الاحساس بالمسؤولية الالهية لانقاذ الناس ودفع المخالفين
... فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْداثِ حَتّى زاحَ [١] الْباطِلُ وَزَهَقَ، [٢] وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ... [٣] .
إِنِّى وَاللّهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ واحِداً وَهُمْ طِلاعُ [٤] الْأَرْضِ كُلِّها ما بالَيْتُ وَلاَاسْتَوْحَشْتُ، وَإِنِّى مِنْ ضَلالِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَيَقِينٍ مِنْ رَبِي، وَاِنِّى إِلى لِقاءِاللّهِ لَمُشْتاقٌ، وَّلِحُسْنِ ثَوابِهِ لَمُنْتَظِرٌ راجٍ، وَلكِنَّنِي اسى [٥] أَنْ يَلِيَ [٦] أَمْرَ هذِهِ الْأُمَّةِ سُفَهاؤُها وَفُجّارُها، فَيَتَّخِذُواْ مالَ اللّهِ دُوَلاً، [٧] وَعِبادَهُ خَوَلاً، [٨] وَالصّالِحِينَ حَرْباً، [٩] وَالْفاسِقِينَ حِزْباً فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِي شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرامَ [١٠] وَجُلِدَ حَدّاً فِي الاْسْلامِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَّمْ يُسْلِمْ حَتّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الاْسْلامِ الرَّضائِخُ [١١] ، فَلَوْلا ذلِكَ ما أَكْثَرْتُ تَأْلِيبَكُمْ [١٢] وَتَأْنِيبَكُمْ، وَجَمْعَكُمْ وَتَحْرِيضَكُمْ، وَلَتَرَكْتُكُمْ إذْ أَبَيْتُمْ وونيتم [١٣] .
أَلا تَرَوْنَ إِلى أَطْرافِكُمْ [١٤] قَدِ انْتَقَصَتْ، [١٥] وَإِلى أَمْصارِكُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ، وَإِلى مَما لِكِكُمْ تُزْوى [١٦] ، وَإِلى بِلادِكُمْ تُغْزى؟! انْفِروُا- رَحِمَكُمُ اللّهُ- إِلى قِتالِ عَدُوِّكُمْ، وَلاتَث اقَلوُاْ إِلَى الْأَرْضِ فَتُقِرُّوا [١٧] .
بِالْخَسْفِ، [١٨] وَتَبُوءوُا [١٩] بِالذُّلِّ وَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخَسَّ، وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ، [٢٠] وَمَنْ نامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ... [٢١]
... أَلا وَإنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُم مِنْ حَبْلِ الطّاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ [٢٢] .
حِصْنَ اللّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكامِ الْجاهِلِيَّةِ، وَإنَّ اللّهَ- سُبْحانَهُ- قَدِ امْتَنَّ عَلى جَماعَةِ هذِهِ الْأُمَّةِ فِيما عَقَدَ بَيْنَهُم مِنْ حَبْلِ هذِهِ الْأُلْفَةِ- الَّتِي يَنْتَقِلُون فِي ظِلِّهِا وَيَأوُونَ إلى كَنَفِها- بِنِعْمَةٍ لايَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلوُقِينَ لَها قِيمَةً، لأَنَّها أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ، وَأَجَلُّ مِنْ كُلُ خَطَرٍ. وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْراباً، وَبَعْدَ الْمُوالاةِ [٢٣] أَحْزاباً، مُا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإسْلامِ إلاّ بِاسْمِهِ، وَلاتَعْرِفُونَ مِنَ الْإيمانِ إلاّ رَسْمَهُ.
أَلاوَقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الْإِسْلامِ،وَعَطَّلْتُمْ حُدوُدَهُ،وَأَمَتُّمْ أَحْكامَهُ،أَلاوَقَدْ أَمِرَنِيَ اللّهُ بِقِتالِ أَهْلِ الْبَغْي وَالنَّكْثِ [٢٤] وَالْفَسادِ فِي الْأَرْضِ فَأَماً النّاكِثُونَ فَقَدْ قاتَلْتُ،وَأَمَّا الْقاسِطُونَ [٢٥] فَقَدْ جاهَدْتُ،وَأَمَّا الْمارِقَةُ [٢٦] فَقَدْ دَوَّخْتُ. [٢٧] ، [٢٨] .
... وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هذَا الأَمْرِ وَعَيْنَهُ، [٢٩] وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطْنَهُ، فَلَمْ أَرَ لِي إلَّا الْقِتالَ أَوِ الْكُفْرَ |بِما جاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَالِهِ|. إنَّهُ قَدْ كانَ عَلَى الْأُمَّةِ والٍ أَحْدَثَ أَحْداثاً، وَأَوْجَدَ [٣٠] لِلنّاسِ مَقالاً فَقالُواْ ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا [٣١] .
أمر أصحابه بقتال القاسطين... [٣٢]
ألا وَإنّىِ قَدْ دَعَوْتُكُمْ إلى قِتالِ هؤلاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً وَنَهاراً وَسِرّاً وَإعْلاناً، وَقُلْتُ لَكُمْ: أُغْزُوهُمْ قَبْلَ أَّنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللَّهِ ما غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دارِهِمْ [٣٣] إلاَّ ذَلُّوا، فَتَواكَلْتُمْ [٣٤] وَتَخاذَلْتُمْ حَتّى شُنَّتْ [٣٥] عَلَيْكُمُ الْغاراتُ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطانُ. وَهذا أَخُو غامِدٍ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الْأَنْبارَ، [٣٦] وَقَدْ قَتَلَ حَسّانَ بْنَ حَسّانَ الْبَكْرِىَّ، وَأَزالَ خَيْلَكُمْ عَن مَسالِحِها [٣٧] وَلَقَدْ بَلَغَنِي أنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْأُخْرَى الْمُعاهَدَةِ [٣٨] فَيَنْتَزِعُ حِجْلَها [٣٩] وَقُلْبَها [٤٠] وَقَلائِدَها وَرِعاثَها، [٤١] ما تَمْتَنِعُ مِنْهُ إلاّ بِالْاِسْتِرْجاعِ [٤٢] وَالْإستِرْحامِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وافِرِينَ، [٤٣] ما نالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ [٤٤] وَلا أُرِيقَ لَهُ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ اَمْرَاءً مُسْلِماً ماتَ مِنْ بَعْدِ هذا أَسَفاً ما كانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً.
فَيا عَجَباً عَجَباً!! وَاللَّهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ اجْتِماعُ هؤلاءِ الْقَوْمِ عَلى باطِلِهِمْ وَتَفَرُّقُكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً [٤٥] حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً [٤٦] يُرْمى، يُغارُ عَلَيْكُمْ وَلا تُغِيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلا تَغْزُونَ، وَيُعْصَى اللَّهُ وَتَرْضَوْنَ.
فَإذا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إلَيْهِمْ فِي أَيّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ ه ذِهِ حَمارَّةُ الْقَيْظِ [٤٧] أَمْهِلْنا يُسَبِّخْ [٤٨] عَنَّا الْحَرُّ، وَإذا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إلَيْهِمْ فِي الشّتاءِ قُلْتُمْ هذِهِ صَبارَّةُ الْقُرَّ [٤٩] أَمْهِلْنا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ.
كُلُّ هذا فِراراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ "فَإذا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ" فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ. [٥٠]
لا تُقاتِلُوهُمْ [٥١] حَتّى يَبْدَؤُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ- بِحَِمْدِاللّهِ- عَلى حُجَّةٍ، وَتَرْكُكُمْ إِيّاهُمْ حَتّى يَبْدَؤُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرى لَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإِذا كانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللّهِ فَلا تَقْتُلُواْ مُدْبِراً، وَلا تُصِيبُوا مُعْوِراً، [٥٢] وَلاتُجْهِزُوا [٥٣] عَلى جَرِيحٍ، وَلا تَهِيجُوا النِّساءَ بِأَذىً، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْراضَكُمْ، وَسَبَبْنَ أُمَراءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفاتُ الْقُوى وَالْأَنْفُسِ وَالْعُقُولِ، إِنْ كُنّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإنَّهُنَّ لَمُشْرِكاتٌ، وَإِنْ كانَ الْرَّجُلُ لَيَتَناوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ [٥٤] أَوِ الْهِراوَةِ [٥٥] فَيُعَيَّرُ بِها وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ. [٥٦]
وَكانَ [٥٧] بَدْءُ أَمْرِنا أَنَّا الْتَقَيْنا وَالْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الشّامِ، وَالظّاهِرُ أَنَّ رَبَّنا [٥٨] واحِدٌ، وَنَبِيَّنا واحِدٌ، وَدَعْوَتَنا فِي الاْسْلامِ واحِدَةٌ، وَلا نَسْتَزِيدُهُمْ [٥٩] فِي الْإِيمانِ بِاللّهِ وَالتَّصْدِيقِ لِرَسُولِهِ وَلا يَسْتَزِيدُونَنا وَالْأَمْرُ واحِدٌ إِلاّ مَااخْتَلَفْنا فِيهِ مِنْ دَمِ عُثْمانَ، وَنَحْنُ مِنْهُ بَراءٌ! فَقُلْنا: تَعالَوْا نُداوِي مالا يُدْرَكُ الْيَوْمَ بِإِطْفاءِ النّائِرَةِ وَتَسْكِينِ [٦٠] الْعامَّةِ، حَتّى يَشْتَدَّ الْأَمْرُ وَيَسْتَجْمِعَ، فَنَقْوى عَلى وَضْعِ الْحَقِّ فِي مَواضِعِهِ، فَقالُوا: بَلْ نُداوِيِه بِالْمُكابَرَةِ! [٦١] فَأَبَوْا حَتّى جَنَحَتِ [٦٢] الْحَرْبُ وَرَكَدَتْ، [٦٣] وَوَقَدَتْ [٦٤] نِيرانُها وَحَمِشَتْ [٦٥].
فَلَمّا ضَرَّسَتْنا [٦٦] وَإِيّاهُمْ، وَوَضَعَتْ مَخالِبَها فِينا وَفِيهِمْ، أَجابُوا عِنْدَ ذلِكَ إِلَى الَّذِي دَعَوْناهُمْ إِلَيْهِ، فِأَجَبْناهُمْ إِلى مادَعَوْا، وَسارَعْناهُمْ [٦٧] إِلى ما طَلَبُوا، حَتَّى اسْتَبانَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمُ الْمَعْذِرَةُ، فَمَنْ تَمَّ عَلى ذ لِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ الَّذِي أَنقَذَهُ اللّهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَمَنْ لَجَّ وَتَمادى فَهُوَ الرّاكِسُ [٦٨] الَّذِي رانَ [٦٩] اللّهُ عَلى قَلْبِهِ، وَصارَتْ دائِرَةُ السَّوْءِ عَلى رَأْسِهِ. [٧٠]
الناكثون
الى طلحة والزبير
أَمّا بَعْدُ، فَقَدْ عَلِمْتُما وَإِن كَتَمْتُما أَنِّى لَمْ أُرِدِ النّاسَ حَتّى أَرادُونِي، وَلَمْ أُبايِعْهُمْ حَتّى بايَعُونِي، وَإِنَّكُما مِمَّنْ أَرادَنِي وَبايَعَنِي، وَإِنَّ الْعامَّةَ لَمْ تُبايِعْنِي لِسُلْطانٍ غاصِبٍ، وَّلا لِعَرَضٍ [٧١] حاضِرٍ، فَإِن كُنْتُما بايَعْتُمانِي طآئِعَيْنِ فَارْجِعا وَتُوبا إِلَى اللّهِ مِن قَرِيبٍ وَإِن كُنْتُما باَيَعْتُمانِي كارِهَيْنِ فَقَدْ جَعَلْتُمالِي عَلَيْكُماَ السَّبِيلَ [٧٢] بِإِظْهارِ كُمَا الطّاعَةَ وَإِسْرارِ كُمَا الْمَعْصِيَة، وَلَعَمْرِي ما كُنْتُما بِأَحَقِّ الْمُهاجِرِينَ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتْمانِ، وَإِنَّ دَفْعَكُما هذَا الْأَمْرَ قَبْلَ أَن تَدْخُلا فِيهِ كانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُما مِنْ خُروجِكُما مِنْهُ بَعْدَ إِقْرارِ كُمابِهِ.
وَقَدْ زَعَمْتُمآ أَنِّى قَتَلْتُ عُثْمانَ، فَبَيْنِي وَبَيْنَكُما مَن تَخَلَّفَ عَنِّى وَعَنكُما مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ يُلْزَمُ كُلُّ امْرِي ءٍ بِقَدْرِ مَااحْتَمَلَ، فَارْجِعا أَيُّهَا الشَّيْخانِ عَن رَّأْيِكُما، فَإِنَّ الْانَ أَعْظَمُ أَمْرِ كُما الْعارُمِن قَبْلِ أَن يَّجْتَمِعَ الْعارُ وَالنّارُ... [٧٣]
... لَقَدْ نَقَمْتُما [٧٤] يَسِيرًا، وَّأَرْجَأْتُما [٧٥] كَثِيراً، أَلا تُخْبِرانِي أَيٌّ شَيْ ءٍ كانَ لَكُما فِيِه حَقٌّ دَفَعْتُكُما عَنْهُ؟ [٧٦]
أَمْ أَيٌّ قِسْمٍ اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُما بِهِ؟ أَمْ أَيٌّ حَقٍّ رَّفَعَهُ إلَيَّ أَحَدٌ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أمْ أخْطَأْتُ بابَهُ؟ وَاللّهِ ما كانَتْ لِي فِي الْخِلافَة رَغْبَةٌ، وَلا فَي الْوِلايَة إِرْبَةٌ، [٧٧] وَلكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْها، وَحَمَلْتُمُونِي عَلَيْها.
فَلَمّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلى كِتابِ اللَّهِ وَما وَضَعَ لَنا وَأَمَرَنا بِالْحُكمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، وَمَااسْتَسَنَّ النَّبِيٌّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَالَهَ- فَاقْتَدَيْتُهُ، فَلَمْ أحْتَجْ فِي ذلِكَ إلى رَأيِكُما،وَلا رَأيِ غَيْرِكُما، وَلا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَ كُما وَإخْوانِي الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كانَ ذلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنكُما وَلاعَنْ غَيْرِكُما. وَأمّا ما ذَكَرْتُما مِنْ أمْرِ الْأُسْوَةِ [٧٨] فإنَّ ذلِكَ أمْرٌ لَّمْ أحْكُمْ أنَا فِيِه بِرَأيَي، وَلا وَلَّيْتُهُ هَوىً مِنِّي، بَلْ وَجَدْتُ أنَا وَأنْتُما ما جاءَ بِه رَسوُلُ اللّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَالِهِ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَلَمْ أَحْتَجْ إلَيْكُما فِيما قَدْ فَرَغَ اللّهُ مِنْ قَسْمِهِ، وَأمْضى فِيهِ حُكْمَهُ فَلَيْسَ لَكُما- وَاللّهِ- عِنْدِي وَلا لِغَيْرِكُما فِي هذا عُتْبى [٧٩] . أخَذَ اللّهُ بِقُلُوبِنا وَقُلُوبِكُمْ إلَى الْحَقِّ، وَألْهَمَنا وَإيّاكُمُ الصَّبْرَ.
ثُمَّ قالَ عليه السلام: رَحِمَ اللّهُ اَمْرَأً رَأى حَقَّاً فَأعانَ عَلَيْهِ، أَوْ رَأى جِوْراً فَرَدَّهُ وَكانَ عَوْنَاً بِالْحَقِّ عَلى صاحِبِهِ [٨٠] .
وَقَدْ قالَ لَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ: نُبايِعُكَ عَلى أَنّا شُرَكاؤُكَ فِي هذَا الْأَمْرِ فَقالَ: لا وَلكِنَّكُما شَرِيكانِ فِي الْقُوَّةِ وَالْاِسْتِعانَةِ، وَعَوْنانِ عَلَى الْعَجْزِ وَالْأَوَدِ [٨١] ، [٨٢] .
كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما يَرْجُوا الْأَمْرَلَهُ، وَيَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صاحِبِهِ: لايَمُتّانِ [٨٣] إِلَى اللّهِ بِحَبْلٍ، وَلايَمُدّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ، [٨٤] كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما حامِلُ ضَبٍّ [٨٥] لِصاحِبِهِ، وَعَمّا قَلِيلٍ يَكّشِفُ قِناعَهُ بِهِ وَأللّهِ لَئِنْ أَصابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنتَزِ عَنَّ هذا نَفْسَ هذا، وَلَيَأْتِيَنَّ هذا على هذا. قَدْ قامَتِ الْفِئةُ الْباغِيَةُ فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ؟ [٨٦] قَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ، وَقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ، وَلِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ، وَلِكُلِّ ناكِثٍ شُبْهَةٌ. وَاللّهِ اَكوُنُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ، [٨٧] يَسْمَعُ النّاعِيَ، وَيَحْضُرُ الْباكِيَ "ثُمَّ لايَعْتَبِرُ" [٨٨] .
... وَاللّهِ ما أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنكَراً، وَلاجَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نِصْفاً [٨٩] وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً تَرَكُوهُ، وَدَماًهُمْ سَفَكُوهُ، فَإِن كُنتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإنْ كانُوْا وُلُّوهُ دُوِني فَمَا الطَّلِبَةُ [٩٠] إلّا قِبَلَهُمْ، وَإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلى أَنفُسِهِمْ وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي: مالَبَّسْتُ وَلالُبِّسَ عَلَيَّ، وَإِنَّها لَلْفِئةُ الْباغِيَةُ فِيهَا الْحَماءُ وَالْحُمَةُ [٩١] وَالشُّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ [٩٢] وَإِنَّ الْأَمْرَ لَواضِحٌ وَقَدْ زاحَ [٩٣] الْباطِلُ عَنْ نِصابِهِ، وَانقَطَعَ لِسانُهُ عَنْ شَغَبِهِ [٩٤] وَايْمُ اللّهِ لَأُفْرِطَنَّ [٩٥] لَهُمْ حَوْضاً أَنَا ماتِحُهُ، [٩٦] لايَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٍّ، وَلاْيَعُبُّونَ [٩٧] بَعْدَهُ فِي حِسّىٍ... [٩٨] .
... اللّهُمَّ إنَّهُما قَطَعانِي وَظَلِمانِي، وَنَكَثا بَيْعَتِي، وَأَلَبَا [٩٩] النّاسَ عَلَيَّ، فَاحْلُلْ ما عَقَدا، وَلا تُحْكِمْ لَهُما ما أَبْرَما، وَأَرِهِمَآ المَساءَةَ فِيما أَمَّلا وَعَمِلا. وَلَقَدِ اسْتَثَبْتُهُما [١٠٠] قَبْلَ الْقِتالِ، وَاسْتَأْنَيْتُ بِهِما أَمامَ الْوِقاع، [١٠١] فَغَمِطَا النِّعْمَةَ، [١٠٢] وَرَدَّا الْعافِيَةَ. [١٠٣]
'لابن عباس لما أرسله عليه السلام الى الزبير يستفيأه الى طاعته قبل حرب الجمل':
لا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ فَإنَّكَ إن تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْرِ عاقِصاً قَرْنَهُ، [١٠٤] يَرْكَبُ الْصَّعْبَ [١٠٥] وَيَقُولُ: هُوَ الْذَّلُولُ! وَلكِنِ الْقَ الزُّبَيْر فَإنَّهُ أَلْيَنُ عَرِيكَةً، [١٠٦] فَقُل لَهُ: يَقُولُ لَكَ ابْنُ خالِكَ: عَرَفْتَنِي بِالْحِجازِ وَأَنْكَرْتَنِي بِالْعِراقِ، فَما عَدا [١٠٧] مِمّا بَدا؟. [١٠٨]
... وَاللَّهِ لا أكُونُ كَالضَّبُعِ تَنامُ عَلى طُولِ اللَّدْمِ، [١٠٩] حَتّى يَصِلَ إلَيْها طالِبُها، وَيَخْتِلَها [١١٠] راصِدُها [١١١] وَلكِنّى أَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إلَى الْحَقِّ الْمُدْبِرَ عَنْهُ، وَبِالسّامِعِ الْمُطِيعِ العاصِيَ الْمُرِيبَ [١١٢] أَبَداً حتّى يَأْتِيَ عَلَىَّ يَوْمِى، فَوَاللَّهِ ما زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّى مُسْتَأْثَراً عَلَىَّ مُنْذُ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَالِهِ حَتّى يَوْمِ النّاسِ هذا. [١١٣]
... يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بايَعَ بِيَدِهِ وَلَمْ يُبايِعْ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ أقَرَّ بِالْبَيْعَةِ، وَادَّعَى الْوَلِيجَةَ، [١١٤] فَلْيَأْتِ عَلَيْها بِأَمْرٍ يُعْرَفُ، وَإلاّ فَلْيَدْخُلْ فيما خَرَجَ مِنْهُ. [١١٥] أَلا وَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ ذَمَّرَ حِزْبَهُ، [١١٦] وَاسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ، [١١٧] لِيَعُودَ الْجَوْرُ إلى أَوْطانِهِ، وَيَرْجِعَ الْباطِلُ إلى نِصابِهِ، [١١٨] وَاللَّهِ ما أَنْكَروُا عَلَىَّ مُنْكَراً، وَلا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصِفاً [١١٩] .
في المسؤول في دم عثمان
وَإنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقَّاً هُمْ تَرَكُوهُ، وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ، فَلَئِن كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَلَئِن كانُوا وَلُوهُ دوُنِي فَمَا التَّبِعَةُ إلاّ عِنْدَهُمْ، وَإنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلى أَنْفُسِهِمْ، يَرْتَضِعُونَ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ، [١٢٠] وَيُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ، يا خَيْبَةَ [١٢١] .الدّاعِىِ! مَنْ دَعا! وَإلامَ أُجِيبَ! وَإنّي لَراضٍ بِحُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَعِلْمِهِ فِيهِمْ.
التهديد بالحرب
فَإنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ، وَكَفى بِهِ شافِياً مِنَ الْباطِلِ وَناصِراً لِلْحَقِّ. وَمِنَ الْعَجَبِ بَعْثَتُهُمْ إلَىَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطَّعانِ وَأَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلادِ! هَبِلَتْهُمُ [١٢٢] الْهَبُولُ، [١٢٣] لَقَدْ كُنْتُ وَما أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلا أُرْهَبُ بِالضَّرْبِ، وَإنِّي لَعَلى يَقِينٍ مِنْ رَبِّى، وَغَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي. [١٢٤]...
ألا وقد أمرني اللَّه بقتال اهل البغي والنكث [١٢٥] والفساد في الأرض، فامّا الناكثون فقد قاتلت، وامّا القاسطون [١٢٦] فقد جاهدت، وأمّا المارقة [١٢٧] فقد دوخت... [١٢٨] ، [١٢٩] .
عند خروجه لقتال اهل البصرة
إنَّ اللّهَ سُبْحانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً "صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَالِهِ" وَلَيْسَ أَحَدٌ مِّنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتاباً، وَلا يَدَّعِي نُبُوَّةً، فَساقَ النّاسَ حَتّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، [١٣٠] وَبَلَّغَهُمْ مَنْجاتَهُمْ، فَاسْتَقامَتْ قَناتُهُمْ، [١٣١] وَاطْمَأنَّتْ صَفاتُهُمْ.
فضل علي
أَما وَاللّهِ إنْ كُنْتُ لَفِي ساقَتِها، [١٣٢] حَتّى تَوَلَّتْ بِحَذافِيرِها، [١٣٣] ما عَجَزْتُ وَلا جَبُنْتُ، وَإنَّ مَسِيرِي هذا لِمِثْلِها، فَلَأَنْقُبَنَّ [١٣٤] الْباطِلَ حَتّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ.
مالي ولقريش! واللَّه لقد قاتلتهم كافرين، ولأقاتلنّهم مفتونين، واني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم، واللَّه ما تنقم منّا قريش إلّا أنّ اللَّه اختارنا عليهم، فادخلناهم في حيزنا... [١٣٥]
في ذكر السائرين الى البصرة لحربه
... فَقَدِمُوا عَلى عُمّالِي وَخُزّانِ مالِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدَيَّ وَعَلى أهْلِ مِصْرٍ كُلُّهُمْ فِي طاعَتِي وَعَلى بَيْعَتِي، فَشَتَّتُواْ كَلِمَتَهُمْ، وَأَفْسَدُوا عَلَيَّ جَماعَتَهُمْ، وَوَثَبُوا عَلى شِيعَتِي، فَقَتَلُوا طائِفَةً مِنْهُمْ غَدْراً، وَطائِفَةٌ عَضُوا [١٣٦] عَلى أسْيافِهِمْ، فَضارَبُوا بِها حَتَى لَقُوا اللّهَ صادِقِينَ... [١٣٧]
فَقَدِموُا عَلى عامِلِي بِها وَخُزّانِ [١٣٨] بَيْتِ مالِ الْمُسْلِمينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِها فَقَتَلوُا طائِفَةً صَبْراً، [١٣٩] وَطائِفَةً غَدْراً، فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبوُا مِنَ الْمُسْلِمينَ إِلاّ رَجُلاً واحِداً مُعْتَمِدِينَ [١٤٠] لِقَتْلِهِ بِلاجُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذلِكَ الْجَيْشِ كُلَّهِ، إِذْحَضرَوُهُ فَلَمْ يُنْكِروُا وَلَمْ يَدْفَعوُا عَنْهُ بِلِسانٍ وَلايَدٍ، دَعْ ما أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلوُا مِنَ الْمُسْلِمِين مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِها عَلَيْهِمْ. [١٤١]
الخوارج
فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُواْ، [١٤٢] وَتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا، [١٤٣] "وَنَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا [١٤٤] وَمَضَيْتُ بِنُورِاللّهِ حِينَ وَقَفُوا، وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً، وَأَعْلاهُمْ فَوْتاً، [١٤٥] فَطِرْتُ بِعِنانِها، [١٤٦] وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهانِها [١٤٧] ، كَالْجَبَلِ لا تُحَرِّكُهُ الْقَواصِفُ، وَلا تُزِيلُهُ الْعَواصِفُ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيَّ مَهْمَزٌ، وَلا لِقائِلٍ فِيَّ مَغْمَزٌ، [١٤٨] الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ، رَضِينا عَنِ اللّهِ قَضاءَهُ، وَسَلَّمْنا لِلّهِ أَمْرَهُ. أَتَرانِي أَكْذِبُ عَلى رَسُولِ اللّهِ؟ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَالِهِ وَاللّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ، فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي فَإذا طاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي، وَإذَا الْمِيثاقُ فِي عُنُقِي لَغَيْرِي [١٤٩] .
في تخويف اهل النهروان [١٥٠]
فَأَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُواْ صَرْعى [١٥١] بِأَثْناءِ هذَا النَّهْرِ، وَبِأَهْضامِ هذَا الْغائِطِ، [١٥٢] سُلْطانٍ مُبينٍ مَعَكُمْ: قَدْ طَوَّحَتْ [١٥٣] بِكُمُ الدّارُ، وَاحْتَبَلَكُمُ [١٥٤] الْمِقْدارُ، وَقَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هذِهِ الْحُكُومَةِ، فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إباءَ الْمُخالِفِينَ الْمُنابِذِينَ، حَتّى صَرَفْتُ رَأْيِي إلى هَواكُمْ وَأَنْتُمْ مَعاشِرُ أَخِفّاءُ [١٥٥] الْهامِ، سُفَهاءُ الْأَحْلامِ، [١٥٦] وَلَمْ آتِ لا أَبا لَكُمْ بُجْراً [١٥٧] ، وَلا أَرَدْتُ بِكُمْ ضُرَّا. [١٥٨]
في الْخَوارِجِ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُمْ 'لا حُكْمَ إلاّ لِلّهِ':
قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: كَلِمَةُ حَقٍّ يُرادُ بِهَا باطِلٌ، نَعَمْ إنَّهُ لا حُكْمَ إلاّ لِلّهِ، وَلكِنْ هؤُلاءِ يَقُولُونَ: لا إمْرَةَ، وَإنَّهُ لابُدَّ لِلنّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللّهُ فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَي ءُ، وَيُقاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِىِّ حَتّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ وَيُسْتَراحَ مِنْ فاجِرٍ. [١٥٩]
وَقَال لِعَبْدِ اللّه بْنِ الْعَبّاسِ، لَمّا بَعَثَهُ لِلْاِحْتِجاج عَلَى الْخَوارِج:
لاتُخاصِمْهُمْ بِالْقُرْانِ فَإِنَّ الْقُرْانَ حَمّالٌ [١٦٠] ذُو وُجُوهٍ تَقُولُ وَيَقُولوُنَ، وَلكِنْ خاصِمْهُمْ بِالسُّنَّةِ فِإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْها مَحِيصاً. [١٦١] ، [١٦٢] .
يكشف للخوارج الشبهة وينقض حكم الحكمين
فَإنْ أَبَيْتُمْ إلاّ أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وَضَلَلْتُ فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَالِهِ بِضَلالِي، وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطائِي، وَتُكَفِّروُنَهُمْ بِذُنُوبِي، سُيُوفُكُمْ عَلى عَواتِقِكُمْ تَضَعُونَها مَواضِعَ الْبُرْءِ وَالسُّقْمِ، وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَالِهِ رَجَمَ الزّانِيَ "الْمُحْصَنَ" ثُمَّ صَلّى عَلَيْهِ، ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ، وَقَتَلَ الْقاتِلَ وَوَرَّثَ مِيراثَهُ أَهْلَهُ، وَقَطَعَ السّارِقَ وَجَلَدَ الزّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ، ثُمَّ قَسَّمَ عَلَيْهِما مِنَ الْفَى ءِ، وَنَكَحَا الْمُسْلِماتِ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللّهِ- صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَالِهِ- بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقامَ حَقَّ اللّهِ فِيهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الْأسْلامِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْماءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ.
ثُمَّ أَنْتُمْ شِرارُ النّاسِ وَمَنْ رَمى بِهِ الشَّيْطانُ مَرامِيَهُ، وَضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ [١٦٣] وَسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلى غَيْرِ الْحَقِّ، وَمُبْعِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلى غَيْرِ الْحَقِّ، وَخَيْرُ النّاسِ فِيَّ حالاً النَّمَطُ الْأَوْسَطُ، فَالْزَمُوهُ، وَالْزَمُوا السَّوادَ الْأَعْظَمَ، فَإِنَّ يَدَاللّهِ عَلَى الْجَماعَةِ، وَإِيّاكُمْ وَالْفُرقَةَ، فَإنَّ الشّاذَّ مِنَ النّاسِ لِلشَّيْطانِ، كَما أَنَّ الشّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئبِ.
ألا مَنْ دَعا إِلى هذَا الشِّعارِ [١٦٤] فَاقْتُلُوهُ وَلَوْ كانَ تَحْتَ عِمامَتِي هذِهِ. وَإِنَّما حُكِّمَ الْحَكَمانِ لِيُحْيِيا ما أَحْيَا الْقُرانُ، وَيُمِيتا ما أَماتَ الْقُرْانُ، وَإِحْياؤُهُ الْاِجْتِماعُ عَلَيْهِ، وَإِماتَتُهُ الْاِفْتِراقُ عَنْهُ، فَإِن جَرَّنَا الْقُرْانُ إِلَيْهِمِ اتَّبَعْناهُمْ، وَإِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونا فَلَمْ اتِ- لاأَبالَكُمْ- بُجْراً، [١٦٥] وَلاخَتَلْتُكُمْ [١٦٦] عَنْ أَمْرِكُمْ، وَلالَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيارِ رَجُلَيْنِ، أَخَذْنا عَلَيْهِما اَنْ لايَتَعَدَّيَا الْقُرْانَ فَتاها عَنْهُ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُما يُبْصِرانِهِ، وَكانَ الْجَوْرُ هَوا هُما فَمَضَيا عَلَيْهِ وَقَدْسَبَقَ اسْتِثْناؤُنا عَلَيْهِما فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ وَالصَّمْدِ [١٦٧] لِلْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِما، وَجَوْرَ حُكْمِهِما [١٦٨] .
وَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَقدْ مرَّ بقَتْلَى الخَوارِجِ يوْمَ النَّهْرَوَانِ:
بُؤْساً لَكُم! [١٦٩] لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ، فقيلَ لهُ: منْ غرّهم يا أميرَالمؤْمنينَ؟
فقالَ: الشَّيْطانُ الْمُضِلُّ، والنَّفسُ الأمَّارَةُ بِالسُّوءِ؛ غَرَّتْهُمْ بِالأمانِيِّ، وفَسَحَتْ لَهُمْ في المَعاصِي، ووَعَدَتْهُمُ الإظْهارَ؛ [١٧٠] فاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ [١٧١] .
لاَتَقْتُلُوا الْخَوارِجَ بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْباطِلَ فَأَدْرَكَهُ [١٧٢] .
انتهى .