعة هذه الصفات في اللفظ إلى روعة المعنى وقوّته وجلاله، انتهى.
لم يسمع الناس بكلام قطّ بعد كلام الله تعالى ورسوله أعمّ نفعاً، وأصدق لفظاً، وأعدل وزناً، وأجمل مذهباً، وأكرم مطلباً، ولا أحسن موضعاً ولا أسهل مزجاً، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين في فحواه، من كلام علي أميرالمؤمنين (عليه السلام)، فقد شاهدنا روّاد العبقريّة الانشائيّة مسترشدين بكلمه (عليه السلام) وخطبه وكتبه.
حكى عبد المسيح في شرح قصيدته أنّ شيخه ناصيف اليازجي قال له: «ما أتقنت الكتابة إلاّ بدرس القرآن العظيم ونهج البلاغة القويم، فهما كنـز العربيّة الذي لا ينفد وذخيرتها للمتأدّب، وهيهات أن يظفر أديب بحاجته من هذه اللغة الشريفة إن لم يُحيي لياليه سهراً في مطالعتهما والتبحّر في عالي أساليبهما».
وقال عبد الحميد بن يحيى ـ الذي يُضرب ببلاغته المثل :

«حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثمّ فاضت» ـ يعني بالأصلع سيّدنا علياً (عليه السلام).
وقال ابن نباتة:

«حفظت من الخطب كنـزاً لا يزيده الانفاق إلاّ سعة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب».
وقد زيّن الجاحظ كتبه مثل «البيان والتبيين» بفصول من خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) إعجاباً بها، وإعداداً للنفوس لبلوغ أقصى البلاغة، وشاهدنا جماهير العرب والعجم والشرقيّين والمستشرقين ممّن يتطلّبون بلاغة اللسان وبراعة القلم يستظهرون نهج البلاغة لما فيه من فصاحة بانسجام، وبلاغة خالية من كلّ تعقيد أو تكلّف، وعروبة صحيحة تعالى عهدها عن تصنّعات عهد المولدين، هذه غاية الأدباء في حفظ كلامه (عليه السلام).
وكم يعود الأسف بليغاً إذا نبذنا مثل هذا الكتاب وراءنا ظِهريّاً، وحرمنا النشء من فنون بيانه، وتركناه صفر الكفّ من شذور عقيانه، عكس ما لو يثقّف بدراسته دراسة تفقّهٍ واستحضار وتدبير واستظهار، فندّخر بهذا ومثله لأفلاذ أكبادنا كنـزاً من الحكمة أو جَنّة باقية وجُنّة واقية تقيهم في مزالق الانشاء، وتملّكهم مقاليد البلاغة في البيان، والبيان من أهم عوامل الرقيّ في الحياة. لم لا نُصغي لنداء مرشدنا الروحي الذي يخاطبنا من صميم ضميره الحرّ بداعية الهداية، وما هو ـ لو أنصفناه ـ إلاّ أستاذ الكلّ في الكلّ، يلقّن العالم نتائج المعارف العالية، ويلقي دروسه على صفوف من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب بلهجة من لغة الضاد رقّت وراقت فلا يوجد أجمل منها حسناً وبهاءاً.

يتبع .....

****************************