وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
مجموعة من المبادئ الإدارية من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام – الأول

مدخل

فيما يلي نحاول إن شاء الله، أن نستعرض طائفة من مفردات الخصال القيادية والإدارية في الثقافة الإدارية في الإسلام مسندة بكلمات أمير المؤمنين عليه السلام.

١- التوكّل والتفويض والاستشارة

هذان المفهومان، مفهومان حركيان، نابعان من التوحيد، ويمنحان الإنسان قدرة فائقة وكفاءة عالية على التحرُّك في ساحات الحياة العريضة. وهما يسلبان الإنسان كلّ حالة للتردّد والضعف والخوف في العمل.

فإنّ التوكّل والتفويض يقومان على أساس حالة نفسية ثابتة ومطمئنة للعبد. وهذه الحالة النفسية المطمئنة بالله تعالى تمنح الإنسان القدرة والقوّة والمعنوية العالية في العمل.

وقد وعد الله تعالى عباده أن يكفي المتوكّلين عليه، يقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[١] و(حَسْبُهُ) يعني: يكفيه من كلّ شيء فإنّ الله يكفي من كلّ شيء ولا يكفي عنه شيء.

وكفاية الله تعالى لعبده سُنّة مشروطة من سُنن الله. وهذا الشرط هو التوكّل على الله، فمن يتوكّل على الله يكفيه الله وهو حسبه. يقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

وهذا هو معنى السنن المشروطة، بخلاف السنن القطعية غير المشروطة فهي غير مرتبطة بشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ[٢].
فإن الابتلاء سُنّة مطلقة وغير مشروطة. والتوكّل هو أحد وجهي القرار. والوجه الآخر للقرار هو (الاستشارة). وتتمّ الاستشارة في مرحلة التحضير للقرار، بالتداول والمناقشة مع أصحاب الرأي. وهذا هو الوجه الآخر للقرار.

الوجه الأوّل هو (التوكّل) في مرحلة التنفيذ والعزم. وأما الاستشارة ففي مرحلة التحضير للقرار، وهي تنفع في تنضيج القرار والتوكّل في مرحلة العزم والتنفيذ في كبح (الأنا) في مرحلة القرار والعزم والتنفيذ، وتعميق اعتماد العبد على الله تعالى وحوله وقوّته.

وعن هذين الوجهين للقرار يقول تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[٣].

وعندما يتوكّل العبد على الله يعينه الله في شأنه ويسدّده ويأخذ بيده، ويذلّل أمامه العقبات الصعبة.

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من كان متوكّلاً على الله لم يُعدم الإعانة"[٤].

وعنه عليه السلام أيضاً: "من توكّل على الله ذلّت له الصعاب وتسهّلت عليه الأسباب"[٥].

وعنه عليه السلام أيضاً: "ليس لمتوكّل عناء"[٦].

وعنه عليه السلام: "يا أيّها الناس توكّلوا على الله، وثقوا به، فإنّه يكفي من سواه"[٧].

وناهيك بذلك، فإنّ الإنسان لا يتوكّل على الله ولا يضع ثقته بالله إلّا إذا كان واثقاً بأنّ الله يكفيه من كلّ شيء، فإذا توكّل على الله بهذه الثقة والإيمان كفاه الله من كلّ شيء.

والتوكّل على الله يمنح صاحبه النور الذي يعرف به الشبهات والأخطاء فيتجنّبها. عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من توكّل على الله أضاءت له الشبهات"[٨].

ولكن علينا أن نُميّز بين الصحيح والخطأ في معنى التوكّل.

الصحيح في معنى التوكّل أن يبذل الإنسان جهده في التفكير والتخطيط والاستشارة والدراسة الموضوعية والاستفادة من خبرات الآخرين وتجاربهم، ويجعل الله تعالى وكيلاً عن نفسه في تسديده وإنجازه وتجنيبه الأخطاء. وتوفيقه للنجاح... وهذا هو الصحيح في معنى التوكّل... والخطأ في تفسير التوكّل أن يترك الإنسان الأمر على عواهنه، ويقعد عن الحركة والتفكير والاستشارة والدراسة والتخطيط والنزول إلى ساحات العمل ويتوكّل على الله.

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه مرَّ بقوم أصحّاء جالسين في زاوية المسجد فقال: "من أنتم"؟ قالوا: نحن المتوكّلون قال عليه السلام: "لا بل أنتم المتأكّلة فإن كنتم متوكّلين ما بلغ بكم توكّلكم"؟ قالوا: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا. قال عليه السلام: "هكذا تصنع الكلاب عندنا".

قالوا: فما نفعل؟ قال: "كما نفعل". قالوا: كيف تفعل؟ قال عليه السلام: "إذا وجدنا بذلنا، وإذا فقدنا شكرنا"[٩].

وقال عليه السلام لابنه محمّد بن الحنفية لمّا أعطاه الراية، يوم الجمل: "تزول الجبال ولا تزل، غضّ على ناجذك. أعر الله جمجمتك، ثبت في الأرض قدمك، ارم ببصرك أقصى القوم، وغضّ بصرك، واعلم أنّ النصر من عند الله"[١٠].

صحيح أنّ النصر من عند الله، ولكن هذه السنّة مشروطة بالثبات والمقاومة وصلابة الموقف... عندئذٍ ينصر الله تعالى عبده. فيقول لابنه محمد: أن يثبّت في الأرض قدميه، ويرم ببصره أقصى القوم، ويتقدّم غير متهيّب ممّن يحول بينه وبين القوم. ثمّ يقول له: واعلم أنّ النصر من عند الله، وهو جوهر الأمر والإيمان.

والتفويض أن يضع الإنسان نفسه وتصرّفه وإرادته وعقله تحت تصرّف الله تعالى، يوجّهه كيفما يريد، فيعمل بما يريد الله ويختار له. وليس معنى ذلك أن لا يُخطّط ولا يُفكّر ولا يحاول، وإنّما معنى ذلك أن يجعل تفكيره وعزمه وتدبيره وسعيه تحت تصرّف الله ليوجّه الله فكره وعزمه، كما يجب ويريد.

وأثر التفويض في حركة العبد: التسديد، والتأييد، والتبصير من الله تعالى لعبده، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ[١١]. وأثره في نفس العبد: الاطمئنان والثقة بالله في الحركة. فإنّ الإنسان إذا شعر بأنّ حركته وعمله من تدبير الله، وأنّ الله يتولّى تدبير أمره، ويوجّهه، ويبصّره يكتسب قوّة ومعنوية عالية في العمل.

إنّ (العمل) و (الحركة) في ساحات الحياة يمكن أن تكون سُلّماً يرفع الإنسان إلى قمم التوحيد، إذا شدّ الإنسان حركته وعمله بالله تعالى توكّلاً وتفويضاً.

ويمكن أن يكون عمله وحركته حجاباً بينه وبين الله إذا قطع حركته وعمله عن الله وشدّه بحجاب الأنا.

فإنّ الحركة والعمل بهذا الاتجاه يُصيبه بخيبة كبيرة في حال الفشل، وبنشوة الذات والأنانية في حالة النجاح. وكلاهما ضارّان. إنّ أعمالنا في الحياة يمكن أن نُحوّلها إلى مراقي ومعارج للعروج إلى الله، وتعميق حالة الارتباط بالله والعبودية لله تعالى، ويمكن أن تتحوّل إلى حجب كثيفة، غليظة تحجب صاحبها عن الله تعالى حجاباً تامّاً.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام، كما في رواية ثقة الإسلام الكليني رحمه الله في الكافي: "الإيمان له أركان أربعة: التوكّل على الله، وتفويض الأمر إلى الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله عز وجل"[١٢].

وهذه أربع خصال كما يقول الإمام علي عليه السلام، وهي في نفس الوقت الأركان الأربعة للمشاريع القيادية والإدارية التي ينهض بها عباد الله الصالحون. فإنّ التوكّل على الله والتفويض إلى الله بشروطها وهو الاستشارة والتفكير والتخطيط والإعداد الصحيح يُحقّق التسديد من الخطط والمشاريع الإدارية والقيادية.

والرضا والتسليم لله يُطمئنان العبد ويبعثان في نفسه السكينة والطمأنينة، وهما أهمّ شروط القيادة والإدارة الناجحة التي تتجاوز العقبات بثقة وطمأنينة وثبات.

٢- الدقة في القرار

ينبغي أن يراعي القرار عدة أمور أهمها:

العنصر الأوّل: أن يكون القرار سديداً صالحاً: ولإحراز ذلك لا بدّ من اتخاذ القرار بالتأنّي والدراسة المعمّقة والنظر في أبعاده فلا يكون القرار هشّاً سريعاً كردّ فعل للظروف الطارئة التي تستفزّ المسؤولين فتضطرّهم لاتخاذ القرار المستعجل.

بل يجب التخطيط الدقيق وإجراء مقارنة بين احتمالات الخسارة واحتمالات النجاح.

يروى أنّه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أوصني، فقال صلى الله عليه وآله وسلم "فهل أنت مستوص إن أوصيتك"؟ حتى قال ذلك ثلاثاً. وفي كلّها يقول الرجل: نعم يا رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فإنّي أوصيك إذا أنت هممت بأمر فتدبّر عاقبته، فإن يك رشداً فأمضه وإن يك غيّاً فانته عنه"[١٣].

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "من تورّط في أمر بغير نظر إلى عواقبه فقد تعرّض للنوائب"[١٤].

وعنه عليه السلام قال لعبد الله بن جندب: "وقِفْ عند كلّ أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم"[١٥].

فالقرار ليس أمراً شخصياً لكي يغامر القائد باتخاذه وتنفيذه، بل يشمل مصير الأمّة والجماعة برمّتها. ومن هنا يأمر أمير المؤمنين عليه السلام المسؤولين بالتدبٌّر الشديد قبل الندم من التسرُّع في القرار بقوله: "التدبُّر قبل العمل يؤمنك من الندم"[١٦].

العنصر الثاني: مشاركة الناس في القرار لكي تضمن القيادة دعمهم لها. فالحاكم المستبدّ الذي يستأثر بالقرار وينفرد به لا يكسب الناس إلى جانبه. ومن أسرار الاستشارة كسب الناس.

وهذا المعنى واضح في آية الشورى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾[١٧].

ويذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهمية الشورى بقوله: "أما إنّ الله ورسوله لغنيّان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمّتي، فمن استشار منهم لم يقدم إلّا رشداً، وما لم يستشر لم يقدم إلّا غياً"[١٨].

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "من استبدّ برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها"[١٩].

فالاستشارة تحفظ الإنسان من مهالك الاستبداد، ومن أخطار الأخطاء التي تفقد ثقة الناس بقائدهم، لأنّها تُثير الشكوك حول قدرته على إدارة الأمور، وهذه الشكوك وحدها تكفي في تخريب علاقة القائد بجمهوره.

ولكن ينبغي أن نفهم أنّ الشورى لولي الأمر إذا كانت واجبة لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ فهي غير ملزمة لعدم وجود دليل على الإلزام، ولأن الآية الكريمة تربط التنفيذ والعمل بعزم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾[٢٠].

عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال لابن عباس وقد أشار عليه في شيء لم يوافق عليه: "عليك أن تشير عليَّ فإذا خالفتك فأطعني"[٢١].فإنّ القائد ينبغي أن يتداول مع أصحابه حول ما يستجد على الساحة من أحداث، ولكن تبقى وظيفته الأساس اختيار الرأي الأنسب فإذا عزم فلا بدّ أن تكون الكلمة الأخيرة له. وعلى الجميع أن يطيعوه.

العنصر الثالث: العزم والقوّة وعدم التردّد بعد مرحلة التروّي، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "روّ تحزم، فإذا استوضحت فاعزم"[٢٢].

وعنه عليه السلام: "اعلم أنّ من الحزم العزم"[٢٣]. فلا بدّ من الحزم والعزم وهما متلازمان، فإذا ضعف الحزم ضعف العزم، وإذا اشتدّ الحزم تضاعف معه العزم. وهذه الحقيقة يؤكّدها عليه السلام بقوله: "من قلّ حزمه ضعف عزمه".

فلا يصحّ التردّد في التنفيذ بعد اتضاح الرؤية، بل يتوكّل على الله وحده ويقدم على العمل.

٣- الحصانة بالتقوى أولاً

بالتقوى يُحصّن الإنسان نفسه من خطر الأهواء النفسية، ومن الخيانة والغش.

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "التقوى حصن حصين لمن لجأ إليه"[٢٤].

وعنه عليه السلام أيضاً: "التقوى حصن المؤمن"[٢٥].

وعنه عليه السلام: "الجأوا إلى التقوى فإنّها جنّة منيعة من لجأ إليها حضنته، ومن اعتصم بها عصمته"[٢٦].

وعنه عليه السلام: "اعلموا عباد الله أنّ التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهله، ولا يحرز من لجأ إليه"[٢٧].

ففي التقوى إذن تحصين للمؤمن في مواقع المسؤولية من الانزلاق والسقوط ولا نعرف حصناً – بعد التوحيد – يحفظ الإنسان من مزالق الشيطان أمنع من التقوى. ووجود التقوى في النفس يخرج الإنسان من الأزمات حينما يصل في تفكيره الإنساني المحدود إلى طريق مسدود. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾[٢٨].

إنّها سنّة إلهية إلى خروج الإنسان من مضائق الحياة ومن ضنك العيش، وللتقوى معطيات يعدّدها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته المعروفة حيث يقول: "فمن أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد دنوها، واحلولت له الأمور بعد مرارتها، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها، وأسهلت له الصعاب بعد أنصابها"[٢٩].

وما أحوج القيادات إلى هذا البريق اللامع الذي يكشف لهم الظلمات، وينير لهم الطريق.

٤ - الحسم والقطع بعد الحزم

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "روّ تَحزِمْ، فإذا استوضحت فاجزم"[٣٠].

ومعنى ذلك أنّ الإنسان، في موقع القيادة والمسؤولية، يجب أن يحزم كثيراً، والحزم بمعنى التروّي (التأمّل والاستيضاح والتثبيت)، فإذا تمّ له الحزم والتروّي كما ينبغي، فعليه أن يحزم ويحسم الأمر، ولا يتردّد فإنّ التردّد بعد الحزم والتروّي من الضعف. ويلخّص أمير المؤمنين عليه السلام نجاح القادة وانتصارهم في موقع المسؤولية بكلمتين:

"الظفر في الحزم والجزم"[٣١]. بمعنى أنّ الظفر يتألّف من هاتين الكلمتين: الحزم والتروّي والدراسة المتأنية أوّلاً في مرحلة اتخاذ القرار ثم الحسم والعزم والجزم والإقدام ثانياً في مرحلة تنفيذ القرار.

ويعيد الإمام عليه السلام ضعف القادة في الحسم والجزم والإقدام إلى ضعفهم في مرحلة التروّي والحزم، فيقول عليه السلام، كما في غرر الحكم: "من الحزم صحّة العزم. من الحزم قوّة العزم"[٣٢].

ومن يضعف في التروي والتثبيت والحزم يضعف في الحسم والعزم والجزم لا محالة. "من قلّ حزمه ضعف عزمه"[٣٣].

والحزم كما قلنا، التروّي، والاستشارة، والتثبيت، وعدم التعجُّل. وقد سأل الإمام الحسن عليه السلام أباه عليه السلام: "ما الحزم"؟ قال: "أن تنتظر فرصتك وتعاجل ما أمكنك"[٣٤].

فالحزم التثبّت والتروّي وعدم التعجّل لحين العمل. فإذا حان وقت العمل فلا بدّ من الإقدام وعدم التردّد مهما أمكن. ومن عوامل (الحزم): الاستشارة والاستفادة من خبرات الآخرين وعقولهم.

قيل لرسول الله: ما الحزم؟ قال: "مشاورة ذوي الرأي واتّباعهم"[٣٥]. فإذا استنفذ الإنسان الحزم والتروّي والتثبّت بالقدر اللازم، ثم ضعف عن الحسم والتنفيذ فإنّ ذلك من الجبن وليس من الحزم. عن الإمام العسكري عليه السلام "إنّ للحزم مقداراً فإن زاد عليه فهو جبن"[٣٦].

-----------------------------------------------------------------------------
[١] سورة الطلاق، الآية ٣.
[٢] سورة البقرة، الآية ١٥٥.
[٣] سورة آل عمران، الآية ١٥٩.
[٤] الآمدي، غرر الحكم، ٨١٢٨ – ٩٠٢٨ – ٧٤٥١.
[٥] م. ن.
[٦] م. ن.
[٧] المتقي الهندي، كنز العمّال، ٨٥١٣.
[٨] الآمدي، غرر الحكم، ٨٩٨٥.
[٩] الميرزا النوري، مستدرك وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٢٢٠.
[١٠] السيّد الرضي، نهج البلاغة، كلمات الإمام علي عليه السلام، الخطبة ١٢.
[١١] سورة غافر، الآية ٤٤.
[١٢] الشيخ الكليني، الكافي، ج ٢، ص ٤٧.
[١٣] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج ٧١، ص ٣٣٩.
[١٤] م.ن، ج ٧٧، ص ٢٣٨.
[١٥] ابن شعبة، تحف العقول، ص ٢١٦.
[١٦] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج ٧١، ص ٣٣٨.
[١٧] سورة آل عمران، الآية ١٥٩.
[١٨] السيوطي، الدر المنثور، ج ٢، ص ٩٠.
[١٩] السيّد الرضي، نهج البلاغة، الكلمات القصار، كلمة ١٦١.
[٢٠] سورة آل عمران، الآية ١٥٩.
[٢١] الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج ٨، ص ٤٢٨.
[٢٢] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج ٧١، ص ٣٤١.
[٢٣] م. ن، ج ٧٧، ص ١٦٥.
[٢٤] الآمدي، غرر الحكم، ١٥٥٨ – ١٠٤٦ – ١١٢٨.
[٢٥] م. ن.
[٢٦] م. ن، ٢٥٥٣.
[٢٧] السيّد الرضي، نهج البلاغة، كلمات الإمام علي عليه السلام، الخطبة ١٥٧.
[٢٨] سورة الطلاق، الآيتان ٢ – ٣.
[٢٩] السيّد الرضي، نهج البلاغة، كلمات الإمام علي عليه السلام، خ ١٩٨، ص ٨.
[٣٠] م. ن، ج ٧١، ص ٣٤١.
[٣١] الإحسائي، عوالي اللئالي، ج ١، ص ٢٩٥٢.
[٣٢] الآمدي، غرر الحكم، ٩٣٩٩ و ٩٢٦٣.
[٣٣] الآمدي، غرر الحكم، ٧٩٨١.
[٣٤] الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ٤٠١.
[٣٥] البرقي، المحاسن، ج ٢، ص ٤٥٣.
[٣٦] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج ٧٨، ص ٣٧٧.

يتبع .....

****************************