السيد جعفر مرتضى العاملي
علي (عليه السلام) قبل البعثة
الإمام علي (عليه السلام) نسباً.. ومولداً..
نسب علي (عليه السلام):
هو: علي بن أبي طالب، بن عبد المطلب، بن هاشم بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان..
أمه: فاطمة بنت أسد، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي.. إلى آخر النسب الشريف المذكور أعلاه..
وهذا هو نفس نسب رسول الله "صلى الله عليه وآله"، بدءاً من عبد المطلب فما بعده..
وقد قال "صلى الله عليه وآله": أنا وعلي من شجرة واحدة، وسائر الناس من شجر شتى [١].
مع العلم: بأن لهذه الكلمة معنى أتم وأعمق، وأدق وألصق، وبهما أولى وأوفق فإنهما خلقا من نور واحد قبل خلق الخلق كما في الروايات، وهذا لا يخفى على المتأمل البصير، والمدقق الخبير.
وروي أنه "صلى الله عليه وآله" قال: إذا بلغ نسبي إلى عدنان فامسكوا [٢] .
وقيل: اسم أبي طالب: عبد مناف [٣].
ويؤيد ذلك: ما روي: من أن عبد المطلب قال:
أوصيـك يـا عبد منـاف بعـدي ***** بمـوحـد بـعـد أبـيـه فـــرد [٤].
وقال أيضاً:
وصَّيـت مـن كنـَّـيتـه بطالبِ *****عبد مناف وهـو ذو تجـارب [٥].
وقيل: اسمه عمران.
وقد ورد في زيارة النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله"، المروية في بعض كتب أصحابنا: "السلام على عمك عمران، أبي طالب" [٦].
وقيل: اسمه كنيته..
قال الحاكم: أكثر المتقدمين على أن اسمه كنيته [٧].
وروي عن علي أمير المؤمنين "عليه السلام"، أنه قال على منبر البصرة: اسم أبي عبد مناف، فغلبت الكنية على الإسم. وإن اسم عبد المطلب عامر [٨] ، فغلب اللقب على الاسم، واسم هاشم عمرو، فغلب اللقب على الإسم. واسم عبد مناف المغيرة، فغلب اللقب على الاسم. وإن اسم قصي زيد، فسمته العرب مجمعاً، لجمعه إياها من البلد الأقصى، فغلب اللقب على الاسم [٩] .
وقيل: اسمه شيبة [١٠] .
إيمان أبي طالب (عليه السلام):
عن الأصبغ بن نباتة، قال: "سمعت أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: والله، ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم، ولا عبد مناف صنماً قط..
قيل له: فما كانوا يعبدون؟!
قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم، متمسكين به" [١١] .
وعن الإمام الصادق "عليه السلام": "إن أبا طالب أظهر الكفر، وأسرّ الإيمان الخ.." [١٢] .
وعنه "عليه السلام": "كان أمير المؤمنين "عليه السلام" يعجبه أن يروى شعر أبي طالب، وأن يدون.
وقال: تعلموه وعلموه أولادكم، فإنه كان على دين الله.. وفيه علم كثير [١٣]..
ويدل على إسلام أبي طالب "عليه السلام": أنه قيل لعلي "عليه السلام": إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافراً.
فقال: كذبوا، كيف يكون كافراً وهو يقول:
ألم تعلمـوا أنَّـا وجدنـا محمـداً ***** نبيَّـاً كموسى خـط في أول الكتب
وفي حديث آخر: كيف يكون أبو طالب كافراً وهو يقول:
لقـد علموا أن ابننا لا مكــذب ***** لدينـا ولا يعبـا بقيـل الأبـاطـــلِ
وأبيض يستسقى الغـمام بوجهه ***** ثمال الـيـتـامى عصمة للأراملِ [١٤]
وقد أفردنا كتاباً باسم: "ظلامة أبي طالب" أثبتنا فيه إيمانه صلوات الله وسلامه عليه.. فلا بأس بمراجعته..
مشروعية التسمية بعبد مناف:
وإذا كان "عبد مناف" لقباً لحقه، فَعُرفَ به. واسمه الحقيقي هو: المغيرة، لم يعد هناك إشكال حول إيمان أو عدم إيمان هؤلاء الصفوة، ولم يعد مجال للقول: بأن التسمية بعبد مناف تشير إلى أن من سمى ولده بهذا الاسم لم يكن موحداً، بل كان من عباد الأصنام، فقد قالوا: إن "منافاً" صنم.. وبه سمّي عبد مناف [١٥].
فإذا كبر صاحب هذا الإسم، ورضي باسمه، فإن ذلك أيضاً يشير إلى نفس هذا الأمر، وهو: أنه لم يكن من أهل التوحيد..
ويمكن أن يجاب بما يلي:
أولاً: قالوا: إنه سمي بذلك، لأنه أناف على الناس وعلا [١٦].
قال الزبيدي: "جبل عالي المناف" أي مرتفع. قيل: ومنه عبد مناف. نقله الزمخشري [١٧].
فلا دليل على أن عبد مناف، وقد سمي بهذا الاسم، نسبة إلى ذلك الصنم.
ثانياً: إن نفس النص المتقدم يشير إلى: أن اسم عبد مناف بن قصي هو لقب لحقه في كبره، فقد أضاف الزبيدي قوله: "وبه سمي عبد مناف. وكانت أمه قد أخدمته هذا الصنم..".
إلى أن قال: "واسم عبد مناف المغيرة" [١٨].
وهذا يدل على: أن أباه لم يسمه بهذا الإسم.
ولعل المراد بأمه في كلام الزبيدي التي أخدمته الصنم هي مرضعته، لأن أمه التي ولدته، يفترض أن تكون موحدة، ولا تقدِّس الأصنام.
غير أننا نقول: إن مرضعته أيضاً لا تكون عابدة صنم.
وقد تقدم: أن أمير المؤمنين "عليه السلام" قال: "واسم عبد مناف المغيرة. فغلب اللقب على الإسم" [١٩].
الجنين يمنع أمه من الإقتراب من الأصنام!!:
وقد ورد: أن أبا طالب قال لفاطمة بنت أسد، وكان علي "عليه السلام" صبياً: رأيته يكسر الأصنام، فخفت أن تعلم كبار قريش (ذلك).
فقالت: يا عجباً!! (أنا) أخبرك بأعجب من هذا، (وهو) أني اجتزت بالموضع الذي كانت أصنامهم فيه منصوبة وعلي في بطني، فوضع رجليه في جوفي شديداً لا يتركني (أن) أقرب من ذلك الموضع الذي فيه أصنامهم، وأنا كنت أطوف بالبيت لعبادة الله تعالى، لا للأصنام [٢٠].
ونقول:
قد تضمن النص المتقدم حقيقتين:
أولاهما: حساسية الجنين تجاه الأصنام.
حيث بينت الرواية: أنه "عليه السلام" حتى حين كان لا يزال جنيناً لا يترك أمه تقترب من الأصنام.. وذلك يدل على ما يلي:
ألف: إنه رغم كونه جنيناً كان يدرك اقتراب أمه من موضع الأصنام، وابتعادها عنه. ولا يكون ذلك إلا بلطف إلهي، هيأ له القدرة على هذا الإدراك.
ب: إن نفسه كانت تنفعل بهذا الإقتراب سلبياً، ولا يرضى به منها.
ج: إنه يبادر إلى إيجاد الكوابح والموانع من هذا الإقتراب، بصورة فعلٍ جسدي مؤثر.
د: إنه لا يرضى منها بالإقتراب حتى غير المقصود لها، بل حتى لو كان اقتراباً يقصد به الإقتراب من الكعبة نفسها، لأجل عبادة الله، التي تتنافى مع تقديس وتعظيم تلك الأصنام.
الثانية: علي يكيد الأصنام وهو طفل:
ثم ذكرت الرواية: أن أبا طالب يحكي لزوجته أنه رأى علياً "عليه السلام" يكسر الأصنام.. وذلك يعني:
ألف: أن أحداً غير أبي طالب لم يره يفعل ذلك، وأنه "عليه السلام" كان يتستر على فعله هذا..
مما يعني: أنه لم يكن يفعل ذلك على سبيل اللهو، والعبث الطفولي. لأن اللهو والعبث لا يأتي بطريقة مدروسة، وفي ظروف التخفي والتستر، بل يكون بصورة عفوية، وغير مقصودة.
ب: كانت خشية أبي طالب من انكشاف الأمر في محلها، فهو يعلم مدى خفة عقول أبناء قومه، وإلى أي حد يبلغ بهم سفه الرأي والطيش.. وهو من ذرية إبراهيم الذي حطم أصنام قومه، فجازوه بإلقائه في النار ليحرقوه، فأنجاه الله تعالى منهم، بمعجزة ظاهرة لم يستفيدوا منها الفكرة والعبرة، وهؤلاء القوم أبناء أولئك، فلا يتوقع منهم إلا مثل هذه التصرفات الرعناء..
ج: إن أبا طالب "عليه السلام" لم يشر إلى خشيته من سفهاء قومه، وجهالهم، بل أبدى خشيته من اطلاع كبار قومه، وأصحاب الرياسة والزعامة، ومن بيدهم قرار الحرب والسلم، ومن يفترض فيهم أن يكونوا علماء، حكماء، حلماء، وذوي نظرة بعيدة، وبصيرة ثاقبة، ويعالجون الأمور بحكمة وروية وتبصر، لا أن يكونوا هم مصدر البلاء والشقاء، وبؤرة السفه والطيش، حيث ينقادون لأهوائهم، ويتأثـرون في مواقفهم بعصبياتهـم، وجهالاتهم.
د: لم يذكر لنا أبو طالب إن كان قد ردع علياً "عليه السلام" عما كان يقوم به.. بل هو لم يشر إلى أي شيء يدل على تغيظه من فعله هذا أو إدانته له أو حتى عدم رضاه به، بل غاية ما هناك: أنه خاف أن يشعر كبار قريش بالأمر، لأن ذلك سوف يضعه في مواقع الحرج. وربما يؤدي إلى العداوة والمنابذة.
متى وأين ولد علي (عليه السلام)؟!:
وقد ولد علي أمير المؤمنين "عليه السلام" في جوف الكعبة الشريفة يوم الجمعة في الثالث عشر من شهر رجب، بعد ثلاثين سنة من عام الفيل [٢١].
وهذا هو المشهور عند علمائنا الأبرار وعند غيرهم. فهو أولى بالإعتبار.
وقد كثرت الأقوال في ذلك حتى بلغت اثني عشر قولاً على وجه التقريب، تبدأ من سبع سنين، ولا تنتهي بست عشرة سنة قبل البعثة، بل يضاف إليها القول بولادته "عليه السلام" قبل البعثة بعشرين، أو بثلاث وعشرين سنة قبل بعثة النبي "صلى الله عليه وآله" [٢٢].
شوائب في بعض الروايات عن الولادة:
قال الكراجكي "رحمه الله": روى المحدثون، وسطر المصنفون: أن أبا طالب وامرأته فاطمة بنت أسد "رضوان الله عليهما" لما كفلا رسول الله "صلى الله عليه وآله" استبشرا بغرته، واستسعدا بطلعته، واتخذاه ولداً، لأنهما لم يكونا رزقا من الولد أحداً.
ثم إنه نشأ أشرف نشوء، وأحسنه، وأفضله، وأيمنه، فرأى فاطمة، ورغبتها في الولد، فقال لها: يا أمه، قربي قرباناً لوجه الله تعالى خالصاً، ولا تشركي معه أحداً، فإنه يرضاه منك ويتقبله، ويعطيك طلبك ويعجله.
فامتثلت فاطمة أمره، وقربت قرباناً لله تعالى خالصاً، وسألته أن يرزقها ولداً ذكراً، فأجاب الله تعالى دعاءها، وبلغها مناها، ورزقها من الأولاد خمسة: عقيلاً، ثم طالباً، ثم جعفراً، ثم علياً، ثم أخته المعروفة بأم هاني الخ.. [٢٣].
وبعد أن ذكرت الرواية: أنها ولدت علياً "عليه السلام" في النصف من شهر رمضان، فسر به النبي "صلى الله عليه وآله"، وأمرها أن تجعل مهده جانب فرشته. وكان يلي أكثر تربيته، ويراعيه في نومه ويقظته، ويحمله على صدره وكتفه، ويحبوه بألطافه وتحفه، ويقول:
"هذا أخي وصفيي، وناصري، ووصيي".
فلما تزوج النبي "صلى الله عليه وآله" خديجة أخبرها بوجدها (الصحيح: بوجده) بعلي "عليه السلام" ومحبته، فكانت تستزيده وتزينه، وتحليه وتلبسه، وترسله مع ولائدها، ويحمله خدمها، فيقول الناس: هذا أخو محمد "صلى الله عليه وآله"، وأحب الخلق إليه، وقرة عين خديجة الخ.." [٢٤].
ونقول:
أولاً: إن هذه الرواية تقول: إن رسول الله "صلى الله عليه وآله" هو الذي أشار على فاطمة بنت أسد بتقريب القربان لله، وطلب الولد، ففعلت، فولد لها طالب وعقيل و.. و.. مع أنه يلاحظ:
ألف: إن طالباً كان في سن رسول الله "صلى الله عليه وآله"، وقد ولد سنة ولادة النبي "صلى الله عليه وآله".
وحين تحول النبي "صلى الله عليه وآله" إلى بيت أبي طالب كان عمره "صلى الله عليه وآله" ثمان سنين.
وهذا هو نفس عمر طالب آنذاك..
ب: إن علياً "عليه السلام" كان الأصغر بين إخوته وطالب هو الأكبر. وهؤلاء الإخوة هم: طالب، وعقيل، وجعفر، وكان بين كل واحد من هؤلاء وبين الذي يليه عشر سنوات، فيكون أكبرهم وهو طالب قد ولد سنة ولادة النبي "صلى الله عليه وآله" في عام الفيل.
وعقيل ولد بعد عام الفيل بعشر سنوات.
وجعفر ولد بعد عام الفيل بعشرين سنة.
وعلي "عليه السلام" ولد بعد عام الفيل بثلاثين سنة.
وبعث النبي "صلى الله عليه وآله" في سن الأربعين..
ويدل على ذلك النصوص التالية:
١ ـ قال ابن عبد البر: "كان جعفر أكبر من علي "عليه السلام" بعشر سنين.
وكان عقيل أكبر من جعفر بعشر سنين.
وكان طالب أكبر من عقيل بعشر سنين" [٢٥].
٢ ـ وقال الزبير بن بكار: "ولد أبو طالب بن عبد المطلب: طالباً، وعقيلاً، وجعفراً، وعلياً "عليه السلام". كل واحد منهم أسن من صاحبه بعشر سنين على الولاء. وأم هاني، وجمانة بنت أبي طالب. وأمهم كلهم فاطمة بنت أسد" [٢٦].
٣ ـ وقال ابن سعد عن عقيل: "كان أسن بني أبي طالب بعد طالب.
وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أسن من علي "عليه السلام" بعشر سنين، فعلي "عليه السلام" كان أصغرهم سناً، وأولهم إسلاماً" [٢٧].
٤ ـ ويقول الجاحظ: "ومن العجائب: أنها ولدت أربعة كلهم أسن من الآخر بعشر سنين: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي "عليه السلام".." [٢٨] .
وهذا الأمر مذكور في مختلف المصادر [٢٩].
وهو مروي عن ابن عباس أيضا [٣٠].
فتلخص أن ما قالته الرواية المتقدمة من أن عقيلاً كان أكبر من طالب، لا يصح، لأن طالباً كان هو الأكبر، كما دلت عليه النصوص التي ذكرناها آنفاً.
ثانياً: إذا راجعنا الرواية المشار إليها في مصادرها، فسنجد أنها تذكر:
أن أول من آمن بالنبي "صلى الله عليه وآله" من النساء خديجة، ومن الذكور أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام"، وعمره يومئذ عشر سنين" [٣١].
مع أن الحقيقة هي: أن علياً "عليه السلام" قد ولد مؤمناً، وشهد الشهادتين فور ولادته، كما صرحت به الروايات. بالإضافة إلى شواهد أخرى تدل على أن علياً "عليه السلام" كان مؤمناً بالله ورسوله "صلى الله عليه وآله" منذ صغره، وهذا ما دل عليه الحديث الذي يقول: إنه "عليه السلام" صلى قبل الناس بسبع سنين، قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة [٣٢].
وقد دلت الروايات الكثيرة الأخرى على ذلك أيضاً..
بل إن الرواية نفسها تقول: إنه "صلى الله عليه وآله" في ابتداء طروق الوحي إليه، كلما هتف به هاتف، أو سمع من حوله رجفة راجف، أو رأى رؤيا، أو سمع كلاماً، يخبر بذلك خديجة وعلياً "عليهما السلام"، ويستسرهما هذه الحال، فكانت خديجة تثبته، وتصبّره، وكان علي "عليه السلام" يهنئه ويبشره، ويقول له:
"والله يا ابن عم، ما كذب عبد المطلب فيك، ولقد صدقت الكهَّان فيما نسبته إليك، ولم يزل كذلك إلى أن أمر "صلى الله عليه وآله" بالتبليغ" [٣٣].
فذلك كله يعطي: أن علياً "عليه السلام" عاش أجواء الوحي والنبوة من أول يوم فتح عينيه فيه على الحياة، ولم تزل تظهر له دلائل النبوة ونفحاتها ساعة بعد ساعة..
غير أن لنا تحفظاً على القول بأن خديجه كانت تثبته وتصبره. فإنه "صلى الله عليه وآله" لا يحتاج إلى ذلك.
وقد ذكر المعتزلي: أن سنة ولادة علي "عليه السلام" هي السنة التي بدئ فيها رسول الله "صلى الله عليه وآله"، فأسمع الهتاف من الأحجار، والأشجار، وكشف عن بصره فشاهد أنواراً وأشخاصاً، ولم يخاطب فيها بشيء.
وكان "صلى الله عليه وآله" يتيمن بتلك السنة، وبولادة علي "عليه السلام" فيها، ويسميها سنة الخير والبركة [٣٤].
على أننا قد ذكرنا: في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى الله عليه وآله": أن النبي "صلى الله عليه وآله" نبي منذ صغره.
وفي الروايات: أن علياً "عليه السلام" نطق بالشهادتين فور ولادته [٣٥].
ويؤيد ذلك: ما ورد من أن في علي "عليه السلام" سبعين خصلة من خصال الأنبياء، أو أن فيه سُنَّةَ ألف نبي.. وورد أنه لم يؤت نبي شيئاً إلا وأوتي علي وبنوه مثله، أو أفضل منه. ومنها تكلم عيسى في المهد، وإيتاء يحيى العلم صبياً.
ثالثاً: قد أظهر نص الرواية التي هي موضع البحث: أن النبي "صلى الله عليه وآله" قد تزوج خديجة بعد مدة من ولادة علي "عليه السلام"..
فإن كان النبي "صلى الله عليه وآله" قد تزوج خديجة قبل بعثته بثلاث أو بخمس سنوات.. كما تشير إليه بعض الأقوال. فلا إشكال، وهذا يعني: أن زينب زوجة أبي العاص بن الربيع، ورقية وأم كلثوم اللتين تزوجهن ابنا أبي لهب، ثم عثمان بن عفان، لم يكنّ بنات لرسول الله "صلى الله عليه وآله"..
وإن كان قد تزوجها قبل بعثته "صلى الله عليه وآله" بخمس عشرة سنة، كما يحاول الكثيرون أن يصروا عليه، وأن يسوِّقوا له.. فلا يصح ما ذكرته الرواية: من أن اقتران النبي "صلى الله عليه وآله" بخديجة كان بعد ولادة علي "عليه السلام"؛ لأن علياً "عليه السلام" قد ولد حسب نص الرواية نفسها قبل البعثة بعشر سنوات فقط..
رابعاً: ما ذكرته الرواية: من أن علياً "عليه السلام" قد ولد في النصف من شهر رمضان، مخالف لما هو مشهور ومعتمد. ومعروف لدى كل أحد، من أنه "عليه السلام" قد ولد في الثالث عشر من شهر رجب، وقد دلت عليه الروايات أيضاً.
ولادة الأئمة (عليهم السلام) في روايات الغلاة:
روي كما في بعض المصادر: "إنَّا معاشر الأوصياء لسنا نحمل في البطون، وإنما نحمل في الجنوب، ولا نخرج من الأرحام، وإنما نخرج من الفخذ الإيمن، لأننا نور الخ.." [٣٦].
وروي: أن فاطمة "عليها السلام" ولدت الحسن والحسين "عليهما السلام" من فخذها الأيمن، وأم كلثوم وزينب من فخذها الأيسر [٣٧].
وهذه الرواية لا يصح الإعتماد عليها، بل يكذبها الواقع العملي لأمهات المعصومين "عليهم السلام"، لأنهن ـ كما نقرأ في كتب السيرة ـ كانت تبدو عليهن آثار الحمل في بطونهن، وكان يأتيهن الطلق، وكان يساعدهن في الولادة بعض النساء (قابلة أو غيرها) دون أن يلاحظن وجود هكذا أمور.
على أن الروايات تضمنت أن نساءهم كن يتولين أمر نسائهم، ولم يكن يسمح لغيرهن بالدخول في هذا الأمر، مبالغة في الستر وحفظاً لمعنى الكرامة والقداسة..
وورد أيضاً أنهم، كانوا يرون نوراً تضيء به الغرفة. والإمام يولد ساجداً، وطاهراً مطهراً.
هذه هي بعض الفوارق والتي لوحظت؛ وذكرتها النساء الحاضرات حين الولادة.. ولم يذكرن: أن الولادة كانت من الفخذ الأيمن أو الأيسر.
سؤال.. وجوابه:
ولكن لماذا أودع علماؤنا أمثال هذه الروايات التي لا تثبت أمام النقد في مصنفاتهم؟!
ونجيب بما يلي:
١ ـ إن الأحاديث في أن النبي وأهل البيت "عليهم السلام" أنوار، متواترة من حيث المعنى بلا ريب. ونحن نقرأ في الزيارة:
"أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة. لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها" [٣٨].
وهو يدل على أن الحمل كان في الأرحام، لا في غيرها.
٢ ـ إن هذه الرواية لا اعتبار بها من حيث السند، فإنها من رواية الحسين بن حمدان، وهو من رؤساء الغلاة [٣٩].
لكن ذلك لا يعني كذب كل ما يرويه غير الثقة، ولا يمكن نفي مضمونه بصورة قاطعة. ولكن لا يمكن أيضاً الحكم بثبوت المضمون الذي يرويه غير الثقة استناداً إلى خصوص قوله.
والمضمون هنا وإن كان مما يمكن حصوله في نفسه، رعاية لبعض المصالح.. لكن الدليل لا يكفي لإثبات هذا الحصول، بل الشواهد والمؤيدات تشير إلى خلافه كما تقدم.
٣ ـ لعل المقصود بالحمل في الجنوب هو: أن الحمل لا يظهر على نسائهم "عليهم السلام"، لأنه يتحرك إلى الجنب، في داخل الرحم، ولا يتحرك إلى مقدم البطن، حتى لا يسبب ظهوره أي إحراج للأم الطاهرة أمام أولادها، ومعارفها، فيكون هذا من صنع الله تعالى لها ولهم، كرامة منه، واحتفاءً، وفضلاً، ولذلك خفي الحمل بالحجة "صلوات الله وسلامه عليه" على أعدائه، لطفاً منه تعالى، وتأييداً وتسديداً..
٤ ـ ولو أغمضنا النظر عن كل ما ذكرناه، فلا بد أن نقول:
لو صح أن الولادة كانت من الفخذ الأيمن، ولم يكن من زيادات الغلاة، فلا بد من رد علمه إلى أهله..
أول هاشمي ولد من هاشميين:
لقد ولد أمير المؤمنين "عليه السلام" ـ وهو الشخصية الأولى بعد الرسول، وتربى في حجر الوحي، وارتضع لبان النبوة ـ من أبوين قرشيين هاشميين، هما: أبو طالب، شيخ الأبطح، وفاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
وقال الكليني وغيره: (وهو أول هاشمي ولده هاشم مرتين) وقريب منه غيره [٤٠].
وعلق المجلسي: بأن أخوته طالباً، وعقيلاً، وجعفر قد ولدوا قبله من هذين الهاشميين.
وقول التهذيب وغيره: (في الإسلام).. لا يصحح ذلك؛ إذ لو كان مرادهم أنه ولد بعد البعثة فهو لا يصح، للاتفاق على أنه ولد قبلها.
ولو كان المراد: أنه الوحيد الذي ولد بعد ولادة الرسول، فهو كذلك لا يصح، لأن أكثر إخوته قد ولدوا بعد ولادة النبي "صلى الله عليه وآله"، مع أنه اصطلاح غريب غير معهود [٤١].
والصحيح: أن يقال كما قال المعتزلي، والشهيد، وغيرهما: "وأمه أول هاشمية ولدت لهاشمي" [٤٢].
يتبع ........