لا حاجة لنا بمصحف علي (عليه السلام)
علي (عليه السلام) يجمع القرآن:
قالوا:
فلما رأى علي (عليه السلام) غدر الناس، وقلة وفائهم، ونكث العهود والعقود، وعدم وفائهم بمقتضيات البيعة، وذهابهم في التيه، وعصيان أمر الله ورسوله، وعدم اطاعتهم إمامهم المنصوص عليه.. لزم بيته، وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج حتى جمعه كله، فكتبه على تنزيله، وكتب الناسخ والمنسوخ، والتفسير والتأويل، وغير ذلك..
فبعث إليه أبو بكر: أن اخرج فبايع.
فبعث إليه: إني مشغول، فقد آليت بيمين أن لا أرتدي برداء إلا للصلوات حتى أؤلف القرآن وأجمعه.
(وفي الروايات: أنه أرسل إليه مرتين، فيجيبه بنحو ذلك، فأرسل إليه في الثالثة قنفذاً، ثم ذكرت حديث الإحراق) [١] .
فجمعه في ثوب (واحد)، وختمه. ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فنادى (عليه السلام) بأعلى صوته:
(أيها الناس، إني لم أزل منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) مشغولاً بغسله، ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب، فلم ينزل الله على نبيه آية من القرآن إلا وقد جمعتها كلها في هذا الثوب، وليست منه آية إلا وقد أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلمني تأويلها.
فقالوا: لا حاجة لنا به، عندنا مثله.
ثم دخل بيته. (وهو يتلو {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}) [٢] .
وفي نص آخر؛ عن أبي ذر الغفاري: أنه (عليه السلام) جاءهم بالقرآن الذي جمعه وعرضه عليهم، لما قد أوصاه بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي اردده، فلا حاجة لنا فيه، فأخذه (عليه السلام) وانصرف.
ثم أحضروا زيد بن ثابت ـ وكان قارياً للقرآن ـ فقال له عمر: إن علياً (عليه السلام) جاءنا بالقرآن، وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن، ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتكاً للمهاجرين والأنصار.
فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال لهم: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم، وأظهر علي القرآن الذي ألفه، أليس قد بطل كل ما عملتم؟!
ثم قال عمر: فما الحيلة؟!
قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة.
فقال عمر: ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد، فلم يقدر على ذلك (وسيأتي شرح ذلك).
فلما استخلف عمر، سأل علياً (عليه السلام) أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن، إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه.
فقال (عليه السلام): هيهات، ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة: إنَّا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا: ما جئتنا به.
إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي.
فقال له عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم.
فقال علي (عليه السلام): نعم، إذا قام القائم من ولدي، يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السنة به عليه صلوات الله عليه [٣].
علي (عليه السلام) أول من جمع القرآن:
لا شك في أن علياً (عليه السلام) أول من جمع القرآن، جمعه أولاً على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله).. ثم جمعه بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) مباشرة.. وقد ذكرنا ذلك مع مصادره في كتابنا: (حقائق هامة حول القرآن الكريم).
ونحن نذكر هنا طرفاً مما ذكرناه هناك حول جمع علي (عليه السلام) القرآن، فنقول:
قال المعتزلي: إنه (عليه السلام) أول من جمع القرآن [٤].
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (ما أحد من هذه الأمة جمع القرآن، إلا وصي محمد (صلى الله عليه وآله) [٥].
وكان قد جمعه على ترتيب النزول [٦].
وقال البعض: الصحيح: أن أول من صنف في الإسلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، جمع كتاب الله جلّ جلاله [٧]!!
وعن أبي جعفر (عليه السلام): (ما ادّعى أحد من الناس: أنه جمع القرآن كما أنزل إلا كذاب. وما جمعه، وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب، والأئمة بعده) [٨].
علي (عليه السلام) جمع القرآن في عهد النبي (صلى الله عليه وآله):
ومما يدل صراحة على أنه (عليه السلام) كان قد جمع القرآن في عهد الرسول، ما روي عنه (عليه السلام): (.. ما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلا أقرأنيها، وأملاها علي؛ فكتبتها بخطي. وعلمني تأويلها، وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها إلخ..) [٩].
وعن علي (عليه السلام): لو ثنيت لي الوسادة؛ لأخرجت لهم مصحفاً، كتبته، وأملاه عليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) [١٠].
علي (عليه السلام) يجمع القرآن بعد الرسول (صلى الله عليه وآله):
ومن النصوص الدالة على جمعه فور وفاته، ما رواه أبو العلاء العطار، والموفق خطيب خوارزم، في كتابيهما، بالإسناد: عن علي بن رباح: (أن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أمر علياً (عليه السلام) بتأليف القرآن ؛ فألفه، وكتبه) [١١].
بل قد يدل هذا النص على أن ذلك كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه.
هذا.. وقد أمره النبيّ (صلى الله عليه وآله) بأن يتسلم القرآن الذي عنده، وأن يجمعه، وقد كان في الصحف، والجريد، والقرطاس، في بيته (صلى الله عليه وآله) خلف فراشه، حتى لا يضيع، كما ضُيِّعَ التوراة، والإنجيل.
فجمعه علي (عليه السلام) في ثوب أصفر، ثم ختم عليه في بيته، وقال: لا أرتدي حتى أجمعه..
قال: (.. كان الرجل ليأتيه؛ فيخرج إليه بغير رداء، حتى جمعه..) [١٢].
زاد البعض: (فكان أول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه..) [١٣].
وقيل: إنه جمعه بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) بستة أشهر [١٤].
وهذا بعيد.. فهناك أحداث عديدة جرت في تلك الفترة كان علي (عليه السلام) حاضراً وناظراً، ومؤثراً فيها.
وحلفه (عليه السلام): أن لا يرتدي رداء حتى يجمع القرآن، ثم تخلفه ليجمعه، ثم عتاب عمر له على تخلفه عن بيعة أبي بكر، قد ذكر في مصادر أخرى أيضاً [١٥].
وهذه الروايات تفسر لنا بشكل واضح ما ورد: من أنه صلوات الله وسلامه عليه، قد جمع القرآن بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) بثلاثة أيام [١٦].
فإن المقصود: أنه بدأ جمعه في الأيام الثلاثة الأولى، أو أنه الف القرآن الذي كان خلف فراش النبي (صلى الله عليه وآله) ورتبه ونسقه ونظمه، وجمعه في خيط واحد.. وكان فيه الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه.. وغير ذلك مما تضمنه مصحف علي (عليه السلام)..
إذ يبعد أن يكون المقصود: أنه (عليه السلام)، قد كتب القرآن في ثلاثة أيام، إلا على سبيل الاعجاز، ولا يمكن أن يكون المقصود: أنه حفظه، كما يقوله البعض [١٧]، لأنه كان حافظاً له منذ بدء نزوله.
مواصفات مصحف علي (عليه السلام):
وقد صرحت الروايات والنصوص بميزات كانت لمصحف علي (عليه السلام)، فقد قال المفيد (رحمه الله) وغيره: إن علياً كتب في مصحفه تأويل بعض الآيات، وتفسيرها بالتفصيل [١٨].
وقال هذا الشيخ الجليل حول المصحف الموجود، ومقايسته بمصحف أمير المؤمنين (عليه السلام).
(..ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام)، من تأويله، وتفسير معانيه، على حقيقة تنزيله. وذلك كان ثابتاً، منزلاً، وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى، الذي هو القرآن المعجز، وقد سمي تأويل القرآن قراناً. قال تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالقرآن مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} [١٩]؛ فسمى تأويل القرآن قرآناً) [٢٠].
وقال المفيد أيضاً: قدم المكي على المدني، والمنسوخ على الناسخ، ووضع كل شيء منه في محله [٢١].
وعن علي (عليه السلام): (ولقد أُحضِروا الكتاب كَمَلاً، مشتملاً على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، لم يسقط منه حرف ألف، ولا لام؛ فلما وقفوا على ما بينه الله، من أسماء أهل الحق والباطل، وأن ذلك إن أُظهِر نقص[٢٢]، ما عهدوه، قالوا: لا حاجة لنا فيه..) [٢٣].
وقال الأبياري: (ويروي غير واحدٍ: أن مصحف علي، كان على ترتيب النزول، وتقديم المنسوخ على الناسخ..) [٢٤].
وقال الشيخ الصدوق: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما جمعه؛ فلما جاء به؛ فقال لهم:
هذا كتاب الله ربكم، كما أنزل على نبيكم، لم يزد فيه حرف، ولم ينقص منه حرف. فقالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا مثل الذي عندك.
فانصرف، هو يقول: (فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً؛ فبئس ما يشترون) [٢٥].
وتقدم: أن أول صفحة فتح عليها أبو بكر، وجد فيها فضائح القوم، أعني: المهاجرين والأنصار؛ فخافوا فأرجعوه إليه، ثم أمروا زيد بن ثابت بجمع القرآن لهم..
وقال ابن سيرين: إن علياً كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ.
وعنه: تطلّبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه إلى المدينة ؛ فلم أقدر عليه [٢٦].
وعنه أنه قال: فبلغني: أنه كتبه على تنزيله؛ ولو أصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير [٢٧].
أو قال: لو أصيب ذلك الكتاب؛ لكان فيه العلم [٢٨] .
وعن ابن جزي: لو وجد مصحفه (عليه السلام)؛ لكان فيه علم كثير [٢٩].
وعن الزهري: لو وجد لكان أنفع، وأكثر علماً [٣٠].
هذا.. ولا نستبعد: أن يكون هذا المصحف هو نفس المصحف، الذي دفعه أبو الحسن الرضا (عليه السلام) إلى البزنطي، وقال له: لا تنظر فيه. قال: ففتحته، وقرأت فيه: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [٣١]؛ فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش، بأسمائهم، وأسماء آبائهم.
قال: فبعث إلي: أن ابعث إليّ بالمصحف [٣٢].
وليس في رواية الكشي: أنه قال له: لا تنظر فيه.. وهو الصواب؛ إذ لا معنى لأن يعطيه إياه، ثم يمنعه من القراءة فيه، إلا إذا كان يريد أن يختبره بذلك.. فيكون البزنطي قد سقط في الإختبار!!
وفي أخبار أبي رافع: أن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال في مرضه، الذي توفي فيه لعلي: (يا علي، هذا كتاب الله خذه إليك.
فجمعه في ثوب، فمضى إلى منزله؛ فلما قبض النبيّ (صلى الله عليه وآله) جلس علي؛ فألفه كما أنزل الله، وكان به عالماً) [٣٣].
أين هو مصحف علي (عليه السلام)؟!:
قد يمكن أن نستظهر من رواية البزنطي السابقة: أن ذلك المصحف، الذي دفعه إليه الإمام الرضا (عليه السلام)، كان هو مصحف علي (عليه السلام).
ولكن ذلك لا يكفي لإثبات ذلك، كما هو ظاهر..
ولكن ثمة نصوص أخرى، تفيد: أن هذا المصحف موجود الآن عند الإمام الحجة المنتظر، قائم آل محمد (صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطاهرين)، وسيخرجه حين ظهوره، إن شاء الله تعالى.. [٣٤].
ولعله هو القرآن الذي ورد في الروايات: أنه يعلّمه للناس، وأنه يخالف التأليف المعروف للمصحف..
خصائص مصحف علي (عليه السلام):
ويتضح من النصوص الآنفة الذكر: أن مصحف عليّ (عليه السلام)، يمتاز بما يلي:
١ ـ إنه كان مرتباً على حسب النزول.
فنتج عن ذلك ان:
٢ ـ قدّم فيه المنسوخ على الناسخ.
٣ ـ كتب فيه تأويل بعض الآيات بالتفصيل.
٤ ـ كتب فيه تفسير بعض الآيات بالتفصيل، على حقيقة تنزيله. ولعله كتب فيه التفاسير المنزلة تفسيراً من قبل الله سبحانه على حد الأحاديث القدسية.
٥ ـ فيه المحكم والمتشابه.
٦ ـ لم يسقط منه حرف ألف، ولا لام. ولم يزد فيه حرف، ولم يسقط منه حرف.
٧ ـ فيه أسماء أهل الحق والباطل.
٨ ـ كان بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط عليّ (عليه السلام).
٩ ـ كان فيه فضائح القوم ـ أعني: المهاجرين والأنصار ـ من الشخصيات التي لم تتفاعل مع الإسلام، كما يجب. ومنه ذِكر المنافقين بأسمائهم ونحو ذلك.
أمران لابدّ من التنبيه عليهما:
الأول: إن ما ذكر من خصائص وميزات في مصحف عليّ (عليه السلام)، يوضح لنا السر في صعوبة تعلمه في زمن ظهور الحجة (عليه السلام) ؛ فقد روي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قوله:
(إذا قام القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، ضرب فساطيط لمن يعلم الناس القرآن على ما أنزله الله عزّ وجلّ، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم؛ لأنه يخالف فيه التأليف) [٣٥].
الثاني: اتضح: أن مصحف عليّ (عليه السلام)، لا يفترق عن القرآن الموجود بالفعل، إلا فيما ذكر.. وقد اعترف بهذه الفوارق، علماء أهل السنة، ومؤلفوهم، ومحدثوهم، كما يظهر من ملاحظة النصوص المتقدمة، ومصادرها..
فمحاولة البعض اعتبار ذلك من المآخذ على الشيعة، على اعتبار: أن قرآناً آخر، يخرجه الإمام الحجة (عليه السلام)، يختلف عن القرآن الفعلي.. [٣٦].
إن هذه المحاولة بعيدة عن الإنصاف، وليس لها ما يبررها على الإطلاق ؛ فالقرآن هو القرآن، وإضافة بعض التفسير والتأويل، وترتيبه حسب النزول، لا يوجب اختلافاً في أصله وحقيقته..
ما كتبه الرسول (صلى الله عليه وآله) من القرآن لم يصل إلى الخلفاء:
إن الروايات السابقة، وكذلك حديث جمع زيد للقرآن من العسب واللخاف، وصدور الرجال، يؤكد: على أن زيداً لم يكتب مصحفه، اعتماداً على المصحف الذي كتب بحضرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما يدَّعي البعض، ويُدَّعى أيضاً: أنه كان في بيت عائشة [٣٧].
بل هو قد كتب مصحفاً للخليفة وأعوانه، ولم يذكر فيه المحكم والمتشابه، ولا غير ذلك مما هو في مصحف علي (عليه السلام) الذي تسلّمه بأمر من النبيّ (صلى الله عليه وآله) نفسه، كما أسلفنا.
وتقدم: أنه (عليه السلام) قد جاءهم به، فلما رأوا أنه قد كتب فيه، ما لا يروق لهم؛ رفضوه، واكتفوا بجمع مصحف لهم، من عسب، ورقاع أخرى، ومن صدور الرجال، حسبما صرحت به رواياتهم.
المراد بالتنزيل:
وتقدم قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (..ولقد أحضروا الكتاب كَمَلاً، مشتملاً على التنزيل والتأويل) [٣٨].
والظاهر: أن المراد بالتنزيل: هو نفس القرآن..
أو: شأن نزول الآيات، كذكر أسماء المنافقين، ونحو ذلك..
أو: التفاسير، التي أنزلها الله تعالى على رسوله؛ شرحاً لبعض الآيات، مما لا سبيل إلى معرفته، إلا بالوحي، والدلالة الإلهية، كما هو الحال في بيان كيفيات الصلاة، ومقادير الزكاة.. ومعاني كثير من الآيات، التي تحتاج إلى توقيف منه تعالى؛ فينزل الله ذلك على النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)؛ ولا يكون ذلك قرآنا، بل هو من قبيل الأحاديث القدسية، التي هي وحي إلهي أيضاً.
ولعل ما ورد في بعض الروايات، التي سُجِّلت فيها بعض الإضافات، وقول الإمام (عليه السلام): (هكذا أنزلت). يهدف إلى الإشارة إلى نزول تفسيرها من قبل الله سبحانه.
ويمكن أن يكون قد مزج هذا التفسير النازل بالآية، على سبيل البيان والتوضيح. باعتماد طريقة يتميز معها ما هو قرآن منزل عما هو تفسير منزل.
وكان التفسير المزجي معروفاً آنئذ، فقد جيء عمر بقرآن كتب على سبيل التفسير المزجي، فدعا بالمقراضين، وصار يفصل به الآية عن تفسيرها [٣٩].
أما التأويل، فالمراد به ما تنتهي إليه الأمور، من حيث تحقق مداليلها.
قال آية الله الخوئي (رحمه الله): (ليس كل ما نزل من الله وحياً، يلزم أن يكون من القرآن؛ فالذي يستفاد من الروايات في هذا المقام: أن مصحف عليّ (عليه السلام)، كان مشتملاً على زيادات: تنزيلاً، أو تأويلاً.
ولا دلالة في شيء من هذه الروايات؛ على أن تلك الزيادات هي من القرآن. وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذكر أسماء المنافقين في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فإن ذكر أسمائهم لا بد وأن يكون بعنوان التفسير.
ويدل على ذلك: ما تقدم من الأدلة القاطعة، على عدم سقوط شيء من القرآن.
أضف على ذلك: أن سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) مع المنافقين تأبى ذلك، فإن دأبه تأليف قلوبهم، والإسرار بما يعلمه من نفاقهم. وهذا واضح لمن له أدنى اطلاع على سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وحسن أخلاقه؛ فكيف يمكن أن يذكر أسماءهم في القرآن، ويأمرهم بلعن أنفسهم، ويأمر سائر المسلمين بذلك، ويحثهم عليه، ليلاً ونهاراً؟! وهل يحتمل ذلك؟! حتى ينظر في صحته وفساده)!! [٤٠].
ولكن لا يخفى أن السيد الخوئي يحتاج إلى بيان، فإن المنافقين وأهل المعاصي على أقسام:
الأول: اولئك الذين ظهرت منهم القبائح، وآذوا رسول الله، في نفسه وفي عترته من أمثال الحكم بن أبي العاص.. وغيره ممن سعوا في إضلال الناس، وإطفاء نور الله.
وقد لعن الله هذا الصنف، وأمر بلعنهم، ونهى عن قبول صدقاتهم، وعن الاستغفار لهم، وعن الصلاة عليهم، والقيام على قبورهم.. وغير ذلك.. ولا ضير في ذكر اسماء هؤلاء وفضحهم. وقد ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) أسماء بعض المنافقين لحذيفة بن اليمان.
الثاني: أولئك الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. ثم تابوا، فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم.
الثالث: أولئك الذين هم مرجون إلى أمر الله، إما أن يعذبهم، وإما يتوب عليهم.
والقسمان الثاني والثالث يحسن الستر عليهما، امتثالاً لأمر الله بالرفق بهم. أما القسم الأول فيحسن التبرؤ منه، والتحاشي عنه وسائر ما ذكرناه آنفاً، ولا ينافي ذلك حسن الخلق. بل محبوب ومطلوب لله تعالى.
وهذا بالذات يوضح لنا: كيف أن في سورة الأحزاب فضائح الرجال والنساء، من قريش، وغيرهم، حسبما روي عن الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه)، حيث أضاف قوله:
(يا ابن سنان، إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب، وكانت أطول من سورة البقرة، ولكن نقصوها، وحرفوها) [٤١].
فإن المراد: أنهم حذفوا منها التفسير النازل، الذي جاء ليبين المراد منها، فهو من قبيل تحريف المعاني، كما تقدم بيانه.
ولكن آية الله السيّد الفاني (رحمه الله)، قد أورد على هذه الرواية: بأنه ليس من اللائق التحدث عن مساوئ النساء في القرآن[٤٢].
ونقول:
المراد بمساوئ النساء ما هو من قبيل حديث الله سبحانه عن تظاهر بعض نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وعن موضوع الملاعنة في الزنى، وغير ذلك..
فما ذكره (رحمه الله)، لا يصلح مانعاً.
فلعل المراد بكونها فضحت نساء قريش: أنه قد نزل في تفسير سورة الأحزاب بعض ما فعلته بعض نساء قريش تماماً، كما تحدث تعالى عن امرأة أبي لهب، حمالة الحطب، وعن امرأة نوح، وامرأة لوط، وغيرهن، وذكر بعض ما فعلن..
لو قرئ القرآن كما نزل:
وأخيراً.. فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قوله: لو قرئ القرآن كما أُنزل، لأُلفينا (لألفيتمونا) فيه مسمّين [٤٣].
أي أن أسماءهم (عليهم السلام)، قد أنزلها الله سبحانه، تفسيراً لبعض الآيات.. كما هو الظاهر..
ويلاحظ: أن علياً (عليه السلام)، قد كتب القرآن كما أُنزل، وعرضه عليهم، ورفضوه..
والرواية الآنفة الذكر تقول: لو قرئ القرآن كما أُنزل، أُلفينا فيه مسمين..
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لو أن الناس قرؤوا القرآن كما أُنزل، ما اختلف اثنان) [٤٤].
فنستفيد من ذلك:
أولاً: إن معرفة الناس بالتفسيرات التي أنزلها الله سبحانه، وفيمن نزلت الآية، ومتى نزلت و.. و.. إلخ.. من شأنه أن يعرّف الناس على المخلص، والمزيف، وعلى الصحيح والسقيم، ويقطع الطريق على المستغلين، وأصحاب الأهواء، من النفوذ إلى المراكز الحساسة، ثم التلاعب بالإسلام، وبمفاهيمه، وقيمه.
وثانياً: إننا نجد الكثير من الروايات، التي زخرت بها المجاميع الحديثية والتاريخية لأهل السنة، تشير إلى حدوث بعض الاختلافات في قراءة القرآن. مع أن القرآن ـ كما روي عن أبي جعفر وسيأتي ـ واحد، من عند الواحد، ولكن الإختلاف يجيء من قبل الرواة.
فلو أن القرآن قرئ كما أنزل، لما اختلف اثنان حقاً، وإنما نشأ الإختلاف؛ لأن كل راو أراد أن يقرأ بلهجته، ويدخل تفسيراته، وتأويلاته، أو نحو ذلك..
انتهى .
منقول من كتاب الصحيح من سيرة الإمام علي عليه السلام (بتصرف)
(المرتضى من سيرة المرتضى)
السيد جعفر مرتضى العاملي