وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
ميّزتان في كلمات الامام علي عليه السلام

تمتاز كلمات الإمام أمير المؤمنين (ع) منذ أقدم العصور بميزتين تعرف بهما، وهما: البلاغة: والشمول. ويكفي كل واحدة من هاتين الميزتين فخرا لكلام الإمام وشرفا. ولكن إجتماعهما يعني ورود ذلك الكلام في موارد متفاوتة بل متضادة أحيانا، وهومع ذلك يحتفظ بمعناه وبلاغته أيضا، وهذا هوالذي جعل كلامه (ع) قريبا من حد الإعجاز، ومن هنا أيضا عدّ كلامه (ع) في الحد الوسط بين كلام المخلوق وكلام الخالق فقالوا فيه: «هوفوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق» [١].  
١- الفصاحة والجمال:
لا تحتاج هذه الميزة في نهج البلاغة إلى التوضيح لمن كان عارفا بفنون الكلام وجمال الكلمة، فإن الجمال يدرك ولا يوصف. إن لنهج البلاغة اليوم وبعد أربعة عشر قرنا من عهده نفس الحلاوة واللطف الذي كان فيه للناس على عهده، ولسنا نحن الآن في مقام إثبات هذا الكلام، ولكنا- بمناسبة البحث- نورد هنا كلاما في مدى نفوذ كلامه (ع) في القلوب، وتأثيره في تحريك العواطف والأحاسيس، والمستمر من لدن عهده إلى اليوم، مع كل ما حدث من تحول وتغيير في الأفكار والأذواق. ولنبدأ بعهده.
لقد كان أصحابه (ع)- خصوصا من كان منهم عارفا بفنون الكلام- مغرمين بكلامه، منهم (ابن عباس) الذي كان- كما ذكر الجاحظ في (البيان والتبيين)- من الخطباء الأقوياء على الكلام [٢] فإنه لم يكن يكتم عن غيره شوقه إلى إستماع كلامه والتذاذه بكلماته (ع)، حتى أنه حينما أنشأ الإمام خطبته المعروفة بالشقشقية كان حاضرا، فقام إلى الإمام (ع) رجل من أهل السواد- أي العراق- وناوله كتابا، فقطع بذلك كلام الإمام، فقال ابن عباس: «يا أمير المؤمنين لواطردت خطبتك من حيث أفضيت» فقال (ع): «هيهات إنها شقشقة هدرت، ثم قرت» ولم يطرد في كلامه ذاك، فكان ابن عباس يقول: «واللّه ما ندمت على شي‏ء كما ندمت على قطعه هذا الكلام».
وكان يقول في كتاب بعث به إليه الإمام (ع): «ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول اللّه (ص) كانتفاعي بهذا الكلام».  [٣]

وكان معاوية بن أبي سفيان- وهوأدل أعدائه- معترفا بفصاحته وجمال أسلوبه: فقد أدبر محقن بن أبي محقن عن الإمام (ع) وأقبل على معاوية وقال له- وهويريد أن يفرح قلبه الفائز بالحقد على الإمام (ع)- جئتك من عند أعيا الناس وكان هذا التملق من القبح بمكان لم يقبله حتى معاوية، فقال له: ويحك كيف يكون أعيا الناس فواللّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره.
أ- النفوذ والتأثير
كان الذين يجلسون إلى منبره فيستمعون إليه يتأثرون بكلامه كثيرا، إذ كانت مواعظه تهز القلوب وتسبل الدموع. والآن أيضا من ذا يسمع وعظه أويقرأه فلا يهزله وهذا السيد الرضي (ره) يقول بعد نقله الخطبة المعروفة بالغراء [٤] .
 «وفي الخبر أنه (ع) لما خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود، وبكت العيون، ورجفت القلوب. ومن الناس من يسمي هذه الخطبة الغراء».
وكان همام بن شريح من أصحابه (ع) من أولياء اللّه وأحبائه متيّم القلب بذكره، فطلب من الإمام (ع) بإصرار أن يرسم له صورة كاملة للمتقين، وكان الإمام (ع) يخاف عليه أن لا يتحمل سماع كلماته، فاقتصر على جمل مختصرة إذ قال: «اتق اللّه يا همام وأحسن، فإن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون» ولكن لم يقنع بهذا همام بل إذ داد شوقه إلى كلامه (ع) أوارا وضرما، فأصر عليه أكثر من ذي قبل حتى أقسم عليه فبدأ الإمام (ع) خطبة عد فيها (١٠٥) من أوصاف المتقين [٥] .
وكلما أدام الإمام كلامه وصعد في صفات المتقين ازداد إضطراب نفس همام كأنها طير يحاول أن يكسر قفصه فيخرج منه وفجأة قرعت أسماع الحاضرين صرخة مهولة جلبت أنظارهم إلى صوب همام ولم يكن الصارخ سوى‏ همام، فلما وقفوا عليه رأوا أن روحه قد خرجت من جسمه إلى رحمة اللّه ورضوانه. فقال الإمام (ع): «أما واللّه لقد كنت أخافها عليه. ثم قال: هكذا تفعل المواعظ البليغة بأهلها».
نعم، هكذا كان أثر نفوذ كلام الإمام (ع) في نفوس سامعيه.
ب- قالوا فيه
كان علي (ع) هوالشخص الوحيد الذي اهتم الناس بحفظ كلماته (ع) وضبطها في بطون الصحائف والقلوب.
فهذا ابن أبي الحديد ينقل لنا عن الكاتب عبد الحميد بن يحيى [٦] الذي كان يضرب به المثل في الكتابة والخطابة في أوائل القرن الثاني الهجري، أنه كان يقول: «حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع، ففاضت ثم فاضت».
وينقل الدكتور علي الجندي: أن عبد الحميد سئل: أنى لك هذه البلاغة فقال: «حفظ كلام الأصلع» [٧] .
وكان عبد الرحيم بن نباتة وهوالذي كان يضرب به المثل في خطباء العرب في العهد الإسلامي، يعترف بأنه إنما أخذ ماله من ذوق وفكر وأدب عن الإمام (ع) ويقول- على ما نقله ابن أبي الحديد في مقدمته لشرح النهج: «حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب (ع).
وكان الجاحظ- وهوالأديب العارف بالكلام وفنونه، والذي يعد نابغة في الأدب في أوائل القرن الثالث الهجري، ويعدّ كتابه (البيان والتبيين) أحد أركان‏ الأدب الأربعة  [٨] .
- يكرر في كتابه الإعجاب والثناء على كلام الإمام (ع).
ويبدومن كلامه انتشار كلمات كثيرة عن الإمام (ع) بين الناس على عهده.
ينقل الجاحظ في الجزء الأول من (البيان والتبيين) [٩] آراء الناس في الثناء على السكوت وذم كثرة الكلام، فيعلق عليها يقول: «الإسهاب المستقبح هوالتكلف والخطل المتزايد، ولوكان هذا كما يقولون لكان علي بن أبي طالب وعبد اللّه بن عباس أكثر الناس فيما ذكروا».
وفي نفس الجزء الأول ينقل هذه الكلمة المعروفة عن الإمام (ع): «قيمة كل امرى‏ء ما يحسنه» ثم يثني على هذه الجملة ما يبلغ نصف صفحة الكتاب ويقول: «فلولم نقف من كتابنا هذا إلّا على هذه الكلمة لوجدناها كافية شافية، ومجزية مغنية، بل لوجدناها فاضلة على الكفاية وغير مقصرة عن الغاية. وكأن اللّه عزّ وجلّ قد ألبسه من الجلالة وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله».
وللسيد الشريف الرضي (ره) جملة معروفة في وصف كلام الإمام (ع) والثناء عليه، يقول: «كان أمير المؤمنين (ع) مشرع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا وقد تقدم وتأخروا، لأن كلامه (ع) الذي عليه مسحة من العلم الإلهي وفيه عبقة من الكلام النبوي»  [١٠].
وكان ابن أبي الحديد من علماء المعتزلة في القرن السابع الهجري، أديبا ماهرا وشاعرا بليغا. وهوكما نعلم مغرم بكلام الإمام (ع) مكررا إعجابه به في كتابه ومقدمته: «وأما الفصاحة: فهو(ع) إمام الفصحاء وسيد البلغاء، وفي كلامه قيل: دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة... وحسبك أنه لم يدوّن لأحد من فصحاء الصحابة العشر ولا نصف العشر مما دوّن له، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبوعثمان الجاحظ في كتاب (البيان والتبيين) وفي غيره من كتبه.  [١١]
وفي الجزء السادس عشر من شرحه عند شرحه رسالة الإمام (ع) إلى ابن عباس بعد مقتل محمد بن ابي بكر واغتصاب مصر بيد أصحاب معاوية، إذ يكتب إليه إلى البصرة يخبره بالخبر، يقول: «انظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها وتملكه زمامها، وأعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلوبعضها بعضا كيف تؤاتيه وتطاوعه سلسلة سهلة، تتدفق من غير تعسف ولا تكليف...

فسبحان اللّه من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة أن يكون غلام من أبناء عرب مكة ينشأ بين أهله لم يخالط الحكماء، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهية من أفلاطون وأرسطو، ولم يعاشر أرباب الحكم الخليفة والآداب النفسانية- لأن قريشا لم يكن أحد منهم مشهورا بمثل ذلك- وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط، ولم يرب بين الشجعان- لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة ولم يكونوا ذوي حرب- وخرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض، قيل لخلف الأحمر: أيما أشجع: عنبسة وبسطام أم علي بن أبي طالب فقال: إنما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس، لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة فقيل له: فعلى كل حال قال: واللّه لوصاح في وجهيهما لماتا قبل أن يحمل عليهما.

وخرج أفصح من سحبان وقس، ولم تكن قريش بأفصح العرب، كان غيرها أفصح منها، قالوا: أفصح العرب جرهم وإن‏ لم تكن لهم نباهة. وخرج أزهد الناس في الدنيا وأعفّهم، مع أن قريشا ذووحرص ومحبة للدنيا. ولا غروفيمن كان محمد (ص) مربيه ومخرجه، والعناية الإلهية تمده وترفده: أن يكون منه ما كان» [١٢].
ج- نهج البلاغة ومجتمعنا اليوم
لقد تبدلت الألوان في هذا العالم اليوم عما كانت عليه منذ أربعة عشر قرنا، وتطورت المعارف والثقافات وتغيّرت الأذواق. فقد يزعم الواهم أن المعارف والأذواق القديمة كانت تتقبل مقال الإمام (ع) وتخضع له، أما الأفكار والأذواق الحديثه فهي تحكم بغير ذلك ولكن يجب علينا أن نعلم: أن مقال الإمام (ع) سواء من حيث اللفظ أوالمعنى لا يتحدد بالزمن والمكان، بل هوعالمي وإنساني ما بقي الإنسان إنسانا في العالم، وسنبحث نحن في هذا الشأن فيما بعد، ولكنا كما سردنا بعض ما قالوه في مقاله (ع) في القديم، نعكس الآن هنا قليلا مما قاله فيه ذووالأنظار والأفكار في عصرنا هذا أيضا.
كان الشيخ محمد عبده المفتي الأسبق للديار المصرية- ممن قرّبته الصدفة حين ابتعاده عن الوطن من معرفة (نهج البلاغة) وجرته هذه المعرفة إلى الشوق، إلى أن يشرح هذه الصحيفة المقدسة وينشرها بشرحه بين شباب أمته. إنه يقول في مقدمته لشرحه: «وبعد، فقد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب «نهج البلاغة» مصادفة بلا تعمل، أصبته على تغير حال وتبلبل بال، وتزاحم أشغال، وعطلة من أعمال...  [١٣]
والدكتور علي الجندي رئيس كلية العلوم بجامعة القاهرة في مقدمة كتاب (علي بن أبي طالب، شعره وحكمه) كتب على نثر الإمام (ع) يقول: «في هذا الكلام موسيقى موقعة تأخذ القلب أخذا، وفيه من السجع المنتظم ما يصوغه شعرا».
ثم ينقل عن قدامة بن جعفر أنه كان يقول: «جلت طائفة في القصار وطائفة في الطوال. أما علي فقد بزّ أهل الكلام جميعا في القصار والطوال وفي سائر الفضائل».
وينقل الدكتور طه حسين الأديب والكاتب المصري الشهير في كتابه (علي وبنه) خبر الرجل الذي تردد في يوم الجمل في أمر علي (ع) وطلحة والزبير وعائشة، يقول في نفسه: كيف يمكن أن يكون مثل طلحة والزبير وعائشة على الخطأ وشكا شكه ذلك إلى الإمام علي (ع) وسأله: أيمكن أن يجتمع الزبير وطلحة وعائشة على باطل فقال (ع): «إنك لملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، أعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله».
يعني: إنك في ضلال بعيد، إذ أنك قلبت في قلبك بشكك هذا مقاييس الأمور، فبدل أن تجعل الحق والباطل مقياسا لعظمة الأفراد وحقارتهم، جعلت العظمة المزعومة مقياسا لمعرفة الحق والباطل أردت أن تعرف الحق بمعرفة أقدار الرجال كلا، بل أقلب هذا المقياس، فابدأ بمعرفة الحق وحينئذ تعرف أهله، واعرف الباطل وحينئذ تعرف أهله، وحينئذ لا تبالي من يكون إلى جانب الحق أوالباطل، ولا ترتاب من أقدار الرجال.
وبعد أن ينقل الأستاذ هذه الكلمات عن الإمام (ع) يقول: «ما أعرف جوابا أروع من هذا الجواب الذي لا يعصم من الخطأ أحدا مهما نكن منزلته، ولا يحتكر الحق لأحد مهما تكن مكانته، بعد أن سكت الوصي وانقطع خبر السماء.
وأمير البيان شكيب أرسلان، من كتّاب العرب المعروفين في هذا العصر، يتفق في الحفل الذي اقيم تكريما له في مصر أن يرقى أحد الحاضرين المنصة ويقول فيما يقول.
«رجلان في التاريخ يستحقان أن يلقبا بلقب: أمير البيان: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وشكيب أرسلان»
فيقوم شكيب ارسلان من مجلسه غاضبا ويذهب إلى المنصة فيعتب على صديقه الذي عمل هذه المقارنة بينه وبين الإمام (ع) ويقول: «أين أنا وأين علي بن أبي طالب أنا لا أعد نفسي شسع نعل لعلي (ع) [١٤] .
وكتب ميخائيل نعيمة الكاتب اللبناني المسيحي المعاصر في مقدمة كتاب (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية) لجورج جرداق، يقول: بطولات الإمام ما اقتصرت يوما على ميادين الحرب، فقد كان بطلا في صفاء رأيه، وطهارة وجدانه. وسرح بيانه، وعمق إنسانيته، وحرارة إيمانه، وسمودعته، ونصرته للمحروم والمظلوم من الحارم والظالم، وتعبده للحق أينما تجلى له الحق.
ولا نطيل أكثر من هذا بنقل ثناء الناس على كلام الإمام (ع)، ونختمه بكلمة منه في هذا الموضوع:
قام يوما أحدا أصحاب الإمام (ع) ليتكلم، فتلجلج وأعيى فقال الإمام (ع): «ألا وإن اللسان بضعة من الإنسان فلا يسعده القول إذا امتنع، ولا يمهله النطق إذا اتسع. وأنّا لأمراء الكلام وفينا تنشبت عروقه وعلينا تهدّلت غصونه»
وينقل الجاحظ في (البيان والتبيين)  [١٥] عن عبد اللّه بن الحسن (المحض بن الحسن بن علي عن الإمام (ع) أنه قال: «خصصنا بخمس خصاصة وصباحة، وسماحة ونجدة وحظوة».
وسنرد الآن في مباحث الميزة الثانية لكلام الإمام (ع) وهي (الشمول) وهوالأصل في هذا الفصل:
٢- لشمول والإستيعاب:
لكل أمة آثار أديبة يعتبر بعضها من نماذج العبقريات، قلّت أوكثرت. ولا علينا الآن أن نبحث حول عبقريات الأدب القديم في اليونان وغيرها، أوعن عبقريات الأدب الحديث في ايطاليا وبريطانيا وفرنسا وغيرها، وندع الحكم والكلام في شأنها على العارفين بها الذين ينبغي لهم أن يحكموا لها أوعليها.
ونقصر كلامنا على العبقريات الأدبية العربية والفارسية الموجودة بين أيدينا، والتي نستطيع أن ندركها ونفهمها قليلا أوكثيرا.
ولا نريد أن ننازع الأدباء الفنانين في حق الحكم في العبقريات الأدبية العربية والفارسية لها أوعليها، ولكن من المقطوع به عند الجميع: أن كل واحدة من هذه العبقريات الأدبية إنما هي في فن خاص من الأدب لا في جميع الفنون.
وبعبارة أخرى، إن كل عبقري من أرباب هذه العبقريات إنما استطاع أن يبدي مهارته في فن خاص، وإن استعداد كل واحد منهم كان محدودا بذلك الفن فحسب، بحيث إذا أراد أحدهم أن يخرج من حدود قدرته سقط في فنه.
وفي الفارسية عبقريات أدبية: في الحكمة والموعظة، والنصح والأمثال، والحرب والحماسة، والقصائد والرباعيات، والغزل والنسيب والتشبيب العرفاني وغيره، وغيرها. ولكن كما نعلم لم يستطع أحد من شعراء الأدب الفارسي أن يبدي عبقريته في جميع هذه الفنون والأغراض والمقاصد المختلفة.
فالكاتب والشاعر الإيراني الشهير سعدي الشيرازي يعرف بالعبقرية في الحكمة والموعظة، والفردوسي في الحرب والحماسة، والمولوي في الأمثال والأفكار الروحية والمعنوية الدقيقة، والخيام في التشاؤم الفلسفي، وحافظ الشيرازي في الغزل والنسيب والتشبيب العرفاني وغيره، والنظامي الكنجوي في فن آخر، وهكذا. ولهذا لا يمكن أن نقيس بعضهم ببعض ولا أن نرجّح بعضهم على بعض، وليس لنا- على الأكثر- إلا أن نقول: لكل واحد من هؤلاء المقام الأول في فنه، بحيث إذا خرج أحد هؤلاء النوابغ عما لهم القدرة فيه لوحظ بين نوعي كلامه تفاوت كبير.
وكذلك كان شعراء العرب في الجاهلية والإسلام.
وقد جاء في نهج البلاغة: «وسئل عن أشعر الشعراء» فقال (ع): «إن القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عند قصبتها، فإن كان لا بد فالملك الضليل»   [١٦].
وينقل ابن أبي الحديد في شرح هذه الجملة خبرا مسندا حولها يقول: «وكان علي بن أبي طالب (ع) يعشي الناس في شهر رمضان باللحم ولا يتعشى معهم، فإن فرغوا خطبهم ووعظهم. فأفاضوا ليلة في الشعراء وهم على عشائهم، فلما فرغوا خطبهم (ع)، وقال في خطبته: «اعلموا: أن ملاك أمركم الدين، وعصمتكم التقوى، وزينتكم الأدب، وحصون أعراضكم الحلم» ثم قال: قل- يا أبا الأسود- فيم كنتم تفيضون فيه، أيّ الشعراء أشعر فقال: يا أمير المؤمنين الذي يقول:

ولقد أغتدى يدافع ركني***** أعوجيّ ذوميعة إخريج‏
مخلط مزيل معنّ مفن‏ منفع***** مطرح سبوح خروج

يعني أبا داود الأيادي.
فقال (ع): ليس به. قالوا: فمن يا أمير المؤمنين فقال: لورفعت للقوم غاية فجروا إليها معا علمنا من السابق منهم، ولكن إن يكن، فالذي لم يقل رغبة ولا رهبة. قيل: من هوقال: هوالملك الضليل ذوالقروح. قيل امرؤ القيس يا أمير المؤمنين قال: هو»   [١٧].
وسئل يونس النحوي: من أشعر الشعراء في الجاهلية فقال: «امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا هرب، وزهير إذا رغب، والأعشي إذا طرب».
يقصد أن لكل شاعر من هؤلاء الشعراء نبوغه في فنه الخاص، وأن عبقرياتهم إنما هي في فنونهم الخاصة، فكل واحد منهم أشعر الشعراء في فنه، وليس لأحدهم نبوغ في غير فنه.

-----------------------------------------------------
[١] . ابن ابي الحديد في مقدمته ص ٢٤ ج ١ط ابوالفضل .
[٢] . البيان والتبيين ج١ ص ٢٣٠ .
[٣] . نهج البلاغة – الرسائل – رقم : ٢٢ ص ١٤٠ ج ١٥ من شرح النهج لابن ابي الحديد ط ابوالفضل .
[٤] . الخطبة ٨٢ ص ٢٧٦ – ٢٤١ ج٦ من شرح النهج لابن ابي الحديد بتحقيق محمد ابوالفضل .
[٥] . الخطبة : ١٨٦ ص١٤٩ – ١٣٢ ج ١ من شرح النهج لابن ابي الحديد ط ابوالفضل .
[٦] . كان كاتبا لمروان بن محمد اخر الخلفاء الامويين من اصل ايراني وهوشيخ ابن المقفع العالم والكاتب الشهير في الدولة العباسية . وقد قيل فيه : بدات الكتابة بعبد الحميد واختتمت بابن العميد وزير البويهيين . (المؤلف ) .
[٧] . الاصلع : من انحسر شعر مقدم راسه – فعبد الحميد مع اعترافه بكلامه هذا بفضل الامام عليه السلام وكماله يذكر الامام بنبز اللقب وذلك بحكم انتمائه الى بني امية – المؤلف .
[٨] . والاركان الثلاثة الاخرى هي : ادب الكاتب لابن قتيبة , والكامل للمبرد , والنوادر لابي علي القالي – ابن خلدون – المؤلف .
[٩] . البيان والتبيين ص ٢٠٢ .
[١٠] . ص ٤٥ ج١ من شرح النهج لابن ابي الحديد ط ابوالفضل .
[١١] . مقدمته ج ١ ص ٢٤ ط ابوالفضل .
[١٢] . شرح النهج لابن ابي الحديد ج١٦ ص ١٤٧ ط الحلبي .
[١٣] . مقدمة عبده ص ١ . وبهامشه : يقال : كان ذلك حين كان الاستاذ الامام منفيا في بيروت .
[١٤] . نقل هذا الخبر العالم المعاصر الاستاذ الشيخ محمد جواد مغنية العاملي في الحفل الذي اقيم تكريما له في مدينة مشهد الامام الرضا عليه السلام قبل عدة اعوام – المؤلف .
[١٥] . البيان والتبيين ج ٢ ص ٩٩ .
[١٦] . الحكمة : ٣٦١ ص ١٥٣ ج ٢٠ شرح النهج لابن ابي الحديد ط – ابوالفضل .
[١٧] . شرح النهج لابن ابي الحديد ج ٢٠ ص ٤ – ١٥٣ .

منقول من كتاب في رحاب نهج البلاغة

****************************