سد الأبواب.. إلا باب علي (عليه السلام)..
سد الأبواب الشارعة في المسجد:
وفي السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة أمر النبي "صلى الله عليه وآله" بسد الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب علي "عليه السلام"..
ويبـدو أن ذلـك قـد أحـدث هـزة عنيفـة بين المسلمين، لا سيـما وأنه ـ بنظرهم ـ قد أجاز له أن يدخل المسجد في كل الحالات، كما صرحت به النصوص. وهو تأويل عمليٌ لآية التطهير وتكريس عمليٌ لها.
مع أن بإمكانهم أن يستفيدوا من هذه القضية بالإضافة إلى آية التطهير إن الجنابة الموجب للعجز عن دخول المسجد لا تتحقق بالنسبة للمعنيين بالآية، ومن أجاز النبي لهم الدخول إلى المسجد في جميع الأحوال.
ومهما يكن من أمر، فقد قال الناس في ذلك ـ ولا سيما قريش ـ : سددت أبوابنا، وتركت باب علي "عليه السلام"؟!
فقال: ما بأمري سددتها، ولا بأمري فتحتها.
أو قال: ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي وتركته، ولكن الله أخرجكم وتركه، وإنما أنا عبد مأمور، ما أمرت به فعلت، إن أتبع إلا ما يوحى إلي. أو ما هو قريب من هذا.
وفي بعض النصوص: أنه "صلى الله عليه وآله" صعد المنبر وقال ذلك، وهو في حالة غضب، بعد أن عصوا أمره مرتين، ولم يطيعوه إلا في الثالثة.
وهذا الغضب والحنق منه قد أيدته وأكدته النصوص الكثيرة، فلا مجال للتشكيك فيه.
ويقولون: إن حمزة خرج يجر قطيفة حمراء، وعيناه تذرفان يبكي، فقال له "صلى الله عليه وآله": ما أنا أخرجتك وأنا أسكنته، ولكن الله أسكنه [١].
وقد نقلنا بالواسطة عن: غاية المرام ص٦٤٠ وأرجح المطالب (ط لاهور) ص٤٢١ والكشاف ج١ ص٣٦٦ وأحكام القرآن للجصاص ج٢ ص٢٤٨ وأخبار القضاة ج٣ ص١٤٩ والخصائص الكبرى ج٢ ص٢٤٣ ورواه أيضاً: الطبراني في الكبير والأوسط، وأبا يعلى، وسعيد بن منصور، والضياء في المختارة، والكلاباذي، والبزار، والعقيلي، وابن السمان، وكثير غيرهم.
بل في نص آخر: أنه "صلى الله عليه وآله" قال لعلي: انطلق فمرهم فليسدوا أبوابهم، قال: فانطلقت فقلت لهم، ففعلوا إلا حمزة فقلت: يا رسول الله، فعلوا إلا حمزة.
فقال "صلى الله عليه وآله": قل لحمزة: فليحول بابه.
فقلت: إن رسول الله يأمرك أن تحول بابك، فحوله، فرجعت إليه وهو قائم يصلي.
فقال: ارجع إلى بيتك [٢].
بل في بعض الروايات: أن منادي رسول الله "صلى الله عليه وآله" أمرهم بسد أبوابهم، فلم يقم أحد، وفي الثالثة: خرج فقال: سدوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب، فخرجوا مبادرين.
وخرج حمزة يجر كساءه..
إلى أن تقول الرواية: فقالوا: سد أبوابنا وترك باب علي، وهو أحدثنا؟!
فقال بعضهم: تركه لقرابته.
فقالوا: حمزة أقرب منه، وأخوه من الرضاعة، وعمه إلخ.. [٣].
هذا هو إجمال القصة، وقد يجد المتتبع خصوصيات متناثرة في المصادر المختلفة، ولكنها لا تخلو ـ عموماً ـ من هنات تجعل الإهتمام بها غير مطلوب.
غير أننا نشير هنا إلى الأمور التالية:
رواة الحديث، ومدى اعتباره:
يقول الجويني: "حديث (سد الأبواب) رواه نحو من ثلاثين رجلاً من الصحابة، أغربها حديث عبد الله بن عباس" [٤].
وقد روى له السيوطي فقط حوالي أربعين طريقاً على ما قاله الحجة الشيخ المظفر [٥].
وممن رواه من الصحابة: علي "عليه السلام"، عمر بن الخطاب، ولده عبد الله، زيد بن أرقم، البراء بن عازب، عبد الله بن عباس، أبو سعيد الخدري، جابر بن سمرة، أبو حازم الأشجعي، جابر بن عبد الله، عائشة، سعد بن أبي وقاص، أنس بن مالك، بريدة، أبو رافع مولى رسول الله "صلى الله عليه وآله"، حذيفة بن أسيد الغفاري، ابن مسعود، أبو ذر الغفاري، أم سلمة أم المؤمنين. ورواه أيضاً: عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب أبو الحمراء، وحبة العرني، وكيسان البراد، وغيرهم [٦].
النواصب وحديث سد الأبواب:
وبعد ما تقدم، لا يصغى لقول ابن الجوزي، وابن كثير، وابن تيمية: إن حديث سد الأبواب ليس بصحيح.
أو أنه من وضع الرافضة [٧].
فإن تواتر هذا الحديث في كتب أهل السنة، وتصحيح حفاظهم لكثير من طرقه، ورواية العشرات من الصحابة له، أي نحو ثلاثين صحابياً وربما أكثر. إن ذلك لا يمكن أن يخفى على أحد.
وإذا جاز: أن يضع الرافضة مثل هذا الحديث، ويدخلوه في عشرات الكتب والمسانيد، فإنه لا يمكن الوثوق بعد هذا بأي حديث، ولا كتاب، ولا بأي حافظ من أهل السنة.
هذا بالإضافة إلى ما في هذه الدعوى من رمي أمة بأسرها بالبله والتغفيل الذي لا غاية بعده.
ويكفي أن نذكر: أن العسقلاني بعد أن ذكر ستة من الأحاديث في سد الأبواب إلا باب علي، قال: "وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً، وكل طريق منها صالح للإحتجاج، فضلاً عن مجموعها" [٨].
ثم ذكر: أن ابن الجوزي لم يورد الحديث إلا من طريق سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وابن عمر، مقتصراً على بعض طرقه عنهم، وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته [٩].
وقال العسقلاني أيضاً بعد أن ذكر بعض طرقه: "فهذه الطرق المتظاهرة (المتضافرة) من روايات الثقات تدل على أن الحديث صحيح دلالة قوية، وهذه غاية نظر المحدث" [١٠].
وقال: "فكيف يدَّعى الوضع على الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم؟! ولو فتح هذا الباب لادُّعي في كثير من الأحاديث الصحيحة البطلان، ولكن يأبى الله ذلك والمؤمنون" [١١].
تاريخ هذا الحدث:
قد يقال: إن ذكر العباس في عدد من روايات هذا الحدث يدل على أنه إنما حصل بعد فتح مكة.. فمن الروايات التي تضمنت ذكر العباس نذكر:
١ ـ روي عن أبي سعيد الخدري: أن النبي "صلى الله عليه وآله" حين أخرج العباس وغيره من المسجد قال العباس: تخرجنا ونحن عصبتك وعمومتك، وتسكن علياً؟!
فقال له "صلى الله عليه وآله": ما أنا أخرجتكم وأسكنته، بل الله أخرجكم وأسكنه [١٢].
٢ ـ وثمة رواية عن علي "عليه السلام" تذكر العباس [١٣].
٣ ـ هناك رواية ثالثة عن جابر بن سمرة تقول: إن العباس طلب أن يترك له النبي "صلى الله عليه وآله" قدر ما يدخل هو وحده ويخرج.. فلم يرض، بل سدها غير باب علي..
قال: وربما مر وهو جُنب [١٤].
٤ ـ رواية أخرى عن سعد بن أبي وقاص تذكر العباس أيضاً [١٥].
٥ ـ رواية عن أبي الطفيل لمناشدة علي "عليه السلام" لأهل الشورى ذكر علي "عليه السلام" فيها اعتراض حمزة والعباس [١٦].
ونقول:
إننا نلاحظ على ما تقدم:
١ ـ أن الرواية الأخيرة لا تصح:
أولاً: لأن العباس لم يكن في المدينة منذ هاجر حمزة إلى حين استشهاده "عليه السلام" إلى فتح مكة، فلا معنى لذكرهما معاً في الرواية.
ثانياً: إن روايات المناشدة الأخرى لم تذكر العباس..
٢ ـ بالنسبة لرواية سعد بن أبي وقاص نلاحظ: أن نصاً آخر لها لم يصرح باسم العباس، بل عبرت بكلمة "عمه" فقط [١٧]. فلعل المقصود به حمزة رحمه الله.
٣ ـ إن لرواية جابر بن سمرة نصاً آخر يقول: إن رجلاً قال ذلك، من دون تصريح بالاسم أيضاً [١٨].
فلعل الرواة الذين نقلوا عن سعد، وعن جابر اجتهدوا في هذا الأمر من عند أنفسهم. أو أنه هو الذي سبق إلى ذهن الرواة، لأنس أذهانهم به.
٤ ـ إننا نستبعد أن يترك النبي "صلى الله عليه وآله" الصحابة حوالي ثمان سنوات يمرون في المسجد في حال الجنابة.
٥ ـ بعض الروايات ذكرت: أنه "صلى الله عليه وآله" أرسل إلى أبي بكر وعمر يأمرهما بسد أبوابهما، ففعلا، ثم "أرسل إلى عثمان ـ وعنده رقية ـ فقال: سمعاً وطاعة، ثم سد بابه.." [١٩].
وذلك يدل على أن سد الأبواب كان قبل واقعة بدر، لأنها "رحمها الله" إنما توفيت بعد بدر مباشرة على الأشهر، أو في ذي الحجة [٢٠] .
٧ ـ والأهم من ذلك ما روي عن عدد من الصحابة من ذكر حمزة بن عبد المطلب في هذا المورد، وهو إنما استشهد في واقعة أحد..
مما يعني: أن هذا الحدث قد حصل قبل استشهاده.. وحيث لم يكن العباس في المدينة..
فقد ورد ذكر اسم حمزة في رواية:
١ ـ عن علي [٢١]..
٢ ـ عن سعد بن أبي وقاص [٢٢]..
٣ ـ عن أبي الحمراء، وحبة العرني [٢٣]..
٤ ـ عن حذيفة بن أسيد [٢٤]..
٥ ـ عن أحد الصحاب [٢٥]..
إعتراض حمزة:
وقد ذكرت بعض الروايات اعتراضات لحمزة، لا نظن أنها صدرت منه، بل نحن نقطع بعدم صدور بعضها، مثل:
١ ـ قوله: أخرجت عمك، وأبا بكر، وعمر، والعباس، وأسكنت ابن عمك [٢٦].
فإن ذكر العباس لا يصح، لأنه كان في مكة.. كما أن ذكر أبي بكر وعمر دون سائر الذين أخرجهم لا مبرر له.. وادعاء أن لهما مكانة خاصة اقتضت تخصيصها بالذكر غير ظاهرة، بل هي مجرد تخمين، وتخرّص..
٢ ـ ما ذكرته رواية أخرى: من أنه لما أمر علي الناس بسد أبوابهم، كلهم فعلوا إلا حمزة، فأخبر النبي "صلى الله عليه وآله" بذلك، فقال: قل لحمزة أن يحول بابه.. فقال له ذلك فحوله [٢٧].
يشير إلى أن حمزة قد اعتبر أنه غير معني بهذا الأمر، لأن النبي "صلى الله عليه وآله" يقصد غيره، فلما علم أنه أيضاً مراد ومقصود، لم يتردد في امتثال الأمر..
٣ ـ تزعم بعض الروايات: أن حمزة لما سمع أن النبي "صلى الله عليه وآله" قال لعلي: اسكن طاهراً مطهراً، قال: يا محمد، تخرجنا وتمسك غلمان بني عبد المطلب [٢٨].
ونحن نقطع بكذب هذه الرواية، فإن حمزة لا يخاطب النبي بيا محمد، ولا يوجه إليه هذا الخطاب البعيد عن الأدب والمتضمن لتخطئته "صلى الله عليه وآله" فيما أقدم عليه.
كما أنه لم يكن ليوجه أية إهانة لعلي "عليه السلام" فيعتبره من الغلمان.. وهو رجل كامل عمره حوالي ست وعشرين سنة، وقد فعل في بدر بالمشركين ما لا يجهله حمزة ولا غيره.
ولم تخف عن حمزة تضحياته في شعب أبي طـالب، وفي ليلة الهجرة.. كما أنه قد سمع النبي "صلى الله عليه وآله" يقول له يوم إنذار عشيرته الأقربين: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي إلخ..
فهو يعرف مكانة علي وموقعه، وقد رأى أثره وجهاده قبل الهجرة وبعدها..
إن قلت: الغلام يطلق على الكبير والصغير. فالجواب: المقصود هنا الإهانة والتحقير والتصغير، مقابل شيوخ وكهول قريش..
ولم يكن يقصد: أنه "عليه السلام" غلام لم يبلغ الحلم، فقد كان عمره آنئذ حوالي ست وعشرين سنة. لأن علياً "عليه السلام" قد أسلم وعمره عشر سنوات، وأقام النبي "صلى الله عليه وآله" بمكة ثلاث عشرة سنة، يضاف إليها ثلاث سنوات بعد الهجرة، حيث أمر النبي "صلى الله عليه وآله" بسد الأبواب.
الرواية الأقرب إلى القبول:
وجاء في رواية تقدمت: أن منادي النبي "صلى الله عليه وآله" خرج يأمرهم بسد أبوابهم، فلم يقم أحد.. وفي الثالثة خرج فقال: سدوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب، فخرج الناس مبادرين، وخرج حمزة بن عبد المطلب بجر كساءه، إلى أن تقول:
فقالوا: سد أبوابنا وترك باب علي، وهو أحدثنا؟!
فقال بعضهم: تركه لقرابته.
فقالوا: حمزة أقرب منه، وأخوه من الرضاعة، وعمه إلخ [٢٩]..
فقد دلت هذه الرواية: على أن حمزة لم يكن من المعترضين، وعلى أن ثمة تمرداً خطيراً من غيره احتاج "صلى الله عليه وآله" معه إلى التهديد بنزول العذاب..
ودلت على أن المعترضين كانوا من أهل السِّن من المهاجرين، وهم الذين ذكروا اسم حمزة، وجعلوا من قرابته للنبي ذريعة لتسجيل إدانة لرسول الله "صلى الله عليه وآله"..
ومن الواضح: أن ما استدل به هؤلاء، وهو حداثة السن والقرابة من رواسب الجاهلية، وهو منطق أدانه الإسلام، لأنه يقوم على معايير خاطئة ومرفوضة، لأنهم جعلوا المعيار هو السن تارة، والقربى النسبية أخرى، في حين أن الله تعالى يقول: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [٣٠].
ولست أدري كيف يطالب هؤلاء بالحصول على الإمتيازات لأنفسهم دون علي، وهم لم يقدموا بعد أية تضحية في سبيل هذا الدين.. في حين أن علياً "عليه السلام" قد نام على فراش النبي ليلة الهجرة، وكان ينام على فراشه في شعب أبي طالب سنوات طويلة، راضياً بأن يعرض نفسه لأخطار الإغتيال، كما أنه في بدر ـ إن كانت هذه القضية بعد بدر ـ قد قتل نصف قتلى المشركين، وشارك في قتل النصف الآخر..
ولم نسمع لهؤلاء أن لهم أي أثر في جهاد الأعداء، وأية تضحية في سبيل هذا الدين.. بل سمعنا عنهم خلاف ذلك.. ولا نريد أن نقول أكثر من هذا.
غير أن لنا على هذه الرواية ملاحظة، وهي أنها تقول: إن حمزة كان أخا للنبي "صلى الله عليه وآله" من الرضاعة.. ونحن نشك في ذلك، لأن الروايات تقول: إن أولاد عبد المطلب العشرة قد ولدوا له وكبروا، وصاروا رجالاً قبل زواج عبد الله بن عبد المطلب بآمنة بنت وهب.. مع كون عبد الله هو الولد الأصغرلعبد المطلب.
سد الأبواب إلا باب أو خوخة أبي بكر:
وذكروا: أن النبي "صلى الله عليه وآله" أمر بسد الأبواب في المسجد إلا باب أبي بكر.
وفي نص آخر: إلا خوخة أبي بكر [٣١].
ففي البخاري، عن ابن عباس: سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر [٣٢].
وعن أبي بكر، وعن أبي سعيد الخدري عنه "صلى الله عليه وآله": إن أمنَّ الناس علي في صحبته، وماله، أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته.
لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر. أو لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر [٣٣].
وفي بعض الروايات أنه قال ذلك في مرضه الذي مات فيه [٣٤].
وعند مسلم، عن جندب: قبل أن يموت بخمس ليال [٣٥].
وعند الطبراني، وأبي يعلى بإسناد حسن عن معاوية وعائشة: أن ذلك بعد أن صب عليه "صلى الله عليه وآله" من سبع قرب من آبار شتى [٣٦].
وقد استدلوا بذلك على استحقاق أبي بكر للخلافة، لا سيما وأنه قد ثبت أن ذلك كان في أواخر حياته "صلى الله عليه وآله" [٣٧].
ونقول:
١ـ إن قال عمر بن الخطاب في مرض النبي "صلى الله عليه وآله": إن النبي ليهجر، لا بد أن يحرج هؤلا، لأنه يسقط أي تصرف له "صلى الله عليه وآله"عن درجة الصلاحية للإستدلال به.
٢ـ بل لو كان النبي "صلى الله عليه وآله" قد أمر بسد الأبواب إلا باب أو خوخة إبي بكر لما احتاج عمر لأن يقول عن النبي "صلى الله عليه وآله": أنه يهجر أو عليه الوجع.
٣ ـ بعد أن ثبت صحة حديث: سدوا الأبواب إلا باب علي؛ وبعد أن اتضح: أنه لم يكن حين مرض موته "صلى الله عليه وآله" أي باب مفتوحاً إلا باب علي، فلا معنى لأن يأمرهم "صلى الله عليه وآله" بسد هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر [٣٨]، بعد أن لم يسمح النبي "صلى الله عليه وآله" لذلك الرجل!! بكوة، ولو بقدر ما يخرج رأسه، حتى ولو بقدر رأس الإبرة!! [٣٩].
وبهذا يتضح عدم صحة قولهم في وجه الجمع: إنهم بعد أن سد النبي "صلى الله عليه وآله" أبوابهم، استحدثوا خوخاً يستقربون منها الدخول إلى المسجد [٤٠].
٤ ـ إن الحديث ذكر أن أبا بكر كان يمنُّ على النبي "صلى الله عليه وآله" بصحبته له، وقد قلنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى الله عليه وآله" في حديث الغار: أن ذلك لا يصح إلا على معنى فيه ذم لأبي بكر.
٥ ـ كما أنه قد تضمن حديث خلة أبي بكر للنبي "صلى الله عليه وآله".
وقلنا في حديث المؤاخاة: أنه لا يمكن أن يصح أيضاً.
٦ ـ إن البعض يذكر: أن بيت أبي بكر كان بالسنح، ويشك كثيراً، بل على حد تعبير التوربشتي: لم يصح أن يكون له بيت قرب المسجد [٤١].
وأجيب: بأنه لا يلزم من ذلك أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، واستدل على ذلك بأنه قد كان لأبي بكر أزواج متعددة كأسماء بنت عميس، وغيرها، وبأن ابن شبة يذكر: أنه كان له في زقاق البقيع دار قبالة دار عثمان الصغرى، واتخذ منزلاً آخر عند المسجد، في غربيه [٤٢] .
ولكن ذلك لا يثبت ما يريدون إثباته؛ فإن تعدد أزواجه لا يلزم منه أن يكون له بيت ملاصق للمسجد، ثم لماذا لا يسكن أزواجه مع تعددهن في بيت واحد ذي حجر متعددة، كغيره من أهل المدينة، ومنهم النبي "صلى الله عليه وآله" نفسه.
ولعل هؤلاء قد اعتمدوا في ذكرهم بيتاً لأبي بكر عند المسجد على هذا الحديث بالذات. أو أنهم أرادوا بذكرهم بيتاً له كذلك أن يمدوا يد العون لهذا الحديث الذي توالت عليه العلل والأسقام، تماماً كما جعلوا ـ إلى يومنا هذا ـ خوخة في المسجد من أجل تصحيح ذلك.
ولكنهم لم يجعلوا باباً لعلي "عليه السلام"، وهو الذي ثبت أن النبي "صلى الله عليه وآله" قد أبقى بابه مفتوحاً، وسد كل باب في المسجد سواه.
٧ ـ لقد اعترف ابن عمر وأبوه، فقالا: إن علياً "عليه السلام" قد أوتي ثلاث خصال، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله "صلى الله عليه وآله" ابنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر [٤٣].
فهذه الرواية صريحة في أنه "عليه السلام" قد اختص بذلك، كما اختص بالراية يوم خيبر، وبتزوجه فاطمة "عليها السلام"، وولادتها له.
ويا ليت عمر أشار إلى أن النبي "صلى الله عليه وآله" كان قد أعطى الراية لعمر، ولكنه عاد مهزوماً يجبِّن أصحابه ويجبِّنونه!! وفي جميع الأحوال نقول:
لو كان لأبي بكر فضل هنا وامتياز، لم يسمح عمر ولا ولده لنفسيهما بالتصريح باختصاصه "عليه السلام" بهذا الوسام.
وامتيازه "عليه السلام" في قضية سد الأبواب كامتيازه في قضية الراية يوم خيبر، حيث إن أخذ أبي بكر وعمر لها ليس فقط لم يكن امتيازاً لهما، بل كان وبالاً عليهما، كما هو معلوم.
٨ ـ لو أنه "صلى الله عليه وآله" قد أمر بسد الأبواب إلا باب إبي بكر، لاحتج أبو بكر بذلك على أهل السقيفة أو احتج به عمر فيها لمصالح إبي بكر.
٩ ـ وأخيراً، فقد قال المعتزلي عن البكرية التي أرادت مقابلة الأحاديث في فضل علي: إنها "وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو: "لو كنت متخذاً خليلاً"، فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو سد الأبواب، فإنه كان لعلي "عليه السلام"؛ فقلبته البكرية إلى أبي بكر" [٤٤].
وقد ذكر اللمعاني: أن قضية سد باب أبي بكر، وفتح باب علي "عليه السلام" كانت من أسباب حقد عائشة على أمير المؤمنين "عليه السلام"، فراجع [٤٥].
وما أجمل ما قاله الكميت في هذه المناسبة:
عـلـي أمـيـر المـؤمـنـين وحـقـه ***** من الله مفـروض عـلى كـل مسلم
وزوجـه صـديـقـة لـم يكـن لهـا ***** معـادلـة غـيـر الـبـتـولـة مـريم
وردم أبـواب الـذيـن بـنـى لهـم ***** بـيـوتـاً سـوى أبـوابـه لـم يـردم
وقال السيد الحميري:
وخـبـر الـمـسـجـد إذ خـصـه ***** مـجـلـلاً مـن عـرصـة الـدار
إن جـنـبـاً كـان وإن طـاهـراً [٤٦] ***** فـي كـل إعــلان وإســرار
وأخـرج الـبـاقـيـن منـه معـاً ***** بـالـوحـي مـن إنـزال جـبـار
وقال الصاحب بن عباد:
ولم يـك محتـاجـاً إلى عـلـم غـيره *****إذا احتـاج قـوم في قضـايـا تبلدوا
ولا سـد عـن خـير المسـاجد بابه *****وأبـوابـهـم إذ ذاك عـنــه تسـدد
ابن البطريق وحديث سد الأبواب:
ولابن بطريق كلام هنا نلخصه على النحو التالي:
إن الله تعالى قد أظهر الفرق بين أمير المؤمنين "عليه السلام"، وبين غيره. وإذا كان الحرام على غيره قد حل له، فإن ذلك يعني: أنه يمتاز على ذلك الغير. والنبي "صلى الله عليه وآله" قد فتح أبواب الجميع على ظاهر الحال من الصلاح والخير، والنبي "صلى الله عليه وآله" لا يعلم إلا هذا الظاهر إلا أن يطلعه الله على الباطن.
وعليه، فإن كان تعالى قد سد أبوابهم على ظاهر الحال، فقد بينا: أنها كانت صالحة عند الكل؛ ولذلك فتح أبوابهم أولاً، فلم يبق إلا أنه قد سد أبوابهم، من أجل شيء يرجع إلى الباطن، وفتح بابه لأنه قد انفرد بصلاح الباطن دونهم، (أو فقل: انفرد في كونه القمة في الصلاح الباطني) بالإضافة إلى مشاركته لهم في صلاح الظاهر.
وبذلك امتاز "صلوات الله وسلامه عليه" عليهم.
ثم إن منعهم من الجواز في المسجد وإباحته له، إما أن يكون بلا سبب، وهو عبث لا يصدر من حكيم، وإما أن يكون له سبب، وذلك يدل على انفراده "عليه السلام" بما لا يشركه فيه غيره.
وأقواله "صلى الله عليه وآله" تعضد هذا التخصص، وتدل على صلاح باطنه، كقوله "صلى الله عليه وآله": "علي مني، وأنا منه".
وقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى".
وقوله: "أنت أخي في الدنيا والآخرة".
وقوله: "صلت الملائكة عليَّ وعلى علي سبع سنين قبل الناس".
وقوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه".
وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [٤٧].
وغير ذلك من مناقبه ومآثره ومزاياه؛ فلولا ثبوت هذه المزايا له على غيره، لما أنزله من نفسه بهذه المنازل، ولما أقامه من نفسه في شيء من ذلك، ولا أذن الله له بتخصيصه وتمييزه عن أمثاله وأضرابه الخ.. [٤٨]. إنتهى ملخصاً.
كلام العلامة المظفر:
ويقول العلامة الشيخ محمد حسن المظفر "رحمه الله" ما ملخصه:
إن هذه القضية تكشف عن طهارة علي، وأنه في المحل الأعلى منها، فلا تنتقض هذه الطهارة بأي حدث حتى لو كان من موجبات الغسل، فيحل له البقاء في المسجد في جميع الأحوال، ولا يكره له النوم فيه، تماماً كما كان ذلك لرسول الله "صلى الله عليه وآله". فإن عمدة الغرض من سد الأبواب هو تنزيه المسجد عن الأدناس، وإبعاده عن المكروهات. وكان علي "عليه السلام" كالنبي "صلى الله عليه وآله" طاهراً مطهراً، ولا تؤثر فيه الجنابة دنساً معنوياً، وكان بيت الله كبيته بكونه حبيبه القريب منه.
وأبو بكر لم يكن ممن أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً؛ ليحسن دخوله للمسجد جنباً، ولا هو منه بمنزلة هارون من موسى؛ ليمكن إلحاقه به.
هذا كله، عدا عن ضعف خبر باب أو خوخة أبي بكر بفليح بن سليمان [٤٩]، وبإسماعيل بن عبد الله الكذاب الوضاع [٥٠].
إشـارة:
قلنا: إنه "عليه السلام" مطهر من كل رجس، فلا تعرض الجنابة، ولكن اطلاق هذا النوع من التعابير على سبيل التساهل وجرياً على ما هو المتعارف منها في مرحلة الظاهر، وكانت لا تتحقق في واقع الأمر.
أبواب المهاجرين فقط:
ثم إن البيوت التي كانت أبوابها شارعة في المسجد إنما هي بيوت المهاجرين؛ ويؤيد ذلك ما روي في حديث مناشدة علي "عليه السلام" لأهل الشورى، حيث يقول: "أكان أحد مطهراً في كتاب الله غيري، حين سد النبي "صلى الله عليه وآله" أبواب المهاجرين، وفتح بابي؟! [٥١].
بيت علي (عليه السلام) أم النبي (صلى الله عليه وآله)؟! :
وقد حاول فضل بن روزبهان الإيهام بأن البيت كان للنبي "صلى الله عليه وآله"، وكان علي "عليه السلام" ساكناً في بيت النبي "صلى الله عليه وآله"، أي أن الباب الذي أبقاه النبي "صلى الله عليه وآله" مفتوحاً ليس باب بيت علي "عليه السلام"، بل هو بيت النبي "صلى الله عليه وآله" نفسه، فنسبته إلى علي أتت على سبيل التوسع والمجاز، فلا يبقى لعلي فضل.
قال ابن روزبهان: "كان المسجد في عهد رسول الله "صلى الله عليه وآله"، وكان علي ساكناً بيت رسول الله "صلى الله عليه وآله"، لمكان ابنته الخ..".
ونقول له:
إن الأخبار قد صرحت: بأن الباب لعلي، حتى تكلم الناس في استثناء بابه. ولو كان الباب للنبي "صلى الله عليه وآله" لما كان ثمة مجال لكلامهم، واعتراضهم، وحسدهم [٥٢] .
بل لا مجال لاستثناء هذا الباب أصلاً، لأن النبي "صلى الله عليه وآله" أمرهم بسد أبوابهم، أما الباب الذي له فهو يعرف وظيفته، وتكليفه فيه.
أضف إلى ما تقدم: أن علياً "عليه السلام" قد بنى بفاطمة في بيت حارثة بن النعمان [٥٣]، وحارثة هذا كان قد أعطى للرسول "صلى الله عليه وآله" بيوتاً أخرى ليسكن بها أزواجه [٥٤].
خصوصية علي (عليه السلام) عند الجصاص:
وقال الجصاص: "ما ذكر من خصوصية علي "عليه السلام" فهو صحيح، وقول الراوي: لأنه كان بيته في المسجد، ظن منه؛ لأن النبي "صلى الله عليه وآله" أمر في الحديث الأول بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره، ولم يبح لهم المرور لأجل كون بيوتهم في المسجد؛ وإنما كانت الخصوصية فيه لعلي "عليه السلام" دون غيره، كما خص جعفر بأن له جناحين في الجنة، دون سائر الشهداء الخ.." [٥٥].
يتبع ......