وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
من معجزات كلامه عليه السلام وعلمه باللغات وبلاغته وفصاحته – الرابع

العلامة المجلسي (قدس سره)

٦٠ ـ نهج : وقال عليه ‌السلام لما عزم على حرب الخوراج ـ وقيل له : إن القوم قد عبروا جسر النهروان ـ : مصارعهم دون النطفة ، والله لا يفلت منهم عشرة ولا يهلك منكم عشرة.

قال السيد الرضي رضي‌الله‌عنه : يعني بالنطفة ماء النهر ، وهي أفصح كناية عن الماء [١].

وقال ابن أبي الحديد : هذا الخبر من الاخبار التي تكاد تكون متواترة لاشتهاره ونقل الناس كافة له ، وهومن معجزاته وأخباره المفصلة عن الغيوب التي لا يحتمل التلبيس ، لتقييده بالعدد المعين في أصحابه وفي الخوارج ، ووقع الامر بعد الحرب من غير زيادة ولا نقصان ، ولقد كان له من هذا الباب مالم يكن لغيره ولمشاهدة الناس من معجزاته وأحواله المنافية لقوى البشر غلافيه من غلا ، حتى نسب إلى أن الجوهر الالهي حل في بدنه ، كما قالت النصارى في عيسى عليه ‌السلام انتهى [٢].

٦١ ـ نهج : من خطبة له عليه ‌السلام : أما بعد أيها الناس فأنا فقأت عين الفتنة ، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري ، بعد أن ماج غيهبها واشتد كلبها ، فاسألوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي نفسي بيده لا تسألونني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ولاعن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها ومن يقتل من أهلها قتلا ويموت منهم موتا ، ولوقد فقد تموني ونزلت كرائه الامور وحوازب الخطوب لاطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين ، وذلك إذا قلصت حربكم وشمرت عن ساق ، وضاقت الدنيا عليكم ضيقا تستطيلون أيام البلاء عليكم ، ثم يفتح الله لبقية الابرار منكم إن الفتن إذا أقبلت شبهت ، وإذا أدبرت نبهت ، ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات يحمن حوم الرياح يصبن بلدا ويخطئن بلدا ، ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني امية فإنها فتنة عميا. مظلمة ، عمت خطتها وخصت بليتها ، وأصاب البلاء من أبصر فيها ، وأخطأ البلاء من عمي عنها ، وايم الله لتجدن بني امية لكم أرباب سوء بعدي ، كالناب الضروس تعذم بفيها وتخبط بيدها وتزبن برجلها وتمنع درها ، لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم أوغير ضائر ، ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا مثل انتصار العبد من ربه والصاحب من مستصحبه ، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية وقطعا جاهلية ، ليس فيها منار هدى ولا علم يرى ، نحن أهل البيت منها بمنجاة ولسنا فيها بدعاة ، ثم يفرجها الله عنهم كتفريج الاديم بمن يسومهم خسفا ويسوقهم عنفا ويسقيهم بكأس مصبرة ، لا يعطيهم إلا السيف ولا يحلسهم إلا الخوف ، فعند ذلك تود قريش بالدنيا وما فيها لويرونني مقاما واحدا ولوقدر جزر جزور لاقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني [٣].

تبيين : فقأ العين : شقها وعدم اجترائهم كان لاستعظامهم قتال أهل القبلة لجهالتهم. والغيهب : الظلمة وتموجه كناية عن عمومه وشموله للاماكن. واشتد كلبها أي شرها وأذاها ، يقال للقحط الشديد : الكلب ، وكذلك للقر الشديد. قوله : « بناعقها » أي الداعي إليها ، يقال : نعق ينعق ـ بالكسر ـ أي صاح وزجر. والمناخ بضم الميم مصدر أواسم مكان من أناخ البعير. الركاب : الابل التي تسار عليها ، الواحدة راحلة ولاواحدلها من لفظها. والكرائه جمع الكريهة وهي الشدة. وقال الجزري : الحوازب جمع حازب وهوالامر الشديد [٤].

وقوله عليه ‌السلام : « لاطرق كثير من السائلين » أي لشدة الامر وصعوبته ، حتى أن السائل ليبهت ويدهش فيطرق ولا يستطيع السؤال. الفشل : الجبن.

وقال ابن أبي الحديد : قلصت يروى بالتشديد أي انضمت واجتمعت فيكون أشد وأصعب من أن ينفرق في مواطن متعددة ، وبالتخفيف أي كثرت وتزايدت من قلصت البئر أي ارتفع ماؤها وروي « إذا قلصت عن حربكم » أي إذا قلصت كرائه الامور وحوازب الخطوب عن حربكم أي انكشفت عنها [٥].

قوله عليه ‌السلام : « وشمرت عن ساق » أي كشفت عن شدة ومشقة ، كقوله تعالى : « يوم يكشف عن ساق» [٦] . أوكناية عن قيام الحرب وتمام أسبابها ، فإنه كناية عن الاهتمام في الامر.

قوله عليه ‌السلام : « إذا أقبلت شبهت » إي في ابتدائها تلتبس الامور ولا يعلم الحق من الباطل إلى أن تنقضي فيظهر بطلانها لظهور آثار الفساد منها.

وحام الطائر حول الماء يحوم حوما وحومانا أي دار ، شبه عليه ‌السلام الفتن في دورانها ووقوعها من دعاة الضلال في بلد دون بلد بالرياح. الخطة : الحال والامر وعمومها لانها كانت ولاية عامة وخصت بليتها بالصالحين والائمة من أهل البيت عليهم‌السلام وشيعتهم ، فالمبصر العارف للحق يصيبه البلاء لما يرى من الجور فيه وفي غيره ، وأما الجاهل المنقاد لهم فهوفي راحة.

والناب : الناقة المسنة. والضروس : السيئة الخلق. والعذم : العض والاكل بجفاء. والزبن : الدفع. والدر في الاصل : اللبن ثم اطلق على كل خير ، وهوكناية عن منع حقوق المسلمين والاستبداد بأموالهم.

قوله : « أوغير ضائر » يعني من لا ينكر أفعالهم. والانتصار : الانتقام ، وقد جاء في كلامه عليه ‌السلام تفسير انتصار العبد من ربه في غيره هذا الموضع حيث عقبه بقوله : « إذا شهد أطاعه وإذا غاب اغتابه » . [٧]

والمراد بالصاحب هنا التابع. والشوهاء : القبيحة ، وفي بعض النسخ « شواها » باضم بغير مد جمع الشوهاء.

قوله عليه ‌السلام : « وقطعا جاهلية » شبهها بقطع السحاب لتراكمها ، أوقطع الحبل لورودها دفعات.

قوله عليه لاسلام : « بمنجاة » إي بمعزل لا تلحقنا آثامها ولسنا من أنصار تلك الدعوة.

قوله : « كتفريج الاديم » الاديم ، الجلد ، ووجه الشبه انكشاف الجلد عما تحته من اللحم.

قوله عليه ‌السلام : « يسومهم خسفا » إي يوليهم ذلا والخسف : النقصان والهوان.

 قوله عليه ‌السلام : مصبرة أي ممزوجة بالصبر المر أومملوءة إلى أصبارها أي جوانبها قوله عليه ‌السلام : « ولا يحلسهم » أي لا يلبسهم ، والحلس كساء رقيق يكون تحت البرذعة ، والجزور من الابل يقع على الذكر والانثى ، وجزرها : ذبحها.

قال عبدالحميد بن أبي الحديد في شرح هذه الخطبة : هذه الدعوى ليست منه عليه ‌السلام إذ إدعاء الربوبية ولا ادعاء النبوة ، ولكنه كان يقول : إن رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله أخبره بذلك ، ولقد امتحنا أخباره فوجدناه موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدعرى المذكورة .

كإخباره عن الضربة التي يضرب في رإسه فتخضب لحيته .

وإخباره عن قتل الحسين عليه ‌السلام ابنه ، وما قاله في كريلاء حيث مربها .

وإخباره بملك معاوية الامر من بعده .

وإخباره عن الحجاج وعن يوسف بن عمر .

وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان .

وما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم وصلب من يصلب .

وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين .

وإخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص عليه ‌السلام إلى البصرة لحرب أهلا .

وإخباره عن عبدالله بن الزبير وقوله عليه ‌السلام فيه : « خب صب يروم أمرا ولا يدركه ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا وهوبعد مصلوب قريش ».

وكإخباره عن هلاك البصرة بالغرق وهلاكها تارة اخرى بالزنج ، وهوالذي صحفه قوم فقالوا : بالريح [٨].

وكإخباره عن الائمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر والداعي وغيرهما في قوله عليه ‌السلام : « وإن لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله إذا شاء ، دعاة حق تقوم بإذن الله فتدعوإلى دين الله » .

وكإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة وقوله : « إنه يقتل عند أحجار الزيت » .

وكقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباخمرا [٩] : « يقتل بعد أن يظهر ويقهر بعد أن يقهر » وقوله عليه ‌السلام فيه أيضا : « يأتيه سهم غرب يكون فيه منيته فيابؤس الرامي شلت يده ووهن عضده » .

وكإخباره عن قتلى فخ وقوله عليه ‌السلام : « هم خير أهل الارض أومن خير أهل الارض » .

وكإخباره عن المملكة العلوية بالغرب وتصريحه بذكر كتامة وهم الذين نصروا أبا عبدالله الداعي المعلم.

كقوله وهويشير إلى عبيدالله المهدي وهوأولهم : « ثم يظهر صاحب القيروان [١٠] الفض البض ، ذوالنسب المحض ، المنتجب من سلالة ذي البداء ، المسجى بالرداء » وكان عبيد الله المهدي أبيض مترقا مشربا حمرة رخص بالدن تار الاطراف وذوالبداء إسماعيل بن جعفر بن محمد عليهما‌السلام وهوالمسجى بالرداء ، لان أباه أبا عبدالله جعفر عليه ‌السلام سجاه بردائه لما مات ، وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته وتزول عنهم الشبهة في أمره.

وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم : « ويخرج من ديلمان بنوالصياد » إشارة إليهم ، وكان أبوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوت هووعياله بثمنه فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة ، ونشر ذريتهم حتى ضربت الامثال بملكهم.

وكقوله عليه ‌السلام فيهم : « ثم يستقوي أمرهم حتى يملكوا الزوراء ويخلعوا الخلفاء » فقال له قائل : فكم مدتهم يا أمير المؤمنين؟ فقال : مائة أوتزيد قليلا.

وكقوله فيهم : « والمترف ابن الاجذم يقتله ابن عمه على دجلة » وهوإشارة إلى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين ، وكان معز الدولة أقطع اليد قطعت يده التكوض في الحرب ، وكان ابنه عز الدولة بختيار مترفا صاحب لهووشرب وقتله عضد الدولة فنا خسره ابن عمه بقصر الجفن على دجلة في الحرب وسلبه ملكه ، فأما خلعهم للخلفاء فإن معز الدولة خلع المستكفي ورتب عوضه المطيع ، وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع ورتب عوضه القادر ، وكانت مدة ملكهم كما أخبربه عليه ‌السلام.

وكإخباره عليه ‌السلام لعبد الله بن العباس ـ رحمه‌ الله ـ عن انتقال الامر إلى أولاده ، فإن علي بن عبدالله لما ولد أخرجه أبوه عبدالله إلى علي عليه ‌السلام فأخذه وتفل في فيه وحنكه بتمرة قد لاكها ودفعه إليه وقال : « خذ إليك أبا الاملاك » هكذا الرواية الصحيحة وهي التي ذكرها أبوالعباس المبرد في الكتاب الكامل ، وليست الرواية التي يذكر فيها العدد بصحيحة ولا منقولة في كتاب معتمد عليه.

وكم له من الاخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى مما لو أردنا استقصاءه لكرسنا كراريس [١١] كثيرة ، وكتب السير تشتمل عليها مشروحة ، ثم قال : وهذا الكلام إخبار عن ظهور المسودة وانقراض ملك بني امية ، ووقع الامر بموجب إخباره صلوات الله عليه ، حتى لقد صدق قوله عليه ‌السلام : « تود قريش » إلى آخره ، فإن أرباب السيرة كلهم نقلوا أن مروان بن محمد قال يوم الراب لما شاهد عبدالله بن علي بن عبدالله بن العباس بإزائه في صف خراسان : « لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى » والقصة طويلة مشهورة وهذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السيرة ، وهي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها علي عليه ‌السلام بعد انقضاء أمر النهروان ، وفيها ألفاظ لم يوردها الرضي رحمه ‌الله من قوله عليه ‌السلام : « ولم يكن ليجترئ عليها غيري ولولم أك فيكم ما قوتل أصحاب الجمل والنهروان ، وايم الله لولا أن تنكلوا فتدعوا العمل لحدثتكم بما قضى الله عزوجل على لسان نبيكم صلى‌الله‌عليه‌وآله لمن قاتلهم مبصرا بضلالتهم عارفا للهدى الذي نحن عليه ، سلوني قبل أن تفقدوني فإني ميت عن قريب أو مقتول بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه بدم؟ » وضرب بيده إلى لحيته.

ومنها [١٢] في ذكر بني امية « يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى تملا الارض عدوانا وظلما وبدعا ، إلى أن يضع الله عزوجل جبروتها ويكسر عمدها وينزع أوتادها ، ألا وإنكم مدركوها فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر وحنين توجروا ، ولا تمالئوا عليهم عدوهم فيصير عليهم ويحل بكم النقمة » ومنها « إلا مثل انتصار العبد من مولاه إذا رآه أطاعه ، وإن توارى عنه شتمه ، وايم الله لوفرقوكم تحت كل حجر لجمعكم الله لشر يوم لهم » ومنها « فانظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا فالبدوا ، وإن استنصروكم فانصروهم ، فليفر جن الله منا أهل البيت بأبي ابن خيرة الاماء لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا ، موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر حتى تقول قريش : لوكان هذا من ولد فاطمة لرحمنا ، يغريه الله ببني امية حتى يجعلهم حطاما ورفاتا ، ملعونين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا ، سنة الله في الذين خلوا من قبل لن تجد لسنة الله تبديلا ». [١٣]

بيان : الخب : الخداع. والصبابة : الشوق ، وفي بعض النسخ بالهمز فيهما فالخبء : السر ، وهوأيضا كناية عن الغدر والحيلة ، وصبأ ـ كمنع وكرم ـ صبأ خرج من دين إلى آخر ، وعليهم العدو: دلهم ، قاله الفيروز آبادي [١٤].

وقال : أصابه سهم غرب ويحرك وسهم غرب نعتا أي لا يدرى راميه [١٥] والفض : الكسر بالتفرقة ، والنفر المتفرقون. والبض : الرخص الجسد الرقيق الجلد الممتلئ. والتار : المسترخي.

أقول : أوردت تمام تلك الخطبة برواية سليم بن قيس [١٦] في كتاب الفتن.

٦٢ ـ نهج : قال عليه ‌السلام لما قتل الخوارج فقيل : يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم فقال عليه ‌السلام : كلا والله إنهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء ، كلما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين [١٧].

بيان : نجم : طلع وظهر. والقرن كناية عن رؤسائهم. قطعه : قتله.

٦٣ ـ نهج : قالوا : اخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل ، فاستشفع الحسن والحسين إلى أميرالمؤمنين عليهم ‌السلام فكلماه فيه ، فخلى سبيله ، فقالا له : يبايعك يا أمير المؤمنين ، فقال عليه ‌السلام : أولم يبايعني بعد قتل عثمان ؟ لا حاجة لي في بيعته إنها كف يهودية ، لو بايعني بيده لغدرني بسبته ، أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبوالاكبش الاربعة ، وستلقى الامة منه ومن ولده يوما أحمر [١٨] .

توضيح : كف يهودية أي من شأنها الغدر والمكر ، فإنه من شأنهم. والسبة : الاست. والامرة بالكسر : الولاية. وكبش القوم : رئيسهم ، والتشبيه لمدة ملكه بلعقة الكلب أنفه للتنبيه على قصر أمرها ، وكانت مدة إمرته أربعة أشهر وعشرا ، وروي ستة أشهر ، والاكبش الاربعة أربعة ذكور لصلبه ، وهم عبدالملك وولي الخلافة ، وعبدالعزيز وولي مصر ، وبشر وولي العراق ، ومحمد وولي الجزيرة ، ويحتمل أن يريد بالاربعة أولاد عبدالملك ، وهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام لعنهم الله ، وكلهم ولي الخلافة ولم يلها أربعة إخوة إلا هم. واليوم الاحمر كناية عن شدته ، ومن لسان العرب وصف الامر الشديد بالاحمر ، ولعله لكون الحمرة وصف الدم كني به عن القتل ، ويروى : موتا أحمر.

٦٤ ـ نهج : لكأني أنظر إلى ضليل قد نعق بالشام ، وفحص براياته في ضواحي كوفان ، فإذا فغرت فاغرته واشتدت شكيمته وثقلت في الارض وطأته ، عضت الفتنة أبناءها بأنيابها ، وماجت الارض بأمواجها ، وبدا من الايام كلوحها ومن الليالي كدوحها ، فإذا أينع زرعه وقام على ينعه وهدرت شقاشقه وبرقت بوارقه عقدت رايات الفتن المعضلة ، وأقبلن كالليل المظلم والبحر الملتطم ، هذا وكم يخرق الكوفة من قاصف ويمر عليها وعن قليل تلتف القرون بالقرون ، ويحصد القائم ويحطم المحصود [١٩].

بيان : قيل : المراد بالضليل معاوية ، وقيل : السفياني.

وقال ابن أبي الحديد : هذا كناية عن عبدالملك بن مروان ، لان هذه الصفات كانت فيه أتم منها في غيره ، لانه أقام بالشام حين دعا إلى نفسه ، وهومعنى نعيقه وفحصت راياته بالكوفة تارة حين شخص بنفسه إلى العراق وقتل مصعبا ، وتارة لما استخلف الامراء على الكوفة ، فلما كمل أمر عبدالملك وهومعنى « أينع زرعه » هلك ، وعقدت رايات الفتن المعضلة بعده ، كحروب أولاده مع بني المهلب ، ومع زيد بن علي عليه ‌السلام وأيام يوسف بن عمر وغير ذلك [٢٠].

والضواحي : النواحي البارزة القريبة. قوله : « فغرت فاغرته » أي فتح فاه والشكيمة في الاصل حديدة معترضة في اللجام في فم الدابة ، وفلان شديد الشكيمة إذا كان عسر الانقياد شديد النفس وثقلت في الارض وطأنه أي عظم جوره وظلمه. والكلوح بالضم تكشر في العبوس [٢١].

والكدوح : الخدوش وأينع الزرع : أدرك ونضج ، والينع جمع يانع ، ويجوز أن يكون مصدرا. وهدرت أي صوتت والشقاشق جمع شقشقة ، وهي بالكسر شئ كالراية يخرج من فم البعير إذا هاج وبرقت بوارقه أي سيوفه ورماحه والمعضلة : العسرة العلاج. والقاصف : الريح القوية تكسر كلما تمر عليه ، القرون : الاجيال من الناس ، واحدها قرن بالفتح ، وهذا كناية عن الدولة العباسية التي ظهرت على دولة بني امية في الحرب ، ثم قتل المأمورين منهم صبرا ، فحصد القائم قبل المحاربة وحطم الحصيد بالقتل صبرا.

المراد بالتفاف بعضهم ببعض اجتماعهم في بطن الارض ، وبحصدهم قتلهم أوموتهم ، وبحطم محصودهم تفرق أوصالهم في التراب ، أوالتفافهم كناية عن جمعهم في موقف الحساب أوطلب بعضهم مظالمهم من بعض ، وحصدهم عن إزالتهم عن موضع قيامهم أي الموقف ، وسوقهم إلى النار وحطمهم عن تعذيبهم في نار جهنم.

أقول : سيأتي كثير من الاخبار في كتاب الفتن.

٦٥ ـ البرسي في المشارق : عن ابن نباتة أن أمير المؤمنين عليه ‌السلام كان يوما جالسا في نجف الكوفة فقال لمن حوله : من يرى ما أرى؟ فقالوا : وما ترى يا عين الله الناظرة في عباده؟ فقال : أرى بعيرا يحمل جنازة ورجلا يسوقه ورجلا يقوده ، وسيأتيكم بعد ثلاث فلما كان اليوم الثالث قدم البعير والجنازة مشدودة عليه ورجلان معه ، فسلما على الجماعة ، فقال لهما أمير المؤمنين عليه ‌السلام بعد أن حياهم : من أنتم ومن أين أقبلتم ومن هذه الجنازة ولماذا قدمتم؟ فقالوا : نحن من اليمن ، وأما الميت فأبونا وإنه عند الموت أوصى إلينا فقال : إذا غسلتموني وكفنتموني وصليتم علي فاحملوني على بعيري هذا إلى العراق فادفنوني هناك بنجف الكوفة ، فقال لهما أمير المؤمنين عليه ‌السلام : هل سألتماه لماذا؟ فقالا : أجل قد سألناه فقال : يدفن هناك رجل لوشفع يوم القيامة لاهل الموقف لشفع ، فقام أمير المؤمنين عليه ‌السلام وقال : صدق ، أنا والله ذلك الرجل [٢٢].

٦٦ ـ قال ابن أبي الحديد في موضع آخر : قال شيخنا أبوعثمان : حدثني ثمامة قال : سمعت جعفر بن يحيى ـ وكان من أبلغ الناس وأفصحهم للقول والكتابة بضم اللفظة إلى اختها ـ : ألم تسمعوا قول شاعر لشاعر وقد تفاخرا : أنا أشعر منك لاني أقول البيت وأخاه ، وأنت تقول البيت وابن عمه! ثم قال : وناهيك حسنا بقول علي بن أبي طالب عليه ‌السلام : « هل من مناص أوخلاص؟ أومعاذ  أوملاذ ؟ أوقرار أومحار؟ »

قال أبوعثمان : وكان جعفر يتعجب أيضا بقول علي عليه ‌السلام : « أين من جد واجتهد ، وجمع واحتشد [٢٣] وبني فشيد ، وفرش فمهد ، وزخرف فنجد[٢٤] ؟ » قال : ألا ترى أن كل لفظة منها آخذة بعنق قرينها جاذبة إياها إلى نفسها دالة عليها بذاتها؟ قال أبوعثمان : فكان جعفر يسميه فصيح قريش.

واعلم أننا لا يتخالجنا الشك في أنه أفصح من كل ناطق بلغة العرب من الاولين والآخرين إلا ما كان من كلام الله سبحانه وكلام رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله وذلك لان فضيلة الخطيب أو الكاتب في خطابته وكتابته يعتمد على أمرين هما مفردات الالفاظ ومركباتها .

 أما المفردات فأن تكون سهلة سلسلة غير وحشية ولا معقدة ، وألفاظه عليه ‌السلام كلها كذلك ، وأما المركبات فحسن المعنى وسرعة وصوله إلى الافهام واشتماله على الصفات التي باعتبارها فضل بعض الكلام على بعض ، وتلك الصفات هي الصناعة التي سماها المتأخرون البديع ، من المقابلة والمطابقة وحسن التقسيم ، ورد آخر الكلام على صدره ، والترصيع والتسهيم والتوشيح والمماثله والاستعارة ، ولطافة استعمال المجاز والموازنة والتكافؤ والتسميط والمشاكلة ، ولا شبهة أن هذه الصفات كلها موجودة في خطبه كتبه ، مبثوثة متفرقة في فرش كلامه عليه ‌السلام وليس يوجد هذان الامران في كلام لاحد غيره فان كان قد تعملها [٢٥] وأفكر فيها وأعمل رويته في وضعها ونثرها فلقد أتى بالعجب العجائب ، ووجب أن يكون إمام الناس كلهم في ذلك لانه ابتكره ولم يعرف من قبله. وإن كان اقتضبها [٢٦] ابتداء ، وفاضت عليها لسانه مرتجلة وجاش بها طبعه بديهة من غير روية ولا اعتمال فأعجب ، وأعجب على كلا الامرين ، فلقد جاء مجليا  [٢٧] والفصحاء ينقطع أنفاسهم على أثره ، ويحق ما قال معاوية لمحقن الضبي لما قال له : « جئتك من عند أعيى الناس » : يا ابن اللخناء [٢٨] لعلي تقول هذا؟ وهل سن الفصاحة لقريش غيره؟ واعلم أن تكلف الاستدلال على أن الشمس مضيئة يتعب ، وصاحبه منسوب إلى السفه ، وليس جاحد الامور المعلومة علما ضروريا بأشد سفها ممن رام الاستدلال بالادلة النظرية عليها [٢٩].

أقول : قد أثبتنا إخباره عليه ‌السلام بالمغيبات في باب إخباره بسبه ، وأبواب شهادته ، وباب جوامع معجزاته وأبواب شهادة الحسين عليه ‌السلام وأبواب أحوال أصحابه.

-------------------------------------------------------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة (عبده ط مصر) : ١١٦.
[٢] . شرح النهج ١ : ٥٦٠ وقد لخصه المصنف.
[٣] . نهج البلاغة (عبده ط مصر) ١ : ١٩٩ ـ ٢٠١.
[٤] . النهاية ١ : ٢٢٢.
[٥] . شرح النهج ٢ : ٢٧٩ و ٢٨٠. ونقله ملخصا.
[٦] . سورة القلم : ٤٢.
[٧] . راجع النهج ( عبده ط مصر ) ١ : ٢٠٧.
[٨] . في المصدر بعد ذلك : وكاخباره عن ظهرو الرايات السود من خراسان وتنصيصه على قوم من اهلها يعرفون ببنى رزيق ـ بتقديم المهملة ـ وهم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين وولده واسحاق بن ابراهيم وكانوا هم وسلفهم دعاة الدولة العباسية اه.
[٩] . موضع بين الكوفة وواسط وإلى الكوفة اقرب ، به قبر ابراهيم بن عبدالله بن الحسن قتله بها اصحاب المنصور ( مراصد الاطلاع ١ : ١٤٨) .
[١٠] . كانت مدينة عظيمة بافريقية.
[١١] . الكراس والكراسة ـ بالضم والشد ـ الجزء من الكتاب. مجموعة صغيرة دون الكتاب وفي غير ( ك ) من النسخ وكذا المصدر : لكسرنا له كراريس.
[١٢] . أي ومما لم يوردها الرضي رحمه‌الله.
[١٣] . شرح النهج ٢ : ٢٧٧ ـ ٢٨٢.
[١٤] . القاموس ١ : ٢٠.
[١٥] . القاموس ١ : ١١١.
[١٦] . راجع كتاب سليم : ٨٥ ـ ٩٠.
[١٧] . نهج البلاغة ١ : ١١٦ و ١١٧.
[١٨] . نهج البلاغة ١ : ١٣٤.
[١٩] . نهج البلاغة ١ : ٢١١.
[٢٠] . شرح النهج ٢ : ٣٠٣. وقد نقله ملخصا.
[٢١] . والصحيح ان يقال :  كلح كلوحا ـ بالضم ـ تكشر في عبوس. وتكشر اي كشف عن اسنانه.
[٢٢] . مشارق الانوار : ١٤٥.
[٢٣] . الاحتشاد : الاجتهاد وبذل الوسع.
[٢٤] . أي زينه.
[٢٥] . أي تكلف واجتهد وفي غير ( ك ) من النسخ « قد يعملها » وفي المصدر « قد تعلمها ».
[٢٦] . اقتضب الكلام : ارتجله.
[٢٧] . المجلى : السابق في الميدان.
[٢٨] . لخن الرجل : تلكم  بقبيح. كان منتن المغابن  وهي مطاوي الجسد.
[٢٩] . شرح النهج ٢ : ١٦٠ .

إنتهى.

مقتبس من كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسي (قدس سره) المجلد - ٤١ 

****************************