وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                

Search form

إرسال الی صدیق
مواعظ من نهج البلاغة – الثاني

كيد الشيطان                     

عن أمير المؤمنين عليه السلام:"اتّخذوا الشيطان لأمرهم مِلاكاً، واتّخذهم له أشراكاً. فباض وفرّخ في صدورهم. ودبّ ودرج في حجورهم. فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم. فركب بِهم الزَّلل وزيّن لهم الخَطَل فِعْلَ من قد شَرِكَهُ الشيطان في سلطانه ونطق بالباطل على لسانه". (نهج البلاغة، الخطبة ٧ ) .

ملاك الأمر: ما به قوامه و ديمومته.

الأشراك: جمع شرك حبائل الصيد.

باض وفرّخ: كناية عن توطنه صدورهم وطول مكثه فيها، لأنّ الطائر لا يبيض إلا في عشّه. وفراخ الشيطان وساوسه.

دبّ: مشى على اليدين والرجلين كالطفل.

درج: مشى.

الحجور: مفردها حجر الحضن وفلان نشأ في حجر فلان أي في كنفه و منعته.

الزلل: الخطأ.

زيّن: له الأمر حسّنه و الشي‏ء زخرفه.

الخطل: أقبح الخطأ.

أخلاق الشيطان

إنّ الإنسان المؤمن كما أنّه مدعوّ لمعرفة الله تعالى وأخلاقه ليتخلّق بها: "تخلّقوا بأخلاق الله" كذلك هو مدعوّ لمعرفة عدوّه الشيطان الرجيم ليبتعد عن أخلاقه.

والشيطان هو كلّ موجود مؤذٍ مغوٍ طاغٍ متمرّد، إنساناً كان أم غير إنسان، وإبليس اسم الشيطان الذي أغوى آدم ويتربّص هو وجنده الدوائر بأبناء آدم دوماً [١].

وللشيطان أخلاق وصفات منها:

١- الاستكبار والعصبية

ففي خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام: وهي تتضمّن ذمّ إبليس لعنه الله، على استكباره و تركه السجود لآدم عليه السلام، و أنّه أوّل من أظهر العصبية و تبع الحميّة، و تحذير الناس من سلوك طريقته.

"فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ. فَعَدُوُّ اللهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ، وَنَازَعَ اللهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّل" [٢].

لذلك على الإنسان المؤمن أن لا يتعصّب إلّا للحقّ والدين، ويبتعد عن أيّ عصبيّة أخرى حتّى لو كان لأهله وإخوته وأقاربه.

٢ـ اتّباع الهوى

من صفات الشيطان اتّباع هواه، فهو يريد عبادة ربّه حسب هواه، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "أمر الله إبليس بالسجود لآدم، فقال: يا ربّ وعزّتك إنْ أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنّك عبادة ما عبدك أحد قطّ مثلها، قال الله جل جلاله: إنّي أحبّ أن أطاع من حيث أريد" [٣].

وكم نرى من الناس من يتّصف بهذه الصفة حيث يريد ديناً حسب ما تشتهي نفسه، فبعضهم تقول له أطع الله، صلّ الصلوات الخمس، زكِّ، خمّس، انته عن المعاصي، يجيب: إنّما الإيمان في القلب، وينسى أو يتناسى أنّ الإيمان بالقلب لا يكفي إن لم يلزمه العمل الصالح. لذلك نرى في كثير من الآيات الكريمة قرناً دائماً بين الإيمان والعمل الصالح، يقول تعالى: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [٤].

ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [٥].

فنلاحظ في الآية الشريفة أنّ أيّ عمل للصالحات لا بدّ حتّى يؤتي ثمرته وهي دخول الجنّة أن يكون مقروناً بالإيمان.

خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ

من الأمور التي تساعد على مجابهة الشيطان معرفة خططه، ومن خططه أنّه لا يوقع الإنسان المؤمن في المعاصي الكبيرة بخطوة واحدة وبشكل مكشوف،بل يعطيه السموم على جرعات، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ فعبارة ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قد تشير إلى مسألة تربوية دقيقة، وهي أنّ الانحرافات تدخل ساحة الإِنسان بشكل تدريجيّ، لا دفعيّ فوريّ. فتلوُّث شابٍّ بالقمار، أو شرب الخمر، أو بالمخدّرات، يتمّ على مراحل:فمثلاً يشترك أوّلاً متفرّجاً في جلسة من جلسات لعب الورق، ظانّاً أنّه عمل اعتياديّ لا ضير فيه.

ثمّ يشترك في اللعب نفسه للترويح عن النفس (دون ربح أو خسارة)، أو يتناول شيئاً من المخدّرات بحجّة رفع التعب أو المعالجة أو أمثالها من الحجج.

وفي الخطوة الأخرى يمارس العمل المحرّم قاصداً أنه يمارسه مؤقتاً.

وهكذا تتوالى الخطوات واحدة تلو الأخرى ويصبح الفرد مقامراً محترفاً أو مدمناً مريضاً.

فوساوس الشيطان تدفع بالفرد على هذه الصورة التدريجية نحو هاوية السقوط. وليست هذه طريقة الشيطان الأصليّ فحسب، بل كلّ الأجهزة الشيطانية تنفّذ خططها المشؤومة على شكل "خُطُوات". لذلك يحذّر القرآن كثيراً من اتّخاذ الخطوة الأولى على طريق الانزلاق.

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين﴾ [٦].

ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَر﴾ [٧].

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ" [٨].

وعنه عليه السلام: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ، وَ يُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً" [٩].

ما يساعد الشيطان على الإنسان

ثم إن هناك أموراً عديدة تساعد الشيطان على الإنسان منها:

١ـ مجالسة أهل الهوى

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "وَاعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلْإِيمَانِ، محضرةٌ للشيطان" [١٠].

من هنا حذّر الإمام من مجالسة أهل الأسواق لأنّ أكثرهم أهل هوى: "وَإِيَّاكَ وَمَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ، فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ، وَمَعَارِيضُ الْفِتَنِ" [١١].

٢- الافتراق عن جماعة أهل الحقّ

فعنه عليه السلام: "وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَ ضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ" [١٢].

فلذلك لا بدّ أن يحرص الإنسان على البقاء في أجواء أهل الحق والذكر وعمل الخير ولا يشذّ عنهم كي لا يقع في شرك ومصيدة إبليس اللعين.

٣ـ الظلم والكبر

فعنه عليه السلام: "فاللهَ اللهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ، وَ آجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ، وَ سُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ، فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ الْعُظْمَى، وَ مَكِيدَتُهُ الْكُبْرَى، الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ" [١٣].

فلذلك لا بدّ من الاجتناب عن الظلم والكبر كي لا يقع المؤمن في مكيدة إبليس.

٤ـ الانشغال بعيوب غيره عن عيوب نفسه

فعنه عليه السلام: "فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَ ارْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ، وَ مَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ، وَ زَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ" [١٤].

وهذه آفّة عظيمة عند الإنسان حيث يلقي بالملامة دائماً على غيره ويبرّئ نفسه، بينما نجد الأولياء يقولون: ﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [١٥].

٥ـ الوقوع في الفتنة

فعنه عليه السلام: "وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ، انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ، وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَ يَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنى" [١٦].

فلا بدّ من المعرفة والتعلم والوعي لكي يستطيع الإنسان أن يميّز بين الحقّ والباطل، وعليه بالرجوع إلى العلماء وإلى المخلصين الواعين من المؤمنين كي ينصحوه فلا يقع في الفتنة وبالتالي يضلّ الطريق.

٦ـ الإعجاب بالنفس وحبّ المدح

فعنه عليه السلام: "وَإِيَّاكَ والْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الْإِطْرَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ" [١٧].

فإنّ الإعجاب بالنفس وانتظار مدح الناس له يؤدّي إلى محق العمل فيدخل إبليس من هذا الباب وتكون نهاية الإنسان التعب في الدنيا والخسران في الآخرة.

٧ـ الشكّ

عنه عليه السلام: "وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ" [١٨].

لذلك لا بدّ من أن يخطو الإنسان المؤمن في كل خطواته بثقة وعلم ومعرفة ويقين لا سيما في المعتقدات، حتّى لا يقع تحت وطأة حوافر الشياطين.

٨ ـ الغضب

فعنه عليه السلام: "وَاحْذَرِ الْغَضَبَ، فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ" [١٩].

"وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ" [٢٠].

ومن الواضح أنّ الغضب نار تشتعل في الإنسان فتطغى على العقل وبالتالي يقع بالمفسدة والضرر.

٩- الإفراط في حبّ النساء والخلوة بالأجنبية

عن الإمام عليّ عليه السلام: "الفتن ثلاث: حبّ النساء وهو سيف الشيطان، وشرب الخمر وهو فخّ الشيطان، وحب الدينار والدرهم وهو سهم الشيطان" [٢١].

وفي الرواية أنّه قال إبليس لموسى عليه السلام: يا موسى لا تخل بامرأة لا تحلّ لك، فإنه لا يخلو رجل بامرأة لا تحلّ له إلا كنت صاحبه دون أصحابي [٢٢].

فلشدّة خطورة هذه الخطوة ولأنها سريعة في إيقاع المؤمن بالمعصية يتدخّل إبليس بنفسه ليوقع المؤمن بما يغضب الله، لذلك لا بدّ من أخذ الحيطة للدين والحذر من الخلوة بالمرأة الأجنبية.

١٠ـ حبّ المال والترف

عنه عليه السلام من كتاب له إلى معاوية:" فإنّك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه، وبلغ فيك أمله، وجرى منك مجرى الروح والدم" [٢٣].

وعنه عليه السلام: "إنّ الشيطان يدير ابن آدم في كلّ شيء، فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته" [٢٤].

وهذه مصيبة عامّة البلوى، تأخذ بالإنسان برقبته وتورده المهالك، فعلى الإنسان أن يعي أنّ المال ليس إلّا وسيلة للعيش في هذه الدنيا الفانية برضا الله والتقرّب إليه فيها للوصول إلى ذلك العالم، فالمال وسيلة لرضا الله سبحانه، وليس هدفاً بنفسه.

١١- الحسد والعداوة

يقول تعالى:﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ [٢٥].

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "يقول إبليس لجنوده: ألقوا بينهم الحسد والبغي، فإنهما يعدلان عند الله الشرك" [٢٦].

الشيطان أضعف ركناً                       

عن أمير المؤمنين عليه السلام:"وعَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ". (نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢).

ما يساعد الإنسان على الشيطان

لقد أشرنا في الدرس السابق كيف يستطيع إبليس عبر خطوات أن يوقع الإنسان في الهاوية، ولا بدّ من التعرف إلى ما يساعد هذا الإنسان للتغلّب على إبليس، فإنّ الله سبحانه أودع هذه القوّة في الإنسان، ليستطيع الوصول إلى الجنّة بعد هذا الامتحان الكبير فيستحقّ بذلك رضا الله والجنّة. نذكر منها:

١- العبادة

في خطبة للإمام عليّ عليه السلام بعد أن يحذّر من الشيطان يذكر ما يحرس منه فيقول: "وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات، ومجاهدة الصيّام في الأيّام المفروضات" [٢٧].

٢- الدعاء

يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [٢٨].

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "أكثر الدعاء تسلم من سورة الشيطان" [٢٩].

فالدعاء وهو من لحظات الأنس مع الله سبحانه من أهمّ الأمور المقرّبة منه تعالى، والتي تعين على الابتعاد عن إبليس اللعين.

٣- ذكر الله

عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال إبليس: خمسة أشياء ليس لي فيهنّ حيلة وسائر الناس في قبضتي: من اعتصم بالله عن نيّة صادقة واتّكل عليه في جميع أموره، ومن كثر تسبيحه في ليله ونهاره، ومن رضي لأخيه المؤمن بما يرضاه لنفسه، ومن لم يجزع على المصيبة حين تصيبه، ومن رضي بما قسم الله له ولم يهتمّ لرزقه" [٣٠].

قصّة لطيفة

روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه: لمّا نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً ..﴾ [٣١] صعد إبليس جبلاً بمكّة يقال له: ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه، فقالوا:" يا سيّدنا لمَ دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية، فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا، قال: لست لها، فقام آخر فقال مثل ذلك، فقال: لست لها، فقال الوسواس الخنّاس: أنا لها، قال: بماذا؟ قال: أعدهم وأمنّيهم حتّى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها فوكّله بها إلى يوم القيامة" [٣٢].

٤- الاعتصام بالقرآن والنبيّ والآل

عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "من أحبّ أن يركب سفينة النجاة، ويستمسك بالعروة الوثقى، ويعتصم بحبل الله المتين، فليوالِ عليّاً بعدي، وليعادِ عدوّه، وليأتمّ بالأئمّة الهداة من ولده، فإنّهم خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي، وسادة أمّتي، وقادة الأتقياء إلى الجنّة. حزبهم حزبي، وحزبي حزب الله عزّ وجلّ، وحزب أعدائهم حزب الشيطان" [٣٣].

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ: فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَاسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَمَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ، وَ لَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ - وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللهِ عَلَيْكَ" [٣٤].

وفي زمن غيبة الإمام المهديّ عجل الله فرجه الشريف ينبغي الاعتصام واللجوء إلى الوليّ الفقيه، فإنّه بما يملك من علم وعدالة وبصيرة وشجاعة وزهد في الدنيا ومخالفة لهواه، يؤمِن المؤمنين من الفتنة والاختلاف، فعن الإمام العسكريّ عليه السلام: "من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه" [٣٥].

وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى قضاة الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا، فاجعلوه بينكم قاضياً، فقد جعلته عليكم قاضياً فتحاكموا إليه" [٣٦].

وفي المكاتبة عن الإمام المهديّ عجل الله فرجه الشريف: "وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله" [٣٧].

٥- البصيرة

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ألا وإنّ الشيطان قد جمع حزبه، واستجلب خيله ورجله، وإنّ معي لبصيرتي" [٣٨].

فالإنسان المؤمن مدعوّ لامتلاك الوعي والبصيرة وزيادتهما لكي لا تنطلي عليه حيل ومكر الشياطين.

٧- التوكّل على الله

﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون﴾ [٣٩].

إنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً:ينبغي للإنسان المؤمن أن لا يخاف إلّا الله ولا يخاف من شياطين الإنس والجن، فإنّما يخوّف أولياءه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [٤٠].

فكيد الشيطان ضعيف أمام صلابة ووعي وبصيرة الإنسان المؤمن: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [٤١].

وعن الإمام الكاظم عليه السلام في وصيّته لهشام: "فله - أي لإبليس - فلتشتدّ عداوتك، ولا يكوننّ أصبر على مجاهدته لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته، فإنّه أضعف منك ركناً في قوته، وأقلّ منك ضرراً في كثرة شرّه، إذا أنت اعتصمت بالله فقد هديت إلى صراط مستقيم" [٤٢].

فالشيطان ليس له سلطان على الإنسان إلا أن يساعده الإنسان على نفسه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ [٤٣].

فابرأ من الشيطان الضعيف قبل أن يبرأ منك يوم لا ينفع الندم: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [٤٤] .

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ، وَهُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ، وَمُتَخَلٍّ عَنْهُمْ" [٤٥].

ونحن نرى بأمّ أعيننا كيف أنّ شياطين الإنس مثل أمريكا وإسرائيل يستعملون عملاءهم ثمّ يلفظونهم ويتركونهم لمصيرهم المشؤوم.

فاحذروا أن تكونوا قرناء الشياطين بين طابقين من نار، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ، وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ، وَقَرِينَ شَيْطَانٍ‏" [٤٦].

ذكر الموت                       

عن أمير المؤمنين عليه السلام:"وَ أُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَ إِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ وَ كَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ وَ طَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ وَ أُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ". (نهج البلاغة، الخطبة ٨٨) .

كيف نذكر ما نخاف؟

يوصي الإمام عليّ عليه السلام في هذه الخطبة من نهج البلاغة بذكر الموت والحال أنّ أكثر الناس يخاف الموت، فكيف نوصيهم بذكره؟ فإنّ الإنسان يبتعد عن ذكر ما يخيفه، وينساه أو يتناساه لكي لا يتألّم ولا يقلق ولا يزعج باله ويشغل خاطره.

أسباب الخوف من الموت

في الحقيقة إنّ للخوف من الموت أسباباً:

١- الخوف من الفناء والعدم

إنّ كراهة معظم الناس للموت وخوفهم منه لأجل أنّ الإنسان حسب فطرته التي فطرها الله سبحانه، وجبلّته الأصيلة، يحبّ البقاء والحياة، ويتنفّر من الفناء والممات، وحيث إنّ في فطرة الإنسان هذا الحبّ وذاك التنفّر، فإنّه يحبّ ويعشق ما يرى فيه البقاء، ويحبّ ويعشق العالم الذي يرى فيه الحياة الخالدة، ويهرب من العالم الذي يقابله. وحيث إنّ كثيراً من الناس لا يؤمن إيماناً يقينياً بعالم الآخرة، ولا تطمئنّ قلوبهم نحو الحياة الأزلية، والبقاء السرمديّ لذلك العالم، فإنّهم يحبّون هذه الدنيا، ويهربون من الموت حسب تلك الفطرة والجبلّة.

إنّ أكثر الناس تنشدّ قلوبهم إلى تعمير الدنيا، وتغفل عن تعمير الآخرة، ولهذا لا يرغبون في الانتقال من مكان فيه العمران والازدهار إلى مكان فيه الدمار والخراب. وهذا ناتج من نقص في الإيمان والاطمئنان. وأمّا إذا كان الإيمان كاملاً، فلا يسمح الإنسان لنفسه أن يشتغل بأموره الدنيوية المنحطّة ويغفل عن بناء الآخرة.

٢ـ الجهل بالموت

عن الإمام الجواد عليه السلام - لمّا سئل عن علّة كراهة الموت -: "لأنّهم جهلوه فكرهوه، ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله عزّ وجلّ لأحبّوه، ولعلموا أنّ الآخرة خير لهم من الدنيا، ثم قال عليه السلام: يا أبا عبد الله [٤٧] ما بال الصبيّ والمجنون يمتنع من الدواء المنقّي لبدنه والنافي للألم عنه؟ قال: لجهلهم بنفع الدواء، قال عليه السلام: والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً إنّ من استعدّ للموت حقّ الاستعداد فهو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج، أما إنّهم لو عرفوا ما يؤدّي إليه الموت من النعيم لاستدعوه وأحبّوه أشدّ ما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفّات واجتلاب السلامة" [٤٨].

وعن الإمام العسكري عليه السلام: "دخل عليّ بن محمّد على مريض من أصحابه وهو يبكي ويجزع من الموت، فقال له: يا عبد الله تخاف من الموت لأنّك لا تعرفه، أرأيتك إذا اتّسخت وتقذّرت وتأذّيت من كثرة القذر والوسخ عليك وأصابك قروح وجرب وعلمت أنّ الغسل في حمّام يزيل ذلك كلّه أما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك أو تكره أن تدخله فيبقى ذلك عليك؟ قال: بلى يا ابن رسول الله، قال: فذاك الموت هو ذلك الحمّام، وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك، فإذا أنت وردت عليه وجاوزته فقد نجوت من كل غمّ وهمّ وأذى، ووصلت إلى كلّ سرور وفرح، فسكن الرجل واستسلم ونشط وغمض عين نفسه ومضى لسبيله" [٤٩].

٣ـ الخوف من العقاب

ومثل هذا الخوف يلاحق المذنبين المؤمنين بالآخرة، فيخافون أن يحين حينهم وهم مثقلون بالآثام والأوزار، فينالوا جزاءهم، ولذلك يودّون أن تتأخّر ساعة انتقالهم إلى العالم الآخر.

ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "لا تكن ممّن... يكره الموت لكثرة ذنوبه، و يقيم على ما يكره الموت له... يخشى الموت، و لا يبادر الفوت" [٥٠].

وعن الإمام أبي عبدِالله عليه السلام قال: "جاء رَجُلٌ إلى أبي ذَرٍّ فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ ما لَنا نَكرَهُ المَوْتَ؟ فَقالَ: لأَنَّكُمْ عَمَّرْتُمُ الدُّنْيا وأَخْرَبْتُم الآخِرَةَ، فَتَكْرهُونَ أَنْ تُنْقَلُوا مِن عِمْرانٍ إلى خَرابٍ، فَقَالَ لَهُ: فَكَيْفَ تَرى قُدُومَنا عَلَى الله؟ فَقالَ: أمَّا المُحْسِنُ مِنْكُمْ فَكَالغَائِبِ يَقْدُمُ عَلَى أهْلِهِ، وَأَمَّا المُسِيءُ مِنْكُمْ فَكَالآبِقِ يُرَدُّ عَلَى مَوْلاَهُ...." [٥١].

هذه الأسباب للخوف من الموت ـ خوف العدم والجهل بالموت وخوف العقاب - عالجها الإسلام حيث أحيا في القلوب الإيمان باليوم الآخر، وبذلك أبعد شبح الفناء والانعدام من الأذهان، وبيّن أنّ الموت انتقال إلى حياة أبدية خالدة منعّمة.

ومن جهة أخرى دعا الإسلام إلى العمل الصالح والابتعاد عن عصيان الله تعالى، كي يبتعد الإنسان عن الخوف من العقاب.

التهيّوء لساعة الموت

وكوننا نحن مؤمنين بالحياة بعد الموت وأنّه ليس فناءاً وأنّه قنطرة نعبرها إمّا الى جنّة وإمّا إلى نار- كما عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "الموت الموت ! ألا ولا بدّ من الموت،جاء الموت بما فيه، جاء بالروح والراحة والكرّة المباركة إلى جنّة عالية لأهل دار الخلود، الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم، وجاء الموت بما فيه بالشقوة والندامة وبالكرّة الخاسرة إلى نار حامية لأهل دار الغرور، الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم" [٥٢]، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "وما بين أحدكم و بين الجنة أو النار إلّا الموت أن ينزل به، و إنّ غاية تنقصها اللحظة، و تهدمها السّاعة، لجديرة بقصر المدّة، و إنّ غائباً يحدوه الجديدان: اللّيل و النّهار، لحريّ بسرعة الأوبة، و إنّ قادماً يقدم بالفوز أو الشّقوة لمستحقّ لأفضل العدّة، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم غداً" [٥٣] - إذا كان الموت هكذا بهذه الخطورة والمصيرية ينبغي لنا أن نتهيّأ لتلك الساعة التي لا مفرّ منها لأيّ أحد.

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "وبادروا الموت وغمراته، وامهدوا له قبل حلوله، وأعدّوا له قبل نزوله" [٥٤].

فالإنسان الحكيم لا يغمض عينيه عن الأمور الخطيرة والمصيرية ولا يفعل كالنعامة التي تضع رأسها في التراب متوهّمة أنّ الذئب الآتي إليها لن يفترسها!

الإنسان الحكيم يتهيّأ للأمور الخطيرة والمصيرية ولا ينساها ولا يتناساها لأنها لا تنساه.

فالموت لا ينسانا وإن نسيناه أو تناسيناه "وكيف غفلتكم عمّا ليس يغفلكم، وطمعكم فيمن ليس يمهلكم؟".

التفكّر بالموت:إنّ الله تعالى كما أنّه خلق الحياة كذلك خلق الموت: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور﴾ [٥٥].

فالإنسان المؤمن عليه أن يفكّر في الحياة الدنيا وفي الموت الذي هو قنطرة للحياة الأبدية الباقية: ﴿كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ *فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.﴾ [٥٦].

ولكنّ المؤسف أنّ الإنسان يفكّر في دنياه الزائلة ولا يفكّر في الموت الذي هو باب إلى الآخرة الى الحياة السرمدية، بل إنّ التفكير بالموت له تأثير على حياته الدنيوية فضلاً عن آخرته.

فإنّ وجهة نظر الإنسان نحو الموت وما بعده مهمّة جداً في حياته، فكلّما كانت نظرته واقعية وموضوعية وصحيحة، كلّما كانت حياته سعيدة ونشطة ومتحرّكة ومتفائلة، والعكس صحيح أيضاً.

فتركيبة الإنسان النفسية ومن ثمّ سلوكه وأخلاقه تتأثّر جداً من خلال نظرته إلى الموت وما بعده.

فليس التفكير في الموت وما بعده أو بالأحرى ليس الاعتقاد بوجهة نظر معيّنة تجاه الموت وما بعده فكرة عابرة تمرّ بالخيال وترحل، ولو حاول الإنسان أن يخرجها من خياله وشعوره، فإنّها ستنزل رغماً عنه إلى لا شعوره وعقله الباطنيّ وكيانه النفسيّ وتطبعه بطابع معيّن إمّا سلباً أو إيجاباً.

فعلى هذا ليس التفكير في الموت وما بعده موتاً بل حياة، أي له دخالة في حياة الإنسان وبنائه الروحيّ والنفسيّ والعقليّ.

وأنتم إذا دقَّقتم جيداً ستعرفون؛ أنّ الإنسان إذا كانت نظرته إلى الموت على أنّه فناء ستكون تركيبته النفسية معقّدة خائفة متشائمة مضطربة مستهترة متحلِّلة، أمّا إذا كانت نظرته على النقيض من ذلك واعتقد بأنّ الموت ليس انحلالاً تامّاً ولا فناءً محضاً، إنّما حياة ثانية لها نكهتها الخاصّة، فستكون حياته النفسية وتركيبته الروحية متفائلة مطمئنة ملتزمة.

اكتشاف ما بعد الموت يحيي أمماً وأفراداً

يقول بعض الفلاسفة: "إنّ اكتشاف الموت هو الذي ينتقل بالشعوب والأفراد إلى مرحلة النضج العقليّ أو البلوغ الروحيّ" [٥٧].

صحيح قول هذا المفكّر وتؤيّده الوقائع التاريخية، وللتدليل على هذه الفكرة نعطيكم مثالاً واحداً.

كان أكثر الأمّة العربية قبل الإسلام منكراً للحياة بعد الموت، يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّون﴾ [٥٨].

﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيد﴾ [٥٩].

﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُون﴾ [٦٠].

فكيف كانت حياتهم؟ كانت حياتهم حياة جهلٍ وتخلّف وتبعيّة، ولكن عندما جاء الإسلام، وغيّر نظرتهم إلى الموت وما بعده، تغيَّر العرب تغيّراً جذرياً، فانطلقوا في الدّنيا بكل انشراح وقوّة وغيّروا مجرى التاريخ بعد أن كانوا هملاً.

فيتبيّن ممّا مرّ أنّ ذكر الموت والتفكّر فيه وعدم نسيانه ضروريّ للفرد والمجتمع، فهو صمّام أمان للفرد، ودفع للمجتمع للتغيير، فشتّان بين من يحسب الموت فناء ومن يقطع بأن الموت حياة أخرى، فالأوّل جبان كما عليه اليهود ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [٦١]، ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [٦٢]، والثاني شجاع كما عليه أبناء الإسلام.

ولهذا الاعتقاد درجات يترقّى فيها الإنسان حتّى يصبح الموت بالنسبة له أمراً عادياً على حدّ تعبير الإمام عليّ بن الحسين : "لا أبالي وقعنا على الموت أو وقع الموت علينا".

------------------------------------------------------------------------------
[١] . انظر، الأمثل، الشيخ مكارم الشيرازي، ج١، ص١٧١.
[٢] . نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
[٣] . بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج ٢، ص ٢٦٢.
[٤] . العصر: ١ ـ ٣.
[٥] . النساء: ١٢٤.
[٦] . البقرة: ١٦٨.
[٧] . النور: ٢١.
[٨] . نهج البلاغة، الخطبة ١٥١.
[٩] . م. ن، الخطبة ١٢١.
[١٠] . م. ن، الخطبة ٨٦.
[١١] . م. ن، الكتاب ٦٩.
[١٢] . م. ن، الخطبة ١٢٧.
[١٣] . نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
[١٤] . م. ن، الخطبة ١٥٧.
[١٥] . يوسف: ٥٣.
[١٦] . نهج البلاغة، الخطبة ٥١.
[١٧] . نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[١٨] . م. ن، الحكمة ٣١.
[١٩] . م. ن، الكتاب ٦٩.
[٢٠] . م. ن، الكتاب ٧٦ .
[٢١] . بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج٢، ص١٠٧.
[٢٢] . بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج١٣، ص٣٥٠.
[٢٣] . نهج البلاغة، الكتاب ١٠.
[٢٤] . شرح أصول الكافي، المولى محمّد صالح المازندراني، ج٩، ص٣٣٧.
[٢٥] . المائدة: ٩١.
[٢٦] . بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج ٧٢، ص ٢٧٨.
[٢٧] . نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
[٢٨] . غافر:٦٠.
[٢٩] . بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٧٥، ص٩.
[٣٠] . م. ن، العلامة المجلسي،ج٦٠، ص ٢٤٨.
[٣١] . آل عمران: ١٣٥.
[٣٢] . بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٦٦، ص٣٤٩.
[٣٣] . بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٢٣، ص١٤٤.
[٣٤] . نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
[٣٥] . العروة الوثقى، السيد اليزدي، ج١، ص٢٦.
[٣٦] . عوالي اللآلي، ابن أبي جمهور الإحسائي، ج٣، ص٥١٨.
[٣٧] . وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج٢٧، ص١٤٠.
[٣٨] . نهج البلاغة، الخطبة ١٠.
[٣٩] . النحل: ٩٩.
[٤٠] . آل عمران: ١٧٥.
[٤١] . النساء: ٧٦.
[٤٢] . بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٧٥، ص٣١٥.
[٤٣] . إبراهيم: ٢٢.
[٤٤] . الحشر، الآية: ١٦.
[٤٥] . نهج البلاغة، الخطبة ١٨١.
[٤٦] . م. ن، الخطبة ١٨٢.
[٤٧] . وفي نسخة كتاب الاعتقادات للشيخ الصدوق: «يا عبد الله».
[٤٨] . بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج ٦، ص ١٥٦.
[٤٩] . بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج ٦، ص ١٥٦.
[٥٠] . نهج البلاغة، الحكمة ١٥٠.
[٥١] . الكافي، الشيخ الكليني، ج ٢، ص ٤٥٨.
[٥٢] . جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي، ج١٤، ص ٦٠.
[٥٣] . نهج البلاغة، الخطبة ٦٤.
[٥٤] . م. ن، الخطبة ١٩٠.
[٥٥] . الملك: ٢.
[٥٦] . البقرة: ٢١٩ ـ ٢٢٠.
[٥٧] . انظر: تغلب على الخوف، مصطفى غالب، ص‏٧٤..
[٥٨] . الجاثية: ٢٤.
[٥٩] . السجدة: ١٠.
[٦٠] . الصافات: ٤٧.
[٦١] . البقرة:٩٦.
[٦٢] . الحشر:١٤.

يتبع .....

****************************