وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُل خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                

Search form

إرسال الی صدیق
مفهوم الحـق في البنية السياقية لخطب الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة

الدكتور: صلاح مهدي الزبيدي

(جامعة ديالى ـ كليةالتربية/الأصمعي)

بسم الله الرحمن الرحيم

«أفمَن يَهدي إلى الحقِّ أحقّ أن يُتّبعَ أمَّن لا يَهدي إلاّ أن يُهدى فما لكم كيف تَحكمون»[١].

وقال عليٌّ عليه السلام: (إنما مَثَلي بينكم كمَثَلِ سراجٍ في الظُّلمة. يستضيءُ به من ولَجَها، فاسمعوا أيُّها الناسُ وعُوا، وأحضروا آذانَ قلوبكم، تَفْهموا)[٢].     

إن دراسة مفهوم لفظة (الحق) وما اشتق منها أينما وردت في نصوص نهج البلاغة، لاتفي من وجوهها المختلفة لبيان صورة كاملة عن ذلك المفهوم عموما في تلك النصوص الراقية من خطب وكتب وحكم ومواعظ وغيرها؛ لأن الكلام فيها كلَّه تتبعٌ للحق والصواب، وهو منهج أمير المؤمنين عليه السلام أصلا، وقبله هو منهج القرآن والرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وكذلك الحكمة المعبرة عن الواقع بكل أشكاله.

وإن نصوص نهج البلاغة بدءا من الخطب الخاصة بمعرفة الله تعالى مرورا بمعرفة البشر والحياة والعلم والأخلاق والقانون والعدل وغير ذلك مما ضم نهج البلاغة من الخطب والكتب والوصايا والحكم والمواعظ إنما هي تطبيق لمبدأ الحق في أعلى درجات الحكمة و الصواب والصحة ومطابقتها لمقتضى الحال، بصرف النظر عن وجود لفظة (الحق) من عدمه.

ولما كان منهج الحق عند علي عليه السلام  على تلك الصورة الواسعة والممتدة في كل ثنايا النصوص، الأمر الذي لايمكن أن يحيط به بحث أو دراسة محددة، فقد صار الرأي أن يقتصر البحث الحالي على تتبع مفردة (الحق) بدلالاتها النصية المتعددة فحسب، والأمر المؤكد أنها ستلقي بظلالها على المفهوم العام لمعنى (الحق) في كتاب نهج البلاغة أجمعِه، وهو ذلك المفهوم الذي يتناص مع مفهوم القران الكريم والحديث النبوي الشريف ولا يخرج عن سياقهما البتة.   

انطلق هذا البحث من فكرة صغيرة في حجمها، كبيرة في محتواها، أسست على نص الحديث النبوي الشريف: (علي مع الحق والحق مع علي لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض)[٣]، تُرى ماهو مفهوم لفظ (الحق) ؟ وماذا يقصد به هنا ؟ وماهي هذه الملازمة الوثيقة بين علي والحق ؟.

وبدأت الأفكار تتزاحم وتنهال، الفكرة تلو الأخرى، وبخاصة عندما تفحصت ُ حديثا نبوياً آخر هو: (علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)[٤]، وهنا بدأت الفكرة أكثر جلاءً، فالحديثان صحيحان ومتفق عليهما، ولا ريب في ذلك، وأن لفظ  (الحق) في الحديث الشريف يصبح مرادفا للفظ القرآن في الحديث الآخر باستعاضة كل منهما في موضع الآخر أولا، ولأن القرآن الكريم نطق بذلك في قوله تعالى: (لقد جئناكم بالحقِّ ولكن أكثرَهم للحقَّ كارهون)[٥]، وفي مواضع كثيرة يراد به (القرآن)[٦] أو هو مقترن به ومتلبسا به بعيدا عن الباطل كما في قوله تعالى: (أنزل الكتاب بالحق)[٧].

وهنا تنجلي بعض معالم معنى الحق في الحديث الأول الذي هو: (علي مع الحق والحق مع علي) عبر سعة معنى (القرآن) وماورد فيه، ولست في موضع البحث بما في القرآن الكريم؛ لأنه شامل كامل، بل هو الكمال كله؛ لأنه كلام الله عزّ و جل.

أقول لسعة معنى (القرآن) الكريم وشموليته وكماله، ولأن عليا عليه السلام هو القرآن الناطق كما ورد في بعض الأحاديث الشريفة؛ فإن مفهوم (الحق) لديه قد بُني على مفهوم القرآن، وهو غير خارج عنه البتَّةَ، كما أنه استمد معناه منه في كثير من المواضع.

ولكي نستطيع أن نوضح هذه الفكرة بشكل أكثر دقة وعمقا، لابد أن نقول بأن الحكمة تقتضي أن نعرج قليلا على قضية البلاغة العربية ومن خلالها الى قضية الإعجاز في القرآن الكريم، لنقول بأن البلاغة العربية تُعرَّف بـ(مطابقة الكلام لمقتضى الحال)[٨] وتتجلى هذه المطابقة بأدق صورها وأكثرها جلاء وبيانا في الإعجاز القرآني، ومنه استمدت هذه الدقة والبيان، ليس لأنه كلام الله فحسب، ولكن لأنه يمثل التعبير المثالي عن المعنى أي التعبير عن مقتضى الحال كما يقرره البلاغيون والذين بحثوا في فكرة الإعجاز عموما[٩].

وعندما سمع العرب آيات القرآن الكريم وتحديه لهم بأن يأتوا بآية من مثله، وعجزهم عن ذلك ـ وهم الفصحاء البلغاء ـ نكتشف أنهم كانوا قاصرين وعاجزين عن الوصول الى تأليف نص معجز شبيه بالقرآن في كلامهم أو في شعرهم، وليس صحيحا أنهم كانوا قادرين على ذلك ولكن الله صرفهم عنه كما يذهب المعتزلة[١٠]؛ ذلك أن أدواتهم اللغوية والبلاغية وتفكيرهم البشري كان عاجزا عن تحقيق المطابقة بين كلامهم ومقتضى الحال، إلا  في حدود  بلاغتهم  وفصاحتهم، والفرق كبير بين ما عند الله وبين ما عند البشر، وما عند الله خير وأبقى... وظل الإعجاز وقفا على القرآن دون غيره من الكلام.  

وفي آيات القرآن الكريم تتجلى فكرة المطابقة لمقتضى الحال بأنها رديفة الحكمة وليست أي حكمة، إنها الحكمة الإلهية، ففي قوله تعالى: (قل نزّله ًروح القدس من ربك بالحق ليُثَبّتَ الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين)[١١]، إشارة إلى أن  (الحق) هنا في موضع الحال، أي نزّله متلبسا بالحكمة؛ بثبات القدم وصحة اليقين، وطمأنينة القلوب.

على أن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب[١٢].

ومن هنا يرتبط معنى(الحق) ومفهومه بالحكمة والصواب والثبات، والدقة الشديدة في التعبير والصنع، في مثل قوله تعالى: (خلق السموات والأرض بالحق)[١٣]، أي (بالغرض الصحيح والحكمة البالغة)[١٤]، ومن هنا أيضا نفهم علاقة ذلك المفهوم بمقتضى الحال وما ينبغي أن يكون في وقت محدد وحال محددة من كلام وعمل وغير ذلك.

وهكذا فإن الأمثلةَ كثيرة على من آيات القرآن في هذا السياق، ولكن الذي يعنينا من هذا التفصيل هنا هو ذلك الارتباط الوثيق بين المفهوم البلاغي لمطابقة مقتضى الحال من جهة وبين الحكمة المترجِمة لتلك المطابـَقة الدقيقة  لمقتضى الحال التي تسمى إعجازا  من جهة، وبينهما وبين مفهوم لفظة (الحق) بكل معانيها السياقية في النص القرآني من جهة أخرى.

ذلك الارتباط المحكم الذي ترجمه الإمام علي عليه السلام في مجمل كلامه ترجمةً لغويةً بلاغيةً فكريةً عقيديةً إيمانيةً، بأروع الصور والمعاني. 

وبعد هذه المقدمة التي لم أجد بدا من ذكرها، أحاول أن أستجلي معاني لفظة (الحق) من المعجم اللغوي الذي لا تختلف فيه المعاني ولا تنفصل عن مفهومها فيما سبق لنا من الكلام، وإنما تتعزز بتعدد المعاني في الاستخدام اللغوي والمجازي بحسب السياق العام لنصوص نهج البلاغة.

وقد أوليت كتاب (أساس البلاغة) للزمخشري اهتماما خاصا لبيان معاني هذه اللفظة، فضلا عن (لسان العرب) لابن منظور؛ لأن الأول يولي المعنى المجازي للفظة عناية خاصة، وكذلك المعنى الاصطلاحي، فضلا عن المعنى اللغوي البحت.   

معنى (الحق) في اللغة:

ورد في لسان العرب لابن منظور أن (الحق) نقيض الباطل  ولبيك حقا حقا، أي غير الباطل، وفي قوله تعالى: (ولا تُلبسوا الحقَّ بالباطل)، الحق أمرُ النبي وما أتى به من القرآن.

وكذلك في قوله تعالى: (بل نقذفُ بالحق على الباطل). ويذكر أن فيه أيضا معنى الوجوب والتثبت[١٥].

أما الزمخشري فيقول: (حقَّ الله ُالأمر حقاًّ: أثبته وأوجبه، حقّقت الأمر: كنتُ على يقين منه، وحقّقت الخبر: وقفت على حقيقته، و حقَّ لك أن تفعل: جُعل حقّاً لك أن تفعل، وأُثبت لك ذلك. و قولٌ حقٌّ بمعنى ثابت ٌيقين، ومن أسماء الله تعالى، و أحقَّ الله الحقَّ: أظهره وأثبته)[١٦]، كما في الآية الكريمة: (يُحِقُّ الله الحقَّ بكلماته)[١٧].

ولا يختلف الاثنان في شيء من المعنى إلا زيادة أو نقصان أحدهما عن الآخر في تفصيل المعنى.   

معنى (الحق)مجازا:

طعنة محتقّة: لازيغ فيها، لاتخطئ، وثوب محققُّ النسج: مُحكَمُه، وكلام محقّقٌ: محكم النظم. و حقّقتُ العقدةَ: أحكمتُ شدّها[١٨].  

ويتضح أن كل المعاني تدور حول معنى الوجوب والصواب والثبات والإحكام والإظهار المتيقن منه.

وقد اقترن لفظ  (الحق) في بعض آيات القرآن الكريم بما يرادفه من معنى، كقوله تعالى: (حق اليقين)[١٩]، بمعنى  محض اليقين أو عين اليقين[٢٠]، وذلك زيادة في الدقة والتأكيد على الصواب.

وكذلك، (دين الحق) في مواضع من القرآن الكريم، وأراد به الدين الصواب القويم (الدين القيم) وهو الإسلام. ومن معانيه أيضا الحكمة البالغة كما سبقت الإشارة إليها، وكذلك معنى التوحيد لله تعالى في قوله: (إلا من شهد بالحق)[٢١]، وكذلك في قوله تعالى: (الله يقضي بالحق)[٢٢]، أي بالعدل[٢٣].

وتتعدد المعاني بحسب البناء اللغوي في سياق النص، وقد يحتمل اللفظ  في موضعه أكثر من معنى، على وفق القصد من الكلام، ومن هنا كان اختلاف المفسرين في فهم النص القرآني على وجه الخصوص، إذ تعددت لديهم وجوه التفسير.  

لفظ (الحق) في نهج البلاغة:

وردت المفردة في نهج البلاغة بصيغ مختلفة وعلى النحو الآتي: 

وردت بصيغة الاسم  (حق) أو (الحق): ١٢٧  مرة  في الخطب، ٤٥ مرة في الكتب الموجهة إلى الولاة وغيرهم، ١٦ مرة في الأقوال والحكم والمواعظ.

كما وردت بصيغة (حقاًّ): ١٠ مرات في الخطب، ٥ مرات في الكتب المرسلة، ٢  مرتين في الحكم والمواعظ. كما وردت لفظة (حق) مضافة إلى الضمائر مثل: (حقي، حقه، حقكم) أو بصيغة الجمع (حقوق) ٥٧ مرة في مختلف المواضع. وبذلك يكون مجموع تكرار هذه المفردة بالصيغ المذكورة ٢٦٢ مرة في نهج البلاغة، وهي الصيغ التي يمكن وصفها بالمؤثرة في سياق النص ولها الأثر البالغ في توجيه المعنى.

ولم ندخل في الحسبان  المشتقات الأخرى من اللفظة الأصلية  كالأفعال وغيرها لخروجها عن مجال ذلك التأثير، ولكون استخدامها كان واقعا في مجال الاستخدام العام في التركيب اللغوي وأداء المعنى.  

ومن الأهمية البالغة في تتبع هذه القضية الإحصائية أن نذكر بان هذه المفردة قد شغلت حيزا كبيرا من بين جميع الألفاظ والمفردات التي وردت في نهج البلاغة من كلام علي عليه السلام، لأهميتها الدلالية على غيرها من المفردات[٢٤].

كما أن من الأهمية الكبيرة أن نقرر بان أكثر الخطب التي تكررت  فيها هذه اللفظة[٢٥] مرة هي خطبة الإمام عليه السلام بصِفّين التي يبدؤها بقوله: (أما بعد؛ فقد جعل الله لي عليكم حقا بولاية أمركم...الخ)[٢٦] وهي من الخطب المهمة التي تضمنت دستور الحكم، وما للراعي وما للرعية، ووضع الحقوق في نصابها.

وان أكثر الكتب التي تكررت فيها اللفظة (١٥) مرة هو كتابه المشهور الذي عهد به إلى مالك الأشتر حين ولاه على مصر وانه من أطول كتبه، وهو غني عن التعريف[٢٧].

وتعليل ذلك واضح من أهمية هذين النصين وعلاقتهما بإقامة الحق وإبطال الباطل. وربما تتضح  بعض دلالاتهما فيما يأتي من البحث.        

وضحت الكثير من نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وما نصت عليه اللغة معاني استخدامات لفظة (الحق)  وألقت الضوء على سياقاتها في النصوص المختلفة، كما أنها أغنت التصور الحاصل لدى المتلقين في هذه القضية.

وحيث أن اقتران اسم علي عليه السلام بهذه المفردة في الحديث النبوي عبر الأحاديث التي سبق ذكرها قد أكسبها حاجة متزايدة الى معرفة الكثير من الفهم ووضوح الصورة بشأنها، وهو أمر ليس باليسير لما يتمتع به من عمق فكري ولغوي وبلاغي، فضلا عن ارتباطه بالقرآن وقيم السماء وسيرة النبوة الشريفة، وهي الأسس المهمة التي ساهمت في صياغة شخصية الإمام علي عليه السلام وما افرزته تلك الشخصية من مزايا عظيمة هي نتاج العصمة، وأولها وعلى رأسها معيتُها والتزامها المطلق بالحق، عبر ما تركته لنا من تراث فكري ضخم بحجمه ونوعه.

ولا نريد أن نبتعد كثيرا إذ من حق البحث أن يتساءل، أي حق هـذا الـذي يقرنه النبي عليه الصلاة والسلام باسم علي عليه السلام في أحاديثه الخاصة بهذا الموضوع ؟ وهل يعرف النبي (حقا) غير الحق الذي أنزلته السماء وصرح به القرآن بشأنه في آياته الكثيرة ومنها التي استشهدنا ببعض منها ؟ وأحاط فيها بكل صغيرة وكبيرة على مدى الدهر إلى قيام الساعة ؟  أم أن هناك (حقا) غيره لم يأت على بال أحد ؟  وهو ضرب من المحال، ولو افترضنا وجود مفهوم للحق غير الذي نحن بصدده فأين نجده ؟ !!.

لقد جسَّـد علي بن أبي طالب الحق الذي نزل به الوحي بكل أبعاده ومعانيه، عبر إيمانه برسالة الإسلام.

وما هي إلاّ سلسلة هو حلقتها الثانية في نظام العِقد الإسلامي، وقد حمل مفاهيم الحق بكل أمانة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن المؤكد والضروري أن نتبين أن الحق عند علي ليس كالحق عند غيره عندما يدعيه الآخر، فالحق عند علي قد تتعدد أشكاله، وتتنوع مفاهيمه ومعانيه، ولكنه واحد لا يتعدد ولا يتغير بإزاء الباطل، وقد يعلو صوت الباطل، ولكنه يبقى باطلا مثلما يبقى الحق حقا.

ولا يشك علي عليه السلام بالحق أو يلتبس عليه، فهو يقول في إحدى خطبه: (ماشككت فـي الحق مذ أُريتـُُهُ)[٢٨]، أليس هو الفاروق بين الحق والباطل ؟ فكيف يمكن أن يلتبس عليه.

لقد ميز علي عليه السلام في مواضع كثيرة من كلامه بين الحق وبين الباطـل، كما ميز بين القصد الي كل منهما، فقد ذكر في كلام له ما يفرق بين الاثنين بقوله: (ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه)[٢٩]، والفرق كبير بين القصد الى عمل الحق وبين القصد الى طلب الباطل وإصابته، وهي درجة أدنى من القصد الى طلب الحق وتحقيقه، بل الإلحاح في تحقيقه وإقامته وإزهاق الباطل، وتلك هي الدرجة المثلى في تقويم مسارات الانحراف عن جادة الحق التي تتمثل بتأكيده عليه السلام بأسلوب القَسم الشديد بقوله: (وأيمِ الله لأبقرنَّ الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته) أو(من جنبـه) في روايـة أخرى[٣٠].

إذن هو ليس حياديا أمام الحق والباطل وإنما ديدنه ملاحقة الباطل حيثما وجده لكي يمحقه ويقيم راية الحق بديلا.

وللمتتبع لكلام علي عليه السلام في نهج البلاغة أن يعرف مدى ما بذل من جهود حثيثة في مقارعة الباطل وآثامه ودعوته المباشرة أو بالنقد أو بالوصية والنصيحة والوعظ الى اجتنابه والتزام جانب الحق، ووضع خطاًّ فاصلا للتفريق بين الاثنين: (الباطل أن تقول سمعت والحق أن تقول رأيت)[٣١] في إشارة منه الى موضع الأذن والعين وما يفرق بين موضعيهما إلا أربع أصابع.

وبإزاء لفظة (الحق) التي وردت بصيغة واحدة، في حين ورد المعنى المضاد لها متعددا في أساليبه، وهو في الغالب لبيان وتوضيح الشيء  بضده من خلال أسلوب التضاد المعروف في علم البلاغة بالطباق.

ففي الفلسفة يقال انك لاتعرف الشيء إلا إذا عرفت نقيضه، فلا تعرف الأبيض إلا إذا عرفت الأسود ولا تعرف الليل إلا إذا عرفت النهار، وهكذا مع الحار والبارد وغير ذلك من المتضادات.

ونستطيع أن نقول هنا أن الحق ومميزاته لايعرف  ولا يدرك إلا بمعرفة الباطل وفهم صفاته، وكذلك لا يعرف الصواب إلا عند معرفة الخطأ.

وقد أراد عليه السلام ذلك ودعا إليه في مواطن كثيرة من كلامه حين عمق الهوة بين الحق والباطل وفرق بينهما عندما قرنهما في علاقة التضاد هذه، ليضع الحق أمام الناس كي يقتدوا به ويعرّفهم الباطل ليجتنبوه.

لقد اقترن (الحق) بصيغ متعددة من الباطل في هذه العلاقة الأسلوبية التي عبرنا عنها بالطباق أو التضاد، ولزم الحق حالة واحدة في اللفظ، بينما ورد الباطل مرة بلفظه المعروف، كما ذكرنا في الأمثلة السابقة، ومرة بألفاظ مرادفة للباطل أو بصفة من صفاته؛ ومنها لفظة (الهوى) كما في قوله عليه السلام: (فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق)[٣٢]،  إذ وضع الهوى في موضع النقيض من الحق، وكذلك في كلامه في وصف عمرو بن العاص: (وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة)[٣٣]، فكان نسيان الآخرة هوالمعادل للانغماس في لذات الدنيا وهو من الباطل المضاد لمعنى الحق الذي يدعو الى تذكر الآخرة والعمل من اجلها.

ووصفه هذا  لعمرو بن العاص على العكس من وصفه لأبي ذر الغفاري حين قال له وهو يودعه عند نفيه إلى الربذة: (لايؤنسنّك إلا الحق ولا يوحشنّك إلا الباطل)[٣٤].

وفي خطبة الجهاد المشهورة التي أولها: (أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة...) يحث أصحابه عليه ويذكرهم بعواقب التأخر عنه بقوله: (فمن تركه رغبة عنه ألبسـه الله ثوب الـذلِّ، وأذيل الحق منه)[٣٥] في استعارة رائعة بمعنى أصابه الذل وابتعد الحق عنه، أي أصبح مجانبا للحق، مقتفيا أثر الباطل.وقد اشتق المعنيين من  لفظة (الذل) وصاغ منها الفعل المبني للمجهول.

ومن لفظ (الحق) تتفرع معان عديدة يمكن أن نتلمسها في نهج البلاغة وبها تنفتح مغاليق معاني الحق.

وكل معنى سام كبير يقع تحت جناحيه، كما أن كل معنى رديء ينطوي عليه الباطل.

وقد ذكرنا أنّ الحكمة في موضعها هي الحق الذي يقتضيه الحال، وهي ضالة المؤمن كما يقال، لأنه يبحث عن العدل والصواب والثبات والمساواة وغيرها من المعاني التي تقع ضمن ها السياق.

ففي كلامه عليه السلام: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق)[٣٦] يريد العدل والحكم العادل.ولكن خطابه للقوم: (خلفتم  الحق وراء ظهوركم وقطعتم الأدنى ووصلتم الأبعد)[٣٧] بمخالفتهم الصواب والمنطق الذي لم يعرف إلا بعد أكثر من مائة سنة، وهو يقتضي منكم العكس بصلة الأقربين والقطيعة مع الأبعد، مؤكدا على معنى المودة في القربى، فهو قانون الهي أكدته القيم السماوية والوضعية بعد ذلك.

ويقرأ عليه السلام مايأتي من الزمان فيصفه بأنه (زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق)[٣٨] يتغلب فيه الباطل وتكون له صولة يخبو فيها صوت الحق والحقيقة ويتجاهر الناس بغيره حيث تتبع أهواءها.وقد كانوا قبل ذلك يتركوا الحق وهم يبصرونه)، وينفروا (منه نفار الصحيح من الأجرب)[٣٩] وقصد  بـه الجمل خوف العدوى، وهو من تشبيهاته النابعة من صميم البيئة الاجتماعية في ذلك الوقت.

كل ذلك هربا وخوفا من الحق، وهم في ذلك أسوأ حالا من القوم الذين يسعى إليهم يدعوهم إليه لأنهم (حيارى عن الحق لايبصرونه)[٤٠] وربما فاء بعضهم إليه.

وفي الاقتصاد ومثلما أشار القرآن الكريم الى عدم الإسراف  بقوله عز وجل :(كلوا واشربوا ولا تسرفوا) وفي أكثر من آية، فإن الإمام عليه السلام له نظرة اقتصادية ثاقبة دلت عليها بعض أقواله، مثل قوله: (إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف)[٤١] بمعنى وضعه في غير موضعه دون استحقاق.

وكان علي عليه السلام كما يبدو من خطبه وسياق أقواله حريصا على البيان شغوفا به ، لا يترك فرصة إلا وكان آخذا  بناصية البلاغة فيها، ولا فكرة إلا صاغها بكلمات تقرع القلوب قبل العقول، ولذلك تبدو لغته أخاذة تشد إليها النفوس ويشهد لها الجميع.

ومن سمات أسلوبه استخدامه بعض الاستعارات لغاية يقتضيها القصد من الكلام، فهو حين يريد أن يحبب الحق الى نفس سامعه يضفي عليه عبارات الرقة والعذوبة، فيصفه حينا بـ (منهل الحق)[٤٢] وحينا آخر بـ (أودية الحق وغيطانه)[٤٣] ليقربهم من سبيل الرشاد وصواب العدل.

وكان يشجع أصحابه على الثبات في القتال ليلة الهرير من صفين ويقول: (اضربوا حتى ينجلي لكم عمود الحق)[٤٤] وكانوا يلفهم الظلام وبحاجة الى عمود الفجر وعندها يجب ان ينجلي الحق مع طلوع الفجر بإزهاق الباطل وخذلانه، وهو بذلك يشد من أزرهم ويحبب لهم النصر، وهو الذي عرفهم الحق وسط غمار الضلال ويذكر دائما بقوله : (أقمت لكم على سنن الحق في جوادّ المضلّة)[٤٥] أي في سبل الضلال  والجواد هنا جمع جادة.

وأخيرا أراد أن يلقي الحجة عليهم فقد ترك فيهم عترة نبيهم ووصفهم بـ (أزمّة الحق وأعلام الدين)[٤٦].

ولكن لا رأي لمن لايطاع.

---------------------------------------------------------------------
[١] . سورة يونس، الآية: ٣٥.
[٢] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط٣، ١٤٣٠ هـ  ٢٠٠٩ م: م٧،١٣/٦٦.
[٣] . تاريخ بغداد: ١٤/٣٢٢، تاريخ ابن عساكر: ٣/١١٧. بحار الأنوار: ٣٨/٣٨. فرائد السمطين ١/١٧٧ برقم ١٤٠.وقال الفخر الرازي: ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل قول (النبي) عليه السلام (اللهم أدر الحق مع علي حيث دار): التفسير الكبير ١/٢٠٥.
[٤] . المستدرك على الصحيحين للنيسابوري: ٣/١٣٤ برقم ٤٦٢٨. تاريخ بغداد ١٤/ ٣٢٢، تاريخ ابن عساكر ٢/١٢٠ وينظر: تاريخ دمشق ٤٢/٤٤٩.
[٥] . سورة الزخرف، الآية ٧٨.
[٦] . ينظر تفسير الكشاف للزمخشري، طبعة دار المعرفة، ط٣، بيروت ١٤٣٠هـ٢٠٠٩ م: ٩٩٦.
[٧] . سورة الشورى، الآية ١٧. ينظر الكشاف للزمخشري: ٩٧٦.
[٨] . التلخيص في علوم البلاغة للقزويني: ٣٣، وينظر جواهر البلاغة للسيد احمد الهاشمي: ٣٢.
[٩] . مثل: دلائل الإعجاز للجرجاني، إعجاز القرآن للباقلاني، وغيرها.
[١٠] . ينظر إعجاز القرآن للباقلاني: ١٩ ومابعدها. تاريخ الفكر العربي الى أيام ابن خلدون: ٢٢٥.
[١١] . سورة النحل، الآية ١٠٢.
[١٢] . ينظر الكشاف: ١٨٤.
[١٣] . سورة التغابن، الآية ٣، وينظر في تفسيرها الكشاف: ١١١٢.
[١٤] . الكشاف: ١١١٢.
[١٥] . ينظر:  لسان العرب لابن منظور ، مادة: حقق.
[١٦] . أساس البلاغة للزمخشري، مادة: حقق.
[١٧] . سورة يونس، الآية ٨٢.
[١٨] . أساس البلاغة للزمخشري، مادة:  حقق.
[١٩] . سورة الحاقة، الآية، ٥١.
[٢٠] . الكشاف: ١١٣٨.
[٢١] . سورة الزخرف، الآية ٨٦.
[٢٢] . سورة غافر، الآية ٢٠.
[٢٣] . الكشاف: ٩٥٤.
[٢٤] . ينظر المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: مادة: حق، الحق ومشتقاتها، ص ٧٠١ ـ ٧٠٩.
[٢٥] . أساس البلاغة للزمخشري، مادة: حقق.
[٢٦] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: م٦، ١١/٦١.
[٢٧] . المصدر نفسه: م٩، ١٧ / ٢٢ وما بعدها.
[٢٨] . المصدر نفسه: م١، ١/ ١٥٩.
[٢٩] . المصدر نفسه: م٣، ٥/٥٢.
[٣٠] . المصدر نفسه: م٤، ٧/٧٩.
[٣١] . المصدر نفسه: م٥، ٩/٥٢.
[٣٢] . المصدر نفسه: م١، ٢/٤٧٤.
[٣٣] . المصدر نفسه: م٣، ٦/٣٦٤.
[٣٤] . المصدر نفسه: م٤، ٨/٣٧٢.
[٣٥] . المصدر نفسه: م١، ٢/٣٠٨.
[٣٦] . المصدر نفسه: م٥، ٩/١٩٠.
[٣٧] . المصدر نفسه: م٥، ٩/١٨٨.
[٣٨] . المصدر نفسه: م٥، ٩/٧٣.
[٣٩] . المصدر نفسه: م٥، ٩/٧٤.
[٤٠] . المصدر نفسه: م٤، ٨/٢٧٥.
[٤١] . المصدر نفسه: م٤، ٨/٢٧٩.
[٤٢] . المصدر نفسه: م٥، ٩/٢٤.
[٤٣] . المصدر نفسه: م٦، ١١/٧.
[٤٤] . المصدر نفسه: م٣، ٥ /١١٢.
[٤٥] . المصدر نفسه: م١، ١/١٥٩.
[٤٦] . المصدر نفسه: م٥، ٥.

المصادر والمراجع:

القرآن الكريم

ـ أساس البلاغة للزمخشري، دار إحياء التراث العربي، ط١، بيروت ـ لبنان، ١٤٢٢هـ ـ ٢٠٠١ م.

ـ إعجاز القرآن للباقلاني، تحيق السيد احمد صقر، دار المعارف بمصر،١٩٦٣ م.

 ـ بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، ط١،دار الأميرة للطباعة والنشر، ٢٠٠٨ م.

 ـ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، تحقيق: بشار عواد معروف، دار الغرب  الإسلامي، ط١،١٤٢٢هـ ـ ٢٠٠١ م.

 ـ تاريخ دمشق لابن عساكر، دراسة وتحقيق: محب الدين عمر بن غرامة  العمري دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت د.ت.

 ـ تاريخ الفكر العربي الى أيام ابن خلدون، عمر فروخ، دار العلم للملايين  بيروت، ١٣٩٢هـ ـ ١٩٧٢ م.

ـ التفسير الكبير، فخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، ٢٠٠٤ م١٤٢٥ هـ.

ـ التلخيص في علوم البلاغة للقزويني، شرح عبد الرحمن البرقوقي،المكتبة التجارية، مصر. ١٩٣٢ م.

ـ جواهر البلاغة  في المعاني والبيان والبديع، السيد احمد الهاشمي، د. ت.

ـ دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، تعليق: محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان، ١٣٩٨ هـ ـ ١٩٧٨ م.

ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، تعليق: الشيخ حسين الأعلمي مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، ط٢، بيروت ـ لبنان، ١٤٢٥ هـ ـ٢٠٠٤ م.       

ـ فرائد السمطين، صدر الدين الحموني الخراساني، تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي، بيروت،  ١٣٩٨ م.

ـ الكشاف، للزمخشري، علق عليه: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة بيروت ـ لبنان، ط٣، ١٤٣٠ هـ ـ ٢٠٠٩ م.

ـ لسان العرب، ابن منظور، طبعة مصورة عن  طبعة بولاق / مصر.

ـ المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، موقع المجلس العلمي للكتب والمخطوطات، شبكة المعلومات.

ـ المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، دار التعارف للمطبوعات، ط١، بيروت ـ  لبنان، ١٤١٠ هـ ـ ١٩٩٠ م.

****************************