وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ .                
وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                

Search form

إرسال الی صدیق
مكانة الشريف الرضي بين شعراء المديح

محمد جواد إسماعيل غانمي [١]

علي سپهيار [٢]

الملخص

يعجز الإنسان مهما حرص واجتهد في دراسته أن يوفى الشريف الرضي بعض حقوقه .لأن الشريف الرضي إلى جانب العصر الذي عاش فيه – عصر زاخرٌ بالعلم ، والمعرفة، والفكر النّير – يتجلى بعدة ميزات إلى جانب شخصيته الشعرية.

أردنا من خلال هذا المقال أن ننصف الرضي وعبقريته ، التي انشغل عنها القدامى بالمتنبي وشعره ،  ثم لم يلبثوا أن طلع عليهم أبوالعلاء المعري، فانشغلوا به إلى جانب انشغالهم بأبي الطيب.

لهذا حاولنا أن نبحث عن مكانة الشريف الرضي بين شعراء المديح من خلال هذه الأسطر القليلة . فرأينا أنّ الشريف يحتل مكانة بارزة إذ ما قورن بشعراء المديح من معاصريه أوغيرهم. وأن المدائح عنده ذوات خلفية تغاير خلفيات المدح التي نعرفها لدى غيره من الشعراء، أي أنها لا تنطلق من رغبة في كسب أو ملق أو نفع معين.

المقدمة

دراسة الشريف الرضي من أروع الدراسات، لأنها تغني العقل قبل الفكر ، وتفرض على دراسة أن يتروّى كثيراً قبل القيام بعمله ، لأنّ الشريف الرضي محيط من المعرفة الإنسانية ، تتصل معرفته بالدوحة المحمدية الشريفة.

ففي دراسة الشريف الرضي ، نحن نواجه رجلاً من كرام الرجال ، وشاعراً من أغنى من أنتجتهم الأمة العربية الإسلامية على امتداد تأريخها. ومن الواجب على الدارسين والباحثين، أن ينصفوا الرضي وشاعريته التي انشغلوا عنها بالآخرين.

المدح عند الشريف الرضي

المدح عند العرب فن جميل من الفنون الشعرية، ازدهر به ديوان الشعر العربي، وأجمل أنواع المدح هي تلك المدائح التي، يتناول فيها الشاعر القيم الروحية والخُلقية والإنسانية في الممدوح، ولكن نجد العديد من الشعراء قد خرجوا عن هذه الأطر ، فركّزوا مدحهم لخدمة الأطماع والميول ، وقد بالغوا فيه ، حيث أصبح تكسباً ، فأغرقته المادة ، في أمواجها .

لا شكّ أنّ  الشعراء لم يكونوا كلّهم على هذا المنوال ، فقد تجنب بعضهم هذا الصنيع ، ولذلك حفظوا لشعرهم الخلود والسمو بعد أن ارتفعوا به إلى ما يليق؛ وأبوا الاستجداء والاستعطاف والتملق على أعتاب السلاطين والأمراء.

وكان الشريف الرضي على رأس هذه الطبقة من الشعراء فمدائحه ليست كسائر المدائح ، لأنّ الشريف لم يكن يتكسب بشعره ، كما فعل ذلك بعض الشعراء الذين كانوا يبيعون قصائدهم، وبالتالي كراماتهم في بغداد ؛ وإنّما كانت مدائحه كما يذكر زكي مبارك: «شاهداً على اشتباكه في المعارك السياسية، التي كانت تثور في فارس وفي العراق، فأكثر ممدوحيه كانوا يتذوقون الشعر والأدب والبلاغة ، وأكثرهم كانوا من الفتيان الأبطال، الذين يعشقون جليل الصفات ، ولعلّ الشريف أنس بهم فمدحهم بغرر معانيه.» (مبارك، ١٩٨٨م، ج١:٦٣) .

إنّ مدائح الشريف الرضي تبلغ ثلث ديوانه وقد توزعت بين أسرته (والده وشقيقه وخاله) وبعض الخلفاء العباسيين، وملوك بني بويه ووزرائهم ، إضافة إلى شيوخه وأصدقائه.

وأما حرص الشريف الرضي على مدح بعض أصحاب أو أرباب السلطة ، فلم يكن رغبة في منفعة رخيصة بخسة،وإنّما كان هدفاً إلى خدمة وطنه الذي جار عليه الزمن آنذاك ، لأنّ الرضي خلال حياته شهد صراعات سياسية كثيرة.

وكان خلفاء بني العباس في عهده لا يملكون من أمرهم ضراً ولا نفعاً، وكان يكفيهم من الخلافة الاسم.

لذلك كان يخص بالمدح من يرى فيه القدرة على إنصاف العراق ، ولو لم يكن الأمر كذلك ، لكان في غنى عن هذا المديح، لأنّ سلطته الروحية والمكانة المرموقة التي يتحلى بها هو وأبوه بين الناس، أعطته مكانة عالية ، حرص عليها حتى أصحاب الجاه في القرن الرابع الهجري.

فالشريف كان أمير الحج ، ونقيب الطالبين ، ووالي  ديوان المظالم. (الأميني، ١٣٦٦ش، ج٤: ١٨٢؛ وبروكلمان ، لاتا ، ج٢:٦٢)

وهي مناصب تغنيه لا شك عن المديح بغية الكسب المادي، فقد كان أصحاب الجاه ومقالد الحكم ، بحاجة إلى أبي أحمد الموسوي، وإلى وريثه في المناصب وابنه، الشريف الرضي.

وذلك كان سبب نفوذ هذين الشخصين ومكانتهما العالية بين القبائل العربية، التي كانت تسدّ الطريق إلى البيت الحرام، وتشهد كتب التاريخ أن أهل العراق وأهل فارس وأهل خراسان ، انصرفوا عن الحج أعواماً بسبب الخوف من التعديات ، فكان وجود الموسوي وابنه من بعده، كفيلاً بوضع حدٍّ لهذا الوضع المضطرب، إذ كان لهما نفوذ بالغ بين القبائل وسلطتهم الروحية كانوا ينالون منها من القبائل ما تعجز عنه السيوف.

وفي مخاطبة الشريف القادر دليل واضحٌ على أن مدحه لأولي الأمر لم يكن تكسبياً، فهو يرى نفسه أحق الناس بالخلافة ، وأجدرهم بها.

عطفاً أمير المؤمنين فإننا ***** في دوحة العلياء لا نتفرق

ما بيننا يوم الفخار تفاوت ***** أبداً كلانا في المعالي معرق

إلاّ الخلافة ميزتك فإنني ***** أنا عاطل عنها وأنت مطوّق

(الشريف الرضي، ١٤٠٦م، ج٢ :٤٢)

القصيدة المدحية عند الشريف الرضي، متعددة الأغراض، إذ يرى فيها بالإضافة إلى المديح؛ الوصف، والفخر ، والحكمة والهجاء والنسيب.

وأروع قصائد المديح في ديوانه ،تلك التي تتناول شخصية والده، فقلما تمرُّ مناسبة أوعيد، إلا ومدحه بقصيدة من عيون الشعر ، لأنه كان يرى أباه المثل الأعلى، والذي تعلو مكانته الخلفاء، بل يعتقد أن أباه أولى منهم بالملك والسلطان ، وقد مدحه بأكثر من ثلاثين قصيدة، تعتبر قمة من قمم الشعر التي تربّي الأخلاق وتسمو بالإنسان إلى المعنويات العالية.

وهكذا فإنّ المدائح مع كثرتها في ديوان الشريف ، لكنها ذوات خلفية تختلف مع خلفيات المدح، التي تعرف لدى غيره من الشعراء، أي الشريف لم ينطلق من رغبة في كسب أو ملقٍ أو نفع معين، بل إن أكثر مدحه يصدر عن قرابة أو صداقة أو مودّة هذا مع إنّ الشريف كانت له صلات ودّية بكبراء زمانه، من خلفاء ووزراء وأدباء، ولكن لم يجد نفسه، مجبوراً كشاعر في مدح هؤلاء وذكر فضائلهم ومآثرهم. مع أن العديد من هؤلاء الكبراء قاموا بأعمال جيدة في ميادين العمران وساحات النضال ونشر المعرفة والثقافة.

المهم أنّ قول الشعر ، لم يكن في سيرة الشريف ، بضاعة للتجارة ، بل أداة همّ، وموضع شكوى:

بضائع قول عند غيري ربحها ***** وعندي خسر اناتها والوضائعُ

(الشريف الرضي، ١٤٠٦ ق، ج١: ٦٦٥)

والأصل الثابت في هذه المواقف المشرفة، تفرد الشاعر بما وهبهُ الله، وعزّة نفسه:

لقد كان لي عن باحة الذلّ مذهبٌ ***** ومضطربّ عن جانب الضيم وواسعُ

(الشريف الرضي، ١٤٠٦ق، ج١: ٦٦٥)

أما مدائحه في الملوك والأمراء خاصة ، تختلف عن مدائحه في أسرته، فكما يقول الكاتب عبد اللطيف شرارة، كانت: «تحمل في ثناياها، ضروباً من الفخر والافتخار، وكانوا يلحظونها على مضض، ويهملون لحاظها تعالياً واستكباراً، مكتفين بالظاهر منها أنّها قيلت في مدحهم.» (شرارة ، ١٩٩٣م: ٥٥)

ولكن مدائح الرضي التي خص بها الأدباء من الوزراء ، تدّل على إعجاب واحترام كبيرين، يقول عبداللطيف شرارة: «إن مدائح الشريف الموجهة إلى الأدباء من الوزراء، كالصاحب بن عباد، وسابور بن اردشير، وزير بهاء الدولة البويهي تنمّ عن إعجاب أدبي، ومودّةٍ مضمّخةٍ بأرج روحاني، لاتقع على شىءٍ منها في مدائحه الأخرى، سوى تلك التي خصّ بها قوام الدين وبهاء الدولة، وهذا يدخل في عداد أصدقائه المخلصين، شأنه شأن أبي أسحاق الصابي. (شرارة، ١٩٩٣م: ١٦٣) وكان ما كتب إليه وهو في فارس:

وما تلوّم جسمي عن لقائكمُ ***** إلاّ وقلبي إليكن شيقٌ عجلُ

وكيف يقعدُ مشتاقٌ يحرّكه ***** إليكم الحافزان الشوق والأملُ

فإن نهضتُ فما ليى غيركم وطرٌ ***** وإن قعدتُ فما لي غيركم شغلُ

لو كان لي بدلٌ ما اخترتُ غيركم ***** فكيف ذلك، وما لي غيركم بدلُ

وكم تعرّض لي الأقوام قبلَكمُ ***** يستأذنون على قلبي ، فما وصلوا

(الشريف الرضي، ١٤٠٦ق: ج٢: ٢٢٨)

وهكذا هو المدح عند الشريف الرضي، فإنّه يعطي الصداقة أزهى ألوانها وأجمل صورها. وهي هي مع أقاربه وأصدقائه، بحيث يتحول المدح إلى حلية أو زينة ، يقدمها الشاعر إلى من يأنس بهم ويرتاح إليهم. وهم بدورهم يأنسون به وإليه يرتاحون.

وكما يقول الفاخوري: «لم تكن مدائح الشريف للتكسب، إنما كانت عبارة عن اشتباكه في المعارك السياسية الناشبة في فارس والعراق، ووسيلة إلى أغراض سياسية، وعنواناً على متابعته لتقلب الأحوال.»(الفاخوري، ١٩٨٧م: ٦٦٥)

مكانة الشريف بين شعراء المديح

يحتل الشريف مكانة بارزة وسامية، إذا ما قورن بشعراء المديح من معاصريه أوغيرهم. لأنّ مدائح الرضي ذوات خلفية، تغاير خلفيات المدح التي نعرفها لدى غيره من الشعراء، أي إنها لا تنطلق من رغبة في كسب أو ملق أو نفع معين، بل إن معظمها يصدر عن قرابة، أو صداقة أو موّدة. وسبب ذلك، أن الرضي عُرف كشاعر من جهة ، وكانت له من جهة أخرى، صلات متينة بكبراء زمانه، من خلفاء وأمراء ووزراء وأدباء.

إذن قول الشعر في سيرة الشريف لم يكن بضاعة للتجارة، بل أداة همّ وموضع شكوى :

بضائع قول عند غيري ربحها ***** وعندي خسراناتها والوضائعُ

(الشريف الرضي، ١٤٠٦ق، ج١: ٦٦٥)

والأساس في مواقفه هذه ، تفرّده بمواهبه واعتزازه بنفسه:

لقد كان لي عن باحة الذلّ مذهبٌ ***** ومضطربّ عن جانب الضيم وواسعُ

(الشريف الرضي، ١٤٠٦ق، ج١: ٦٦٥)

بما أن البحث عن مكانة الشريف بين شعراء المديح، لهذا حاولنا أن نقارن هذا الشاعر بشاعرين شهيرين من العصر العباسي، عُرفا  في جانب كبير من شعريهما بالقصائد المدحية، وهذان الشاعران هما ابن الرومي والمتنبي.

أما ابن الرومي، مع أن المديح يحتّل حيزاً كبيراً في شعره، ولكن رغم ذلك ، فهو لم يأخذ الأهمية التي أخذتها سائر الأغراض في شعره، وسبب فشله في هذا الفن، إكثاره بالسؤال فيه من جهة، ولأنّ العصر لم يغدق على المتكسبين من أمثاله، كما فعل العصر الذي سبقه.

وعلة أخرى أيضاً كانت سبباً في عدم موفقيته في هذا الغرض ، وهي الإطالة الممّلة التي لم يعرف الشعر العربي القديم مثيلاً لها.

فإذا قارنا الشريف بابن الرومي، في هذا المجال لرأينا الشريف يمتاز عليه من جوانب عديدة، كما يتفوق عليه تفوقاً صارماً، انطلاقاً من تجنب الرضي من التكسب في شعره ، إلى ابتعاده من التعقيد في الكلام ، وثمة ميزات أخرى.

قلنا أن الرضي عليه الرحمة، ابتعد عن التكسب والطلب في مدحه، ولم يخضع شعره للدراهم ، وهذه الصفة واضحة وجلية في شعره.

فمثلاً الأبيات التي مرت عند مخاطبة القادر خير دليل على ذلك:

عطفا أمير المؤمنين فإننا ***** في دوحة العلياء لانتفرق

ما بيننا يوم الفخار تفاوت ***** أبداً كلانا في المعالي معرق

إلاّ الخلافة ميزتك فإنني ***** أنا عاطل عنها وأنت مطوّق

(الشريف الرضي، ١٤٠٦ق، ج٢: ٤٢)

ولكن إبن الرومي عندما يخاطب ذوي الشأن والسلطان، فمن المضحك المبكي في مدائح هذا الشاعر الغريب العجيب، إنه يفلق الممدوح وينهكه، بكثرة الشكوى والبكاء على شبابه الذاوي، ليدرّ عطفه عليه، ويثير حنين مشاعره لإغداق كرمه، بأسلوب لا يتورع عن استهلاله بالنسيب الذي جرى عليه المحافظون على القالب الشعري القديم، بما في ذلك ، ذكر الحكم ومجالس اللهو، ذكر حال بؤسه وشدّة فقره التي توجب على الممدوح المبادرة الفورّية لإجزال العطاء.

أثبني ورفّهني وأجزل مثوبتي ***** وثابر على إدرار بزّي وواظِبي

أثقلُ إدلالي لتحملَ ثقلّه ***** بطوع المراضي لا بكره المغاضبِ

(ابن الرومي، ١٩٩٤، ج١: ١٤٢)

فأنت ترى الشاعر ، يتلو قصّة ترشد الممدوح نحو الفضائل المتكسبة ، ثوب الحلم البعيد عن الغضب.

وانبرى يعرض عللا قصصية ، تتعلق بحاله والمشقات التي أعجزته في أسفاره. وفي هذا النوع من التكسب النافر لدى الخلفاء العباسيين، ضجّ شاعرنا بقصائده غير المقبولة عندهم، فهو حين يراهم لا يستجيبون لشروطه المنطقية – في نظره – يذهب إلى العتاب والشكوى من إعراض ممدوحه عنه ، ويضرّ في طلب الصفح والعطف لعطاياهم، ويغرق نفسه في مذلة التصغير لشأنه، كى يحظى بالرأفة، والرضا، ضمن أسلوب الصراحة البعيدة عن المواربة حتى يقول:

كأنّك قد أنسيت أنّك سيدٌ ***** له الفضلُ، أوأنسيت أنّي خادمُ

(ابن الرومي، ١٩٩٤م، ج١: ٤٢)

ويبقى على حالته تلك ، وما فيها من احتقار لنفسه، وتصغير شأنه، حتى يخرج أبياته بغريب الألفاظ مقبولة عند ممدوحيه.

ألك الأمر والسياسة واسمُ ***** المعتفيكُ الصعلوك والقرضوبُ

ثوبي الرث والثيابُ طراءٌ ***** وطعامي، برغمي المجشوبُ

(ابن الرومي، ١٩٩٤م، ج١: ٢٢٢)

ويضيف إلى ذلك كله لزوم ما لا يلزم من قوانين الصناعة التي فاق بها أهل عصره، وهذا الأمر لم نره عند الرضي، حتى في مدائحه للملوك والأمراء ، فإن مدائحه فيهم تحمل في ثناياها ضروباً من الفخر والاعتزاز، وذلك لحاجة تؤلم بطنه الخاوية، أو قرص جوع أشعرته بدنو أجله.

بل نلمح هذا الإذلال والانكسار في السؤال بشعره في أيام يسره أيضاً، حيث يخاطب عبيد الله قائلاً:

أتحرمني لأنّي مستغلٌ ***** وأنّي لستُ كالرزحي السغاب؟

(ابن الرومي، ١٩٩٤م، ج١: ١٧٢)

في الواقع فإنّ ابن الرومي قد غرّد في هذا الغرض من الشعر خارج سربه، ومن أجل ذلك لم ينجح به، ولا كان غرضاً ناجحاً في قصائده.

فطريقته في المدح لم يلتفت فيها إلاّ إلى المال وحده، فأينما حلّ المال، حلّ فيه ابن الرومي وطريقته للوصول إلى النوال ، تتعدد مع حالة المقصد الذي يصبوا إليه، مهما كان فإن ابن الرومي يتكيف مع الحال تكيف الماء في الإناء، والمقصد وراء مديحه هو التكسب ولا غير.

طبعاً من الأمور الطريفة، المضحكة التي لابدّ أن نضيفها إلى مدح ابن الرومي ، هي تهجمه على من يمدحه، حين يعرض عنه، ولا يثيبه على ما جمّله به من عذب الكلام الذي كساه إياه.

يقول في ذلك:

يا مادحَ القومِ اللئام ***** وطالباً نيلَ الشحاح

ما أنتَ في زمن المديح ***** ولا الهجاء والسماح

فاشغل قريضك بالنسيب ***** وبالفاكهة والمزاح

(ابن الرومي، ١٩٩٤م، ج١: ٢١٠)

وقد يتساءل الإنسان ، أليس ذلك حقا للشاعر مشروعاً، أو ليست المكافأة هنا دليل التقدير وحسن الظن بكفاءة الشاعر، والإعجاب بقوله وفنه، وهل يفعل أديب اليومَ غير هذا؟!! وأن أشدّ ما يغيظ الفنان والشاعر، أن لا يجد أحدههما صدى استحسان لما يقوله ، فيثره ذلك، فيلجأ إلى هجوهم انتقاما لشرف شعره، وكرامة الكلمة والنفس، ولهذا الأمراضطر ابن الرومي أكثر من مرة أن يعلن بصدقه وصراحته:

وإذا ما مدحتُ المرءَ يوماً ولم يثب ***** مديحي ، وحقُّ الشعر في الحكم واجبُ

كفاني هجائيه قيامي بمدحه ***** خطيباً وقولُ الناس لي «أنت كاذب»

(ابن الرومي، ١٩٩٤م،ج١: ٨٨)

فللشعر حق واجب في الحكم ، وعلى الآخرين أن يقدروا هذا الحق، ويكافئوا أصحابه، ويثيبوهم ، وإلاّ ساءهم ذلك وأحقدُهم عليهم لسوء فهمهم، وعدم إعطائهم حقهم.

طبعاً لا يختلط الأمر على القارئ الكريم ، فقد يكون عدم إثابة ابن الرومي، لأنه كان يستجدي بشعره ويذلّل نفسه، حيث قد خرج عن الإطار المألوف لدى الشعراء عندما يجلسون على أبواب الملوك والأمراء، مما كان يثير حفيظته ويزيد من حقده ونقمته ، وكلّ هذه الأشياء التي ذكرت، لم توجد ولم يألفها الشريف الرضي، لأنه لم يقصد من وراء مديحه سوى إبراز قدرته الشعرية، وحاجته النفسية، هو دائماً يتغنى بمآثره ومآثر أجداده الكرام، ويفخر بنفسه الأبية التي ترفض الخنوع والتذلل لذوي السلطان من خلفاء، او أمراء، أو وزراء، يقول في مدحه للملك بهاء الدولة:

فجرّبني تجدني سيفَ عزمٍ ***** يصمّم غربه وزِنادَ راءِ

(الشريف الرضي، ١٤٠٦ق،ج١: ١٦)

فهو يفتخر بنفسه، ويقف له ولا يذلل نفسه ، كما كان يفعل ابن الرومي أوغيره من الشعراء.

وأما المتنبي فإن الشريف يتفقُ معه في مجادلات كثيرة، منها فن المديح الذي زخر به كلاً من ديوان الشاعرين.

وقد ذكر حنا الفاخوري في حديثه عن المدح عند الرضي قائلاً: «إن الشريف الرضي عندما ينتقل إلى ممدوحه يكثر من وصف القتال، والإيقاع بالأعداء، ثم يفخر بنفسه وبفعاله لكي يستميل الممدوح، وهو في كل ذلك يشبه المتنبي الذي يحاول الشريف أن يقلده في معانيه، وأساليبه، وصوره من غير أن يبلغ شأوه. فبعيد ما بين اندفاع المتنبي وثورته العاطفية وقوته الجبارة، واندفاع الشريف الذي يمازجه اللين حتى في أعظم مواقف الشدة.»( الفاخوري، ١٩٨٧م: ٦٧٣)

لاشك أن الرضي قد جاء بعد وفاة المتنبي بمدة وجيزة، وكان المتنبي آنذاك، كما يقال «ملأ الدنيا وشغل الناس» ولا شك أنه كان من روّاد الشعر وأصحاب الرأي والكلمة في الأدب ، وقد سطّر أروع وأعظم البطولات في ميادين الشعر والنزال، ولابدّ أن يتأثر بهذا العملاق سائر الشعراء إذا ما أرادوا أن يتجولوا في أرجاء الشعر العربي.

منهم شاعرنا الشريف الرضي، الذي – كما يذكر حنا الفاخوري – حاول التقرب منه ومجاراته. ولكن رغم ذلك، فإن الرضي تفرّد بعدّة أمور عن المتنبي خاصة في فن المديح.

أسلوب المتنبي في المدح، هو الأسلوب القديم، الذي يبدأ باستهلال القصيدة بالغزل والوصف، وصف الديار والمطية والسّير، إلى الممدوح حتى يتخلص إلى المدح، ولكن الرضي خالف هذا الأسلوب القديم في العديد من جوانبه.

فهوكثيراً ما يستهل القصيدة بالفخر والشكوى من الزمن ، وقلّما يبدأها بالغزل والوصف وذكر الديار وما إلى ذلك من الأساليب المعهودة في الشعر العربي.

طبعاً لابدّ هنا أن نذكر أن هذه الظاهرة – الاستهلال بالفخر والشكوى – وجدت عند المتنبي، أو كانت موجودة، قبل أن يتصل بالحمدانيين، ولكن ما إن اتصل بهم، حتى أخفت شخصية الممدوح (سيف الدولة) شخصية الشاعر، لأنه كما سوف نبين كان يراه مثله الأعلى، الذي تتجلى شخصيته فيه.

ومن الأشياء التي تفرّد فيها الرضي أيضاً وأمتاز بها على كثرة مدائحه هي الجودة والفصاحة والرصانة التي توجد في مدائحه.

ولو نظرنا إلى شعر المتنبي المتقدم عليه في العصر، نجده مع ماله من مكانة في الشعر والأدب، يشتمل على سقاطات لاتقع من أداني الشعراء.

يقول حنا الفاخوري في ذلك: «في مدائح المتنبي معانٍ ساقطة وألفاظ مبتذلة وتعابير معقدة، وفيها مبالغات بالغة، ولا سيما في وصف القوة، حيث يعتمد الشاعر إلى تشابيه شاذة، فاسدة الذوق أو قليلة الاحتفال بحرمة الأشياء المقدسة» .(حنا الفاخوري، ١٩٨٧م: ٦٤١)

ولكن هذه المواصفات، ليست موجودة عند شاعرنا الشريف الرضي، فمدائحه في غاية الدقة والجودة والرصانة.

الشىء المهم الذي لابدّ من الإشارة إليه هنا بالنسبة لهذين الشاعرين العبقريين، هو تقربهما من الملوك والأمراء ، ومدحهما هؤلاء.

في واقع الأمر إنّ الرضي والمتنبي، عاشا في فترة استحوذت على معظم الجهود والأفكار والنزعات، طيلة هذه الفترة – أي القرنيين الرابع والخامس – فكرة الدولة وصيانتها وإرسائها على قواعد تكفل لها البقاء، دون  أن يوفق أحدٌ منهم.

إذ أقضت الدولة العباسية إلى التفكك والانحلال، على يد الحروب الصليبية في الغرب، وغزوات المغول والتتر من الشرق ، وكان الوهن قد بدأ يدبّ في عروق الدولة منذ ولّى المتوكل سدّة الخلافة، وانتهى مقتولا بمعونة ابنه ولي العهد الذي لقب «المنتصر» فلم تكن الدولة العباسية إذاً سوى «فكرة» أو«وهم» قائم في الأذهان، أما الواقع المحسوس ، فكان يتمثل تقلّباً في سرعة الأحداث والإجارة واضطراباً في الملوك، وقد زاد الأحداث تقلباً والسلوك اضطرباً، تدخّل العناصر الأجنبية في العراق، وراح الفرس والأتراك، وفروع هؤلاء وأولئك (البويهيون والسلاجقة) يمارسون تأثيراتهم المتضاربة، المتغيرة في الحياة العامة وتيسير شؤونها ، وإدارة مرافقها، مما جعل تلك الحياة فوضى لا يملك أحدٌ أن يحول دون الكوارث ووقوعها، على كل مستوى وصعيد.

وهذه الفوضى الشاملة التي عمّت وسادت، أصبحت الهواء الذي يتنفسه الناس، والحقيقة الماثلة التي تؤرق الشاعر والمفكر والعالم في كل أفقٍ وبلدٍ وأسرة ، هذه الأوضاع هي التي عاشها الشاعران الرضي والمتنبي وكانت الدولة (دولة الخلافة) موزعة شرّ توزيع بين البويهيين والعلويين والعباسيين والحمدانيين والفاطميين والسلاجقة والأمويين (الأندلس)، فكان كلا الرجلين يبحثان عن طريق لتكوين دولة أو صيانة الدولة.

وقد وجد المتنبي ضالته في بني حمدان وفي شخص سيف الدولة ، الأمير العربي بالذات وكان سيف الدولة يجسد أمرين أصيلين في نظر أبي الطيب: «أولاً: خلق نادر ، في عصرٍ انهارت فيه الأخلاق وانحدرت القيم، وابتعد الناس جميعاً عن الأصالة والجوهر، وصار الانحراف مفخرة وفضيلة. والأصالة هنا خصائص متصلة بالجذور، أي بالتراث الخلقي والحضاري والإنساني، الذي أبدع تاريخاً من الفعل والعطاء نادر الوجود.

ثانياً: طموح كبير إلى اجتثاث فساد المجتمع من أصوله، وإقامة بناء يكافي الماضي العظيم واسترجاعه بحاضر ومستقبل، لا يكررانه في جزئياته وحيثياته، وإنما يرتفعان إلى مستوى عظمته في الإبداع ، ويتخطيانه بإبداع يتناسب مع طموح الأمة إلى البناء الحضاري المتقدم والمتطور.» (الجندي، لاتا: ٦)

ولهذا استحوذ سيف الدولة على فكر المتنبي وخياله، فكان عوناً له وحافزاً على اندفاعه في تيار الثورة والتغيير. فتقرب منه ومدحه بجياد قصائده ، لأنه مَثَلُهُ الأعلى الذي يمثل ثورة لا تهدأ ورفضاً شاملاً لكل المعايير والموازين القائمة.

قصائد المدح التي أنشدها المتنبي في سيف الدولة كانت تحمل في طيها صدق العاطفة والإخلاص لهذا الأمير، لأنه كان يرى فيه مناه.

وكان سيف الدولة أيضاً يغدق عليه العطاء والمال. ولكن في حقيقة الأمر ، لم يكن مدحه في سيف الدولة من أجل هذا المال وهذه الصلات، بل كان يجد فيه القائد النموذجي والفارس الذي يمثل الثورة العارمة في كيانه. وقبوله صلاته ما هو إلا صدى للشكر والتقدير من قبل سيف الدولة، وليس قبول ذلك دليل على أنه كان يتكسب من وراء شعره في بلاط سيف الدولة.

طبعاً لا شك أن مدحه في هذا الأمير لا يخلو من نفع، ولكن هذا النفع، لم يكن الغاية كلها، بل كان المال وسيلة لبلوغ المجد والعظمة. ولا شك أن الثورة التي كان يعيشها المتنبي، كانت بحاجة ماسة إلى المال والمال عنده ضروري لا يقوم المجد بدونه:

فلا مجدَ في الدنيا لمن قلّ مالُهُ ***** ولا مالَ في الدنيا لمن قلّ مجدُهُ

(المتنبي، ١٩٨٦م، ج١: ١٢٣)

فهذه الأفكار كانت تخامر أبا الطيب في ثورته وكان يستمر على الثناء ما استمر العطاء. حتى إذا أغفل عنه ولم يصله، أخذ انقلب وراح يضرب في البلاد ناقماً على من مدحه لأنه لم يجازه على مدحه. لهذا يهجوه هجاءاً مريراً.

يقول عصام السيوفي: لعلّ أشدّ الطاعنين في المتنبي: هوأبو بكر الخوارزمي، الذي اتهم المتنبي بأنه يشكر ثم يشكو، ويمدح ثم يهجو، ويشهد ثم يجرح شهادته، ويعطى ثم يسترجع عطيته. وإنه فضل الأمراء ثم ثلبهم. (السيوفي، ١٩٨١م: ٢٠٢)

قد نلاحظ التكسب قى مدح المتنبي أكثر وضوحا، وذلك عندما انتقل إلى بلاط كافور الإخشيدي في مصر، تلبيةً لما وعده به كافور. لهذا في بداية الأمر مدحه بقصائد معدودة، ولمّا لم يجد عنده مراده، ولم يفِ بوعده هجاه وتركه.

فالمتنبي لم يكن مخلصا لكافور عندما مدحه، لهذا الأمر شكك الكثيرون في صدق أبي الطيب، حتى أن الخوارزمي اتهمه كما أشرنا «بإنه يمدح ثم يهجو» ولكن، كأنما عصام السيوفي قد ردّ على هذا الرأي قائلاً: «وسترى أن المتنبي كان صادقاً شديد الصدق في مواقفه كلها ؛ وإنّ الأشكال المعروفة ما كانت أبداً عائقاً له من تضمينها كل ما كان يعتقده ويؤمن به ويريد قوله. وحتى مديحه الموجه حيث اضطر- لسبب أو آخر – إلى بعض المداراة – بله كلها – فإنك ترى أنّه قد ضمّن هذا المديح حقيقة مشاعره وما كان في ذلك كاذباً!! وإن غلط الناس في تعليل ذلك وفهمه حتى اتهموه بنكران الجميل يمدح ثمّ يهجو.»(السيوفي، ١٩٨١م: ٢٠٢)

واما الشريف الرضي، عاش نفس الفكرة أيضاً؛ فكرة الدولة والمحافظة عليها وصيانتها.

لأنه مرّ بنفس الأحداث من تفكك الوحدة الإسلامية، وضعف السلطة المركزية في بغداد ، فأخذ يصرخ في ساعة ضيق وهمّ:

ما مقامي على الهوان وعندي ***** مِقول صارمٌ وأنفٌ حمي

ألبس الذلّ في ديارالأعادي ***** وبمصر الخليفة العلوي

(الشريف الرضي، ١٤٠٦ق، ج٢: ٥٧٦)

«وهذه الأبيات حملت القادر بالله، الخليفة العباسي على معاتبة والد الشريف، مما حدى بصاحبها على إنكارها والتبرؤ منها ، ولكنّها كانت قد شاعت وعرفها الكثيرون من معاصريه.»(شرارة ١٩٩٣م: ١٦)

وتارة من اجل هذه الأمور نراه يتقرب من الخلفاء والملوك ويمدحهم، لا لعطاياهم بل لأمور سياسية كان يعيشها الشاعر؛ لأنه عاش ونشأ في ظل سلطة غريبة ، وليس للخليفة العربي منها سوى الاسم والعنوان الأجوف.

هذا ما جعل الشريف يئنّ ويشكوا ويتظلّم:

أبغداد ما لي فيك نهلةُ شارب ***** من العيش إلاّ والخطوب مزاجها

يخيل لي أنّ الأمالي غياهب ***** ولا تنجلي إلا وعزمي سراجها

(الشريف الرضي ، ١٤٠٦ق،ج١: ٢٣٤)

ويغلوا به الألم في بعض الحالات ، إلى درجة يتذكر معها المنصور ، منشىء بغداد:

لو بعث المنصور نادى: أيا ***** مدينة التسليم لا تسلمي

قد سكن الفقر بنوهاشم ***** وانتقل الملك إلى الديلم

لوكنت أدري أن عقابهم ***** لذاك ، لم أقتل أبا مسلم

ومهما يكن فإنّ مدح الرضي لا يخلو من نفع على حد تعبير حنا الفاخوري ، ولكن ليس بالمعنى العام الذي قد يفهمه البعض من النفع ، بل كان نوعاً من المقايضة لمعنى من معاني المجد بين الشعراء وممدوحيهم .

فلا الشاعر كان غنياً عن محافل الخلفاء والملوك لأنهم الطريق الأوحد إلى مجده ؛ فبدونهم تُضرب عليه عزلة لا يحس به فيها إنسان.

يقول نزار قبانى: «كتابة الشعر عذاب جميل، أما قراءته فعذاب أجمل... وحين يقرأ الشاعر شعره فإن مهمته تكون أصعب. لأنّ عليه حينئذٍ أن يبحث عمن يقبلون بمحض إرادتهم واختيارهم أن يحترقوا معه، العمل الشعري لا يكتمل إلاّ بالآخرين ، وبغير الآخرين تبقى التجربة الشعرية في جبين الشاعر كالعطر المحبوس في أحشاء البرعم، لا ينتفع به حقل ولا تفرح به رابية...»(قباني،لاتا: ١١٣ و١١٤)

فتجربة الشاعر بدون الآخرين هي إذن تجربة ناقصة، مبتورة لاتتم ولا تتكامل إلاّ بالآخر.

وبما أن الخلفاء أنفسهم ليسوا في غنى عن تردد الشاعر عليهم أو توظفه عندهم، فهم يشعرون بالحاجة إلى هذه الكلمة التي تخلدهم، وتشهر أمرهم ، وتنشر ذكرهم بين الناس وتملأ نفوسهم بالغبطة والمتعة. وكانوا بالتالي مستعدين للمكافأة عليها.

إذن ، إن كان الرضي أو المتنبي قد قبلا من أجل مدحهما صلة أوعطاء، فليس بالعيب؛ أو الشىء الذي قد يؤخذ عليهما ، كما ذهب بعض الدارسين والباحثين، خاصة بما أخذوه على المتنبي ، إنما هو في الواقع، تجسيد لمواقفهما السياسية.

في واقع الأمر من حق الشاعر أن يكافأ على كلماته ، وإنّ أشدّ ما يغيظ الفنان والشاعر، أن لا يجد واحدهما صدى استحسان لما يقوله، أو أن يلمس سوء فهم الآخرين وعدم تقديرهم شعره حق قدره، فيغضبه ويثيره ذلك، فيلجأ إلى هجوهم انتقاماً لشرف شعره وكرامة الكلمة والنفس كما فعل المتنبي بعض الأحيان.

مدحتُ قوماً وإن عشنا نظمتُ لهم ***** قصائداً من إناث الخيلِ والحُصُنِ

تحت اعجاج قوافيها مضمّرةٌ ***** إذا تُنوشدن لم يدخلن في أذُنِ

(المتنبي، ١٩٨٦م، ج٢: ٣٤٥)

فلاحظ أهمية الكلمة وقد صارت فارساً مقاتلاً عنيداً. ويشبه لذلك ابن الرومي كما أشرنا سالفا.

فالرضي وإن لا يخلوا مدحه من غرض نفعي، ولكن مدحه في مجمله لم يكن تكسبياً.

فقد فاق المتنبي في هذا الأمر، لأنّ المتنبي قد أجهرَ بالطلب، وأذّل نفسه أمام الممدوح، كما جرى ذلك بينه وبين كافور في مصر، خاصة في قصيدته المعروفة «كفى بك داءً» كما ذهب بعض النقاد منهم الدكتور كاظم حطيط في كتابه أعلام وروّاد في الأدب العربي.

النتيجة

وأخيرا نقول إن مدح الشريف لم يكن للتكسب، وإن لم يخلُ أحياناً من غرض نفعى؛ والشريف قد خالف أسلوب الأقدمين في الاستهلال بالغزل والوقوف على الديار ، وافتتح قصائده بالشكوى من الزمان أو الفخر أو بعض الكلام الوجداني، وأيضاً أضرب صفحاً في مدائحه عن المجون، والمبالغات والتعقيد اللغوي أوالمعنوي، لهذا جاءت قصائده مَرِنة، فصيحة، لا يملها السامع، ولا ينفر منها.

وكان الرضي في مدحه وإن حاول أن يحاكي المتنبي، ولكن كانت له قاعدة مستقلة في المدح لم تكن للمتنبي .

وأما تقربه من ذوي الشأن والسلطان، لم يكن إلا لأمورٍ سياسية، نظراً للفترة التي عاشها الرضي وعاشتها الأمة الإسلامية ، وعاشها العلويون بالذات، كما أن الخلفاء والأمراء أنفسهم ، كانوا بحاجة إلى الرضي كما كانوا بحاجة من قبل إلى ابيه الموسوي، لسلطتهم الدينية والروحية على القبائل العربية، وحماية طريق الحج وسائر الأمور الأخرى.

وهذه الميزات في حدّ ذاتها كافية لتبين لنا مكانة الرضي بين شعراء المديح من معاصريه أوغيرهم .

وإذا كان ابن الرومي في نهاية قصائده المدحية، يذلل نفسه، فقد كان المتنبي والشريف يتأرجحان بالفخر العظيم والسمات الرفيعة، مما يبرز مكانتهما في المدح بين سائر شعراء المديح.

وإذا أردنا أن نعطي المتنبي والشريف مكانتهما في المديح، نقول إن المتنبي كان نجماً في سماء الشعر والشعراء قد ازدان بنوره الواضح، وأما الشريف فكان كوكباً جلا بنوره في سماء الشعراء كلما يتصفون به من أوصافٍ تنبىء عن ضعف في الشخصية أو المكانة.

فهو الكوكب الذي تمتد عروقه من الدوحة المحمودية الرفعية، ومن الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء. ولذلك لم يكن الشعر قد زانه ، بل هوالذي قد زان الشعر.  وهذه أسمى السمات فيه.

-----------------------------------------------
[١] . عضو هيئة التدريس بجامعة آزاد الإسلامية في آبادان.
[٢] . عضو هيئة التدريس بجامعة آزاد الإسلامية في آبادان.

المصادر والمراجع

ابن الرومي . ١٩٩٤ م. الديوان .بيروت: دار الكتب العلمية.

الأميني، عبد الحسين أحمد. ١٣٦٦ش. الغدير في الكتاب والسنة والأدب. طهران: دار الكتب الإسلامية. الأميني، محمد هادي. ١٤٠٨ق. الشريف الرضي. طهران : مؤسسة نهج البلاغة.

بروكلمان، كارل. لاتا. تاريخ الأدب العربي. ترجمة : عبد الحليم النجار. قم :دار الكتاب الإسلامي.

الجندي إنعام.لاتا. المتنبي والثورة. بيروت: دار الفكر اللبناني.

حطيط، كاظم. ١٩٨١م. أعلام وروّاد في الأدب العربي. بيروت: الشركة العالمية للكتاب.

السيوفي ، عصام. ١٩٨١م. العوامل السياسية في شعر أبي الطيب المتنبي. بيروت: دار الفكر اللبناني.

شرارة ، عبد اللطيف. ١٩٩٣م. شعراؤنا القدامى؛ الشريف الرضي، دراسة ومختارات. بيروت :الشركة العالمية للكتاب.

الشريف الرضي. ١٤٠٦ق. الديوان. طهران؛ وزارة الإرشاد.

الفاخوري حنا. ١٩٨٧م. تاريخ الأدب العربي. بيروت: المكتبة البولسية.

قباني، نزار. لاتا. الشعر قنديل أخضر . بيروت : منشورات نزار قباني.

مبارك، زكي . ١٩٨٨م. عبقرية الشريف الرضي. بيروت :دار الجيل.

المتنبي، أو الطيب. ١٩٨٦م. الديوان . شرح: البرقوقي. بيروت: دار الكتاب العربي.

****************************