وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                
وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
من الشريف الرضي إلى الشيخ محمد عبده...رحلة البحث عن كنز البلاغة

قاسم حسين

كتابٌ من كنوز البلاغة والأدب والفكر العالمي... الذي تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل، فلا ينضب معينه ولا يقل بريقه، يطوف به الكتاب والشعراء والمفكّرون.

بدأ بجمعه الشريف الرضي، أبوالحسن محمد بن الحسين، (٣٥٩- ٤٠٤ هـ) من أحفاد الإمام موسى الكاظم (ع)، واشتغل بطلب العلم والفقه واشتهر بالأدب، فقال عنه صاحب اليتيمة «هو اليوم أبدع أبناء الزمان وأنجب سادات العراق... تولى نقابة الطالبيين بعد أبيه في حياته سنة ٣٣٨ هـ، وضُمّ إليه النظر في المظالم والحج بالناس». وقد بدأ بنظم الشعر بعد العاشرة بقليل، وهو «أشعر الطالبيين من مضى منهم ومن غير، على كثرة شعرائهم المفلقين».

إلى جانب إجادته الشعر وفنون القريض، كان الشريف كاتباً بليغاً متين العبارات سامي المعاني، كما يقول معاصروه، وهو ما تلمسه في مقدمة «نهج البلاغة»، حيث يبدأها بعد الحمد بالصلاة على «نبي الرحمة، وإمام الأئمة وسراج الأمة... وعلى أهل بيته مصابيح الظُلَم وعصم الأمم... صلاةً تكون إزاءً لفضلهم، ومكافأةً لعملهم، وكفاءً لطيب فرعهم وأصلهم». ثم ينتقل إلى قصة جمع الكتاب: «ألّف الرضي كتاباً في معاني القرآن وآخر في مجازات القرآن، وترك ديواناً من الشعر مازال مقروءاً لدى متذوقة الشعر، إلا أن الكتاب الذي أكسبه الخلود هو النهج، الذي يروي لنا قصة جمعه، فيقول: «كنت في عنفوان السن وغضارة الغصن ابتدأت بتأليف كتاب خصائص الأئمة عليهم السلام، يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر كلامهم»، ولكن عندما فرّ من خصائص الإمام علي (ع) وعاقت عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الزمان ومماطلات الأيام». ولكونه انتهى من تبويبه وترتيب فصوله، وفي آخرها فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه من الكلام القصير في المواعظ والحكم والأمثال والآداب، دون الخطب والرسائل الطويلة، «فاستحسن جماعة من الأصدقاء والإخوان ما اشتمل عليه... معجبين ببدائعه ومتعجبين من نواصعه، وسألوني أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين (ع) في جميع فنونه ومتشعبات غصونه... إذ كان مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه ظهر مكنونها وعنه أخذت قوانينها». ويفسر ذلك بأن كلامه «عليه مسحة من العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي».

إذا كان جمع النهج استجابة لاقتراح جماعة من الأصدقاء، «عالماً بما في ذلك من عظيم النفع ومنشور الذكر ومذخور الأجر»، مع رغبته في إظهار «عظيم قدر أمير المؤمنين (ع) في هذه الفضيلة، وأنه انفرد ببللوغ غايتها عن جميع السلف الأولين الذين إنما يؤثر عنهم منها القليل النادر»، وهي حقيقة ثابتة تؤكدها كتب التراث والتاريخ.

وهو ما دفعه للتمثل ببيت الفرزدق إذ يقول:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم              إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ.

هذه قصة الشريف الرضي مع نهج البلاغة، الذي جمعه بعد قرنين من رحيل الإمام، وكان معاصراً للدولة الفاطمية التي حكمت مصر لأكثر من قرنين، وتركت بصماتها في التاريخ والثقافة والوجدان المصري، الميال بفطرته للرسول (ص) وأهل بيته، ولعل أكبر الشواهد الأزهر الشريف، الذي ينافس النجف الأشرف على لقب أقدم جامعة في التاريخ.

وتشاء الأقدار أن يخرج من هذه الجامعة، بعد عشرة قرون، رجل دين مصلح، وأحد رواد النهضة العربية وتجديد الفقه الإسلامي، ينفيه المحتل البريطاني إلى لبنان، ليقع على كنز البلاغة «مصادفة بلا تعمّد... على تغيّر حال وتبلبل بال وتزاحم أشغال وعطلة من أعمال، فحسبته تسلية وحيلة للتخلية، فتصفّحت بعض صفحاته وتأملت جملاً من عباراته... فكان يخيل إليّ في كل مقام أن حروباً شبّت، وغارات شنت، وأن للبلاغة دولة وللفصاحة صولة... وأن مدبّر تلك الدولة وباسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب».

ألف الشيخ محمد عبده «رسالة التوحيد»، وكتب في الرد على بعض المستشرقين، كما قام بشرح وتحقيق «البصائر القصيرية للطوسي»، و«دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» للجرجاني، فهو قريب الصلة بالبلاغة عالم ببحورها. ومع ذلك كتب قي مقدمته للنهج وهو يسرد قصة تعرفه على هذا الكنز الثمين، وكيف ينتقل من موضع إلى موضع فيحسّ بتغيّر المشاهد، فتارةً «أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية في حلل من العبارات الزاهية»، وطوراً تتكشف له الجمل عن «وجوه باسرة وأنياب كاشرة وأرواح في أشباح النمور ومخالب النسور».

وأحياناً كان يشهد عقلاً نورانياً لا يشبه خلقاً جسدانياً، فصل عن الموكب الإلهي واتصل بالروح الانساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى»... و«آناتٍ كان كمن يسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة وأولياء أمور الأمة، يعرّفهم مواقع الصواب، ويبصرهم مواضع الارتياب، ويحذّرهم مزالق الاضطراب، ويرشدهم إلى دقاق السياسة... ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة ويصعدهم شرف التدبير».

كانت الصدفة وحدها التي قادت مفتي الديار المصرية إلى استكشاف كتاب نهج البلاغة، «ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي رحمه الله من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أي طالب كرم الله وجهه... ولا أعلم اسماً أليق بالدلالة على معناه منه، وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد مما دل عليه اسمه».

ويضيف: «ليس في أهل هذه اللغة إلا قائلٌ بأن كلام الإمام علي هو أشرف الكلام وأبلغه بعد كلام الله تعالى وكلام نبيه (ص)، وأغزره مادةً، وأرفعه أسلوباً، وأجمعه لجلائل المعاني»، ولا ينبئك مثل خبير.

في كثير من خطب النهج قضايا فكرية وفلسفية عميقة، مثل أصل الخلق والتوحيد وسكان الأكوان الأخرى، عمد الشيخ بخلفيته الفلسفية إلى شرحها بأسلوب مبسط...

نظراً إلى أن «عبارات الكتاب لبعد عهدها منا، وانقطاع أهل جيلنا عن أصل لساننا قد نجد فيها غرائب ألفاظٍ في غير وحشة، وجزالة تركيب في غير تعقيد، فربما فوقف فهم المطالع دون الوصول إلى مفهومات بعض المفردات، أو مضمونات بعض الجمل، وليس ذلك ضعفاً في اللفظ أو وهناً في المعنى، وإنما هو قصور في ذهن المتناول».

الكتاب وثيقة مهمة، يسجل الكثير من الأحداث التاريخية، ويضم تقييمات لكثيرٍ من وجوه الصحابة والمهاجرين والأنصار، ويثبت مواقف علي (ع) من قضايا مثل الإمامة.

وقد التزم الشيخ الإمام بمنهج موضوعي في الشرح والتفسير يُحمد عليه، يقول: «ولم أتعرض لتعديل ما روي عن الإمام في مسألة الإمامة أو تجريحه، بل تركت للمطالع الحكم فيه بعد الالتفات إلى أصول المذاهب المعلومة فيها، والأخبار المأثورة الشاهدة عليها، غير أني لم أتحاشَ تفسير العبارة، وتوضيح الإشارة، لا أريد في وجهي إلا حفظ ما أذكر، تصوّناً من النسيان وتحرزاً من الحيدان».

الشيخ بتواضع العلماء، يزيّن مقدمته بالقول: «على أني لا أعدّ تعليقي هذا شرحاً في عداد الشروح، ولا أذكره كتاباً بين الكتب، وإنما هو طراز لنهج البلاغة، وعلمٌ توشى به أطرافه»، ويوجه نصيحته لطلاب العلم ومريدي الحكمة في جيله فيقول: «وأرجو أن يكون فيما وضعت من وجيز البيان فائدة للشبان من أهل هذا الزمان، فقد رأيتهم قياماً على طريق الطلب، يتدافعون لنيل الأرب من لسان العرب، يبتغون لأنفسهم سلائق عربية وملكات لغوية، وكل يطلب لساناً خاطباً وقلماً كاتباً»... وهي نصيحةٌ لشبان كل زمان.

****************************