وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَد، خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ.                

Search form

إرسال الی صدیق
من نوادر الكلم في نهج البلاغة (مقاربة دلالية) – الثاني

أ.م.د: عبد علي حسن ناعور الجاسمي

( ح د ب ر )

قال (عليه السلام) : ( اللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ، وَأَخْلَفَتْنَا مَخَايِلُ الْجَوْدِ ) [١]

قال الخليل: " حدب: الحَدَبة: موضع الحَدَب من ظهْر الأَحْدَب، والاسم: الحَدَبة، وقد حَدِبَ حَدَباً واحدَوْدَبَ ظهرُه. وحَدِبَ فُلانٌ على فُلان حَدَباً أي عَطَفَ عليه وحَنا، وإنّه كالوالد. والحَدَب: حَدُور في صبَبَ، ومن ذلك حَدَبُ الريح وحَدَب الرَّمْل، وجمعه حِداب...ويقال للدابَّة إذا بَدَتْ حراقيفُه وعَظُمَ ظهرُه حَدْباءُ وحِدْبير وحِدْبار. " [٢]

وقال أيضا: " ناقةُ حدباءُ حِدبيرُ، إذا بدتْ حراقيفُها، وبدا عظْمُ ظَهْرِها "  [٣]

قال ابن فارس: " الحاء والدال والباء أصلٌ واحد، وهو ارتفاع الشيء. فالحَدَب ما ارتفع من الأرض. قال الله تعالى: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [٤] . والحَدَب في الظَّهر؛ يقال حَدِب واحدَوْدَب. وناقة حَدْباء، إذا بدت حراقفُها؛ وكذلك الحِدْبار. يقال هُنّ حُدْبٌ حَدَابيرُ. فأمّا قولهم حَدِبَ عليه إذا عطَف وأشفق، فهو من هذا، لأنّه كأنّه جَنَأَ عليه من الإشفاق، وذلك شبيهٌ بالحَدَب." [٥]

قال ابن منظور: " حدبر: الحِدْبارُ: العَجْفاءُ الظَّهْرِ. ... وناقة حِدْبارٌ وحِدْبيرٌ، وجمعها حَدابِيرُ، إِذا انحنى ظهرها من الهزال ودَبِرَ، الجوهري: الحِدْبار من النوق الضامرة التي قد يبس لحمها من الهزال وبدت حراقفها. وفي حديث علي، (ع)، في الاستسقاء: (اللهم إِنا خرجنا إِليك حين اعْتَكَرَتْ علينا حَدابِيرُ السِّنِين)؛ الحدابِيرُ: جمعُ حِدْبار وهي الناقة التي بدا عظم ظهرها ونَشَزَتْ حراقيفها من الهزال، فشبه بها السنين التي كثر فيها الجدب والقحط..." [٦] . " قال الراعي يصف طريقا: [٧]

ـــ من البسيط ـــ

في لاحِبٍ برِقاق الأَرض مُحْتَفِل ***** هادٍ إِذا غَرَّه الحُدْبُ الحَدَابِيرُ

أَراد بالحُدْب الحَدَابير صلابة الأَرض" [٨]

يشبه الإمام (عليه السلام) حال المسلمين حين جفت الأرض ومُنعت السماء وأصاب الناس ما أصابهم من الجفاف وقلة خيرات الأرض؛ يشبه كل هذه السنين بالناقة المسنة التي بدت أضلاعها من خلال جلدها فصارت عجفاء هزيلة لا لحم فيها ولا شحم، حتى يبست من الهزال. و (مخايل) جمع (مُخيلة) ـــ كمطيعة ـــ وهي السحابة التي تبدو أنها ستمطر ولكنها لا تمطر. والجَوْد ــ بفتح الجيم وسكون الواو: المطر. وهو (عليه السلام) هنا في مقام الدعاء والتضرع الى الله تبارك وتعالى واللجوء اليه عند الملمات.

(ح ذ ذ)

قال (عليه السلام): ( أَلاَ وَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ.) [٩] .

وفي موضع آخر قال: (أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها، وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ.)  [١٠]

قَالَ الْخَلِيلُ: " الحَذُّ: القَطْعُ المُسْتَأْصلُ. والحَذَذُ: مصدر الأَحَذّ من غير فِعل. والأحَذُّ يُسَمَّى به الشيْءُ الذي لا يتعَلّقُ به شَيْءٌ. والقلبُ يُسَمَّى أحَذّ. والدُّنْيا وَلَّتْ حَذّاءَ مُدْبرة: لا يتعلّق بها شيء "  [١١] .

قال ابن فارس: " الْحَاءُ وَالذَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ وَالْخِفَّةِ وَالسُّرْعَةِ، لَا يَشِذُّ مِنْهُ شَيْءٌ. فَالْحَذُّ: الْقَطْعُ. وَالْأَحَذُّ: الْمَقْطُوعُ الذَّنَبِ. وَيُقَالُ لِلْقَطَاةِ حَذَّاءُ، لِقِصَرِ ذَنَبِهَا. " [١٢]

قال ابن منظور : " الحَذُّ: القطع المستأْصل. حَذَّهُ يَحُذّه حَذّاً: قطعه قطعاً سريعاً مُسْتأْصلاً؛ ... والحَذَذ: السرعة، وقيل: السرعة والخفة... ومعنى قوله ولت حَذَّاء أَي سريعة الإِدبار؛ ... قال النابغة يصف القطا:  [١٣]

ـــ من البسيط ـــ

حَذَّاءُ مُقْبِلَـــــةً سَكَّـــــاءُ مُدْبِرَةً ***** للماء في النَّحْرِ منها نَوْطَةً عَجَبُ

... وقيل: ولت حذاء أَي ماضية لا يتعلق بها شيء..." [١٤]

يحذّر الإمام (عليه السلام) هنا من الانقياد الى الدنيا والتعلق بزخرفها الزائل والابتعاد عن الاستعداد للآخرة دار البقاء. إذ يصف الدنيا بأنها (حذّاء) ولم يستعمل (مقطوعة) لأن ( الحذّ) هو القطع المستأصل، كما ورد في كتب المعجمات، وحريٌّ بالإنسان أن لا يتعلق بشيء سيؤول الى زوال قطعي لا عودة اليه.

( ح ف و )

قال (عليه السلام): (السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ... فَـ (إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [١٥] .

... وَسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا ، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ، وَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ)  [١٦] .

قال الخليل: " وأَحْفَى الرّجلُ إذا حَفِيَتْ دابّتُهُ. وأَحْفاني إذا برّح بي في إلحاحٍ أو سؤال. " [١٧] .

قال ابن فارس: " الْحَاءُ وَالْفَاءُ وَمَا بَعْدَهُمَا مُعْتَلٌّ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ: الْمَنْعُ، وَاسْتِقْصَاءُ السُّؤَالِ، وَالْحَفَاءِ خِلَافُ الِانْتِعَالِ. فَالْأَوَّلُ: قَوْلُهُمْ حَفَوْتُ الرَّجُلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إِذَا مَنَعْتَهُ. وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي: فَقَوْلُهُمْ حَفِيتُ إِلَيْهِ فِي الْوَصِيَّةِ بَالَغْتُ. وَتَحَفَّيْتُ بِهِ: بَالَغْتُ فِي إِكْرَامِهِ، وَأَحْفَيْتُ. وَالْحَفِيُّ: الْمُسْتَقْصِي فِي السُّؤَالِ.

قَالَ الْأَعْشَى: [١٨]

ـــ من الطويل ـــ

فَإِنْ تَسْأَلِي عَنِّي فَيَا رُبَّ سَائِلٍ ***** حَفِيٍّ عَنِ الْأَعْشَى بِهِ حَيْثُ أَصْعَدَا " [١٩]

قال ابن منظور: " ... وأَحْفاه: أَلَحَّ عليه في المَسْأَلة. وأَحْفَى السُّؤالَ: رَدَّده. الليث: أَحْفَى فلان فلاناً إذا بَرَّح به في الإلْحاف عليه أَو سَأَلَه فأَكْثَر عليه في الطلب... والحَفاوة، بالفتح: المُبالَغةُ في السؤَال عن الرجل والعنايةُ في أَمرهِ ... والإحْفاء: الاسْتِقْصاء في الكلام والمُنازَعَةُ؛ ومنه قول الحرث بن حِلِّزة: [٢٠]

ـــ من الخفيف ـــ

إن إخْوانَنَا الأَراقِمَ يَغْلُو ***** نَ عَلَيْنا، فِي قيلِهِم إحْفاءُ " [٢١]

الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) موقن بلقاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سيدتنا الزهراء (عليها السلام) عند مليك مقتدر، بعد وفاتها، ومن هنا يسلِّم عليه معتقدا الإجابة طالبا أن يسألها عما جرى عليها وعليه (سلام الله عليهما) من تنكر القوم لهما ولوصيته (صلى الله عليه وآله وسلم). ولم يستعمل الإمام (عليه السلام) مفردة (اسألها) بل (احفها السؤال) أي: أن يسألها بإلحاح وتثبت واستقصاء ومبالغة، وهو أمر نابع من إحساس بالمرارة والألم الشديدين من شخص الإمام (عليه السلام) لما لقيه من أذى بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

(ح م ش)

قال (عليه السلام): (مُنِيتُ بِمَنْ لاَ يُطِيعُ إِذَا أَمَرْت، وَلا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ، لاَ أَبَا لَكُمْ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ؟ أَمَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ، وَلاَ حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُمْ ) [٢٢] .

قال الخليل: " واستحمش الرجل: اشتد غضبه " [٢٣] .

قال ابن فارس: " الْحَاءُ وَالْمِيمُ وَالشِّينُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْتِهَابُ الشَّيْءِ وَهَيْجُهُ، وَالثَّانِي الدِّقَّةُ. فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ: أَحْمَشْتُ الرَّجُلَ: أَغْضَبْتُهُ. وَاسْتَحْمَشَ الرَّجُلُ، إِذَا اتَّقَدَ غَضَبًا. " [٢٤]

قال ابن منظور " حَمَشَ الشيءَ: جَمَعَه. ... وحَمِش الشرُّ: اشتدَّ، وأَحْمَشْتُه أَنا. واحْتَمَشَ القِرْنان: اقتتلا، والسين لغة. وحَمَش الرجلَ حَمْشاً وأَحْمَشَه فاستَحْمَش: أَغْضَبَه فغضب، والاسم الحَمْشة والحُمْشة. الليث: يقال للرجل إِذا اشتدّ غضبُه قد استَحْمَش غضباً؛... واحْتَمَش واستَحْمَش إِذا التَهَب غضباً. وفي حديث ابن عباس: رأَيت عليّاً يوم صِفِّين وهو يُحْمِشُ أَصحابَه أَي يُحرِّضُهم على القتالِ ويُغْضِبُهم. وأَحْمَشْتُ النارَ: أَلْهَبْتُها؛ ومنه حديثُ أَبي دُجانَة: رأَيتُ إِنساناً يُحْمِشُ الناسَ أَي يَسُوقُهم بِغَضَبٍ، وأَحْمَشَ القِدْرَ وأَحْمَشَ بها: أَشْبَعَ وَقُودَها؛ قال ذو الرمة: [٢٥]

ـــ من الطويل ـــ

كساهُنّ لَوْنَ الجَوْنِ بعد تَعَيُّسٍ ***** لِوَهْبِينَ، إِحْماشُ الوَلِيدة بالقِدْرِ " [٢٦]

صورة أخرى من صور الامتعاض والألم الذي رافق الإمام (عليه السلام) سنوات طويلة من خلافته بسبب من التخاذل والنكوص من قبل جيشه، صورة رسمها بكلماته المتفجرة التي يُبدي فيها عذره ويستنهض الناس لنصرته عند علمه بغزوة النعمان بن بشير صاحب معاوية لعين التمر. مستغربا من عدم الاستجابة للحمية الشخصية أو القبلية بعد أن يئس من أن يستجيبوا للحمية الدينية.

( د ل ح )

قال (عليه السلام): (... مِنْهُمْ مَنْ هُوَ في خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّح ، وَفي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ) [٢٧] .

قال الخليل: " دَلَح البعيرُ فهو دالِحٌ إذا تثاقَلَ في مَشْيِه من ثِقَلِ الحِمْل. والسَّحابةُ تَدْلَح في سَيْرها من كَثْرة مائِها، كأنَّما تَنْخَزِلُ انخِزالاً " [٢٨]

قال ابن فارس: " الدَّالُ وَاللَّامُ وَالْحَاءُ أُصَيْلٌ يَدُلُّ عَلَى مَشْيٍ وَثِقَلِ الْمَحْمُولِ. يَقُولُ الْعَرَبُ: دَلَحَ الْبَعِيرُ بِحِمْلِهِ، إِذَا مَشَى بِهِ بِثِقَلٍ. وَسَحَابَةٌ دَلُوحٌ: كَأَنَّهَا تَجْرِي بِمَائِهَا، ..."  [٢٩]

قال ابن منظور : " دلح: الدَّلْحُ: مَشْيُ الرجل بِحِمْلِه وقد أَثقله. دَلَحَ الرجلُ بحمله يَدْلَحُ دَلْحاً: مَرَّ به مُثْقَلاً، وذلك إِذا مشى به غير منبسط الخَطْوِ لثقله عليه، وكذلك البعير... وسحابة دَلُوحٌ ودالحة: مُثْقَلة بالماء كثيرة الماء، والجمع دُلُحٌ مثل قَدُومٍ وقُدُمٍ، ودالِح ودُلَّحٌ مثل راكع ورُكَّع؛ وفي حديث عَليٍّ ووصف الملائكةَ فقال: منهم كالسحاب الدُّلَّحِ، جمع دالِحٍ؛ وسحاب دوالِحُ؛ قال البَعِيثُ:  [٣٠]

ـــ من الطويل ـــ

وذي أُشُرٍ كالأُقْحُــــوانِ تَشُوفُه ***** ذِهابُ الصَّبا والمُعْصِراتُ الدَّوالِحُ " [٣١]

سياق الكلام في هذا النص هو حديث الإمام (عليه السلام) عن عباد الله المكرمين الذين لا يسبقون الله بقول وهم بأمره يعملون [٣٢].

وهو ما جاء في خطبة (الأشباح) التي تحدث بها الإمام عن محاور متعددة، منها في صفة الملائكة (عليهم السلام) ومنها في صفة السماء. مشبها خُلُقَ هؤلاء العباد المؤمنين بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكرمهم؛ بالغيوم المثقلة بالماء من السحاب.

( د و ر )

قال (عليه السلام): ( ... كأنه قِلعٌ داريٌ عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ ) [٣٣] .

قال الخليل: " ... والداريّ: الملاّح الذي يلي الشِّراع أو منسُوبٌ إلى موضعٍ يقال له دارين. " [٣٤]

قال ابن فارس: " والدّارِيُّ: العطّار. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ):(مَثَلُ الجليسِ الصَّالحِ كَمثل الدّارِيّ إِنْ لم يُحْذِك مِن عِطره عَلِقَكَ مِن ريحه". أراد العَطَّار)  [٣٥].

وقال الشاعر:  [٣٦]

ـــ من الطويل ـــ

إذا التّاجـــــــرُ الداريُّ جـــــاءَ بفارةٍ ***** مِن المِسك راحَتْ في مفارقها تَجْرِي " [٣٧]

قال ابن منظور: (دور) والدَّارِيُّ: اللازِمُ لداره لا يبرح ولا يطلب معاشاً. والدَّارِيُّ: العَطَّارُ، يقال: أَنه نُسِبَ إِلى دَارِينَ فُرْضَةٍ بالبَحْرَيْنِ فيها سُوق كان يحمل إِليها مِسْكٌ من ناحية الهند؛ ...يؤتى منه بالطيب؛ ومنه كلام عليّ، (ع): ( كأَنه قِلْعٌ دَارِيُّ ) أَي: شِراعٌ منسوب إِلى هذا الموضع البحري؛

... قال كُثَيِّر: [٣٨]

ـــ من الطويل ـــ

أُفِيدَ عليها المِسْكُ حتى كأَنَّها ***** لَطِيــــــمةُ دارِيٍّ تَفَتَّق فارُها "  [٣٩]

يرسم الإمام (عليه السلام) لوحة مزدانة بألوان لم تتهيأ لرسامي الدنيا، من خلال هذا الوصف الدقيق العجيب للطاووس وخلقه وحركاته مشيا والتفاتة ونشرا لريشه وتغزله بأنثاه. قال (عليه السلام) ( وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُوسُ، الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ، وَنَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ، بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ، وَذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ. إذَا دَرَجَ إلَى الْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ، وَسَمَا بِهِ مُطِلاًّ عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيٍّ عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ. يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ). والذي ينظر الى الطاووس أو صورته وهو ناشرٌ ذيله العجيب يرى ما ذكره الإمام (عليه السلام) من تشبيهه (بقِلْع) السفينة، أي: شراعها المصنوع في (دارين)، هذا الشراع جذبه (نوُتِيُّهُ) أي: ملّاحُهُ، لينشره أمام تيارات الهواء التي تدفع بالسفينة الى وجهتها المطلوبة. هذه هي اللوحة المتحصلة من مفردات الإمام (عليه السلام) في وصف الطاووس حين ينشر ذيله.

( ر ج ح ن )

قال (عليه السلام): (... بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ، فَصِفْ جَبْرَئيلَ وَمِيكَائِيلَ وَجُنُودَ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، فِي حُجُراتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ ) [٤٠] .

قال الخليل: " ارجحن: ارجَحَنَّ الشيء: وَقَعَ بِمَرَّةٍ. وارجَحَنَّ: اهتزّ. ورحىً مُرْجَحِنَّةٌ: ثقيلة. "  [٤١]

قال ابن فارس: " (الْمُرْجَحِنُّ) ، وَهُوَ الْمَائِلُ، فَالنُّونُ فِيهِ زَائِدَةٌ، لِأَنَّهُ مِنْ رَجَحَ. وَلَيْسَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا فِي الْبَابِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ." [٤٢]

قال ابن منظور: " رجحن: ارْجَحَنَّ الشيءُ: اهتز. وارْجَحَنَّ: وقع بمرّة. وارْجَحَنَّ: مالَ...الأَصمعي: المُرْجَحِنُّ المائل... ويقال: أَنا في هذا الأَمر مُرْجَحِنٌّ لا أَدري أَيَّ فَنَّيْه أَركب وأَيَّ صَرْعَيْه وصَرْفَيْه ورُوقَيْه أَركب. ويقال: فلان في دُنْيا مُرْجَحِنَّة أَي واسعة كثيرة. وامرأَة مُرْجَحِنَّة إذا كانت سمينة، فإِذا مشت تَفَيَّأَتْ في مِشْيتها. وفي حديث علي، (ع): ( في حُجُراتِ القُدُس مُرْجَحِنِّين ) من ارْجَحَنَّ الشيءُ إذا مال من ثِقَله وتحرَّك ...

قال النابغة: [٤٣]

ـــ من الطويل ـــ

إذا رَجَفَتْ فيهِ رَحىً مُرْجَحِنَّةٌ ***** تَبَعَّجَ ثَجَّاجاً غَزِيرَ الحَوافِلِ

وليل مُرْجَحِنٌّ: ثقيل واسع. [٤٤]

والمتحصَّل من هذه المعاني أن الإمام (عليه السلام) يصف هؤلاء الملائكة بالثقل والتمايل يمينا وشمالا كناية عن خضوعهم وانحنائهم لعظمة الله تبارك وتعالى وهم مهتزون إجلالا وهيبة له عزَّ وجلَّ.

( ر د غ )

قال (عليه السلام): (إِنَّ الدُّنْيَا ... رَدِغٌ مَشْرَعُهَا ....) [٤٥] .

قال الخليل: " الرَّدَغَةُ: وحلٌ كثيرٌ سواخي الطين. ومكانٌ رَدِغٌ. وارتدغ الرجل: وقع في الرَّداغِ أي: الوحل."  [٤٦]

قال ابن فارس: " الرَّاءُ وَالدَّالُ وَالْغَيْنُ أُصَيْلٌ يَدُلُّ عَلَى اسْتِرْخَاءٍ وَاضْطِرَابٍ. مِنْ ذَلِكَ الرَّدْغُ: الْمَاءُ وَالطِّينُ. وَمِنْهُ الرَّدِيغُ، وَهُوَ الْأَحْمَقُ، وَالْأَحْمَقُ مُضْطَرِبُ الرَّأْيِ." [٤٧] .

قال ابن منظور: " الرَّدْغُ والرَّدَغةُ والرَّدْغةُ، بالهاء: الماء والطين والوَحَل الكثير الشديدُ؛ ... الرَّدَغةُ: الطين، ويروى بالزاي بدل الدال وهي بمعناه، وقال أَبو زيد: هي الرَّدَغةُ وقد جاء رَدْغة... "  [٤٨]

هذه هي الدنيا كما يراها الإمام (عليه السلام)، ورؤيته هي عين الحقيقة، وما زهِدَ إنسانٌ بالدنيا ولا زَهَّدَ فيها ـــ بعد الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ـــ مثل ما فعل أمير المؤمنين (عليه السلام). فالدنيا عنده وعند من اتخذه إماما، مادتها موحلة كَدِرة، لا يتجرعها مؤمن. وهذا هو شأنُ مشربها أيضا في قوله الآتي:

( ر ن ق )

قال (عليه السلام): ( إِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا )  [٤٩] .

قال الخليل: "الرَّنَقُ: تراب في الماء من القذى ونحوه، وماء رنقٌ ورَنَقٌ. وقد أرنقتُه ورَنقتُه. وفي عيشه رَنَقٌ أي كدر،"  [٥٠]

قال ابن فارس: " الرَّاءُ وَالنُّونُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى اضْطِرَابِ شَيْءٍ مُتَغَيِّرٍ لَهُ صَفْوُهُ إِنْ كَانَ صَافِيًا. مِنْ ذَلِكَ الرَّنَقُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْكَدِرُ; يُقَالُ رَنِقَ الْمَاءُ يَرْنَقُ رَنَقًا. وَرَنَّقَ النَّوْمُ فِي عَيْنِهِ، إِذَا خَالَطَهَا. وَالتَّرْنُوقُ: الطِّينُ الْبَاقِي فِي مَسِيلِ الْمَاءِ. وَالَّذِي قُلْنَاهُ مِنَ الِاضْطِرَابِ فَأَصْلُهُ قَوْلُهُمْ رَنَّقَ الطَّائِرُ: خَفَقَ بِجَنَاحِهِ وَلَمْ يَطِرْ." [٥١]

قال ابن منظور: " الرَّنْق: تراب في الماء من القَذى ونحوه. والرَّنَقُ، بالتحريك: مصدر قولك رَنِقَ الماءُ، بالكسر... وتَرَنَّقَ: كَدِرَ... والرَّنْقة: الماء القليل الكَدِر يبقى في الحوض؛ عن اللحياني. وصار الطين رَنْقة واحدة إِذا غلَب الطين على الماء؛ عنه أَيضاً ... ورَنِقَ عيشُه رَنَقاً: كَدِرَ. وعيش رَنِقٌ: كَدِرٌ. وما في عيشِه رَنَقٌ أَي كَدَرٌ. ابن الأَعرابي: التَّرْنِيقُ يكون تَكْدِيراً ويكون تَصْفِية، قال: وهو من الأَضْداد. [٥٢]

يقال: رَنَّق الله قَذاتَك أَي صَفّاها."  [٥٣]

-----------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة: ١١٥/٢٧٦ من خطبة له (عليه السلام) في الاستسقاء.
[٢] . العين: (حدب)٣/١٨٦
[٣] . العين: (حدبر)٣/٣٣٥
[٤] . الأنبياء: ٩٦
[٥] . مقاييس اللغة: (حدب)٢ /١٥٣
[٦] . لسان العرب: (حدبر) ٤/١٧٥
[٧] . ديوان الراعي النميري: ٩٨ وفيه ....هادٍ إذا عزَّهُ الأُكْمُ الحَدابيرُ
[٨] . لسان العرب: (حفل) ١١/١٥٩
[٩] . نهج البلاغة: ٤٢/١٤٣ من خطبة له (عليه السلام) يحذر فيها من اتباع الهوى وطول الامل في الدنيا. منهم من يرويه: (جذّاء) بالجيم، أي: مقطوع خيرها ودرُّها.
[١٠] . نهج البلاغة: ٥٢/١٥٢
[١١] . العين: (حذّ) ٣/٢٢
[١٢] . مقاييس اللغة: (حذّ) ٢/٦
[١٣] . ديوان النابغة الذبياني:١٧٧
[١٤] . لسان العرب: (حذذ) ٣/٤٨٣
[١٥] . البقرة: من الآية ١٥٦
[١٦] . نهج البلاغة: ٢٠٢/٤٥٧ قالها عند دفن السيدة الزهراء (عليها السلام).
[١٧] . العين: (حفو) ٣/٣٠٦
[١٨] . ديوان الأعشى: ١٣٥
[١٩] . مقاييس اللغة: (حفى) ٢/٨٤
[٢٠] . ديوان الحارث بن حلزة اليشكري: ٧٩
[٢١] . لسان العرب: (حفا) ١٤/١٨٨
[٢٢] . نهج البلاغة: ٣٩/١٤٠
[٢٣] . العين: (حمش): ٣/١٠٠
[٢٤] . مقاييس اللغة: (حمش) ٢/١٠٤
[٢٥] . ديوان ذي الرمة: ١٢٢ وفيه: كساهن لون الجون.... . والعَيَس: البياض، ومنه التعَيُّس، وهو البياض يخالطه السُّمرة.
[٢٦] . لسان العرب: (حمش) ٦/٢٨٨
[٢٧] . نهج البلاغة:٩١/٢٢٠ من خطبة له (عليه السلام) تعرف بخطبة الأشباح.
[٢٨] . العين: (دلح) ٣/١٨٣
[٢٩] . مقاييس اللغة: (دلح) ٢/٢٩٥
[٣٠] . شعر البعيث المجاشعي: ٩
[٣١] . لسان العرب: (دلح) ٢/٤٣٥
[٣٢] . قوله تعالى : [عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ]. الأنبياء: ٢٦، ٢٧ وقد استشهد الإمام (عليه السلام) بهما في الخطبة نفسها وبها سياق الحديث. قال (عليه السلام): ( وَما يدَّعُونَ أنَّهُمْ يخْلُقُونَ شَيْئا مَعَهُ مِمّا انْفَرَدَ بِهِ (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ... الآية)
[٣٣] . نهج البلاغة: ١٦٥/٣٥٥ من كلام له (عليه السلام) يصف فيه عجيب خلقة الطاووس.
[٣٤] . العين: (درء) ٨/٦٢ً
[٣٥] . الحديث: (مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ وَكِيرِ الحَدَّادِ، لاَ يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ المِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ، أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ، أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً) ينظر: صحيح البخاري:٣/٦٣، ٧/٩٦ وصحيح مسلم: ٤/ ٢٠٢٦ وسنن أبي داوُد: ٤/٢٥٩ ويبدو أنهم رووه بالمعنى، أو أن ابن فارس فعل ذلك.
[٣٦] . البيت ليزيد بن قيس الكلابي، من قصيدة طويلة أرسلها الى عمر بن الخطاب، شكا فيها عماله. ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: ٨٥٢هـ)تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى - ١٤١٥ هـ: ٢/٢١٢ وفيه:
إذا التاجر الهندي جاء بفأرة ***** من المسك أضحت في سوالفهم تجري
[٣٧] . مقاييس اللغة: (دور) ٢/٣١١
[٣٨] . ديوان كثير عزّة: ٤٣٠
[٣٩] . لسان العرب: (دور) ١٣/١٥٤
[٤٠] . نهج البلاغة: ١٨٢/ ٣٨٨ من خطبة له (عليه السلام) في حمد الله تعالى.
[٤١] . العين: (ارجحن) ٣/٣٢٧
[٤٢] . مقاييس اللغة: ٢/٥١٠ (باب الراء وما بعدها مما هو أكثر من ثلاثة أحرف)
[٤٣] . ديوان النابغة الذبياني:١٤١ وفيه: تبعَّقَ ثجّاجٌ ...
[٤٤] . لسان العرب: (رجحن) ١٣/ ١٧٦
[٤٥] . نهج البلاغة: ٨٣/١٨٥
[٤٦] . العين: (ردغ) ٤/٣٩١
[٤٧] . مقاييس اللغة: (ردغ) ٢/٥٠٣
[٤٨] . لسان العرب: (ردغ) ٨/٤٢٧
[٤٩] . نهج البلاغة: ٨٣/ ١٨٥
[٥٠] . العين: (رنق) ٥/١٤٤
[٥١] . مقاييس اللغة:( رنق ) ٢/٤٤٥
[٥٢] . لم ترد في كتب الأضداد لقطرب (ت٢٠٦هـ) والأنباري (ت٣٢٧هـ) أبي الطيب اللغوي (ت٣٥١هـ)
[٥٣] . لسان العرب: (رنق)١٠/١٢٦

يتبع ........

****************************