وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
مواعظ من نهج البلاغة – الثالث

حكمة الإختبار                   

عن أمير المؤمنين عليه السلام:".. ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجاً للتكبّر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلّل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبواباً فُتُحاً إلى فضله، وأسباباً ذُلُلاً إلى عفوه". (نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢) .

الامتحان الإلهيّ سنّة خالدة

يشير الإمام عليّ عليه السلام إلى حقيقة وسنّة إلهية جارية على الناس في حياتهم الدنيوية، وهي سنّة الاختبار والامتحان، وهي حقيقة كثيراً ما أشار لها القرآن الكريم.

يقول تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [١].

ويقول سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [٢].

"يفتنون" مشتقّ من "الفتنة" وهي في الأصل وضع الذهب في النّار لمعرفة مقدار خلوصه، ثمّ أطلق هذا التعبير على كلّ امتحان ظاهريّ ومعنويّ.

لماذا الاختبار الإلهيّ؟

في مجال الاختبار الإلهيّ تطرح بحوث كثيرة. وأوّل ما يتبادر للذهن في هذا المجال هو سبب هذا الاختبار. فنحن نختبر الأفراد لنفهم ما نجهله عنهم. فهل أنّ الله سبحانه وتعالى بحاجة إلى مثل هذا الاختبار لعباده، وهو العالم بكلّ الخفايا والأسرار؟! وهل هناك شيء خفي عنه حتّى يظهر له بهذا الامتحان؟!

والجواب: إنّ مفهوم الاختبار الإلهيّ يختلف عن الاختبار البشريّ.

اختباراتنا البشرية تستهدف رفع الإبهام والجهل، والاختبار الإلهيّ قصده "التربية" وإيصال الإنسان إلى الكمال بإخراج الدفائن المكنونة فيه.كثيراً ما تحدّث القرآن عن الاختبار الإلهيّ، باعتباره سنّة كونية مستمرّة من أجل تفجير الطاقات الكامنة، ونقلها من القوّة إلى الفعل، وبالتالي فالاختبار الإلهيّ من أجل تربية العباد، فكما أنّ الفولاذ يتخلّص من شوائبه عند صهره في النار، كذلك الإنسان يخلص وينقى في خضمّ الحوادث، ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الصعاب والتحدّيات.

الاختبار الإلهيّ يشبه عمل زارع خبير، ينثر البذور الصالحة في الأرض الصالحة، كي تستفيد هذه البذور من مواهب الطبيعة وتبدأ بالنموّ، ثمّ تصارع هذه البذرة كلّ المشاكل والصعاب بالتدريج، وتقاوم الحوادث المختلفة كالرّياح العاتية والبرد الشديد والحرّ اللافح، لتخرج بعد ذلك نبتة مزهرة أو شجرة مثمرة، تستطيع أن تواصل حياتها أمام الصعاب.

ومن أجل تصعيد معنويات القوّات المسلّحة، يؤخذ الجنود إلى مناورات وحرب اصطناعية، يعانون فيها من مشاكل العطش والجوع والحرّ والبرد والظروف الصعبة والحواجز المنيعة. وهذا هو سرُّ الاختبارات الإِلهية.

يقول سبحانه في موضع آخر من كتابه العزيز: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ [٣].

ويقول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في بيان سبب الاختبارات الإلهية: "... وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنْ لِتَظْهَرَ الأَفْعَالُ الَّتي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوابُ وَالْعِقَابُ" [٤].

أي أنّ الصفات الكامنة لا يمكن أن تكون وحدها معياراً للثواب والعقاب، فلا بدّ أن تظهر من خلال أعمال الإنسان، والله يختبر عباده ليتجلّى ما يضمرونه في أعمالهم، ولكي تنتقل قابليّاتهم من القوّة إلى الفعل، وبذلك يستحقّون الثواب أو العقاب.

لو لم يكن الاختبار الإلهيّ لما تفجّرت هذه القابليّات، ولما أثمرت الكفاءات، وهذه هي فلسفة الاختبار الإلهيّ في منطق الإسلام.

الاختبار الإلهيّ عامّ

نظام الحياة في الكون نظام تكامل وتربية، وكلّ الموجودات الحيّة تطوي مسيرة تكاملها، حتّى الأشجار تعبّر عن قابليّاتها الكامنة بالأثمار. من هنا فإنّ كلّ البشر، حتّى الأنبياء، مشمولون بقانون الاختبار الإلهيّ كي تنجلي قدراتهم.

الامتحانات تشمل الجميع وإن اختلفت شدّتها وبالتالي تختلف نتائجها أيضاً، يقول سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [٥].

القرآن يعرض نماذج لاختبارات الأنبياء إذ يقول: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّه﴾ [٦].

ويقول في موضع آخر بشأن اختبار النبيّ سليمان عليه السلام: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ.. ﴾ [٧].

يقول الإمام عليّ عليه السلام: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ تَمْهِيلٍ وَرَخَاءٍ وَلَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ وَفِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ وَمَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ وَمَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ، وَلَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ، وَلَا كُلُّ نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ" [٨].

ويقول عليه السلام: "إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَإِغْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ" [٩].

طرق الاختبار

إنّ اختبار الله تعالى للناس متنوّع ومتعدّد ولا يقتصر على الجانب السلبيّ.

يقول سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [١٠].

هذه الآية الكريمة تشير الى البلاء والاختبار في الجانب السلبيّ، لكنّ الآية التالية تعمّم الاختبار، يقول تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون﴾ [١١].

يروى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام مرض فعاده قوم فقالوا له: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ فقال: أصبحت بشرّ، فقالوا له: سبحان الله هذا كلام مثلك؟! فقال: يقول الله تعالى: "ونبلوكم بالخير والشرّ فتنة. فالخير الصحّة والغنى، والشرّ المرض والفقر، ابتلاءً واختباراً" [١٢].

وعنه عليه السلام في قوله تعالى:﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [١٣]: "ومعنى ذلك أنّه سبحانه يختبر عباده بالأموال والأولاد ليتبيّن الساخط لرزقه والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحقّ الثواب والعقاب" [١٤].

إذاً، فالامتحانات الإلهية تأتي بصور مختلفة :

فالجماعة الذين يعيشون في محيط ملوّث بالمفاسد والوساوس تحيط بهم من كلّ جانب، فإنّ امتحانهم الكبير في مثل هذا الجوّ والظروف، هو أن لا يتأثّروا بلون المحيط وأن يحفظوا أصالتهم ونقاءهم.

والجماعة الذين يعيشون تحت ضغط الحرمان والفقر، يرون أنّهم لو صمّموا على ترك رأس مالهم الأصيل "الإيمان" فإنّهم سرعان ما يتخلّصوا من الفقر والحرمان لكنّ ثمن ذلك هو فقدانهم للإيمان والتقوى والكرامة والحريّة والشرف، فهنا يكمن امتحانهم..

وجماعة آخرون على عكس أُولئك غرقى في اللذائذ والنعم، والإمكانات المادية متوفّرة لديهم من جميع الوجوه، ترى هل يؤدّون في مثل هذه الظروف الشكر على النعم، أم سيبقون غرقى في اللذائذ والغفلة وحبّ الذات والأنانية، غرقى الشهوات والاغتراب عن المجتمع وعن أنفسهم؟!

وجماعة منهم كالمتغرّبين في عصرنا، يرون بعض الدول بعيدة عن الله والفضيلة والأخلاق حقّاً، ولكنّها تتمتّع بالتمدّن المادّيّ المذهل والرفاه الاجتماعيّ. هنا تجذب هؤلاء المتغرّبين قوّة خفيّة إلى سلوك هذا النوع من الحياة أو سحق جميع القيم والأصول والأعراف التي يعتقدون بها، ويبيعون أنفسهم أذلّاء عملاء لتلك الدول،ليوفّروا لهم ولمجتمعهم مثل هذه الحياة... وهذا نوع آخر من الامتحان.

المصائب، والآلام والهموم، والحروب والنزاعات، والقحط والغلاء، وما تثيره الحكومات الأنانية لتجذبهم إليها وتستعبدهم به وأخيراً الأمواج النفسية القوية والشهوات، كلّ منها وسيلة للامتحان في طريق عباد الله، والسائرين في الميادين التي تتميّز فيها شخصيّة الأفراد وتقواهم وإيمانهم وطهارتهم وأمانتهم وحرّيتهم.. الخ.

ولكن لا طريق للانتصار في هذه الامتحانات الصعبة لاجتيازها إلاّ الصبر والجدّ والسعي المستمر، والاعتماد على لطف الله سبحانه.

ومن الطريف أنّنا نقرأ حديثاً عن أحد المعصومين في أصول الكافي في تفسير الآية ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون﴾ يقول فيه: "يُفتنون كما يُفتن الذهب، ثمّ قال: يخلصون كما يخلص الذهب" [١٥].

وعلى كلّ حال، فإنّ طالبي العافية الذين يظنّون أنّ إظهار الإيمان كاف بهذا المقدار ليكونوا في صفوف المؤمنين وفي أعلى علّيين في الجنّة مع النّبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، فهم في خطأ كبير.

وعلى حدّ تعبير أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: "والذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة ولتغربلنّ غربلة، ولتساطنّ سوط القدر حتّى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم" [١٦].

الأهل والعشيرة                  

عن أمير المؤمنين عليه السلام:"أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ وَ إِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَنْ عَشِيْرَتِهِ وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَلْسِنَتِهِمْ وَ هُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةً مِنْ وَرَائِهِ وَ أَلَمُّهُمْ لِشَعَثِهِ وَ أَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ وَ لِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللهُ لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يَرِثُهُ غَيْرُهُ.... وَ مَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ وَ مَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّة". (نهج البلاغة، الخطبة ٢٣).

الحيطة: بفتح الحاء- الرعاية، وبكسرها الصيانة: والمعنيان متقاربان.

الشعث: بفتح العين- التفرّق. والنازلة: المصيبة.

لسان الصدق: حسن الذكر بالحقّ..

الحاشية: الجانب والجناح.

الإسلام دين التواصل

إنّ من يراجع مصادر الإسلام، من خلال القرآن الحكيم والأحاديث الشريفة، يرَ بكلّ‏ِ وضوح وجلاء، حقيقة وهي: أنّ كثيراً من وصايا الإسلام وواجباته وأحكامه تدعو إلى إزالة الحجب والحواجز القائمة بين الناس جماعات وأفراداً.

يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [١٧].

فالقاعدة الأولية في الإسلام هي التعارف والتعاون وتبادل الخبرات بين الأمم فلا ينبغي للمسلمين التقاطع والتحارب مع الشعوب الأخرى، بل السلام والوئام هما الحاكمان على علاقات المسلمين مع غيرهم.

فالإسلام لا يخاف أيّ فكر آخر؛ لأنّه يملك الحجّة والدليل والبرهان على صدقيّته، وإنّما يخاف مَن لا منطق عنده ولا حجّة.

وكما دعا الإسلام إلى الوئام مع غير المسلمين فبالضرورة دعا إلى ذلك بين المسلمين أنفسهم.

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [١٨].

وعن رسول الله: "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إن اشتكى منه عضو تداعت سائر الأعضاء بالسهر والحمّى" [١٩].

فإذا ما تكاتف المجتمع داخلياً، وأمِن من داخله، فحينئذ من السهولة أن ينتصر على أعدائه، أمّا إذا كان المجتمع مقاطعاً بعضه بعضاً، فحينئذ على هذا المجتمع السلام، ولن يستطيع أن ينتصر على أعدائه.

والتاريخ الإسلاميّ يؤكِّد لنا هذه الحقيقة، أنّ المسلمين تراجعوا حينما تقاطعوا، وإذا أرادوا الرجوع إلى ميدان قيادة الأمم فما عليهم إلّا أن يتواصلوا ويتكاتفوا.

وهذا التواصل ينبغي أن يبدأ في العشيرة والأسرة والعائلة، أي بين الأرحام، ليكون البيت الداخلي آمناً، ومن ثمَّ ينجرّ الكلام إلى الوحدة والتواصل الاجتماعيّ الإسلاميّ بشكل عام والإنسانيّ بشكل أعمّ.

وهذا الجانب من العلاقة الحسنة مع العشيرة هو ما يدعو إليه أمير المؤمنين.

بين العصبية وصلة الرحم

رغم أنّ الإسلام دعا إلى التواصل والمرحمة، لكنّه في الوقت نفسه نهى عن التعصُّب الأعمى للعائلة والأرحام.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "العصبية واحدة من السجايا الباطنية النفسانية، ومن آثارها الدفاع عن الأقرباء، وجميع المرتبطين به وحمايتهم، بما في ذلك الارتباط الدينيّ أو المذهبيّ أو المسلكيّ، وكذلك الارتباط بالوطن وترابه...

والعصبية من الأخلاق الفاسدة والسجايا غير الحميدة، وتكون سبباً في إيجاد مفاسد في الأخلاق وفي العمل...

إنّ المرء إذا تعصّب لأقربائه أو أحبّته ودافع عنهم، فما كان بقصد إظهار الحقّ ودحض الباطل، فهو تعصّب محمود ودفاع عن الحقّ والحقيقة...

أما إذا تحرّك بدافع قوميته وعصبيته بحيث أخذ بالدفاع عن قومه وأحبّته في باطلهم وسايرهم فيه ودافع عنهم، فهذا شخص تجلّت فيه السجيّة الخبيثة، سجيّة العصبية الجاهلية، وأصبح عضواً فاسداً في المجتمع... وصار في زمرة أعراب الجاهلية..." [٢٠] .

جاء في الكافي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "من تعصَّب أو تعصِّب له فقد خُلِع رِبقُ الإيمان من عنقه"٥.

وعنه عليه السلام قال: "من تعصّب عصّبه الله بعصابة من النار.." [٢١].

فصلة الرحم والأقرباء والتعاون معهم والتكافل مطلوبة إسلامياً، ولكن إذا كان التعاون معهم على الباطل والظلم فهذا غير مطلوب، يقول تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [٢٢].

وقد أمرنا الله تعالى في كتابه الكريم، أن لا نكون متعصِّبين لمن يمتُّ إلينا بصلة القربى، وأن يكون رائدنا هو الحقّ‏ُ والعدل، وأن نقول الحقّ ولو على أرحامنا، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [٢٣] .

أسباب القطيعة

هناك أسباب عديدة تؤثّر سلباً على علاقات الناس وتواصلهم، وتنسحب هذه الأسباب على علاقات الأقارب والأرحام منها:

١ - سيطرة روح المادّية على المجتمع والأفراد، مما يسبِّب تمحور كلّ إنسان حول ذاته، بالشكل الذي يؤدّي إلى عدم الاهتمام بالآخرين. وهذا ما نراه في المجتمعات الغربية التي لا تقيس علاقاتها مع الآخرين إلّا بالقياس المادّي، ويختصرون علاقاتهم بقياس الجيب وما يحويه من المال. وهذه الروح المادّية رفضها الإسلام العزيز، داعياً إلى عدم الاستغراق في حبِّ الدنيا، وحبِّ المال، المؤدّيين إلى كثير من المساوئ، ومنها قطع الرحم. إنّنا نرى كثيراً من الأغنياء المنكبّين على جمع المال، لا يتواصلون مع أقاربهم، وما ذلك إلّا لأنّهم فقراء، لا يستفيدون منهم شيئاً، بمقياس الجيب والمصالح المادّية. وهذا ما نبّه عليه أمير المؤمنين عليه السلام: "أيّها الناس إنّه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عشيرته ودفاعهم عنه... ومن يقبض يده عن عشيرته فإنّما تقبض منه عنهم يد واحدة وتقبض منهم عنه أيد كثيرة" [٢٤].

٢ - التكبُّر: يؤدّي بالإنسان الذي تغلّب عليه حبّ العظمة، إلى التكبُّر على الآخرين واحتقارهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من كبر" [٢٥].

وإذا كان التكبُّر مذموماً في الإسلام، فإن التكبُّر على ذي الرحم أشدُّ قبحاً؛ فكم نرى غنياً، أو ذا جاه، لا يصل رحمه الفقير أو الذي لا جاه له، ولا يعرف له قرابته ويتكبَّر عليه، أمّا إذا رأى رحمه الغنيّ الوجيه احترمه، وهذا في الحقيقة ليس صلة للرحم، بل اعتناء بالمال والمصالح الضيّقة، لا بشخص الرحم، فهذا قد احترم المال ولم يحترم قريبه، ألا يعلم هذا المتكبِّر أنّ الله ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور﴾ [٢٦].

٣ - سوء الظنّ: وهو مسبِّب للكثير من العداوات والأحقاد، وكم من أخوين تقاطعا لأنّهما أساءا الظنّ؟ وكم من عائلات وأسر تفكّكت بسبب هذه الخصلة المدمِّرة؟ ولذلك حذّرنا الله من هذه الرذيلة:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [٢٧].

والأحاديث في هذا الصدد كثيرة منها ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال: أمير المؤمنين عليه السلام: "ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنّنّ بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً" [٢٨].

٤ - الحسد: وهو أيضاً ماحق للدِّين، ومقطِّع أوصال الأحبّة والمؤمنين، ولقد حذّرتنا الشريعة الإسلامية من هذه الخصلة. ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [٢٩].

﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [٣٠].

وعن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال لأصحابه: "ألا إنّه قد دبّ إليكم داءُ الأمم من قبلكم وهو الحسد ليس بحالق الشعر لكنه حالق الدين" [٣١].

ألم يكن الحسد سبباً لقتل قابيل لأخيه هابيل؟ فعن الإمام الصادق عليه السلام: "والحسد أصله من عمى القلب... وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد وهلك مهلكاً لا ينجو منه أبداً..." [٣٢].

ألم يحاول إخوة النبيّ يوسف عليه السلام قتله انطلاقاً من صفة الحسد، وقصّته معروفة؟

٥- الغيبة: وهي أيضاً مسبّبة لتفكّك العوائل، في حين أنّ الله تعالى ينهانا عنها لمصلحتنا.

﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [٣٣].

٦ - النميمة، والحقد، والغضب، وفحش الكلام، وعدم وجود الاحترام المتبادل، فضلاً عن الغزو الثقافيّ الغربيّ لنا، بحيث نكاد نصير كالغرب في أخلاقه وقيمه وتوجّهاته. هذه الأسباب لم نفصِّل فيها، حتّى لا يطول المقام، ويحسن مراجعة الكتب الأخلاقية، التي تتحدَّث عن هذه المواضيع بإسهاب، وتعطي العلاج لهذه الرذائل، فبعلاجها يعالج موضوع قطيعة الرحم، وكثير من العداوات والأحقاد في المجتمع ككلّ.

خاتمة

لقد تبيّن ممّا مر أنّه لا العصبية الجاهلية مقبولة ولا القطيعة للرحم مقبولة أيضاً، وإنّما المطلوب من الإنسان المؤمن أن يتقرّب من عشيرته وأهله وأقاربه وأرحامه، بشتّى أنواع التقرّب الذي يرضي به الله سبحانه وتعالى، لأنّه إن انقطع عنهم فقد خسروا هم رجلاً واحداً بينما هو قد خسر العشيرة كلّها، وأمّا إذا تواصل وتقرّب منهم بالحقّ فقد كسب رضا الله في الآخرة وعشيرته وأقاربه وأهله في الدنيا، حيث يجد عونهم ومؤازرتهم له في الشدائد والنوائب.

أعاننا الله على التواصل الحسن مع الناس ومع أقاربنا.

اجتناب الشبهات                 

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ من صرّحت له العِبَرُ عمّا بين يديه من المَثُلات، حجزته التّقوى عن تَقحُّم الشّبهات". (نهج البلاغة، الخطبة: ١٦) .

صرّحت: كشفت.

العبر: بكسر ففتح جمع عبرة: الموعظة.

المثلات: العقوبات.

الشبهات: جمع شبهة: الالتباس، ما يلتبس فيه الحقّ بالباطل والحلال بالحرام.

إنّ قول الإمام عليّ عليه السلام فيه إشارة إلى أمرين لا بدّ من مراعاتهما لمن يريد السّلوك إلى الله تعالى، وهما:

١ـ الاعتبار

"إنّ من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلات".

يعتبر الإسلام ربط الماضي بالحاضر والحاضر بالماضي أمراً ضرورياً لفهم الحقائق، لأنّ الارتباط بين هذين الزمانين (الماضي والحاضر) يكشف عن مسؤولية الأجيال القادمة، ويوقفها على واجبها.

وهذا يعني أنّ لله في الأُمم سنناً لا تختصّ بهم، بل هي سنن وقوانين عامّة في الحياة تجري على الحاضرين كما جرت على الماضين سواء بسواء، وهي سنن للتقدّم والبقاء وسنن للتدهور والاندحار، التقدّم للمؤمنين المتّقين المجاهدين المتّحدين الواعين، والتدهور والاندحار للأُمم المتفرّقة المتشتّتة الكافرة الغارقة في الذنوب والآثام.

إنّ للتاريخ أهمّية حيوية لكلّ أمّة من الأُمم، لأنّ التاريخ يعكس الخصوصيات الأخلاقية والأعمال الصالحة وغير الصالحة، والأفكار التي كانت سائدة في الأجيال السابقة، كما يكشف عن علل سقوط المجتمعات أو سعادتها، ونجاحها وفشلها في العصور الغابرة المختلفة.

وبكلمة واحدة: إنّ التاريخ مرآة الحياة الروحية والمعنوية للمجتمعات البشرية وهو لذلك خير مرشد محذّر للأجيال القادمة.

إنّ آثار الماضين خير عِبرة للقادمين، وبالنظر فيها والاعتبار بها يمكن للناس أن يعرفوا المسير الصحيح للسلوك والحياة.

ولهذا نجد القرآن الكريم يدعو المسلمين إلى السير في الأرض والنظر بإمعان وتدبّر في آثار الأُمم والشعوب التي سادت ثمّ بادت إذ يقول: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ﴾ [٣٤]، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار﴾ [٣٥].

وقد أشار الإمام عليّ أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذه الحقيقة في كلمات وخطب عديدة منها قوله: "فاعتبروا بما أصاب الأُمم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته، ووقائعه ومُثُلاته واتّعظوا بمثاوي خدودهم، ومصارع جنوبهم واستعيذوا بالله من لواقح الكبر كما تستعيذونه من طوارق الدهر...

واحذروا ما نزل بالأُمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال، وذميم الأعمال، فتذكّروا في الخير والشرّ أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم فإذا تفكّرتم في تفاوت حاليهم فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم وزاحت الأعداء له عنهم، ومدّت العافية به عليهم، وانقادت النعمة له معهم، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة واللزوم للألفة والتحاضّ عليها، والتواصي بها، واجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم وأوهن منّتهم، من تضاغن القلوب، وتشاحن الصدور وتدابر النفوس، وتخاذل الأيدي..." [٣٦].

ولذلك نرى القرآن الكريم عامراً بقصص الماضين، يقول سبحانه: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾ [٣٧] .

﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين﴾ [٣٨].

﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا﴾ [٣٩].

﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [٤٠].

ويقول أيضاً: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [٤١].

٢ـ التقوى

"حجزه التّقوى عن التّقحّم فى الشّبهات".

والوجه فيه هو أنّ الإنسان العاقل إذا اعتبر بما وقع من الحوادث على الأمم الماضية في القرون السّالفة وعلم أنّ العلّة و السّبب فيها لم تكن إلّا العصيان والمخالفة لأوامر الله تعالى وارتكاب المنهيات وعدم الانقياد للنّواميس الشّرعية التي بعث الله تعالى الأنبياء لأجلها فلا جرم يكون هذا الاعتبار مانعاً له عن الدخول في الشّبهات فضلاً عن المحرّمات.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "... للورع مراتب كثيرة: فورع العوام: الاجتناب عن الكبائر، وورع الخواصّ: الابتعاد عن الشبهات خشية الوقوع في المحرّمات. وورع أهل الزهد: الاجتناب عن المباحات للابتعاد عن وزرها.

وورع أهل السلوك: ترك النظر إلى الدنيا لأجل الوصول إلى المقامات. وورع المجذوبين: ترك المقامات لأجل الوصول إلى باب الله، ومشاهدة جمال الله. وورع الأولياء: الاجتناب عن التوجّه إلى الغايات" [٤٢].

وقد أشير إلى ورع الخواصّ في روايات عديدة منها:عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "حلال بيّن و حرام بيّن وشبهات بين ذلك فمن ترك الشّبهات نجا من المحرّمات و من أخذ بالشّبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم" [٤٣] وذلك لأنّ الوقوف عند الشّبهات خير من الاقتحام في الهلكات.

وعن النّعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: "إنّ لكلّ ملك حمى وإنّ حمى الله حلاله و حرامه و المشتبهات بين ذلك كما لو أنّ راعياً رعى الى جانب الحمى لم يثبت غنمه أن تقع في وسطه فدعوا المشتبهات" [٤٤].

وعن فضيل بن عياض عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: مَن الورعِ من النّاس؟ قال عليه السلام: "الذي يتورّع من محارم الله و يجتنب هؤلاء فإذا لم يتّق الشّبهات وقع في الحرام و هو لا يعرفه" [٤٥].

وعن أبي عبد الله عليه السلام: "أورع النّاس من وقف عند الشّبهة..." [٤٦].

ازدواج الشخصية

إنّ هناك أناساً يملكون شخصية مزدوجة، فهم أتقياء ورعون محتاطون في أمور وغير مبالين في أمور أخرى.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "نجد الكثير من ذوي الوسوسة التي لا مبرّر لها والجهلة المتنسّكين، لا يحتاطون في مواضع يجب الاحتياط فيها أو يستحب. هل سمعت أحداً يعيش حالة الوسوسة في الشبهات المالية؟ مَن من [الوسواسيين] دفع الزكاة والخمس مرات عديدة؟ وذهب إلى الحجّ لأداء الواجب مرات متكرّرة؟ وأعرض عن الطعام المشتبه؟ لماذا كانت أصالة الحلّية في الأطعمة المشتبهة جارية وأصالة الطهارة في مشكوك النجاسة غير جارية؟...

كان أحد الأئمّة المعصومين [الإمام الكاظم] سلام الله عليه وعليهم السلام إذا ذهب لقضاء حاجته رشّ الماء على فخذيه، حتّى إذا ترشّحت لدى الاستبراء أو الاستنجاء قطرات من الماء لم يحسّ بذلك ـ فهو لم يحتط ولم يتوسوس ـ. وهذا المسكين الذي يرى نفسه محتذياً حذو الإمام المعصوم عليه السلام وآخذاً دينه منه، لا يتّقي لدى التصرّف في الأموال، ولا يحتاط تجاه الطعام بل يتّكل على قاعدة أصالة الطهارة ويأكل، ثم يقوم ويغسل فمه ويديه. إنّه حين الأكل يتمسّك بأصالة الطهارة وبعد أن يشبع يقول: كل شيء نجس" [٤٧].

مثال لاجتناب الشبهات

"إنّ تعويد النفس على الغيبة في الأحوال الجائزة، يضرّ بحالها أيضاً. لأن النفس تميل نحو الشرور والقبائح، فمن المحتمل أن ينجرّ [الإنسان] رويداً رويداً من الموارد الجائزة إلى مرحلة أخرى وهي الموارد المحرّمة ، كما أنّ الدخول في الشبهات غير محمود، رغم جوازه، لأنّها حمى المحرّمات ومن الممكن أنّ الاقتحام في الحمى يفضي إلى الدخول في المحرّمات. يجب على الإنسان مهما أمكن أن يبعد النفس عن الغيبة في الأحوال المسموحة، ويحترز عن الأمور التي يحتمل أن يكون فيها طغيان للنفس" [٤٨].

قصص لاجتناب الشبهات

دعا أبو عبد الله عليه السلام مولى له يقال له: مصادف، فأعطاه ألف دينار وقال: له تجهّز حتّى تخرج إلى مصر فإنّ عيالي قد كثروا، قال: فتجهّز بمتاع وخرج مع التجّار إلى مصر فلمّا دنوا من مصر استقبلتهم قافلة خارجة من مصر فسألوهم عن المتاع الذي معهم ما حاله في المدينة وكان متاع العامّة [٤٩]  فأخبروهم أنّه ليس بمصر منه شيء فتحالفوا وتعاقدوا على أن لا ينقصوا متاعهم من ربح الدينار ديناراً فلمّا قبضوا أموالهم وانصرفوا إلى المدينة فدخل مصادف على أبي عبد الله عليه السلام ومعه كيسان في كلّ واحد ألف دينار، فقال: جعلت فداك هذا رأس المال وهذا الآخر ربح، فقال: إنّ هذا الربح كثير ولكن ما صنعته في المتاع؟ فحدّثه كيف صنعوا وكيف تحالفوا،: فقال: سبحان الله تحلفون على قوم مسلمين ألّا تبيعوهم إلّا ربح الدينار ديناراً، ثمّ أخذ الكيسين [٥٠] فقال: هذا رأس مالي ولا حاجة لنا في هذا الربح، ثمّ قال: يا مصادف مجادلة السيوف أهون من طلب الحلال [٥١].

إنّ المراجع لسيرة علمائنا الأبرار يلاحظ مدى احتياطهم وبعدهم عن الشبهات، وهذه بعض قبساتهم المعبّرة.

يروى عن آية الله السيّد محمّد باقر الدرجه أي ما يلي:

دعاه أحد التجّار الأثرياء مع عدد من العلماء والطلّاب، ومدّ سفرة وسيعة أنيقة مكلفة، عليها أنواع الأطعمة، وكعادته رحمه الله اكتفى بتناول مقدار قليل من الطعام، وبعد الانتهاء من تناول الطعام وغسل الأيدي، قدّم صاحب الدعوى للسيّد سنداً يتضمّن أمراً حراماً بحسب فتواه، وطلب منه أن يوقّع عليه.

أدرك (رضوان الله عليه) أنّ هذه الوليمة كانت مقدّمة لإمضاء هذا السند.

إنّ فيها إذن شبهة الرشوة، فتغيّر لونه وارتعدت فرائصه وقال: أيّة إساءة أسأتها إليك حتّى وضعت في حلقي هذا الزقّوم؟..

لماذا لم تأتِ بهذا السند قبل الغداء حتّى لا ألوّث يدي بهذا الطعام؟..

ثمّ نهض مضطرباً ومضى مسرعاً إلى المدرسة وجلس بجوار الحديقة المقابلة لحجرته، ووضع إصبعه في فمه حتّى استفرغ، ثمّ تنفس الصعداء [٥٢].

----------------------------------------------------------------------------------
[١] . العنكبوت: ٢ ـ ٣
[٢] . البقرة: ١٥٥ ـ ١٥٧.
[٣] . آل عمران: ١٥٤.
[٤] . نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم ٩٣.
[٥] . العنكبوت: ٢.
[٦] . البقرة: ١٢٤.
[٧] . النمل: ٤٠.
[٨] . نهج البلاغة، الخطبة ٨٨.
[٩] . م. ن، الخطبة ١٢٣.
[١٠] . البقرة: ١٥٥ ـ ١٥٧.
[١١] . الأنبياء: ٣٥.
[١٢] . الدعوات، قطب الدين الراوندي، ص ١٦٩.
[١٣] . الأنفال: ٢٨.
[١٤] . شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ١٨، ص ٢٤٨.
[١٥] . الكافي، الشيخ الكليني، ج ١، ص ٣٧٠.
[١٦] . نهج البلاغة، الخطبة ١٦.
[١٧] . الحجرات: ١٣.
[١٨] . آل عمران: ١٠٣.
[١٩] . كنز العمال، المتقي الهندي، ج ٤، ص ٢٨٣٧.
[٢٠] . الأربعون حديثاً، الإمام الخميني، الحديث ٨، ص١٤٣.
[٢١] . الكافي، الشيخ الكليني، ج‏٢، ص‏٣٠٧.
[٢٢] . م. ن، ج‏٢، ص ‏٣٠٨.
[٢٣] . المائدة، الآية: ٢.
[٢٤] . الأنعام: ١٥٢.
[٢٥] . نهج البلاغة، الخطبة٢٣.
[٢٦] . الكافي، الشيخ الكليني، ج ٢، ص ٣١٠.
[٢٧] . لقمان: ١٨.
[٢٨] . الحجرات: ١٢.
[٢٩] . الكافي، الشيخ الكليني، ج ٢، ص ٣٦٢.
[٣٠] . النساء: ٥٤.
[٣١] . الفلق: ٥.
[٣٢] . الوسائل، الحرّ العاملي، ج ١٥، ص ٣٦٨.
[٣٣] . الحجرات: ١٢.
[٣٤] . آل عمران: ١٣٧.
[٣٥] . الحشر: ٢.
[٣٦] . نهج البلاغة، الخطبة:١٩٢.
[٣٧] . الأعراف: ١٠١.
[٣٨] . هود: ١٢٠.
[٣٩] . طه: ٩٩.
[٤٠] . الأعراف: ١٧٦.
[٤١] . يوسف: ١١١.
[٤٢] . انظر:الأربعون حديثاً، الإمام الخميني، الحديث ٢٩، ص ٤٢٥- ٤٢٦.
[٤٣] . الكافي، الشيخ الكليني، ج١، ص٦٨.
[٤٤] . بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج٢،ص٢٥٩.
[٤٥] . مستدرك الوسائل،الميرزا النوري،ج١٢،ص١٧٧.
[٤٦] . م. ن، ج١١، ص ٢٧٨.
[٤٧] . الأربعون حديثاً، الإمام الخمينيّ، الحديث ٢٥، ص ٣٦٧- ٣٦٨.
[٤٨] . الأربعون حديثاً، الإمام الخميني، الحديث ١٩، ص ٢٩٢- ٢٩٣.
[٤٩] . (متاع العامة) أي الذي يحتاج إليه عامة الناس.
[٥٠] . وفي مستدرك الوسائل: "أحد الكيسين".
[٥١] . الكافي، الشيخ الكليني، ج٥، ص١٦٢.
[٥٢] . سيماء الصالحين، ص٤٧.

يتبع ....

****************************