وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
مصادر نهج البلاغة – الأول

الشيخ سليمان اليحفوفي (قدس سره)  (*)

تمهيد البحث  [١]
ما خطر لي في يوم من الأيام أن أقف مستدلاً على نسبة نهج البلاغة للإمام علي (عليه السلام)، كما لم يخطر لي في بالٍ أن أستدلّ على أن القرآن هو كلام الله سبحانه. ولكن بدء وقوع الفِتن أهواءٌ تتبّع وآراءٌ تُبتدع، يتولّى فيها قوم قومًا، فيُمزج قليل من الحقّ مع كثير من الباطل فيأتيان معًا، هناك يضلّ مُرتاب ويُعاني محق.
لقد هوّن عليّ حَرَاجة الموقف أن الشُّبهات والشُّكوك أقدم تاريخًا من حياة الإنسان على الأرض. بل من المؤكّد أن الإيذان بخلقه سبّب أول شبهة: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}  [٢].

فتولد لديهم شبهة وهي كيف يجوز جعل خليفة في الأرض يفسد فيها ويسفك الدماء؟
ولعلّهم كانوا يحدّثون أنفسهم بأنهم أولى بهذا المنصب لاستمرارهم في الطاعة والعبادة، وقد ظهر هذا المعنى على ألسنتهم إذ {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}  [٣] فينبغي أن نكون أولى من هذا الخليفة.
فكان لا بدّ من تخلّي الحقّ من الباطل لترتفع الشبهة، {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [٤] ، فتقهقر الباطل وزهق، وظهر الحقّ، {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إلا إبليس} [٥] .

وقد غاظه ظهور الحقّ، وامتنع عن السجود متلبسًّا بشبهة جديدة، وهي ادّعاء مزيد فضلٍ لنفسه على المسجود له، ولا يصحّ سجود الفاضل للمفضول،وتتضح الصورة في هذا الحوار:{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [٦] .
فشبهة إبليس كانت في "الأفضلية"، ثم لُبّس على آدم في شبهة سرّ المُلك والخلود،{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [٧] .
ولكن أبناء آدم أوغلوا في الشبهات حتى شكّوا فيما لم يَشُكَّ إبليس نفسه به، فطالت شُبهاتهم السّاحة القدسية، فقالوا لرسلهم {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}  [٨] .
هذه الشبهات هوّنت عليّ كثيرًا ما أنا فيه، فالشبهة تبدأ صغيرة وربما من واحدٍ فقط، ثم تكبُر وتنمو حتى تشلّ عقولاً كبيرة، وتحتاج في دفعها إلى أسفارٍ ضخمة، كلّما دُفعت من جانب تَفتّقت من آخر، وكأنها جزء من كيان الإنسان، كيف لا وأصالتها ترتبط بتاريخ حياته؟!
وهوّن عليّ كثيرًا أن أقف لأُثبت كلامًا لصاحبه بدون دعوى ولا مدّع، فلِمَن أُثبت وضدّ مَنْ؟ وليس أمامي سوى المُقِرّ والمُقَرّ له.
أأقول للمُقِرّ: إقرارك غير مقبول؟ وهو من أكابر أهل عصره ونقيب زمانه، والذي يقول فيه "زكي مبارك": أما ضمير الشريف فهو عندي فوق الشبهات، وأما اتهامه بالكذب على أمير المؤمنين في سبيل النزعة المذهبية فهو اتهام مردود، ولا يقبله إلا من يجهل أخلاق الشريف  [٩] .
أم أقول للمقرّ له هذا ليس منك؟ وهو باب العلم الذي منه يؤتى!
ولكنّ الخطب يَهون عندما نُجيل الفكر في ملكوت السماوات والأرض فنستقرئ قصة الإنسان مع خالقه، لنجد الخالق المبدع قد خصّص قسمًا كبيرًا من وَحيه ليبطل شبهات مخلوقه، ولينبهه على فسادها وسوء عاقبتها فيقول سبحانه: {وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} [١٠].
لأن اتباع الأهواء يُفسد الكون ويَذهب بتوازن الموجودات ويُخلّ بتماسكها، حيث إن للكون سُنّة، ويسير بموجب فطرة تتأثّر عن بلوغ غايتها بتدخّل الأهواء، ولعلّ التعبير القرآني الكريم عن هذه الحال واضح جدًا بقوله: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [١١].
فاتّباع الشّبهة أساس كلّ فساد في الأرض، وإثارتها إنما نَبع من زَيغ القلوب عن الحقّ ابتغاء الفتنة والنفع القريب.
ومما يهوّن الخطب أكثر بأن الشّبهة هي المائز بين الهُدى والضّلال، "وإنما سُميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحقّ" على حدّ تعبيركَ سيدي الإمام [١٢]، والتخلّص منها هو الحدّ الفاصل بين الإيمان والكفر.
فأما أولياء الله فَضِياؤهم فيها اليقين ودليلهم سَمت الهدى، وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى.
وخفّف عني ما كنت أقاسيه من ضيق في نفسي وصعوبة في موقفي، أني وجدت الشّبهات لا تُحاك إلا حول العظماء، بل هي دليل عظمتهم، ولولاها لما تنامت حولهم الشبهات.
فأول شبهة انطلقت كانت تستهدف أول خليفة بشرية له سبحانه وتعالى في الأرض، وتنامت حتى نالت ساحته القدسية، ومع ذاك لم ينتقم - وهو القادر على كل شيء - بل بَسَط العالم من عظيم رحمته ووَسَّعَ بابها، ونزّه نفسه عن الشبهات والولد والشريك، وأثبت نسبه بقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [١٣] ، ونفى كل الشُّبَه التي لا تليق بجلاله وكماله مما ألصقوه به وشبّهوه .
فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}  [١٤].
عندها طابت نفسي، إذ وجدت أن استهدافَ عظيمٍ في الشبهات إنما هو دليل عظمته، فلولا عظمتك سيدي لم تستهدفك الشُّبَه.
وعظمتك لا تحتاج إلى دليل، بل أنت الدليل عليها، فهي بك تقاس وإليك تنتمي.
فقد عمل أعداؤك ما يستطيعون غير مكتفين بإثارة الشُّبَه حولَك لإطفاء نورك. وخَنَس  [١٥]  أولياؤك ومحبّوك لعدم الحَول والطَّول، وبقِيْتَ تتلألأُ في عَليائك مع كل ما كادوا وما جهدوا.
يكفيكَ عظمةً أنكَ ميزان أعمال البشر، فمن هلك فقد هلك فيك ومن نجا فقد نجا فيك.
فلو لم تكن مقياسًا للعظمة، فكيف يهلك من غالى في حبك؟ أو قلى في بغضك؟ أليس معنى ذلك أنك المقياس؟ فمن زاد أو نقّص فقد هلك؟
منذ أربعة عشر قرنًا وهم يحيكون الشّبهات حول نهجك، فيزداد وضوحًا وانتشارًا، ويتبين أنه جزء من فصاحتك وبلاغتك وعلمك ويظهر لك نهوجًا للفصاحة والبلاغة والكلام.
أرادوا التشكيك في نسبته إليك، فكشفوا لك عن أضعافه.
وأرادوا أن يعارضوك فأصبحوا يقتبسون منك، وأن يجاروك فعادوا كلّاً عليك وأمثلة ذلك أكثر من أن تُعد.
فعبد الحميد الكاتب يقول: (حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت)  [١٦].
وابن نباتة يقول: (حفظت من الخطابة كنزًا لا يزيده الإنفاق إلا سَعَة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب) [١٧] .
ولو أردت أن أقول كل ما قيل فيك من أعالي الكلام لنفد مدادي مهما بلغ مدده، لأن قومًا أرادوا أن يثيروا شبهة في انتساب نهجك إليك فظهر لك مناهج، ولم يبلغوا كل نهوجك، ويكفيني أن أنقل ما قيل في كلامك: أنه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ}  [١٨] .
حاولوا فعجزوا، فَزَاغت قلوبهم فرموك بالشُّبَه فسطع نورك على ما خفي عليهم من بلاغتك.
 

وإذا أراد الله نشرَ فضيلةٍ ***** طُويت أتَاحَ لها لسانَ حَسودِ .
 

قبل أكثر من ثلاثين سنة، كان أحد أساتذتنا في الكلية يشرح نظرية كروية الأرض ودورانها، وتعرّض للأطوار التي مرّت على علماء الطبيعة، والاضطهاد الذي لاقوه من محاكم التفتيش من القتل والتشريد والتحريق الذي أصابهم ثمنًا لعلمهم واكتشافاتهم.
وسادت لدينا - كطلاب - عقيدةُ تخلّف الدين وعدم صلاحيته لمسايرة العصر، وهكذا كانت عقيدة كثير من طلاب المدارس والجامعات نتيجة تلقيهم المعلومات الناقصة.
وكان من نعم الله الخفية عليَّ أنني ذهبت في السنة الثانية بعد تلقّي هذه المعلومات لدراسة العلوم الدينية في النجف الأشرف، وكانت مفاجأة نادرة جدًا بالنسبة لرفاقي سوى أحدهم إذ قال: (ستفوقنا جميعًا ببلاغتك لأنك ستقرأ القرآن ونهج البلاغة).
ارتسمت كلماته في نفسي، وأكببت على نهج البلاغة لكونه أسهل من القرآن، وبدَّلَت معلوماتي هذه القطعةُ من الخطبة ١٨٦:
(وأنشأ الأرض فامسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصّنها من الأود والاعوجاج ومنعها من التهافت والانفراج)
فعجبت لهذه الكلمات القِصار كيف تُلخّص قانون الجاذبية وعمل الإلكترون والبروتون وأحدث النظريات العلمية التي ذهب ضحية القول بها عشرات العلماء والمفكرين.
فالدين إذن ليس متخلّفًا كما أُوحي إلينا، ولكن المستغلّين له هم المتخلفون، فلو أن صاحب نهج البلاغة جاهَرَ بنظرياته وشرَحها شرحًا علميًا مفصلاً لأولئك المتخلّفين بعده بعشرة قرون، لأعدموه مرارًا وأحرقوه تكرارًا، وذرّوه رمادًا في كل بقاع الدنيا حتى لا يُعْثَر منه على أثر.
ووجدت من العلوم في نهج البلاغة أمورًا علمية لم أفهمها حتى اليوم، وإني أنتظر الوجه الذي يكشف عنها الأستار.
كان صاحب النهج (عليه السلام) يعلم بأنه لو كاشف بنظرياته مكاشفةً واضحة لاختلّ وجه زمانه ولاستحل رجالٌ مسلمون دَمَه، يَرَون أبسط ما يأتيه بُهتانًا.
وفي ذلك يقول : (بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة)  [١٩] .
ويوضّح مُلغزًا: (لكنها لهجة غبتم عنها ولم تكونوا من أهلها، ويلُمّه كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء، ولتعلمن نبأه بعد حين)   [٢٠].
وهكذا نراه يتخفى بعلمه، فلا يظهر منه إلا ما تقبله مفاهيم زمانه فيحفظ بذلك العلم وأهله، ولولا ذلك لكان كل ما أصاب العلماء من محاكم التفتيش لا يعدو أن يكون جزءًا يسيرًا مما يستحق بنظرهم. انظر إليه كيف يلغز بعلمه فلا يخون العلم ولا يعرّض نفسه:
(والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت، ولكن أخاف أن تكفروا فـيَّ برسول الله صلى الله عليه وآله. ألا وإني مُفضيه إلى الخاصة ممن يُؤمن ذلك منه، والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق ما أنطِق إلا صادقًا. وقد عَهِدَ إليّ بذلك كله، وبِمَهْلِك من يَهلك ومَنجى من ينجو، ومآل هذا الأمر. وما أبقى شيئًا يمرّ على رأسي إلا أفرغه في أذني وأفضى به إليّ) [٢١].
وعندما يتسرّب منه بعض التفاصيل ويستعظمها السامعون، يبادر ليصحّح لهم معلوماتهم حتى لا ينقلب العلم إلى خلاف غَرَضَه، ويضلّ أُناس بدل أن يهتدوا، فلذلك أجاب من قال له: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، بقوله: (ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلّم من ذي علم)  [٢٢].
وانتصب نهج البلاغة أمام ناظري، قرآن البشرية الناطق، ومترجم كتاب الله المجيد، وموضّح مبهماته ومفسّر مُشكلاته، كاشف أسراره وكاتم ما لم تستطع البشرية احتماله من أخباره، وهكذا هو في نظر جميع الناس.
وأصبحت كلما أريد أن أكتب أو أخطب أو أفكّر، أجدني إما مقتبسًا نصًا أو معالجًا فكرة، أو كاتبًا قطعًا من أفكارِ ونصوصِ ووحي نهج البلاغة.
حتى دفاعي عنه في نسبته لا أجد نفسي إلا تعالج وحيًا كامنًا فيها من نهج البلاغة، وعند استقصائي وجدت أكثر الكُتّاب والأدباء والشعراء على هذا المنوال.
يقول ابن أبي الحديد في مقدمة شرحه:
(وما أقول في رجل تُعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلي حلبتها، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى)  [٢٣].
وقال الشيخ ناصيف اليازجي في وصيته لولده إبراهيم:
(إذا شئت أن تفوق أقرانك في العلم والأدب، وصناعة الإنشاء، فعليك بحفظ القرآن ونهج البلاغة)  [٢٤].
وقال ابن واضح في كتابه مشاكلة الناس لزمانهم :
(وحفظ الناس عنه الخطب، فإنه خطب بأربعمائة خطبة حفظت عنه وهي التي تدور بين الناس، وبستعملونها في خطبهم) [٢٥].
وقال المسعودي:
(والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة ونيف وثمانون خطبة [كان عليه السلام] يوردها على البديهة، وتداول الناس ذلك عنه قولاً وعملاً) [٢٦] .
وقال الجاحظ:

(إن خطب نهج البلاغة كانت مدوّنة محفوظة مشهورة) [٢٧] .

ويقول ابن أبي الحديد:
قال أبو عثمان - الجاحظ -:
[وكان جعفر [٢٨]  يعجب أيضًا بقول علي عليه السلام "أين من جدّ واجتهد، وجمع واحتشد، وبنى فشيّد، وفرش فمهد، وزخرف فنجد. قال: ألا ترى أن كل لفظة منها آخذة بعنق قرينتها، جاذبة إياها إلى نفسها، دالّة عليها بذاتها]!
قال أبو عثمان: فكان جعفر يسمّيه "فصيح قريش". واعلم أننا لا يتخالجنا شك في أنه عليه السلام أفصح من كل ناطق بلغة العرب من الأولين والآخرين إلا من كلام الله سبحانه وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله.
وذلك لأن فضيلة الخطيب والكاتب في خطابته وكتابته تعتمد على أمرين:
هما: مفردات الألفاظ ومركباتها.
أما المفردات: فأن تكون سهلة سلسلة غير وحشية ولا معقّدة، وألفاظه عليه السلام كلها كذلك.
فأما المركبات فحُسن المعنى وسرعة وصوله إلى الأفهام واشتماله على الصفات التي باعتبارها فضل بعض الكلام على بعض... إلخ.
ولا شبهة أن هذه الصفات كلها موجودة في خطبه وكتبه، مبثوثة متفرقة في فرش كلامه (عليه السلام) وليس يوجد هذان الأمران في كلام أحد غيره.
فإن كان قد تعملهّا وأفكر فيها وأعمل رويته في رصفها ونثرها فلقد أتى بالعجب العجاب، ووجب أن يكون إمام الناس كلهم في ذلك لأنه ابتكره ولم يعرف من قبله.
وإن كان اقتضبها ابتداءً وفاضت على لسانه مرتجلة وجاش بها طبعه بديهة من غير روية ولا اعتمال فأعجب وأعجب، وعلى كلا الأمرين فلقد جاء مجليًا والفصحاء تنقطع أنفاسهم على أثره)  [٢٩] .

وقال الشيخ شهاب الدين محمود الآلوسي:
(وسمّيَ (نهج البلاغة) لما انّه قد اشتمل على كلام يخيل أنه فوق كلام المخلوقين دون كلام الخالق عز وجل، قد اعتنق مرتبة الاعجاز وابتدع أبكار الحقيقة والمجاز) [٣٠].

وقال الدكتور زكي مبارك:
(إني أعتقد أن النظر في كتاب نهج البلاغة، يورث الرجولة والشّهامة وعظمة النفس إنه فيض من روحِ قهّار واجه المصاعب بعزائم الأسود)  [٣١].

ويقول الإمام الشيخ محمد عبده في مقدمته لشرح نهج البلاغة:
(فقد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب (نهج البلاغة) مصادفة بلا تعمّل)... إلى أن يقول: (فكان يُخيّل إليّ في كل مقام أن حُروبًا شنّت وغارات شنّت وأن للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة)... إلى أن يقول: (وأن مدبر تلك الدولة، وباسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغيّر المشاهد، وتحوّل المعاهد، فتارةً كنت أجدني في عالم يغمُره من المعاني أرواح عالية. في حُلل من العبارات الزاهية)... إلى أن يقول: (وطورًا كانت تتكشّف لي الجمل عن وجوه باسرة، وأنياب كاشره. وأرواح في أشباح النمور، ومخالب النسور. قد تحفزت للوثاب …
وأحيانا كنت أشهد أن عقلاً نورانيًا، لا يشبه خلقًا جسدانيًا، فُصل عن الموكب الإلهي، واتّصل بالروح الانساني. فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الاعلى... وآناتٍ كأني أسمع خطيب الحكمة ينادى بأعلياء الكلمة، وأولياء أمر الأمة، يعرفهم مواقع الصواب... ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي رحمه الله من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. جمع متفرقه وسماه بهذا الاسم (نهج البلاغة)، ولا أعلم اسمًا أليق بالدلالة على معناه منه. وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد مما دلّ عليه اسمه، ولا أن آتي بشيء في بيان مزيته فوق ما أتى به صاحب الاختيار)   [٣٢].
وأعتقد أن في هذا القليل القليل مما قاله أكابر الفصحاء والبلغاء والمفكرين كفاية لإعطاء صورة عن مقام نهج البلاغة في العالم بأسره، وسيأتي الكلام في انتشاره عند التعرض لجمعه وعدد خطبه.

أول من شكك في نسبة نهج البلاغة
ذكر السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب في كتابه مصادر نهج البلاغة وأسانيده، أن ابن خلكان (ت٦٨١هـ) كان قد بذر بذْرة التشكيك في نهج البلاغة ونسبته للإمام علي (عليه السلام)، حيث قال في كتابه وفيات الأعيان عندما ترجم للسيد المرتضى:
(وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه، هل جَمْعُه؟ أم جَمْعُ أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنه ليس من كلام علي وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه والله أعلم)  [٣٣] .
ويتابع السيد الخطيب كلامه فيقول:
(ثم جاء من بعده كل من الصفدي في "الوافي بالوفيات" واليافعي في "مرآة الجنان"، والذهبي في "ميزان الاعتدال"؛ وابن حجر في "لسان الميزان"؛ وغير أولئك من القدامى والمحدثين، فتابعوه على هذا الرأي).
ثم يحاسب ابن خلكان فيقول:
(وليته دلّنا على واحد من أولئك الناس الذين اختلفوا في جامع نهج البلاغة، وليتك أخي القارئ تعثر لنا على واحد من أولئك الناس في الكتب المؤلفة قبل "وفيات ابن خلكان" وما أكثرها في هذا الوقت)  [٣٤].
وحقيقةً أقول ما أجلّ هذا الكلام للسيد الخطيب سدّده الله وأبقاه، وما أجلّ مؤلّفه العظيم "مصادر نهج البلاغة وأسانيده"، وهو كاف وافٍ لمن أراد الحق وفتش عن الحقيقة، ويدلّك ما فيه على الجهود الجبارة التي بذلها المؤلف لجمع هذا السفر الجليل، فجزاه الله عن الاسلام خيرًا... وإني أحيل المتتبّع على هذا المؤلّف ليكتشف الحقيقة كاملة، كما وأحيله على مؤلِّف جليل آخر يعالج الفكرة نفسها ويذكر الخُطب التي لم تَرد في نهج البلاغة للإمام علي (عليه السلام) وهو نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة لصاحب الفضيلة الشيخ محمد باقر المحمودي، فمن طالع هذين الكتابين الجليلين يستغني عن تتبع مصادر نهج البلاغة، ويجد فيهما أضعاف ما في النهج بالأسانيد المتصلة فجزاهما الله خير جزاء المحسنين.
وبعد التحويل على هذين السفرين الجليلين أرى من نافلة القول ذكري للأسانيد لأنه لا يمكنني أن أستوفي البحث كاملاً كما يجب لحاجته لمؤلَّف كامل لا لمحاضرة، والمحاضرة تومئ للأصل وتهدي إليه وهي بفهرس المواضيع أشبه.
وقد قسّم السيد الخطيب المصادر إلى أربعة أقسام، وما يعنينا منها قسمان:
الأول: مصادر أُلّفت قبل صدور نهج البلاغة للشريف الرضي أي قبل سنة ٤٠٠ هـ، وعدد هذه المصادر مائة وأربعة عشر مصدرًا.
الثاني: مصادر أُلّفت بعد زمن الشريف، وذكرت الأسانيد دون أن تأتي على ذكر الشريف، وأخرى نقلت الكلام بصورة مختلفة عن نقله في نهج البلاغة بدون إشارة إليه وقد بلغ عددها سبعة وعشرين مصدرًا.
أما مصادر الشريف فقد ذكر منها خمسة عشر مصدرًا مصرحًا بها في نهجه.
منها: البيان والتبيين للجاحظ ج٢ ص ٧٦ ؛ المقتضب للمبرد ج٣ ص ٢٦٣؛ تاريخ الطبري ج٣ ص ٢٤٣؛ المغازي لسعيد بن يحيى الأموي ج٣ ص ١٥٠؛ الجمل للواقدي ج٣ ص ١٤٩؛ المقامات لأبي جعفر الإسكافي ج٣ ص١٢٢.
وما يثير العجب ويدعو للتساؤل: لماذا وضع الشريف الرضي أو فصحاء الشيعة هذا الكلام على لسان أمير المؤمنين عليه السلام؟
وكل من يضع شيئًا أو يعمل عملاً يقصد منه غاية ونفعًا.
وجميع الفصحاء والأدباء يفتخرون بما يحفظونه من نهج البلاغة ويقدّسون صاحبه، والوعّاظ يعتبرونه المثل الأعلى، فمن هو هذا العاقل المتواضع (الوضّاع) الذي يهمل اسمه وينسب هذا الكنز الفوّار مجانًا لغيره؟ ما هذا إلا هراء!

---------------------------------------------------------
(*) نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في دورته الأولى، ومؤسس جميعة التوجيه الإسلامي، ومفتي بعلبك، توفي سنة ١٩٧٨م.
[١] . أعدّ الكاتب هذا البحث بناء على طلب من مؤتمر نهج البلاغة العالمي الرابع الذي انعقد في طهران بتاريخ ١٣ رجب ١٤٠٤ الموافق ١٩٨٤م، وقد قامت المجلة ببعض التنقيحات الضرورية.
[٢] . سورة البقرة من الآية٣٠.
[٣] . سورة البقرة من الآية٣٠.
[٤] . سورة البقرة من الآية ٣١.
[٥] . سورة الحجر من الآية: ٣٠-٣١.
[٦] . سورة الأعراف:١٢ .
[٧] . سورة الأعراف:٢٠ .
[٨] . سورة إبراهيم، من الآية :٩-١٠.
[٩] . عبقرية الشريف الرضي ص ٢٢٣-٢٢٤.
[١٠] . سورة المائدة، من الآية ٧٧.
[١١] . سورة المؤمنون، من الآية ٧١.
[١٢] . شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، دار إحياء الكتب العربية: خطبة ٣٨، ٢ /٢٩٨.
[١٣] . سورة التوحيد: الآية ١.
[١٤] . سورة الشورى: من الآية١١ .
[١٥] . خنس: أي تأخر
[١٦] . شرح النهج، ابن أبي الحديد، ١ /٢٤.
[١٧] . نفس المصدر السابق.
[١٨] . سورة يونس، من الآية ٣٨ .
 
[١٩] . شرح النهج، ابن أبي الحديد، خطبة ٥، ١/٢١٣، اضطراب الأرشية: أي اضطراب الحبل المرسل في بئر مطوية بالحجارة.
[٢٠] . المصدر السابق، خطبة ٧٠ ، ٦/١٢٧.
[٢١] . المصدر السابق، خطبة ١٧٣، ١٠/١٠ .
[٢٢] . المصدر السابق، كلام ١٢٨، ٨/٢١٥.
[٢٣] . المصدر السابق، ١/١٧.
[٢٤] . مصادر نهج البلاغة ٣ /٩١، نقلاً عن كتاب (نظرات في القرآن) لمحمد الغزالي ص١٥٤.
[٢٥] . مصادر نهج البلاغة وأسانيده ١/٥٠، نقلاً عن كتاب (مشاكلة الناس لزمانهم) ص ١٥.
[٢٦] . نهج السعادة، المحمودي : ١/١٢، نقلا عن مروج الذهب، ٢ /٤١٩، ط بيروت.
[٢٧] . مصادر نهج البلاغة وأسانيده، السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب،دار الأضواء، بيروت، ١/ ٥٠.
[٢٨] . جعفر بن يحيى وكان من أبلغ الناس وأفصحهم.
[٢٩] . شرح النهج، ابن أبي الحديد، ٦ /٢٧٨.
[٣٠] . مصادر نهج البلاغة وأسانيده ص ٩١، نقلاً عن كتاب (الخريدة الغيبية في شرح القصيدة العينية) لأبي الثناء الآلوسي ص١٣٣.
[٣١] . عبقرية الشريف الرضي ص ٢٢٤.
[٣٢] . خطب نهج البلاغة، تحقيق الإمام الشيخ محمد عبده، دارالمعرفة، بيروت، ١/٣-٤.
[٣٣] . مصادر نهج البلاغة وأسانيده، السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب،دار الأضواء، بيروت، ط٢، ١٩٨٥م، ١/١٠٢.
[٣٤] . نفس المصدر السابق ص١٠٢-١٠٣.

يتبع .......

****************************