وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                

Search form

إرسال الی صدیق
مناقشة الإستدلال بما جاء في نهج البلاغة على صحة الإستدلال بالشورى والبيعة وعمل الأصحاب

استدلّ بعضهم على ما ارتأى في الشورى والبيعة والاقتداء بعمل الصحابة بما رواه الشريف الرضي عن الامام علي (ع) بباب الكتب من نهج البلاغة وهذا نصّه :

ومن كتاب له، إلى معاوية :

إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والانصار. فإن اجتمعوا على رجلٍ وسمّوه إماما كان ذلك [ للّه ] رضىً؛ فإن خرج عن أمرهم خارج بطعنٍ أو بدعةٍ ردّوه إلى ما خرج منه؛ فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين، وولاّه اللّه ما تولّى... [١].

فإنّ الامام قد احتجّ في هذا الكتاب على معاوية بالبيعة والشورى وإجماع المهاجرين والانصار، وبناءً على هذا فإنّ الامام يرى صحّة إقامة الامامة بما ذكره.

والجواب أنّ الشريف الرضي كان أحيانا يتخيّر نتفا من كتب الامام وخطبه ممّا يجده في أعلى درجات البلاغة ويترك سائره، وكذلك فعل مع هذا الكتاب.

وقد أورد الكتاب بتمامه نصر بن مزاحم في كتاب صفّين، وهذا نصّه :

بسم اللّه الرحمن الرحيم

أمّا بعد، فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام؛ لانّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ. وإنّما الشورى للمهاجرين والانصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسمّوه إماما كان ذلك للّه رضىً، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين، وولاّه اللّه ما تولّى ويصليه جهنّم وساءت مصيرا. وإنّ طلحة والزبير بايعاني ثمّ نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردّهما، فجاهدتهما على ذلك حتّى جاء الحقّ وظهر أمر اللّه وهم كارهون. فادخل في ما دخل فيه المسلمون؛ فإنّ أحبّ الاُمور إليّ فيك العافية، إلاّ أن تتعرّض للبلاء. فإن تعرّضت له قاتلتك واستعنت اللّه عليك. وقد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل في ما دخل فيه المسلمون، ثمّ حاكم القوم إليّ أحملك وإيّاهم على كتاب اللّه. فأمّا تلك التي تريدها فخدعة الصبيّ عن اللبن. ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنّي أبرأ قريش من دم عثمان. واعلم أنّك من الطلقاء [٢] الذين لا تحلّ لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى. وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد اللّه، وهو من أهل الايمان والهجرة : فبايع. ولا قوّة إلاّ باللّه [٣].

اتّضح لنا من هذا الكتاب أنّ الامام عليّا يحتجّ على معاوية بما التزم به هو ونظراؤه ويقول له : إنّ بيعتي بالمدينة لزمتك يا معاوية وأنت بالشام كما التزمت ببيعة عثمان بالمدينة وأنت بالشام، وكذلك لزمت بيعتي نظراءك خارج المدينة كما لزمتهم بيعة عمر في المدينة وهم في أماكن اُخرى.

هكذا يلزمه الامام عليّ بكلّ ما التزمه هو ونظراؤه من مدرسة الخلافة يومذاك، وهذا وارد لدى العقلاء، فإنّهم يحتجّون على الخصم بما التزمه هو.

هذا أوّلا.

وثانيا قوله : ((فإذا اجتمعوا على رجل فسمّوه إماما، كان ذلك للّه رضىً))

فإنّه قد ورد في بعض النسخ : ((كان ذلك رضىً))(٢٦٦)، أي كان لهم رضىً، على أن يكون ذلك باختيار منهم ولم تؤخذ البيعة بالجبر وحدّ السيف. وعلى فرض أنّه كان قد قال : ((كان للّه رضىً)) نقول : نعم، ما أجمع عليه المهاجرون والانصار بما فيهم الامام عليّ وسبطا الرسول الحسن والحسين، كان ذلك للّه رضىً.

وأخيرا لست أدري كيف استشهدوا بهذا القول من نهج البلاغة ونسوا أو تناسوا سائر أقوال الامام التي نقلها الشريف الرضي ـ أيضا ـ في نهج البلاغة مثل قوله في باب الحِكَم :

لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين (ع) أنباء السقيفة بعد وفاة رسول اللّه (ص) قال (ع) :

ما قالت الانصار ؟ قالوا : قالت : منّا أمير ومنكم أمير. قال (ع) : فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه (ص) وصّى بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم ؟ !

قالوا : وما في هذا من الحجّة عليهم ؟ فقال (ع) : لو كانت الامارة فيهم لم تكن الوصية بهم ! !

ثمّ قال (ع) : فماذا قالت قريش ؟ قالوا : احتجّت بأنّها شجرة الرسول (ص)، فقال (ع) : احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة .[٤]

وقوله ـ أيضا ـ في باب الحِكَم : وا عجبا ! أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة [٥].

قال الرضي : وله شعر بهذا المعنى :

فإن كنت بالشورى ملكت اُمورهم ***** فكيف بهذا والمشيرون غيّب

وان كنت بالقربى حججت‌خصيمهم ***** فغيرك أولى بالنبي وأقرب

وأجمع أقواله في هذا الباب ما وردت في الخطبة الشقشقية (خ : ٣) التي قال فيها (ع) :

    ((أما واللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويتُ عنها كشحا. وطفقتُ أرتئي بين أن أصول بيدٍ جذّاء [٦]، أو أصبر على طخية عمياء [٧] يهرُمُ فيها الكبيرُ، ويشيبُ فيها الصغيرُ، ويكدحُ فيها مؤمنٌ حتّى يلقى ربّه [٨]، فرأيتُ أن الصبرَ على هاتا أحجى [٩]، فصبرتُ وفي العينِ قذى، وفي الحلق شجا [١٠]، أرى تراثي نهبا، حتّى مضى الاوّل لسبيلهِ، فأدلى بها إلى فلانٍ بعده [١١] ـ ثمّ تمثّل بقول الاعشى ـ :

شتّان ما يومي على كورها ***** ويوم حيّان أخي جابر [١٢]

فيا عجبا ! ! بينا هو يستقيلها في حياته [١٣] إذ عقدها لاخر بعد وفاته، لَشدَّ ما تشطَّرا ضَرعَيها [١٤] فصيّرها في حوزةٍ خشناء يغلُظُ كُلامُها [١٥]، ويخشنُ مسُّها، ويكثرُ العثارُ فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة [١٦] إن أشنقَ لها خرَمَ، وإن أسلَسَ لها تقحّم، فمُنِيَ الناس ـ لَعَمْرُ اللّهِ ـ بخبطٍ وشِماسٍ [١٧] وتلوّنٍ واعتراضٍ؛ فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة، حتّى إذا مضى لسبيله جَعَلَها في جماعة زَعَم أنّي أحدُهم، فيا للّهِ وللشورى [١٨] متى اعترضَ الريبُ فيّ معَ الاوّل منهم حتّى صرتُ اُقرنُ إلى هذه النظائر [١٩] ! !

لكنّي أسفَفتُ إذ أسَفُّوا [٢٠] وطِرتُ إذ طاروا؛ فصغى رجلٌ منهم لضِغنه [٢١] ومالَ الاخرُ لصهره [٢٢] مع هَنٍ وهَن [٢٣].

إلى أن قامَ ثالثُ القومِ نافجا حِضنَيه [٢٤] بين نَثيله ومُعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضَمونَ مالَ اللّه خضمةَ الابل نبتة الربيع [٢٥]، إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله [٢٦] وكَبَت به بِطنَتُه [٢٧].

فما راعَني إلاّ والناس كعُرف الضبُع إليّ ينثالون [٢٨] علَيّ من كلّ جانب؛ حتّى لقد وُطِئ الحَسَنان، وشُقّ عِطفاي [٢٩]، مجتمعين حَولي كرَبيضة الغنم [٣٠].

فلمّا نهضْت بالامر نكثَت طائفةٌ، ومرقَت اُخرى، وقسَطَ آخرون [٣١] كأنّهم لم يسمعوا كلامَ اللّهِ حيث يقول ( تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوَّا فِي الارْضِ وَلا فَسادا وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) بلى ! واللّه لقد سمِعُوها ووعوها، ولكنّهم حَلِيَت الدنيا في أعينهم [٣٢] وراقَهم زبْرجها، أما والذي فَلَقَ الحبّةَ، وبرأ النسمة [٣٣] لولا حضورُ الحاضر [٣٤] وقيامُ الحجّةِ بوجودِ الناصر، وما أخذَ اللّه على العلماء أن لا يقاروا على كِظَّة ظالمٍ، ولا سَغَبِ مظلومٍ [٣٥] لالقيت حبلها على غاربها [٣٦]، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولالفَيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطةِ عنزٍ [٣٧].

قالوا : وقام إليه رجل من أهل السواد [٣٨] عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا، فأقبل ينظر فيه، فقال له ابن عباس رضي اللّه عنهما : يا أمير المؤمنين، لو اطَّرَدتَ خطبتَك من حيث أفضيتَ.

فقال : هيهاتَ يا ابن عباس، تلك شِقْشِقَةٌ [٣٩] هَدَرَت ثمّ قَرَّت.

قال ابن عباس : فواللّه ما أسفت على كلام قطّ كأسفي على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين (ع) بلغ منه حيث أراد.

نسوا أو تناسوا كلّ هذه الاقوال من الامام علي (ع) وتمسّكوا بقول احتجّ به الامام عليّ على معاوية لالتزام معاوية ونظرائه به [٤٠] .

-----------------------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة وشرحه لابن أبي الحديد، الكتاب السادس من باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين.
[٢] . الطلقاء :جمع طليق، وهو الاسير الذي اُطلق عنه إساره وخلي سبيله. ويراد بهم الذين خلّى عنهم رسول اللّه (ص) يوم فتح مكّة وأطلقهم ولم يسترقّهم.
[٣] . صفين لنصر بن مزاحم، ط. القاهرة سنة ١٣٨٢ ه‍‍ ، ص ٢٩.
[٤] . راجع نهج البلاغة، ط. الاستقامة بالقاهرة، تجد لفظ الجلالة ((للّه)) بين علامتين إشارة إلى أنّه لم يرد لفظ الجلالة بين النسخ.
[٥] . يريد من الثمرة آل بيت الرسول (ص).
[٦] . نهج البلاغة، الحكمة : رقم ١٨٥، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
[٧] . وطفقت... الخ : بيان لعلّة الاغضاء. والجذّاء : بمعنى المقطوعة، ويقولون : رحم جذّاء، أي : لم توصل. وسن جذاء أي متهتمة. والمراد هنا ليس ما يؤيدها. كأنّه قال : ففكّرت في الامر فوجدت الصبر أولى فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا.
[٨] . طخية : أي ظلمة، ونسبة العمى إليها مجاز عقلي، وإنّما يعمى القائمون فيها إذ لا يهتدون إلى الحقّ، وهو تأكيد لظلام الحال واسودادها.
[٩] . يكدح : يسعى سعي المجهود.
[١٠] . أحجى : ألزم، من حَجِيَ به كرضي : أولع به ولزمه. ومنه : هو حَجِيّ بكذا أي : جدير، وما أحجاه وأحجى به أي : أخلق به، وأصله من الحجا بمعنى العقل، فهي أحجى أي أقرب إلى العقل، وهاتا بمعنى هذه، أي : رأى الصبر على هذه الحالة التي وصفها أولى بالعقل من الصولة بلا نصير.
[١١] . الشجا : ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه. والتراث : الميراث.
[١٢] . أدلى بها : ألقى بها إليه.
[١٣] . الكُور بالضمّ : الرحل أو هو مع أداته، والضمير راجع إلى الناقة المذكورة في الابيات قبل. وحيان كان سيدا في بني حنيفة مطاعا فيهم، وله نعمة واسعة ورفاهية وافرة، وكان الاعشى ينادمه، والاعشى هذا : هو الاعشى الكبير أعشى قيس، وهو أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل. وجابر : أخو حيّان أصغر منه.
ومعنى البيت أنّ فرقا بعيدا بين يومه في سفره وهو على كور ناقته وبين حيان في رفاهيته، فإنّ الاوّل كثير العناء شديد الشقاء، والثاني وافر النعيم وافي الراحة. ووجه تمثّل الامام بالبيت ظاهر بأدنى تأمّل.
[١٤] . رووا أنّ أبا بكر قال بعد البيعة : (أقيلوني فلست بخيركم).
[١٥] . لشدّ ما تشطّرا ضرعيها : جملة شبه قسمية اعترضت بين المتعاطفين، والشطر أيضا أن تحلب شطرا وتترك شطرا، فتشطّرا : أي أخذ كلّ منهما شطرا. وسمّى شطري الضرع ضرعين مجازا : وهو ها هنا من أبلغ أنواعه حيث أنّ من ولي الخلافة لا ينال الامر إلاّ تامّا، ولا يجوز أن يترك منه لغيره سهما، فأطلق على مَن تناول الامر واحدا بعد واحد اسم التشطّر والاقتسام، كأنّ أحدهما ترك منه شيئا للاخر، وأطلق على كلّ شطر اسم الضرع نظرا لحقيقة ما نال كلّ منهما.
[١٦] . الكُلام ـ بالضمّ ـ : الارض الغليظة. وفي نسخة كلمها. وإنّما هو بمعنى الجرح كأنّه يقول : خشونتها تجرح جرحا غليظا.
[١٧] . الصعبة من الابل : ما ليست بذلول. وأشنق البعير، وشنقه : كفّه بزمامه حتّى ألصق ذفراه : (العظم الناتئ خلف الاُذن) بقادمة الرحل، أو رفع رأسه وهو راكبه. واللام هنا زائدة للتحلية ولتشاكل أسلس. وأسلس : أرخى. وتقحّم : رمى بنفسه في القحمة، أي : أهلكها. قال الرضي : ((كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم)) يريد أنّه إذا شدّد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها، وإن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحّمت به فلم يملكها. يقال : أشنق الناقة، إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه، وشنقها أيضا، ذكر ذلك ابن السكّيت في إصلاح المنطق.
وإنّما قال : ((أشنق لها)) ولم يقل : ((أشنقها)) لانّه جعله في مقابلة قوله : ((أسلس لها)) فكأنّه ٧ قال : إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها. انتهى. الصعبة : إمّا أن يشنقها فيخرم أنفها، وإمّا أن يسلس لها فترمي به في مهواة تكون فيها هلكته.
[١٨] . مني الناس : ابتلوا واُصيبوا، والشماس ـ بالكسر ـ : إباء ظهر الفرس عن الركوب. والنفار والخبط : السير على غير جادّة. والتلوّن : التبدّل. والاعتراض : السير على غير خطّ مستقيم، كأنّه يسير عرضا في حال سيره طولا، يقال : بعير عرضي، يعترض في سيره لانّه لم يتمّ رياضته، وفي فلان عرضية، أي : عجرفة وصعوبة.
[١٩] . لقد أوردنا تفصيل القصّة من أوثق المصادر في ما سبق، وقال الشيخ محمد عبده في شرحه لهذه الكلمة: كان سعد من بني عمّ عبد الرحمن كلاهما من بني زهرة، وكان في نفسه شي‌ء من عليّ كرّم‌اللّه وجهه من قبل أخواله لانّ اُمّه حمنة بنت سفيان بن اُميّة بن عبد شمس، ولعليّ في‌قتل ‌صناديدهم ما هو معروف مشهور. وعبد الرحمن كان صهرا لعثمان؛ لانّ زوجته اُم‌ّكلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت اُختا لعثمان من اُمّه، وكان طلحة ميّالا لعثمان لصلات‌بينهما، على ما ذكره بعض رواة الاثر.
وقد يكفي في ميله إلى عثمان انحرافه عن علي؛ لانّه تيميّ وقد كان بين بني هاشم وبني تيم مواجد لمكان الخلافة في أبي بكر وبعد موت عمربن الخطاب (رض) اجتمعوا وتشاوروا فاختلفوا، وانضمّ طلحة في الرأي إلى عثمان، والزبيرإلى عليّ، وسعد إلى عبد الرحمن. وكان عمر قد أوصى بأن لا تطول مدّة الشورى فوق‌ثلاثة أيام، وأن لا يأتي الرابع إلاّ ولهم أمير وقال: إذا كان خلاف فكونوا مع الفريق الذي ‌فيه عبد الرحمن. فأقبل عبد الرحمن على عليّ وقال: عليك عهد اللّه وميثاقه لتعملن‌ّبكتاب اللّه وسنّة رسوله (ص) وسيرة الخليفتين من بعده. فقال عليّ: أرجو أن أفعل وأعمل على مبلغ علمي وطاقتي؛ ثمّ دعا عثمان وقال له مثل ذلك، فأجابه بنعم. فرفع عبدالرحمن رأسه إلى سقف المسجد حيث كانت المشورة وقال: اللّهم اسمع واشهد.
اللّهم إنّي‌جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، وصفق يده في يد عثمان. وقال: السلام عليك ياأمير المؤمنين وبايعه. قالوا: وخرج الامام عليّ واجدا، فقال المقداد بن الاسود لعبدالرحمن: واللّه لقد تركت عليّا وإنّه من الذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون. فقال: يا مقداد لقد تقصيت الجهد للمسلمين. فقال المقداد: واللّه إنّي لاعجب من قريش، إنّهم تركوا رجلا ماأقول ولا أعلم أنّ رجلا أقضى بالحقّ ولا أعلم به منه. فقال عبد الرحمن: يا مقداد، إنّي‌أخشى عليك الفتنة فاتّقِ اللّه. ثمّ لمّا حدث في عهد عثمان ما حدث من قيام الاحداث من‌أقاربه على ولاية الامصار ووجد عليه كبار الصحابة روي أنّه قيل لعبد الرحمن:
هذاعمل يديك، فقال: ما كنت أظنّ هذا به! ولكن للّه عَلَيّ أن لا اُكلّمه أبدا، ثمّ مات عبدالرحمن وهو مهاجر لعثمان، حتّى قيل: إنّ عثمان دخل عليه في مرضه يعوده فتحوّل إلى‌الحائط لا يكلّمه! واللّه أعلم، والحكم للّه يفعل ما يشاء.
[٢٠] . المشابه بعضهم بعضا دونه.
[٢١] . أسف الطائر : دنا من الارض ؛ يريد أ نّه لم يخالفهم في شي‌ء .
[٢٢] . صغى صغيا وصغا صغوا : مال. والضغن : الضغينة. يشير إلى سعد.
[٢٣] . يشير إلى عبد الرحمن.
[٢٤] . يشـير إلى أغراض اُخـرى يكره ذكـرها، وقـد أشرنا إلى بعضـها في باب مناقشـة الشورى.
[٢٥] . يشير إلى عثمان، وكان ثالث الخلفاء. ونافجا حضنيه : رافعا لهما. والحضن : ما بين الابط‍ والكشح؛ يقال للمتكبّر : جاء نافجا حضنيه. ويقال مثله لمن امتلا بطنه طعاما. والنثيل : الروث.  والمعتلف : من مادّة (علف) موضع العلف وهو معروف، أي : لا همّ له إلاّ ما ذكر.
[٢٦] . الخضم، على ما في القاموس : الاكل مطلقا، أو بأقصى الاضراس، أو مل‌ء الفم بالمأكول،  أو خاصّ بالشي‌ء الرطب. والقضم : الاكل بأطراف الاسنان أخفّ من الخضم. والنبتة ـ بكسر النون ـ : كالنبات في معناه.
[٢٧] . انتكث فتله : انتفض. وأجهز عليه عمله : تمّم قتله، تقول : أجهزت على الجريح، وذففت عليه.
[٢٨] . البطنة ـ بالكسر ـ : البطر والاشر، والكظة (أي : التخمة) والاسراف في الشبع. وكبت به : من كبا الجواد إذا سقط لوجهه.
[٢٩] . عُرف الضبع : ما كثر على عنقها من الشعر، وهو ثخين، يضرب به المثل في الكثرة والازدحام. وينثالون : يتتابعون مزدحمين.
[٣٠] . الحسنان : ولداه الحسن والحسين. وشقّ عطفاه : خدش جانباه من الاصطكاك. وفي رواية : (شقّ عطافي)، والعطاف : الرداء. وكان هذا الازدحام لاجل البيعة على الخلافة.
[٣١] . ربيضة الغنم : الطائفة الرابضة من الغنم، يصف ازدحامهم حوله وجثومهم بين يديه.
[٣٢] . الناكثة : أصحاب الجمل. والمارقة : أصحاب النهروان. والقاسطون ـ أي الجائرون ـ : أصحاب صفّين.
[٣٣] . حليت الدنيا : من حليت المرأة إذا تزيّنت بحليّها. والزبرج : الزينة من وشي أو جوهر.
[٣٤] . النسمة ـ محرّكة ـ : الروح، وبرأها : خلقها.
[٣٥] . من حضر لبيعته، ولزوم البيعة لذمّة الامام بحضوره.
[٣٦] . والناصر : الجيش الذي يستعين به على إلزام الخارجين بالدخول في البيعة الصحيحة. والكظة : ما يعتري الاكل من امتلاء البطن بالطعام، والمراد استئثار الظالم بالحقوق. والسغب : شدّة الجوع، والمراد منه هضم حقوقه.
[٣٧] . الغارب : الكاهل، والكلام تمثيل للترك وإرسال الامر.
[٣٨] . عفطة العنز : ما تنثره من أنفها، تقول : عفطت تعفط من باب ضرب، غير أنّ أكثر ما يستعمل ذلك في النعجة. والاشهر في العنز النفطة بالنون، يقال : ما له عافط ولا نافط، أي نعجة ولا عنز. كما يقال : ما له ثاغية ولا راغية. والعفطة : الحبقة أيضا، لكنّ الاليَق بكلام أمير المؤمنين هو ما تقدّم.
[٣٩] . السواد : العراق، وسمّي سوادا لخضرته بالزرع والاشجار، والعرب تسمّي الاخضر أسود.  قال اللّه تعالى : ( مُدْهامَّتانِ ) يريد الخضرة، كما هو ظاهر.
[٤٠] . الشقشقة ـ بكسر فسكون فكسر ـ : شي‌ء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج، وصوت البعير بها عند إخراجها هدير، ونسبة الهدير إليها نسبة إلى الالة؛ قال في القاموس : والخطبة الشقشقية العلوية، وهي هذه.
****************************