وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام) : مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا .                
وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.                

Search form

إرسال الی صدیق
من وحي (النهج) في السياسة

تمهيد :
وضعت الشريعة الاسلامية مسالة الاصلاح الاجتماعي العام نصب عينيها ، وجعلته ضمن اولوياتها على شتى المستويات ، لما لهذا الامر من تاثير عظيم على حاضر ومستقبل الامة من ناحية ، ولما له من تأثير مباشر وغير مباشر على الوضع المعنوي والمادي لافراد المجتمع من ناحية اخرى .
واحد اهم الجوانب مسالة الاصلاح هذه : التأسيس المحكم لاجهزة الحكم وادارة البلاد التي وجدت لحفظ المصلحة العامة للشعب وتسيير شؤونه ، والتي يعبر عنها في المصطلحات والادبيات المعاصرة بسياسة الدولة .
اننا نتلمس من تراثنا الاسلامي الاصيل الوارد عن منابع الوحي الاصيلة والجاري على يدي كبار الشخصيات الاسلامية العظيمة هذا التأسيس المتكامل للدوائر والمؤسسات ، فكانت هناك مجموعة من الضوابط والقوانين تحكم القبضة عليها وتصونها من الزيغ والتلكؤ ، بما يضمن ديمومة الفائدة التي يرجى ان تقدمها لعامة الناس .
وفي هذا المقام ، اثرنا ان نمر بشكل مقتضب على جملة من المعالم التي نتلمسها في كتاب نهج البلاغة الخاصة بهذا الموضوع ، لنستوحي ما يمكن استيحاءه من نهج امير المؤمنين عليه السلام في مسألة حيوية وحساسة تعيش مع الانسان في حاضره ومستقبله .
اولا : التعاليم الاخلاقية في السياسة
ان احد الامور المهمة التي ينبغي ملاحظتها في كتاب نهج البلاغة الشريف ، المفاهيم الاخلاقية التي ضمنها امير المؤمنين عليه السلام في العديد من كتبه ورسائله التي تخص شؤون السياسة ولوازمها ، سواء تلك التي ارسلها الى عماله ، ام الى اعدائه ، بحيث نجد ان المفاهيم الاخلاقية تمثل جوهر تلك الرسائل والكتب .
ان دراسة هذا الجانب المهم في رسائل وكتب الامام عليه السلام يوقفنا على حقيقة مهمة في الدين الاسلامي ، وهذه الحقيقة تتمثل بقيام الشريعة الاسلامية على اساس واحد تتفرع منه جميع المتطلبات التي يحتاجها الانسان خلال مسيرة حياته ، بحدودها وتفاصيلها الدقيقة .
وهذا الامر قد يكون مغفولا عنه بالنسبة للكثير من الناس ، باعتبار انهم لا يجدون تلازما بين المفاهيم الاخلاقية السلوكية التي تخص الفرد ، وبين الاساليب الواجب اتباعها في التعاملات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها ، باعتبارها امورا اجتماعية عامة لا دخل للسلوك الفردي بها .
وكمثال على الحقيقة التي ذكرناها ، لنقرا عينة من رسالة امير المؤمنين لعامله مالك اللاشتر حين ولاه مصر ، حيث قال عليه السلام :
( وليكن أبعد رعيتك منك ، وأشنأهم عندك ، أطلبهم لمعائب الناس ، فإنّ في الناس عيوباً ، الوالي أحق من سترها ، فلا تكشفن عمّا غاب عنك منها ، فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك ، والله يحكم على ما غاب عنك ، فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك .
أطلق عن الناس عقدة كل حقد ، واقطع عنك سبب كل وتر ، وتغاب [١] عن كل ما لا يضح لك ، ولا تعجلن إلى تصديق ساع ، فإنّ الساعي غاش ، وإن تشبه بالناصحين .
ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ، ويعدك الفقر ، ولا جباناً يضعفك عن الأمور ، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور ، فإنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظن بالله .
إنّ شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً ، ومن شركهم في الآثام ، فلا يكونن لك بطانة ، فإنّهم أعوان الأثمة ، وإخوان الظلمة ، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم ..) [٢] .
ان الكثير من الحكام في بلدان العالم – وبخاصة في زماننا هذا – يرون ان من الضروري استخدام وسائل واساليب تقع على العكس تماما من المفاهيم الاخلاقية التي امر بها امير المؤمنين عليه السلام في رسالته هذه ، وقد يعتبرون ان استعمال مثل هذه القيم في مثل هذا المضمار ما هو الا ضرب من الخيال .
فكثير من الساسة يرون مثلا ان الاكثر وشاية بالناس لفضح معايبهم هو الذي يصلح ان يتخذ خليلا من قبل الحاكم ، وان من الحنكة تصديق السعاة والنمامين لتلافي فساد امر الامة ، ومن الحكمة تقريب وزراء الحكام السابقين _ وان كانوا ظالمين – باعتبارهم اكثر ممارسة لمتظلبات الحكم وادارة المجتمع .
في حين ان الامام عليه السلام يضع ما قدمته الشريعة السماوية من تعاليم اخلاقية على طاولة السلوك الفردي والاجتماعي على حد سواء ، بحيث يكون تطبيق المنهج المخصص للفرد هو عين الصواب الذي يصلح في التعامل مع شؤون الامة ، بلا ان تطبيق المفاهيم الاخلاقية اوكد على الحاكم باعتبار موقعه الحساس ، قال عليه السلام : ليكن ابعد رعيتك منك واشنأهم عندك اطلبهم لمعايب الناس فان في الناس عيوبا الوالي احق من سترها ) .
وانظر الى قوله عليه السلام : ( فان البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله ) كيف يشير بوضوح الى رجوع تعاليم الاسلام كافة الى اصل عقيدة الايمان بالله سبحانه وتوحيده ، هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى فانه قد ضمن النهي عن مساوىء الاخلاق في اطار سياسة العباد والبلاد .
ان وضع الصفات الانسانية بعامة على المحور الاسلامي الاوحد – وهو الله سبحانه وتعالى – يجعل من كل التعاملات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تدور دائما حول هذا المحور المقدس ، ما يجعلها تنتظم في اطار الحق والعدل والمساواة وحفظ الحقوق ، وتجنب الظلم والبغي والعدوان .
حسن الظن بين الوالي والرعية
ومن اهم الاركان التي يقوم عليها نظام الحكم الاسلامي من وجهة النظر الاخلاقية التي ذكرناها ، و حسن الظن المتبادل بين الوالي ورعيته ، لان اساءة الظن اذا وقعت بينهما ، جر ذلك الى مفاسد قد تتفاقم مع مرور الوقت ، ولا تتوقف حتى تنتهي باقتلاع النظام او اضعافه .
لذا كان من اهم واجبات الحاكم الاسلامي هو الحفاظ على هذه الخصلة – حسن الظن المتبادل – حية بينه وبين الرعية .
وقد اكد الامام امير المؤمنين عليه السلام في مواضع عدة من النهج على هذه الحقيقة ، منها قوله لمالك الاشتر :
(واعلم أنّه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم ، وتخفيفه المؤونات عليهم ، وترك استكراهه إيّاهم على ما ليس له قبله .
فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك ، فإنّ حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً ، وإن أحق من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده ، وإن أحق من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده ) [٣] .
وقال عليه السلام : (ولا تحقرن لطفاً تعاهدتهم به وإن قل ، فإنّه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك ، وحسن الظن بك) [٤].
وقال عليه السلام : ( وان ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم باصحارك فان في ذلك رياضة منك لنفسك ورفقا برعيتك واعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق )  [٥].

ثانيا : تعيين راس الحكم في الاسلام
لا يخفى على المتتبع البصير لاسس فكر الدين الاسلامي الحنيف ، انه يعتمد في حركته الفردية والاجتماعية على تطبيق مفردة الحق وفق المنظور العقلي السليم ، بعيدا عن كل اعتبارات اجنبية اخرى ، كالحرية الشخصية وامثالها من المفردات التي تقدسها وتحترمها طوائف عديدة من الناس .
لذلك نجد ان مدرسة اهل البيت عليهم السلام كانت ولاتزال قائمة على فكرة : ان يكون راس الحكم في الامة الاسلامية انسانا معصوما معينا من قبل الله تعالى ، لبسط العدل وفرض الحق ولو كره الناس الحق لثقله ، قال امير المؤمنين عليه السلام :
( ان الحق ثقيل مريء وان الباطل خفيف وبيء ) [٦] وهذه الفكرة – شرط العصمة في الحاكم الاسلامي – تساوق حكم العقل والتجربة معا .
فحتى لو كان اختيار راس نظام الحكم مبنيا على المشورة – التي يعبر عنها بالانتخاب الديمقراطي في الاصطلاح المعاصر – فان اختيار اهل الشورى انفسهم لابد ان يكون وفق تشخيص دقيق لقابلياتهم على اختيار الاصلح للحفاظ على المجتمع قويما وفق المعايير الاسلامية الصحيحة ، وهذا التشخيص لا يكون الا من قبل شخص او اشخاص اعلى من اهل الشورى رتبة في الفهم ، وهكذا .... ومثل هذا الامر يؤدي الى التسلسل اللانهائي الباطل كما هو واضح .
وحتى في مضمار عمل الحاكم تحت رقابة مجلس شورى ، فان الاراء التي تتمخض عن قرارات المتشاورين تحتاج الى من يضبطها على المنهج الاصلح بعيدا عن كل منافع شخصية ، وهذا شرط لا توفره الا العصمة .
ولو اسند تعيين راس الهرم في حكم الامة الاسلامية الى مشاورة المسلمين جميعا – اذا امكن تحقيقها فعلا   [٧] – فان ذلك لا يفي بالحفاظ على متبنيات الشريعة الاسلامية التي يراد لها ان تتحقق في المجتمع الاسلامي ، لان غالبية الناس لا يحبون امر الحق والعدل ، قال تعالى :
( واكثرهم للحق كارهون ) ( المؤمنون / ٧٠ ) ، وبذلك يستحيل ان تكون نتيجة مشورة عامة الناس متساوقة مع تطبيق مفردة الحق ، وبالتالي لا يتحقق امر انتخاب الحاكم الاصلح في كثير من الاحيان .
ومما تقدم نجد ان نظام الشورى لتعيين راس الحكم الذي ادعته طائفة واسعة من المسلمين ليس له قيمة عملية في المنظور الاسلامي .
وكم من الكلمات لامير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة تفصح عن شجبه لاحقية خلافة الخلفاء بناء على منهج الشورى ، من ذلك خطبته الشقشقية الصريحة في المطلب ، وقوله في كتاب ارسله الى معاوية : ( وزعمت اني لكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم بغيت فان يكن ذلك كذلك فليست الجناية عليك فيكون العذر اليك ، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها .
وقلت : وقلت اني كنت اقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى ابايع، ولعمرو الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه، أو مرتابا بيقينه، وهذه حجتي الى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها...) [٨].
فانظر الى اشارته الصريحة عليه السلام الى انه انما اجبر على المبايعة مكرها لانه لم يكن يقبل بمثل هذه الخلافة ولم يعترف بمشروعيتها ،وفي هذا الكتاب جواب على من يدعي ان الامام علي عليه السلام كان قد بايع الخليفتين غير مكره .
كما ان هذه الكلمات الرائعة تقرر صراحة المنهج الذي اتبعه ائمة اهل البيت عليهم السلام وشيعتهم في رفضهم الاعزل للانحراف عند ضرورة تقديم الاهم على المهم .
فان قيل : ان امير المؤمنين عليه السلام كان قد احتج على معاوية في قضية الشورى والاجماع على خلافته ، وذلك في رسالته المروية في نهج البلاغة حيث قال : (إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ وَ لَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ وَ إِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِفَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَ سَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى) [٩] فكيف يحتج الامام على معاوية بامر الشورى والاجماع ؟
والجواب عن ذلك : ان المتامل في كلماته عليه السلام هذه – ان صحت نسبتها اليه – يعرف بما لا يقبل الشك انه يلزم معاوية بما الزم به نفسه ؛ من الايمان بان الخلافة لا تكون الا بالشورى والاجماع ، ومحاججة المرء لخصومه بمنهجهم الفكري لا يقتضي بالضرورة ايمانه بهذا المنهج .

ثالثا : في صفة الوالي الاسلامي
تحتل المسؤولية التي يتصدى فيها الانسان لادارة سياسة العباد فيما يخدم مصالحهم العامة والخاصة مكانة مهمة وموقعا جسيما ، اذ تحتاج لمن يتصدى لها كفاءة ذهنية ونفسية عالية ، حيث يتوقف على شخصيته نجاح السياسة او فشلها ، باعتباره يمثل العقل المدبر والمحرك الاساسي لهذا الموقع الحيوي .
ان موقع الانسان في المسؤولية يتطلب منه ان يكون ملما بمجموعة من الامور ، تاتي في اولوياتها الحكمة والفطنة ، لن هذا الطريق فيه العديد من المكاره والمشاكل ، وبخاصة انه يتعامل مع طبقة واسعة من الناس ، كل منهم يحمل مزاجا مختلفا ، وتوجها معينا ، فالامر يتطلب منه ان يدير كل هؤلاء ويحفظ كيانهم ويدفع عنهم المكاره .
ولا يتوقف الامر في المنهاج الاسلامي في مجال سياسة العباد عند حفظ مصالح الناس الاقتصادية والعسكرية ، بل يتعداه الى ان يحمل الوالي الاسلامي الناس على الاستقامة على جادة الشريعة ويحثهم على الترقي والسلوك الاحسن ، لذا فالمهمة في هذا المضمار مضاعفة ودقيقة .
وعليه فان الوالي يحتاج – مضافا الى تقوى الله سبحانه والاخلاص له – الى المام واسع بما هو خائض فيه من العمل ، واختصاص في مضمار نشاطه ، والاكثر معرفة بمتطلبات عمله اكثر من اي شخص اخر ، او يكون على الاقل خبيرا بالشخص الاكثر كفاءة لاداء هذا التكليف او ذاك ، حتى يكون مرجعا اساسيا وركنا منيعا لحل اي مشكلة تتعلق بشؤون العباد ، وحتى لا يبقى المرجع الاساس مفقودا يتأرجح بين هذا وذاك ، ما يؤدي الى الفوضى والعشواء .
وان من اهم ما ينبغي ان يمتاز به الوالي ، سعة صدره وحلمه وصبره ، حتى يكون عادلا في حكمه وقراره ، ويعطي لكل ذي حق حقه ، فلا تميله ساعة غضب عن جادة الصواب ، فيجور في الحكم ، او يستعجل في العقوبة ، وقد ورد عن الامام امير المؤمنين عليه السلام في هذا المضمار قوله لعامله مالك الاشتر :(لا تسرعن الى بادرة وجدت منها مندوحة ) [١٠].
وقوله : ( اخر الشر فانك اذا شئت تعجلته) [١١] .
وقوله في موضع اخر من النهج : ( الة الرياسة سعة الصدر) [١٢].
وقال عليه السلام : (املك حميّة أنفك، وسورة حدّك، وسطوة يدك، وغرب لسانك، واحترس من كل ذلك بكف البادرة، وتأخير السطوة، حتى يسكن غضبك، فتملك الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربّك ) [١٣] .
كما ان الوالي بحاجة الى ان يعطي لكل ذي حق حقه ، فلا يتساوى عنده المثابر والخامل ، والنشيط والمتكاسل ، فان اعطاء كل ذي حق حقه يدعو الى استزادة المحسن في احسانه ، وترك المسيء لاسائته ، قال امير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة : (لا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ، فإنّ ذلك تزهيد لأهل الاحسان في الاحسان ، وتدريب لأهل الاساءة على الاساءة ، فألزم كلاًّ منهم ما ألزم نفسه ) [١٤].
واحد الاعمدة التي تقوم عليها خصائص الوالي في نظر الاسلام : هو التواضع للناس كافة ، فهذا الحصن النفسي الذي يتحلى به الانسان ، يجنبه الانزلاق في مهاوي التكبر والاعتلاء ، والجفاف الروحي ، وبخاصة ان موقع المسؤولية بطبيعته يفسح المجال واسعا لتسويلات الشيطان والنفس الامارة بالسوء ، لكي ينفخ في الانسان روح العلو والخيلاء والترفع ، قال عليه السلام في مقام الحث على تفقد حاجات الناس من قبل الوالي : (واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم في شخصك وتجلس لهم فيه مجلساً عاماًفتتواضع فيه لله الذي خلقك وتبعد عنهم جندك وأعوانك من حراسك وشرطك حتىيكلمك متكلمهم غير متعتع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في غيرموطن: "لن تقدّس أمةٌ لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع)  [١٥].
ولعل من اهم مفردات السلوك الاخلاقي التي تنبغي للانسان وهو في موقع الولاية : انصاف الناس من نفسه فيما يحب ويكره ، وهو ان يجري على نفسه ما يجري على اضعف الناس من رعيته ، وقد ضرب الامام امير المؤمنين عليه السلام المثل الاروع في هذا المجال وهو القائل : ( ان الله تعالى فرض على ائمة العدل ان يقدروا انفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره) [١٦] .
والقائل : (أأقنع من نفسي بان يقال هذا امير المؤمنين ولا اشاركهم في مكاره الدهر او اكون اسوة لهم في جشوبة العيش )  [١٧] .
على ان انصاف الناس من النفس يعد من اصعب الامور تطبيقا على واقع السلوك ، فقد روي عن الامام ابي عبد الله عليه السلام : ( الا احدثك باشد ما فرض الله عز وجل على خلق ؟) قلت : بلى ، قال :(انصاف الناس من نفسك ، ومواساتك لاخيك ، وذكر الله في كل موطن ) [١٨] .
ومن الكلمات التي وردت عن امير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة والتي تفيد في هذا الموضوع ما كتبه عليه السلام الى عامله ( ابن حنيف ) حينما بلغه انه اجاب دعوة اناس اشراف الى مائدة طعام فاخرة ، حيث اورد في كتابه ذلك العديد من الوصايا الاخلاقية التي ينبغي للوالي ان يتحلى بها وهو في موقعه ذلك .
واذا كانت تلك الشروط وامثالها لابد من ان تتوفر لدى الانسان وهو في منصب الحكم ، فمن الواضح ان المؤمن الحقيقي هو اولى الناس بالتصدي لهذا الموقع ، باعتبار ان المؤمن يجمع كل الصفات النفسية التي تؤهله لهذا المر الحيوي ، وبخاصة سعة الصدر وحسن الخلق والانصاف من النفس .
ان الرقابة الالهية التي يشعر بها المؤمن في كل لحظة من لحظات حياته – انطلاقا من يقينه بالغيب – تجعله يسير دائما على الخط المستقيم ، فيخلص في عمله ايما اخلاص ، ويبذل من نفسه ما لا يتمكن غيره من بذله ، واذا ما بدرت منه زلة او خطأ ، اسرع لتدارك الامر قريبا ، ومهما كانت الضغوط التي يتعرض لها الانسان وهو في موقع المسؤولية ، يبقى المؤمن الحقيقي في مأمن من الانجراف وراء المصالح الشخصية او النزوات الذاتية او العزة بالاثم ، بل يبذل التسامح والتودد ، حتى لو كان الامر على حساب مصلحته الشخصية ، قال تعالى في صفة المؤمنين : ( ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون ) ( الحشر /٩ ) .

رابعا : اتهام الاسلام بالعجز السياسي
يرى الكثيرون ان السياسة امر لا يتناغم مع المفاهيم الروحية والاخلاقية التي امرت بها الشريعة السماوية ، وان اعمال مثل هذه المفاهيم لا ريب وان تسقط بصاحبها في اخر المطاف ، وان السياسة تحتاج بالضرورة الى المكيدة والخداع ومصاحبة العدو لجلب منفعة الامة ودفع الضرر عنها .
ومن هذا المنطلق ، يعتقد كثيرون ان السياسة التي انتهجها امير المؤمنين عليه السلام في قيادته للامة الاسلامية في عهده كانت غير ناضجة ، ويرون ان الدليل على ما يعتقدونه قصرعمر الخلافة التي امسك امير المؤمنين عليه السلام مقاليدها ، وكثرة المشاكل التي عانى نها خلال هذه الفترة .
وبخاصة في حربه مع معاوية بن ابي سفيان ، التي كانت تتطلب استخدام الحيلة والمكر لسحب البساط من تحته ، وبالتالي يجنبه العديد من المشاكل على رأسها حرب صفين المهولة .
والجواب على ذلك واضح اذا ما راعينا ما قدمناه في اول الكلام ، من ان الاسلام يريد من رأس الحكم الاسلامي ان يطبق مفردة العدل ، ويقدمها على كل مفردة سواها ، والامام امير المؤمنين عليه السلام في فترة حكمه ضرب اروع الامثلة للناس كافة في تطبيق السياسة النقية عن كل شائبة اخلاقية او انسانية ، حتى لو كلف ذلك قصر مدة حكمه ، فان الحكم في النهاية ما هو الا وسيلة وليس غاية .
اما المشاكل التي واجهها خلال فترة حكمه ، فهو انما تصدى لها عن عمد واصرار ، التزاما وتطبيقا لشريعة الاسلام الحنيف ، وهو الاولى بتطبيق مفرداتها بحذافيرها خلال تلك الفترة الحساسة من عمر الاسلام ، لبيان الواقع العملي والمصاديق والواقعية لاحكام الاسلام التشريعية ، قال عليه السلام لاصحابه في امر قتال معاوية حينما لم ينزل على بيعته : ( لقد ضربت انف هذا الامر وعينه وقلبت ظهره وبطنه فلم ار لي فيه الا القتال او الكفر بما جاء محمد صلى الله عليه واله وسلم ...) [١٩] .
كما عبر امير المؤمنين عليه السلام بنفسه عن التزامه بالتعاليم الشرعية في اعلى مستوياتها الفقهية والاخلاقية بقوله : (والله ما معاوية بأدهى منّي ، ولكنّه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ، ولكن كلّ غدرة فجرة ، وكلّ فجرة كفرة ، ولكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة ، والله ما أُستغفل بالمكيدة ، ولا أُستغمز بالشديدة )  [٢٠].
ويبين من كلامه هذا ، ان الامام لا يستغفل من خلال تصرفات شخص كمعاوية ، فان المؤمن ينظر بعين الله تعالى ، ولاتفوته مثل هذه الحيل ،كيف وامير المؤمنين عليه السلام يقول:(اتقوا ظنون المؤمنين فان الله تعالى جعل الحق على السنتهم )  [٢١].
ولكن المشكلة ان معاوية لا يتورع عن ارتكاب المنكر من الافعال والباطل من الاقوال ، وهذا مما لا يرتضي الامام عليه السلام ارتكابه ، مهما كانت النتيجة المترتبة على ذلك .

المشكلة لاتتعلق بتعاليم الاسلام :
لقد بين امير المؤمنين عليه السلام حقيقة الحال في هذا المضمار ، واجاب عن امثال تلكم الدعوى صريحا في نهج البلاغة ، وفحوى الامر ان المشكلة لا ترتبط بالمنهج الاسلامي في مجال السياسة ،ولكن القضية تتعلق بجماعة المسلمين انفسهم .
فقد اشار عليه السلام الى ان هذه القضية لاتكمن في عدم تمكن الدين الاسلامي من وضع الحدود الفضلى لسياسة امر العباد في سلمهم وحربهم ، ولكن المشكلة تتمثل في عدم انصياع ابناء الامة لاوامر امامهم والتسليم له في كل ما يأمر به ، قال عليه السلام : (يا أشباه الرجال ولا رجال، حُلوم الأطفال، وعقول رَبَّات الحِجال، لوددتُ أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة حزتُ والله ندماً، وأعقبتم سدماً ، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجَرَّعْتُموني نغب التهمام أنفاسنا، وأفسدتم عَلَيّ رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب، ولكن لا رأي لمن لا يُطاع ) [٢٢] .
فالكلام المتقدم يبين صراحة ان المشكلة لا تتعلق بشخص الامام ولا بمنهجه في الحكم ، ولكن المشكلة بالطاعة والانصياع لاوامر الحاكم الشرعي .
وفي المصاديق التاريخية ما يشير بوضوح الى هذه الحقيقة ، ففي حرب صفين ، كان من الممكن القضاء على راس النفاق معاوية ، لولا عصيان طائفة كبيرة من اتباع الامام عليه السلام امره ، واولا ذلك لم يكن لمكائده بعد ذلك وجود ، ولم يكن لحرب النهروان من وقيعة ، ولم يكن ليتأسس مذهب الخوارج ، ولم يستطع ان ينال معاوية امارة الامة الاسلامية بالصلح مع الامام الحسن عليه السلام ، ولم يزيد ليصل الى سلطة الحكم من بعد ابيه ، ولم يكن الامام الحسين عليه السلام ان يقتل في طف كربلاء .. فانا لله وانا اليه راجعون .
فمن خطبة له عليه السلام بعد ليلة الهرير وقد قام اليه رجل من اصحابه فقال : نهيتنا عن الحكومة ثم امرتنا بها فلم ندر اي الامرين ارشد ، فصفق عليه السلام احدى يديه على الاخرى ثم قال : (هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ اَلْعُقْدَةَ أَمَا وَ اَللَّهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى اَلْمَكْرُوهِ اَلَّذِي يَجْعَلُ اَللَّهُ فِيهِ خَيْراً فَإِنِ اِسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَ إِنِ اِعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَ إِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ اَلْوُثْقَى وَ لَكِنْ بِمَنْ وَ إِلَى مَنْ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَ أَنْتُمْ دَائِي كَنَاقِشِ اَلشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا) [٢٣] .
وقال عليه السلام : (أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وَإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي وَلَقَدْ أَصْبَحَتِ الْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا وَأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا وَدَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا أَ شُهُودٌ كَغُيَّابٍ وَعَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ أَتْلُو عَلَيْكُمْ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا وَأَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا وَأَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ وَتَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وَتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ عَجَزَ الْمُقَوِّمُ وَأَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلًا مِنْهُمْ) [٢٤] .
ان اهم ما نستفيده من هذا الموضوع هو الحرص على طاعة الحاكم الشرعي طاعة ليس فيها تعذير ، وان في خلاف ذلك فشل الامر في سياسة الدولة الاسلامية ، وان الدين الحنيف لا يرتضي – في مثل هذه الحال – ان يتدارك راس الحكم الاسلامي الامر بتضييع حدود الدين وتعاليمه .

خامسا : الدور الرقابي ف مؤسسات الدولة
ان بناء الجهاز الرقابي على المؤسسات والدوائر التي وجدت لخدمة الصالح العام ، احد المفاصل الاساسية لتشييد بناء الدولة الاسلامية المحكم .
ولعل احد اوضح الاثار التي تدلنا على تأكيد الاسلام على بناء الدور الرقابي للمؤسسات الحكومية ما كتبه الامام امير المؤمنين عليه السلام الى مالك الاشتر ( رضوان الله تعالى عليه ) الوارد في نهج البلاغة ، حيث جاء عنه عليه السلام في باب علاقة الوالي مع العمال الذين يوكل اليهم تولي شؤون الناس قوله : (ثم تفقد اعمالهم وابعث العيون من اهل الصدق والوفاء عليهم، فان تعاهدك فى السر لامورهم حدوه لهم على استعمال الامانه والرفق بالرعية. وتحفظ من الاعوان، فان احد منهم بسط يده الى خيانة اجتمعت بها عليه عندك اخبارعيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة فى بدنه واخذته بما اصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة وقلدته عارالتهمة) [٢٥].
فأمره عليه السلام بضرورة ارسال العيون على العمال امر واضح في تفعيل الدور الرقابي لمؤسسات الدولة ، كما انه في الوقت نفسه يعطينا المواصفات التي ينبغي ان يتحلى بها القائمون على هذا العمل ، اذ لابد ان يكونوا من اهل الوفاء والصدق ، لانهم ان لم يكونوا كذلك ضللوا الامور وشبهوها ، وفي ذلك تغييب للحق وضياع الحجة .
واذا ما ثبت لدى الحاكم جور الولاة وتقصيرهم من خلال العيون ، كان لزاما عليه ان يتخذ فيهم الموقف المناسب ، وامير المؤمنين عليه السلام يحذر من التواني عن ذلك ، قال عليه السلام لمالك الاشتر : (و إياك و الاستئثار بما الناس فيه أسوة ، والتغابي عما تعنى به مما قد وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك. عما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور،
وينتصف‏ منك للمظلوم) [٢٦] .
وتجدر الاشارة هنا الى ان ما يأمر به الامام عليه السلام جاء على خلاف ما يدعيه البعض من ان ارسال العيون على العمال في البلاد امر يستهجنه الانسان ، لانهم يعتبرون بث العيون ونقلهم الاخبار للحاكم نوعا من الوشاية وافشاء الاسرار والنفاق تقربا الى الحاكم ، في حين ان الامر على عكس ذلك بالنظر الى اهمية ضبط العمال في البلاد ورقابة سيرهم على الصراط المستقيم ، ومن دون ذلك قد لا يؤمن الوالي من الانحراف والزيغ بعيدا عن اعين الرقباء ، فتظلم العباد ، وتفسد البلاد ، ولا من سامع لشكوى العامة ولا من منقذ لظلامتهم ، قال عليه السلام : ( فان تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم على استعمال الامانة والرفق بالرعية وتحفظ من الاعوان ) .
ولا يفوتنا ان نذكر في هذا المقام ، باننا نجد – من خلال استقراء المفاهيم الاسلامية العامة التي تسالم على صحتها كل المسلمين – بان عمل الدور الرقابي في مفاصل الدولة يرتبط ارتباطا وثيقا باحد اهم فرائض الدين الاسلامي الحنيف / الا وهي فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، التي تأخذ – بطبيعتها – حيزا واسعا في مجال الاصلاح الشامل ، ابتداء من تهذيب الذات وانتهاء باصلاح المجتمع والقائمين على تسيير شؤونه بشكل عام ، قال تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله اولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم ) ( التوبة / ٧١ ) .
ان الدوائر والمؤسسات الرقابية تتحمل المسؤولية الشرعية قبل ان تتحمل المسؤولية القانونية ، حينما التزمت بحمل امانة هذا الدور الحساس بشكل دقيق ، وهي مسؤولة عن العهد الشرعي الذي يكلفها بها الحاكم الاسلامي لانجاز هذا العمل الشاق على اتم وجه ، لا سيما ان العاملين في هذا المجال معرضون لشتى انواع الاغراءات التي تحاول ان تحرفهم عن اداء الامانة ، ولكن على الرغم من كل ذلك لا عذر لاحد منهم عن التخلف عن اداء هذا الواجب المقدس في كل الظروف والاحوال ، قال امير المؤمنين عليه السلام في النهج : (وَمَنِ اسْتَهَانَ بِالاْمَانَةِ، وَرَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهَ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا، ‏فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا الْخِزْيَ، وَهُوَ فِي الاْخِرَةِ أَذَلُّ وَأَخْزَى.وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الاْمَّةِ، وَأَفْظَعَ الْغِشِّ غِشُّ الاْئِمَّةِ) [٢٧] .
حرية التعبير في حكومة امير المؤمنين عليه السلام
حقق شكل الحكم الذي اسسه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في امة الاسلام اروع اشكال حرية التعبير بين افراد الامة ، وبالاخص اذا نظرنا الى ذلك الزمان الذي لم تصل فيه الامم مرحلة النضوج الفكري والثقافي الذي تعيشه اليوم .
روي ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جلس يوما يقسم الغنائم بين المسلمين ، فجاءه رجل فقال ، اعدل يارسول الله ، فقال : ( ويلك ، ومن يعدل اذا لم اعدل ؟) فاراد احد اصحاب النبي قتله ، فنهاه الرسول عن ذلك .
ولعل من اهم انواع حرية التعبير الذي عرف في حكومة الرسول هو : حرية التعبير السياسي ، فعلى الرغم من حساسية هذا الجانب وصعوبته ، ولكنه تجسد بأبهى صوره في زمان حكم الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ، الذي يمثل حكمه مراة لحكم خاتم الانبياء صلى الله عليهم وسلم .
فمن المسلم به تاريخيا ، ان الجماعة المعروفة بالخوارج كانت جماعة معارضة لحكومة امير المؤمنين عليه السلام ، وان افرادها كانوا يقومون تحت منبر الامام عليه السلام ويجاهرون برايهم السياسي علنا ، فلم يكن منه عليه السلام الا ان يرد حجتهم بالحجة ، ويفضح انحرافهم بالفكر والبيان ، دون ان يقمعهم بالسيف او يمنع عنهم العطاء .
فمن كلام له عليه السلام في الخوارج لما سمع قولهم (لاحكم الا لله ) قال :
(كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلاَّ للهِ، ولكِنَّ هؤُلاَءِ يَقُولُونَ:لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللهُ فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر) .
بل في بعض الحالات نجده عليه السلام يتعامل معهم بالعفو والصفح ، حتى روي ان احد الخوارج قال عنه في حضرته : قاتله الله كافرا ما افقهه! فوثب القوم ليقتلوه ، فقال الامام عليه السلام : ( رويدا انما هو سب بسب ، او عفو عن ذنب ) [٢٨].
ولكن حينما بلغ الامر بالخوارج ان يتجاوزوا مسالة حرية التعبير ، فيجيشوا الجيوش لقلب النظام الاسلامي ، ويزعزعوا امن المسلمين ، حتى بلغت بهم الجرأة ان يقتلوا عبد الله بن خباب ويبقروا بطن امراته ويصلبوا جنينها على رؤوس الرماح ، لم يتوان امير المؤمنين عليه السلام عن قتالهم ، ليريح البلاد والعباد من شرهم .

----------------------------------------------------------
[١] . بمعنى تغافل عن كل امر لم يتضح لك من الامور .
[٢] . نهج البلاغة ٣ : ٨٦ .
[٣] . نهج البلاغة ٣ : ٨٨ .
[٤] . نهج البلاغة ٣ : ٩٢ .
[٥] . نهج البلاغة ٣ : ١٠٥ .
[٦] . نهج البلاغة ٤ : ٩٠ .
[٧] . قال امير المؤمنين (عليه السلام ) في النهج : ( ايها الناس ان احق الناس بهذا الامر اقواهم عليه واعلمهم بامر الله فيه ، فان شغب شاغب استعتب ، فان ابى قوتل ، ولعمري لئن كانت الامامة لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس فما الى ذلك من سبيل ، ولكن اهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد ان يرجع ولا للغائب ان يختار ) .
[٨] . نهج البلاغة ٣ : ٣٣ .
[٩] . نهج البلاغة ٣ : ٧ .
[١٠] . نهج البلاغة ٣ : ٨٤ .
[١١] . المصدر نفسه ٣ : ٥٦ .
[١٢] . المصدر نفسه ٤ : ٤٢ .
[١٣] . المصدر نفسه ٣ : ١٠٩ .
[١٤] . نهج البلاغة ٣ : ٨٨ .
[١٥] . المصدر نفسه ٣ : ١٠٢ .
[١٦] . المصدر نفسه ٢ : ١٨٨ .
[١٧] . المصدر نفسه ٣ : ٧٢ .
[١٨] . الكافي للكليني ٢ : ١٤٥ .
[١٩] . نهج البلاغة ١ : ٩٤ .
[٢٠] . المصدر نفسه ٢ : ١٨٠ .
[٢١] . المصدر نفسه ٤ : ٧٣ .
[٢٢] . نهج البلاغة ١ : ٧٠ .
[٢٣] . نهج البلاغة ١ : ٢٣٤ .
[٢٤] . المصدر نفسه ١ : ١٨٧ .
[٢٥] . نهج البلاغة ٣ : ٩٦ .
[٢٦] . المصدر نفسه ٣ : ١٠٩ .
[٢٧] . نهج البلاغة ٣ : ٢٧ .
[٢٨] . نهج البلاغة ٤ : ٩٩ .

من وحي نهج البلاغة في الاخلاق والفلسفة والسياسة

اصدارات العتبة العلوية المقدسة (٨٥)

****************************