وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                
وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
محاولة نقدية للبحث عن الشعرية في نهج البلاغة

يرى الباحث نوفل أبو رغيف أن لغة نهج البلاغة بما تحمله من شعرية وثراء أدبي جاءت على جدلية موت اللغة وانبعاثها من جديد منذ زمن انوجادها على لسان الإمام علي حتى اليوم ؛ منطلقاً من أن اللغة الشعرية هي موت اللغة وانبعاثها من جديد على يد المبدع الذي يخلق طينتها، فيقف مع الرأي القائل أن اللغة الشعرية تحطم اللغة العادية لكي تعيد بناءها ثانيةً في أنساق تركيبية وعاطفية جديدة، مثلما يقف إلى جانب الآراء التي ترى أن الإمام علي كان موسوعياً في معرفته وقد خبرته الحياة فمنحته سعة في الرأي وإدراك للماحول مثلما استلهم من ابن عمه الرسول الأعظم الذي قال يوماً أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها فيتوجه المؤلف إلى إقرار حقيقة أن علياً كان موسوعياً في ثقافته ومعرفته وتمكنه من زمنه إذ تحدث عن الاقتصاد، وعن الاجتماع، وعن التاريخ ، وخاض غمار الفلسفة والسياسة والحرب وأعطى دروساً في التربية وعلم النفس، وهذه الصفات تشي بحقيقة أنِّ اللغة بفروعها التي تضم المصطلحات والأساليب، والتراكيب الخاصة بكل فرع تحتشد ثرية مكتنزة على لسانه، يستطيع التحدث بأيما فرع من هاته الفروع بتمكّنٍ واقتدار ودراية، يشير الباحث إلى أنَّ الدخول لعوالم نهج البلاغة بوصفها نصوصاً أدبية تتطلب دراستها وفق طريقتين تنطلق الأولى من تصور أن الجوهر الفني مستقر في النص فتركز عناية الدارس على القوانين الداخلية التي تحكم النتاج الفني، ص٣٠، والطريقة الثانية تعنى النظر إلى العمل كما لو كان جزءا من كل، وكما لو كان تعبيراً عن ما هو أكثر أهمية من النص نفسه، كشخصية المبدع ووجهته النفسية في العمل او موقفه الاجتماعي أو السياسي، ص٣٠ .
ولا يجد الباحث ضيراً، ولا تواجهه عوائق ومعرقلات في مسألة تناول المادة القديمة العائدة لعصور خلت بأدوات وأفكار حديثة بحيث لا تتوالد هوّة تفسد التناول، وتنبثق حالة انفصام تطيح بهيبة التداول ؛ مشيراً إلى أن العلاقة المتينة بين الحداثة الغربية والعراقة العربية هي التي جعلت الشاعر أدونيس لا يجد مفارقة في قوله إن حداثة الغرب المتأخرة هي التي جعلته يكتشف حداثة العرب المتقدمة ، ص٣٢ .
الجمالية بوصفها قيمة الشيء
إذا كان الجمال هو قيمة الأشياء التي ينتجها مبدع ما فإن الجمالية هي استكناه لجوهر الأشياء وإظهاره إلى العلن من خلال تقديمه كمحصلة لجهد يستدعي كشف ما هو دفين وغير ظاهر أمام العين الناظرة، وفي اللغة يتجه الجمال إلى أن يكون فناَ يجيده الفنان اللغوي، المبدع الذي اكتسب مهارة فهم اللغة فاستطاع أن يقدمها لتكون جميلة، مؤثرة، باهرة، وفي موضوعة المستويات الجمالية التي درسها أبو رغيف وقدمها إلى القارىء بهيئة كتاب يرى أنَّ اللغة الفنية التي استخدمها الإمام علي مكثفة بشكلِ يحوّلها إلى لغة جمالية محضة تغرق في غابة من الصور التشبيهية والتمثيلية والاستعارية والرمزية والاستدلالية والتضمينية،،، إلخ وتحتشد بإيقاعات هائلة تتناول كل مفردة، ص٢٨ وهو مصيب في ذلك، فمن يدخل إلى عالم الإمام اللغوي سيكتشف ذلك النظام والتناسق في القول المفعم بكل الدلالات الصورية التي تخلق جمالية خاصة تميزه في خطاباته النثرية .
الفصل الأول وقد قسمه الباحث إلى توطئة وخمسة مباحث على التوالي نسق التكرار » نسق التضاد » نسق التقابلات والتناضر الإيقاعي » نسق السجع والجناس المزدوج » أما المبحث الخامس فكرَّسه للخطبة الشقشقية للإمام علي جاعلاً منها أنموذجاً تحليلياً،، وفي التوطئة أشار الباحث إلى الصوت الذي يأتي على نبرات ترداد المفردات والتراكيب بوصفه صوتاً وإيقاعاً حيث جعل أهميته تكمن في قدرته الإيحائية التجريدية وفي ما يكونه في النفس المتلقية من صور ورؤى يهتز لها السامع ص٦٢، وإذا كان الصوت له التأثير في الشعرية السائدة قديماً وحديثاً فإن الإيقاع يبدو حديثاً كمصطلح لم يسبق أن استخدم في الدراسات القديمة.
في نسق التكرار موضوعة المبحث الأول المبني على شعرية صوتية تؤكد الشعرية وجودها على تكرار المفردات حيث تتوالى بتنغيم بقدر ما تثير اهتمام المتلقي المستمع حين تأتي ضمن سياق خطابي شفاهي بقدر ما تجعله يتحفَّز لترديدها كنغمة تكرارية يسهل حفظها، ويُعمَل على تقليدها كنسق مفرداتي نغمي يشكِّل جدّة في الحدث وموسيقى في الكلام، والباحث يشير إلى خطبة الإمام علي ألقاها على المسامع يوم بويع في المدينة والذي بعثه بالحق لتبلبلنَّ بلبلةً ولُتغَربَلُنَّ غَربلةً ولتُساطُنَّ سوطَ القدر أسفلكم أعلاكم وأعلاكُم أسفلَكم وليسبقنَّ سابقون كانوا قصروا وليقصُرنَّ سباقون كانوا سبقوا وهي في الظاهر كلامٌ يبدو منتظماً نسقياً مبني على اشتقاقات لها مصدرها إلا أن ثمّةَ انزياحاً غير مألوف في شبكة العلاقات التركيبية الصوتية وتوزيع التكرارات ص٦٥ شكَّلَ خلخلةً ولدت انزياحاً عن المألوف والتكرار النمطي ساهمت فيه الحروف المتكررة على نحوٍ يسجل تناغماً منسجماً بين هذه الحروف اعتبرها الباحث النوع الاول من التكرار مما يمنح النص جوّاً إيقاعياً يُعزز شعريته استناداً على جدول يوضح فيه الباحث استخدام حرف اللام تسع عشرة مرة _ الذي، بالحق، لُتساطُنَّ،،، إلخ ، والباء اثنتا عشرة مرة بعثه، بالحق، بلبلة، سباقون،،،، إلخ ،والسين ثمان مرات لتساطن، أسفلكم، وليسبقنَّ،،، إلخ ، والواو ثلاث عشرة مرة والذي، ولتغربلن، كانوا، ليقصرنَّ،،، إلخ ، والنون أربع عشرة مرة لتبلبلنَّ، سابقون، كانوا،،، إلخ فيما التنوين مرتان بلبلةٌ، غربلةٌ ، والقاف ثمان مرات بالحقِّ، القدر،،، إلخ في حين جعل المهيمنة على إيقاع النص هو تكرار الكلمات تكراراً تغايرياً داخل الجملة كما في سابقون و سباقون كتأكيد حالة التحذير والتذكير وتوكيد المستقبل القادم احتوتها الخطبة للانتقال بالمتلقي إلى قبول انعكاسات الرؤية الفلسفية للإمام حول الحياة ومصير نوعية من الناس معنية بالصورة التي رسمها ص٦٩ .
هذا التكرار الذي يشكل أحد مظاهر الإيقاع المؤثر سنجده في حديث عائلي والإمام على فراش الموت يخاطب ولديه الحسن والحسين ومن وراء قصده المسلمين جميعاً، فتندرج في وصيته تكرار مفردة الله، الله كنظرة جمعية في عدة مواضيع يجدها من مقومات سلوك المسلم وإدامة نور الإسلام، هذا التكرار يخص الأيتام » الجيران » القرآن » الصلاة » بيت الله » الجهاد وهي مناحي تتكون لديه عماد شخصية المسلم الحق وأبجدية سلوكه القويم، وهي بتكرارها تحقق دفعاً باتجاه تركيز الكلام حول الفكرة المراد إيصالها، ص٧٢ ؛ الفكرة التي تُسيرر محور وجوهر الكلام والتي إن استوعِبَت حققت مُراد قائلها، وأنقذت مترجمها.
إنَّ ثمّةَ تواشجاً بين فحوى الفكرة وتجسيدها ؛ بين تقبلها وتطبيقها،، إن الكلام لقولٍ يُراد به صلة تواصل بين قائل وسامع، وهو محصلة إن قُبلت أتت بما ينفع، وإن رُفِضت أو أهملت جاءت بما يضر وما يكرس فضاء الضياع والخسارة ذات الثمن الباهظ .
والباحث يتخذ من أحد أقوال الإمام علي تشريحاً في مختبر إثبات الغرض وتحقيق صدقية الرأي القائل بنسقية التضاد، يقول الإمام الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله، ، إن قراءة هذه المقولة وغيرها مما استشهد بها الباحث لتدفع بالمتلقي إلى التأني في القراءة والإبطاء في فهم القول، فالتضاد في المفردة أو العبارة يربك العملية العقلية ويجعلها تتوقف لبناء صياغة جديدة من المعنى تناهض وتُضاد الصياغة الأولى ؛ إذ تحتاج إلى وقت من اجل إعادة .
الفصل الثاني قسّمَه الباحث هذا الفصل إلى مباحث تتعلق بـ شعرية الإيجاز و شعرية كسر النظام بـ التقديم والتأخير والاعتراض وبضمنها شعرية الجملة الاعتراضية، و شعرية التحويل الوظيفي الاستفهام و شعرية التوكيد والحذف و شعرية المعجمة و عهد الإمام للاشتر النخعي كـ أنموذج تحليلي عام ، وكما نرى فإنها ستة مباحث جهد صانعها في الغور داخل صميم بلاغة الإمام اللغوية بما احتوته من إيجاز يتحقق عبر متطلبات الحالة التي يفرضها الوضع التعبيري، والإيجاز يتحقَّق عادةً في التكثيف الحاصل جراء حاجة أن لا تزداد المفردات فتتسبب في جعل الكلام مهلهلاً والعبارات أقل انفتاحاً على التأويل، ومحصلة التكثيف كثيراً ما تقود إلى شعرية تكريس تأثيرها على المتلقي، صانعة لذاذةً في التقبّل، ورغبة في التتبّع، وهيمنة في التأثير ،، ومن هنا تأتي مقولات الإمام علي سواء في خطبةٍ أو كلمة محلِّقة بجناح لذاذة شعرية عبر فضاء تقبّل مرغوب ومؤثِّر يحفر وجوده في ذائقة المتلقي عبر دلالات متعددة تقود إلى مدلولات منفتحة تفعل فعلها في المتلقي .
ويستشهد الباحث بتراكيب عديدة للإمام جاء فيها الإيجاز تكثيفاً للفكرة ولكن انفتاحاً في المعنى ومنها أن الغاية أمامكم، وإن وراءكم الساعة تحدوكم، تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بأولكم آخركم، ، و أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فان الناس قد اجتمعوا على مائدةٍ شبعها قصير وجوعها طويل، ، و كفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره .
نظرا لضيق المساحة وطول عدد المصادر نحتفظ بها لمن يطلبها المحرر .

منقول من جريدة الزمان الدولية العدد : ٤٢١٧

****************************