وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                

Search form

إرسال الی صدیق
من قصص نهج البلاغة - الثاني

٢٤ - الموت بعزّ أفضل من العيش بذلّ

كان نزول عليّ(عليه السلام) بصفين لليالي بقين من ذي الحجة سنة ست وثلاثين. وكان أبو الأعور السلمي على مقدمة معاوية، وكان قد ناوش مقدمة عليّ(عليه السلام) وعليها الأشتر النخعي مناوشة ليست بالعظيمة، ثمّ انصرف أبو الأعور عن الحرب راجعاً، فسبق إلى الماء فغلب عليه في الموضع المعروف بقناسرين إلى جانب صفين، وساق الأشتر يتبعه، فوجده غالباً على الماء، وكان في أربعة آلاف من أهل العراق، فدعا الأشتر بالحارث بن همام النخعي فأعطاه لواءه ثمّ صاح الأشتر في أصحابه فدتكم نفسي شدوا شدة المحرج الراجي للفرج فإذا نالتكم الرماح التووا فيها فإذا عضتكم السيوف فليعض الرجل على ناجذه فإنّه أشد لشؤون الرأس ثمّ استقبلوا القوم بهامكم.

وعن صعصعة قال: أقبل الأشتر يوم الماء فضرب بسيفه جمهور أهل الشام حتى كشفهم عن الماء وحمل أبو الأعور وحمل الأشتر عليه فلم ينتصف أحدهما صاحبه.

وقال عمرو بن العاص لمعاوية، لما ملك أهل العراق الماء: ما ظنك يا معاوية بالقوم إن منعوك الماء كما منعتهم أمس أتراك تضاربهم عليه كما ضاربوك عليه؟ ما أغنى عنك أن تكشف لهم السوءة؟

فقال له معاوية: دع عنك ما مضى فما ظنك بعليّ بن أبي طالب؟

قال: ظني أ نّه لا يستحل منك ما استحللت منه وأن الّذي جاء له غير الماء.

وقال أصحاب عليّ(عليه السلام) له: أمنعهم الماء يا أميرالمؤمنين كما منعوك.

فقال: لا خلوا بينهم وبينه لا أفعل ما فعله الجاهلون فسنعرض عليهم كتاب الله وندعوهم إلى الهدى فإن أجابوا وإلاّ ففي حد السيف ما يغني إن شاء الله.

قال: فو الله ما أمسى الناس حتى رأوا سقاتهم وسقاة أهل الشام ورواياهم وروايا أهل الشام يزدحمون على الماء ما يؤذي إنسان إنساناً[١].

وكان ممّا قاله الإمام(عليه السلام) لما غلب أصحاب معاوية أصحابه على شريعة الفرات:

«قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ، فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّة، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّة، أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ، فَالمَوْتُ في حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَالْحَيَاةُ في مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ.

أَلاَ وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً مِنَ الْغُوَاةِ وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّةِ»[٢].

٢٥ - الشجاعة في خدمة الهدف

اكمالا للقصّة السابقة: فإنّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) لما ملك الماء بصفين ثمّ سمح لأهل الشام بالمشاركة فيه والمساهمة، رجاء أن يعطفوا إليه، واستمالة لقلوبهم وإظهاراً للمعدلة وحسن السيرة فيهم، مكث أياماً لا يرسل إلى معاوية، ولا يأتيه من عند معاوية أحد، واستبطأ أهل العراق إذنه لهم في القتال، وقالوا: يا أميرالمؤمنين، خلفنا ذرارينا ونساءنا بالكوفة، وجئنا إلى أطراف الشام لنتخذها وطناً، ائذن لنا في القتال، فإن الناس قد قالوا.

قال لهم(عليه السلام): ما قالوا؟ فقال منهم قائل:إن الناس يظنون أ نّك تكره الحرب كراهية للموت، وإن من الناس من يظن أ نّك في شك من قتال أهل الشام.

فقال(عليه السلام): ومتى كنت كارهاً للحرب قط! إنّ من العجب حبي لها غلاماً يافعاً، وكراهيتي لها شيخاً بعد نفاد العمر وقرب الوقت! وأمّا شكي في القوم فلو شككت فيهم لشككت في أهل البصرة، والله لقد ضربت هذا الأمر ظهراً وبطناً، فما وجدت يسعني إلاّ القتال أو أن أعصي الله ورسوله، ولكني أستاني بالقوم، عسى أن يهتدوا أو تهتدي منهم طائفة، فإن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال لي يوم خيبر: لأن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس.

وقد جاء في الروايات: انّه(عليه السلام) قال لما قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وخاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة:

أَيُّها النَّاسُ، شُقُّوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَريقِ الـمُنَافَرَةِ، وَضَعُوا تِيجَانَ الـمُفَاخَرَةِ.

أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاح، أوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ، مَاءٌ آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا، وَمُجْتَنِي الَّثمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كالزَّارعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ.

فَإِنْ أقُلْ يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى الـمُلْكِ، وَإنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزعَ مِنَ المَوْتِ! هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي! وَاللهِ لاَبْنُ أَبي طَالِب آنَسُ بالمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْم لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الاَْرْشِيَةِ في الطَّوِيِّ البَعِيدَةِ[٣].

وأخرج الطبرسي بأنّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) كان يطوف بين الصفين بصفين، فقال له الحسن(عليه السلام): ما هذا زي الحرب، فقال(عليه السلام): يا بني! إن أباك لا يبالي وقع على الموت، أو وقع الموت عليه[٤].

٢٦ - أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قدوة

قال المؤرخون: أنّ معاوية لما أصاب محمّد بن أبي بكر بمصر وظهر عليها، دعا عبدالله بن عامر الحضرمي، فقال له: سر إلى البصرة، فإنّ جل أهلها يرون رأينا في عثمان، ويعظمون قتله، وقد قتلوا في الطلب بدمه...

فقال عبدالله بن الحضرمي له: أنا سهم في كنانتك، وأنا من قد جربت، وعدو أهل حربك، وظهيرك على قتله عثمان، فوجهني إليهم متى شئت، ثمّ ودعه وخرج من عنده.

فلما نزل ابن الحضرمي في بني تميم أرسل إلى الرؤوس فأتوه، فقال لهم: أجيبوني إلى الحقّ، وانصروني على هذا الأمر. وكان الأمير بالبصرة يومئذ زياد بن عبيد قد استخلفه عبدالله بن عباس، وقدم على عليّ(عليه السلام) إلى الكوفة يعزيه عن محمّد بن أبي بكر.

ثمّ إنّ الإمام عليّ(عليه السلام) دعا أعين بن ضبيعة المجاشعي، وقال: يا أعين، ألم يبلغك أن قومك وثبوا على عاملي مع ابن الحضرمي بالبصرة، يدعون إلى فراقي وشقاقي ويساعدون الضلال القاسطين عليَّ! فقال: لا تسأ يا أميرالمؤمنين، ولا يكن ما تكره. ابعثني إليهم، فأنا لك زعيم بطاعتهم وتفريق جماعتهم، ونفي ابن الحضرمي من البصرة أو قتله. قال: فاخرج الساعة. فخرج من عنده ومضى حتى قدم البصرة حيث قتل هناك.

فكتب زياد إلى عليّ(عليه السلام) يخبره الخبر ويستحثّه على ارسال جارية بن قدامة، حيث وصفه بأ نّه: نافذ البصيرة، ومطاع في العشيرة، شديد على عدو أميرالمؤمنين، فإن يقدم يفرق بينهم بإذن الله.

فلما جاء الكتاب، دعا جارية بن قدامة وطلب منه الذهاب إلى البصرة للقضاء على فتنة ابن الحضرمي. وقد استطاع جارية من تنفيذ المهمّة واستطاع القضاء على هذه الفتنة وقتل ابن الحضرمي.

وكان مما قال أميرالمؤمنين لأصحابه عندما أرسلهم إلى البصرة للقضاء على فتنة ابن الحضرمي:

وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)، نَقْتُلُ آبَاءَنا وَأَبْنَاءَنَا وَإخْوَانَنا وَأَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ، وَصَبْراً عَلى مَضَضِ الاْلَمِ، وَجِدّاً عَلى جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالاْخَرُ مِنْ عَدُوِّنا يَتَصَاوَلاَنِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا، أيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ المَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، ومَرَّةً لِعَدُوِّنا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الاِْسْلاَمُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَمُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ، وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ، وَلاَ اخْضَرَّ لِلإِيمَانِ عُودٌ، وَأَيْمُ اللهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً، وَلَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً[٥]!

٢٧ - اللّهمّ لا تشبع بطنه

من كلام لأميرالمؤمنين(عليه السلام) لأصحابه: أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ـ ولن تقتلوه ـ. ألا وإنّه سيأمركم بسبي والبراءة مني، فأمّا السب فسبوني، فإنّه لي زكاة ولكم نجاة، وأمّا البراءة فلا تتبرءوا مني، فإنّي ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة.

وقد ذهب كثير من الناس إلى أ نّه(عليه السلام) عني زياداً، وقال آخرون: إنّه عنى الحجاج. وقال قوم: إنّه عنى المغيرة بن شعبة، والأقرب إلى الصحة أ نّه عنى معاوية، لأ نّه كان موصوفاً بالنهم وكثرة الأكل، وكان بطيناً.

وقد تظاهرت الأخبار أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا على معاوية لما بعث إليه يستدعيه، فوجده يأكل، ثمّ بعث فوجده يأكل، فقال: «اللّهمّ لا تشبع بطنه».

وقال الشاعر:

 

وصاحب لي بطنه كالهاوية

                       

كأن في أحشائه معاوية

أمّا فيما يخصّ قوله(عليه السلام): «ألا وانّه سيأمركم بسبّي». قال ابن أبي الحديد: انّ معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسبّ عليّ(عليه السلام)والبراءة منه، وخطب بذلك على منابر الإسلام وصار ذلك سنّة في أيام بني أمية لعنهم الله إلى أن قام عمر بن عبدالعزيز فأزاله.

وقال الجاحظ: انّ معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة:

اللّهمّ انّ أبا تراب ألحد في دينك وصدّ عن سبيلك فألعنه لعناً وبيلا وعذبه عذاباً أليماً، وكتب بذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبدالعزيز[٦].

٢٨ - لقاء عاصف مع خوارج النهروان

جاء رجل من مراد إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) يصلي في المسجد، فقال: احترس فإن اُناساً من مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع كلّ رجل ملكين يحفظانه ما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وإنّ الأجل جنة حصينة.

وقال الشعبي: لم يزل الناس خائفين لهذه الخوارج على عليّ مذ حكم الحكمين وقتل أهل النهروان، حتى قتله ابن ملجم لعنه الله.

ولقد جاء أميرالمؤمنين(عليه السلام) ليلة فألقى درته ثمّ قام يصلي، فلما فرغ أتانا فقال: ما يجلسكم؟ قلنا: بحرسك.

فقال: أمن أهل السماء؟ فإنّه لا يكون في الأرض شيء حتى يقضى فى السماء، ثمّ قال: وإن عليَّ من الله جنة حصينة، فإذا جاء أجلي كشف عني! وإنّه لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه[٧].

وقد تنبأ بعدد من يقتل من أصحابه وبقدر من يبقى من الخوارج قبل أن يشتبك معهم في النهروان، فقال:

مصارعهم دون النطفة، والله لا يفلت منهم عشرة، ولا يهلك منكم عشرة، فلم يقتل من أصحاب الإمام إلاّ ثمانية، ولم ينج من الخوارج إلاّ تسعة[٨].

٢٩ - الفرار من الحرب عار في الدنيا ونار في الآخرة

ومن كلام لأميرالمؤمنين(عليه السلام) كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين:

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ، وَتَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ، وَعَضُّوا  عَلَى النَّوَاجِذِ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلْسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَأَكْمِلُوا اللاَّْمَةَ،  وَقَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا، وَالْحَظُوا الْخَزْرَ، وَاطْعُنُوا الشَّزْرَ، وَنَافِحُوا بِالظُّبَا، وَصِلُوا السُّيُوفَ بَالْخُطَا، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللهِ، وَمَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فَعَاوِدُوا الْكَرَّ، وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ، فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الاَْعْقَابِ، وَنَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً، وَامْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً، وَعَلَيْكُمْ بِهذَا السَّوَادِ الاَْعْظَمِ، وَالرِّوَاقِ المُطَنَّبِ، فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ، فإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ، قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً، وَأَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً; فَصَمْداً صَمْداً! حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ (وَأَنْتُمُ الاَْعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)[٩].

٣٠ - رد احتجاج الأنصار وقريش

 عن أنس بن مالك، قال: مرّ أبو بكر والعباس بمجلس من الأنصار في مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهم يبكون، فقالا: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا محاسن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فدخلا على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبراه بذلك فخرج(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد عصب على رأسه حاشية بردة، فصعد المنبر ـ ولم يصعده بعد ذلك اليوم ـ فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الّذي عليهم، وبقى الّذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم[١٠].

وروي انّه لما انتهت إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال(عليه السلام): ما قالت الأنصار؟

قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير.

قال(عليه السلام): فَهَلاَّ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ: بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهمْ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟

قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟

فقال(عليه السلام): لَوْ كَانَتِ الامارة فِيهمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ.

ثمّ قال(عليه السلام): فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ؟

قالوا: احتجت بأَ نّها شجرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

فقال(عليه السلام): احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الَّثمَرَةَ[١١].

٣١ - أسر مروان

 مروان بن الحكم الّذي قال عنه الرسول: وزغ ابن وزغ، وأبيه هو الحكم بن أبي العاص وهو الّذي طرده رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وآواه عثمان. كان لمروان هذا دور في قتل عثمان بن عفان، وحاله كحال الثلاثة الآخرين (عائشة، طلحة، الزبير) خرج مروان للمطالبة بدم عثمان.

قال الرواة: أُخذ مروان بن الحكم أسيراً يوم الجمل، فاستشفع الحسن والحسين إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) فكلماه فيه، فخلى سبيله، فقالا له: يبايعك يا أميرالمؤمنين، فقال(عليه السلام): أَو لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمانَ؟ لاَ حَاجَةَ لِي في بَيْعَتِهِ! إِنِّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَني بِسُبَّتِهِ.

أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ، وَهُوَ أَبُو الاَْكُبُشِ الاَْرْبَعَةِ، وَسَتَلْقَى الاُْمَّة مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْمَاً أَحْمَرَ[١٢].

ونرى في كلام أميرالمؤمنين أمر غيبي، فهو(عليه السلام) يقول: «إنّ له ـ أي لمروان ـ إمرة كلعقة الكلب أنفه»، يريد قصر المدة، وكذلك كانت مدة خلافة مروان، فإنّه ولي تسعة أشهر. و «الأكبش الأربعة» بنو عبدالملك: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام، ولم يل الخلافة من بني اُمية ولا من غيرهم أربعة اخوة إلاّ هؤلاء. وكل ما أخبر به أميرالمؤمنين(عليه السلام) في هذا الكلام وقع كما أخبر به، وكذلك قوله: (يحمل راية ضلالة بعدما يشيب صدغاه)، فإنّه ولي الخلافة وهو ابن خمسة وستين في أعدل الروايات[١٣].

٣٢ - التنبؤ بالنجوم

لما عزم عليّ(عليه السلام) الخروج من الكوفة إلى الحرورية لقتال الخوارج، كان في أصحابه منجم فقال له: يا أميرالمؤمنين لا تسر في هذه الساعة وسر على ثلاث ساعات مضين من النهار فإنّك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضر شديد وإن سرت في الساعة الّتي أمرتك بها ظهرت وظفرت وأصبت ما طلبت.

فقال له عليّ(عليه السلام): أتدري ما في بطن فرسي هذه أذكر هو أم أنثى؟ قال: إن حسبت علمت.

فقال(عليه السلام): من صدقك بهذا فقد كذّب بالقرآن قال الله تعالى: (إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُـنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ)[١٤] ، ثمّ قال(عليه السلام): إنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان يدعي علم ما ادعيت علمه أتزعم أ نّك تهدي إلى الساعة الّتي يصيب النفع من سار فيها وتصرف عن الساعة الّتي يحيق السوء بمن سار فيها فمن صدّقك بهذا فقد استغنى عن الاستعانة بالله عزّوجلّ في صرف المكروه عنه وينبغي للموقن بأمرك أن يوليك الحمد دون الله جلّ جلاله لأ نّك بزعمك هديته إلى الساعة الّتي يصيب النفع من سار فيها وصرفته عن الساعة الّتي يحيق السوء بمن سار فيها فمن آمن بك في هذا لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ضدّاً وندّاً. اللّهمّ لا طير إلاّ طيرك، ولا ضير إلاّ ضيرك، ولا إله غيرك.

ثمّ قال: نخالف ونسير في الساعة الّتي نهيتنا عنها ثمّ أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إياكم والتعلم للنجوم إلاّ ما يهتدى به في ظلمات البر والبحر إنّما المنجم كالكاهن، والكاهن كالكافر، والكافر في النار، أما والله إن بلغني أ نّك تعمل بالنجوم لأُخلدنك السجن أبداً ما بقيت ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان.

ثمّ سار في الساعة الّتي نهاه عنها المنجم فظفر بأهل النهر وظهر عليهم ثمّ قال: لو لم نسر في الساعة الّتي نهانا عنها المنجم لقال الناس: سار في الساعة الّتي أمر بها المنجم فظفر وظهر أما إنه ما كان لمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) منجم ولا لنا من بعده حتى فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر. أيها الناس توكلوا على الله وثقوا به فإنه يكفي ممن سواه[١٥].

وقد روي أنّ هذا القائل كان عفيف بن قيس أخا الأشعث، وكان يتعاطى علم النجوم.

٣٣ - نسيان الآخرة

من خطبة لأميرالمؤمنين(عليه السلام) في ذكر عمرو بن العاص: عَجَباً لاِبْنِ النَّابِغَةِ[١٦]! يَزْعُمُ لاَِهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِيَّ دُعَابَةً، وَأَنِّي امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ: أُعَافِسُ وَأُمَارِسُ! لَقَدْ قَالَ بَاطِلا، وَنَطَقَ آثِماً.

أَمَا ـ وَشَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ ـ إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ، وَيَسْأَلُ فَيُلْحِفُ، وَيَخُونُ الْعَهْدَ، وَيَقْطَعُ الاِْلَّ; فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِر وَآمِر هُوَ! مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا، فَإِذَا كَانَ ذلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَوْمَ سُبَّتَهُ.

أَمَا واللهِ إِنِّي لَـيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْموْتِ، وَإِنَّهُ لَْيمَنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الاْخِرَةِ، إِنَّهُ لَمْ يُبَايعْ مُعَاوِيَةَ حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةً، وَيَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً[١٧].

هذه اذن عقيدة عمرو بن العاص وأخلاقه، وهو من اُولئك الذين كان الإمام عليّ(عليه السلام) يلعنهم كلّ صباح ومساء.

٣٤ - صرامة الإمام

في خلافة عثمان، ازداد الظلم، وانقلبت الاثرة إلى طغيان، وانقلب الحقد إلى زئير، وتراكم الطغيان حتى وجد رد فعل طاغ في ثورة المظلومين، الذين أثقلهم الظلم الفادح، على حكومة عثمان وعلى ولاته.

وكانت عاقبة ذلك كله قتل عثمان. وجاء الناس إلى الإمام يطلبون منه أن يلي الحكم، ولكنه أبى عليهم ذلك، لا لأ نّه لم يأنس من نفسه القوة على ولاية الحكم وتحمل تبعاته، فقد كان(عليه السلام) على تمام الاهبة لولاية الحكم، كان قد خبر المجتمع الإسلامي من أقطاره، وخالط كافة طبقاته، وراقب حياتها عن كثب، ونفذ إلى أعماقها، وتعرف على الوجدان الطبقي الّذي يشدها ويجمعها. وقد مكنه من ذلك كلّه المركز الفريد الّذي كان يتمتع به من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو وزيره ونجيبه، وأمين سرّه، وقائد جيوشه، ومنفذ خططه، ومعلن بلاغاته.

هذه المنزلة الفريدة الّتي لم يكن أحد من الصحابة يتمتع بها أعدته إعداداً تاماً لمهمة الحكم. وقد كان النبيّ ينبغي من وراء إناطة هذه المهام كلّها به اعداده للمنصب الإسلامي، ليصل إليه وهو على أتم ما يكون أهلية واستعداداً.

ولقد غدا من نافلة القول أن يقال أ نه(عليه السلام) هو الخليفة الّذي كان يجب أن يلي حكومة النبيّ في المجتمع الإسلامي. وإذا لم يقدر له أن يصل إلى الحكم بعد النبيّ فإنّه لم ينقطع عن الحياة العامة، بل ساهم فيها مساهمة خصبة، فقد كان أبوبكر ثمّ عمر ومن بعدهما عثمان لا يسعهم الاستغناء عن آراءه في السياسة والقضاء والحرب، وخاصة في خلافة عثمان فقد كان فيها على أتم الصلة بالتيارات الّتي تمخر المجتمع الإسلامي، لكن عثمان لم ينتفع كثيراً بالتوجيه الّذي كان الإمام يقدمه إليه لأنّ بطانة متعفنة كانت تحيط بهذا الخليفة. فأنت ترى أ نّه لم يأب الحكم لأ نّه لم يأنس من نفسه القوة عليه، وإنّما أباه لأمر آخر: لقد كان يرى المجتمع الإسلامي وقد تردى في هوة من الفوارق الاجتماعية الّتي ازدادت اتساعاً بسبب السياسة الّتي اتبعها ولاة عثمان مدة خلافته.

ولقد كان يرى التوجيهات الدينية العظيمة الّتي عمل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة حياته على إرساء أُصولها في المجتمع العربي قد فقدت فاعليتها في توجيه حياة الناس.

وكان(عليه السلام) يعرف السبيل الّذي يرد الأشياء إلى نصابها، فإنّما صار الناس إلى واقعهم هذا لأ نّهم فقدوا الثقة بالقوة الحاكمة الّتي تهيمن عليهم. فقدوا الثقة بهذه القوة كناصر للمظلوم وخصم للظالم، فراحوا يسعون إلى إقرار حقوقهم وصيانتها بأنفسهم. وهكذا، رويداً رويداً انقطعت الصلة بينهم وبين الرموز المعنوية الّتي يجب أن تقود حياتهم. والسبيل إلى تلافي هذا الفساد كلّه هو إشار الناس أنّ حكماً صحيحاً يهيمن عليهم، لتعود إلى الناس ثقتهم الزائلة بحكامهم. ولكن شيئاً كهذا لم يكن سهلا قريب المثال، فهناك طبقات ناشئة لا تسيغ مثل هذا، ولذلك فهي حرية أن تقف في وجه كلّ برنامج اصلاحي وكل محاولة تطهيرية، ولذلك أبى عليهم قبول الحكم، لأ نّه قدر ـ وقد أصاب ـ أ نّه سيلاقي معارضة عنيفة من كلّ طبقة تجد صلاحها في أن يبقى الفساد على حاله. لأجل هذا قال للجماهير يوم هرعت إليه تسأله أن يلي الحكم: دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت، واعلموا أ نّي أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً[١٨].

ولكن القوم أبوا عليه إلاّ أن يلي الحكم، وربما رأى(عليه السلام) أ نّه إذا لم يستجب لهم فربّما توثب على حكم المسلمين من لا يصلح له، فيزيد الفساد فساداً، ورجا أن يخرج بالناس من واقعهم الاجتماعي التعس الّذي أحلتهم فيه اثنتا عشرة سنة مضت عليهم في خلافة عثمان، إلى واقع أنبل وأحفل بمعاني الإسلام، وهكذا استجاب لهم، فبويع خليفة للمسلمين.

٣٥ - خبر غيبي عن بني أُميّة

لا يجهل أحد مبلغ ما نزل بالناس من ظلم بني أُمية وانتهاكهم للحرمات، واستهتارهم بالفضيلة حتى صار خلفاؤهم مثلا لا في الظلم والفسق والتهتك. وقد تحدّث أميرالمؤمنين(عليه السلام) كثيراً عن نهاية بني أُمية وأن الأمر سيصير إلى أعدائهم بعدهم في الوقت الّذي يحسب الناس فيه أ نّهم مخلدون.

فقال(عليه السلام) متحدّثاً عن ظلم بني أُمية: «وَاللهِ لاَ يَزَالُونَ حَتَّى لاَ يَدَعُوا للهِ مُحَرَّماً إِلاَّ اسْتَحَلُّوهُ، وَلاَ عَقْداً إِلاَّ حَلُّوهُ، حَتَّى لاَ يَبْقَى بَيْتُ مَدَر وَلاَ وَبَر إِلاَّ دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَنَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ، وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ: بَاك يَبْكِي لِدِينِهِ، وَبَاك يَبْكِي لِدُنْيَاهُ، وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ، إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ، وَإِذَا غَابِ اغْتابَهُ».

ثمّ أعاد(عليه السلام) الشكوى والتألم فقال: «أَيْدِيكُمْ فِي الدنيا مَبْسُوطَةٌ، وَأَيْدِي مستحقي الرياسة ومستوجبي الأمر مَكْفُوفَةٌ، وَسُيُوفُكُمْ مسلطة على أهل البيت الذين هم القادة والرؤساء، وَسُيُوفُهُمْ مَقْبُوضَةٌ عَنْكُمْ».

وكأ نّه كان يرمز إلى ما سيقع من قتل الحسين(عليه السلام) وأهله، وكأ نّه يشاهد ذلك عياناً، ويخطب عليه ويتكلم على الخاطر الّذي سنح له، والأمر الّذي كان أُخبر به، ولكن هل يستمر هذا الظلم، وهل تبقى دولة بني أُمية بالرغم من القوة والمنعة الّتي امتازت بها.

يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): «حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا، وَتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا، وَلاَ يُرْفَعُ عَنْ هذِهِ الاُْمَّةِ سَوْطُهَا وَلاَ سَيْفُهَا، وَكَذَبَ الظَّانُّ لِذلِكَ. بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً، ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً».

ثمّ قال(عليه السلام): «أَلاَ إِنَّ لِكُلِّ دَم ثَائِراً، وَلَكُلِّ حَقٍّ طَالِباً، وَإِنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ في حَقِّ نَفْسِهِ، وَهُوَ اللهُ الَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ، وَلاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ. فَأُقْسِمُ بِاللهِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ، عَمَّا قَلِيل لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَفِي دَارِ عَدُوِّكُمْ»[١٩].

وقد تحقّقت هذه النبوءات بحذافيرها بزوال ملك بني أُمية على يد العباسيين، وما يصنعه العباسيون من القتل والتشريد بهم. وإنّ الأمر بقى في أيدي بني أُمية قريباً من تسعين سنة، ثمّ عاد إلى البيت الهاشمي، وانتقم الله تعالى منهم على أيدي أشد الناس عداوة لهم.

٣٦ - جواب حاسم لأميرالمؤمنين(عليه السلام)

انّ من أبرز المشاكل الّتي حفل بها المنهج الاصلاحي لأميرالمؤمنين(عليه السلام) يوم ولي الحكم، مشكلة الفقر والغنى. ولقد كان مجتمعه إذ ذاك يعاني جراحاً عميقة بسبب هذه المشكلة، فقد ولي الإمام الحكم والتفاوت الطبقي في المجتمع الإسلامي على أشد ما يكون عمقاً واتساعاً. ففي العهد السابق على ولاية الإمام(عليه السلام) للحكم كانت الطريقة المنبعة في التقدير وإظهار الكرامة هي التفضيل في العطاء. وقد اتبعت هذه الطريقة في بعض الحالات بصورة خارجة عن حدود المعقول والمقبول، ففضل من لا سابقة له في الدين ولا قدم له في الإسلام على ذوي السوابق والأقدار. وقد أوجد هذا اللون من السياسة المالية طبقة من الأشراف لا تستمد قيمتها من المثل الأعلى للإسلام، وإنّما تستمدها من السلالة والغنى والامتيازات التيى لا ماض عريق لها، وكان من نتائج ذلك أن أحس الفقراء الضعفاء بالدونية واستشعر الأشراف الاستعلاء، وحرم الفقراء المال الّذي تدفق إلى جيوب الأغنياء. فلما ولي الإمام الحكم ألفى بين يديه هذا الأرث المخيف الّذي يهدد باستئصال ما غرسه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في نفوس المسلمين. وقد عالج هذا الواقع الّذي سيق إليه بالتسوية بين الناس في العطاء، فالشريف والوضيع، والكبير والصغير، والعربي والعجمي، كلهم في العطاء سواء، فلم يجعل العطاء مظهراً للتفاضل بين الأفراد والأفراد والطبقات والطبقات. وبهذا أظهر للناس أن القيمة ليست بالمال، وحال بين الفقراء والضعفاء وبين الشعور بالدونية، وبين الأشراف والأقوياء وبين أن يشعروا بالاستعلاء. وأهاب بالناس أن يتوبوا إلى الله فيجعلوا التقوى مناط التفاضل ومقياس التقويم.

وقد ثارت الطبقة الارستقراطية لسياسة المساواة المالية الّتي قام بها الإمام فأشاروا عليه أن يصطنع الرجال بالأموال، فقال: «أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَاللهِ لاَ أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَميرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً! لَوْ كَانَ الْمَالُ لي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللهِ لَهُمْ. أَلاَ وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهَ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ».

ولم يكن هذا كلّ ما ينتظر الطبقة الارستقراطية على يديه يوم أمسك بالزمام، لقد كانت أموال الاُمة تتدفق ـ تحت عينيه ـ قبل أن يتولى الحكم إلى جيوب فريق من الناس، فأخذ على نفسه عهداً بمصادرتها، بردها إلى أهلها، وكان أن أعلن للناس يوم ولي الحكم مبدأ من جملة المبادىء الّتي أعدها لمحاربة الفقر الكافر في مجتمعه الموشك على الانهيار، فقال:

«ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال. فإنّ الحقّ لا يبطله شيء. وَلَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَفرق في البلدان، فَإِنَّ في العَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ، فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضيَقُ».

وكم كان يقض مضجعه عدم التوازن في توزيع الثروات في زمانه(عليه السلام)، فتراه يصرخ أكثر من مرة، من على منبر الكوفة، بمثل هذا القول: «وقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَن لاَ يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إِلاَّ إِدْبَاراً، وَالشَّرُّ إِلاَّ إِقْبَالا، وَالشَّيْطَانُ فِي هَلاَكِ النَّاسِ إِلاَّ طَمَعاً... اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلاَّ فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً، أَوْ بَخِيلا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللهِ وَفْراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْموَاعِظِ وَقْراً! أَيْنَ خِيارُكُمْ وَصُلَحَاؤُكُمْ؟! وَأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ وَسُمَحَاؤُكُمْ؟! وَأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ في مَكَاسِبِهِمْ، والْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهمْ؟»[٢٠].

ولا يعالج الفقر عند الإمام بالمواعظ والخطب، وإنّما يعالج بحماية مال الاُمة من اللصوص والمستغلين، ثمّ بصرفه في موارده.

 ٣٧ - يد الله مع الجماعة

من كلام لأميرالمؤمنين(عليه السلام) في الخوارج لما سمع قولهم «لا حكم إلاّ لله» قال(عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلاَّ للهِ، ولكِنَّ هؤُلاَءِ يَقُولُونَ: لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللهُ فِيهَا الاَْجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر»[٢١].

وممّا قاله(عليه السلام) لهم أيضاً: «فإنْ أَبَيْتُمْ إِلاَّ أَنْ تَزْعُمُوا أَ نِّي أَخْطَأْتُ وَضَلَلْتُ، فَلِمَ تُضَلِّلونُ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بِضَلاَلِي، وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي، وَتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوِبي! سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ البَرء وَالسُّقْمِ، وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ. وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) رَجَمَ الزَّانِيَ الْـمُحْصَنَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ، وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ، وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الُْمحْصَنِ ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ; فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) بِذُنُوبِهمْ، وَأَقَامَ حَقَّ اللهِ فِيهمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الاِْسْلاَمِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ. ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ، وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ!

وَسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَخَيْرُ النَّاسِ فيَّ حَالا الَّنمَطُ الاَْوْسَطُ فَالْزَمُوهُ، وَالْزَمُوا السَّوَادَ الأَعْظَم فَإِنَّ يَدَ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ».

وقال(عليه السلام) للبرج بن مسهر الطائي، وقد قال له بحيث يسمعه: لا حكم إلاّ لله، وكان من الخوارج: اسكت قبحك الله يا أثرم، فو الله لقد ظهر الحقّ فكنت فيه ضئيلا شخصك، خفياً صوتك، حتى إذا نعر الباطل نجمت نجوم قرن الماعز[٢٢].

٣٨ - خبر عن جرائم صاحب الزنج

من كلام لأميرالمؤمنين(عليه السلام) فيما يخبر به من الملاحم بالبصرة: يا أحنف، كأ نّي به وقد سار بالجيش الّذي لا يكون له غبار ولا لجب، ولا قعقعة لجم، ولا حمحمة خيل. يثيرون الأرض بأقدامهم كأ نّها أقدام النعام.

ثمّ قال(عليه السلام): «وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ، وَدُورِكُمُ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنَحَةِ النُّسُورِ، وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ، مِنْ أُولئِكَ الَّذِينَ لاَ يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، وَلاَ يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ. أَنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا، وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا، وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا».

وكلام أميرالمؤمنين(عليه السلام) هذا يتحدّث به عن صاحب الزنج الّذي ظهر بالبصرة في سنة خمس وخمسين ومائتين، حيث زعم أ نّه عليّ بن محمّد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)فتبعه الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ في البصرة. وأكثر الناس يقدحون في نسبه وخصوصاً الطالبيين[٢٣].

يتبع ....................

----------------------------------------------------------
[١] . بحار الأنوار ٣٢: ٤٤٣.
[٢] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٣/٣١٢.
[٣] . شرح نهج البلاغة ١: ٢١٣.
[٤] . مجمع البيان ١: ٣٠٩.
[٥] . شرح نهج البلاغة : ٤/٣٣.
[٦] . منهاج البراعة: ٤/٣٤٥.
[٧] . بحار الأنوار: ٤٢/٢٢٢.
[٨] . دراسات في نهج البلاغة: ١٧٩.
[٩] . نهج البلاغة: ١/١١٤.
[١٠] . شرح نهج البلاغة: ٦/٤.
[١١] . شرح نهج البلاغة: ٦/٤.
[١٢] . بحار الأنوار: ٤١/٣٥٥.
[١٣] . شرح نهج البلاغة: ٦/١٤٦.
[١٤] . لقمان: ٣٤.
[١٥] . بحار الأنوار: ٣٣/٣٤٦.
[١٦] . نبغ الشيء: ظهر، وقد سميت اُم عمرو بـ «النابغة» لشهرتها بالفجور وتظاهرها به.
[١٧] . نهج البلاغة: ١/١٤٧.
[١٨] . نهج البلاغة: ١/١٨١.
[١٩] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٧/١٢٠.
[٢٠] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٨/١٠٩.
[٢١] . نهج البلاغة: ١/٩١.
[٢٢] . نهج البلاغة: ٢/٧ و١١٤.
[٢٣] . راجع أخباره في: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٨/١٢٦.
****************************