وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                

Search form

إرسال الی صدیق
نظرية الامام علي عليه السلام في خلق الكون والسموات

لبيب بيضون

تكلم الامام علي (ع) عن خلق الكون في عدة مواضع من نهج البلاغة، نخصّ منها الخطبة الاولى والخطبة رقم (٨٩) والخطبة (٢٠٩) و(١٨٤).

وفي مجموع هذه الخطب بعطي الامام (ع) نظرية كلية عن نشوء الكون، لم يتوصل العلم الى معرفة كل جوانبها بعد.

فهوعليه السلام يقرر أن أوّل الخلق كان للفضاء، الذي فتقه اللَّه من العدم، وشق فيه النواحي والارجاء وطرق الفضاء... ثم خلق سبحانه سائلا كثيفا متلاطما، حمله على متن ريح قوية قاصفة، تحجزه عن الانتشار والاندثار. ثم خلق سبحانه ريحا عقيمة من نوع آخر، سلطها على ذلك السائل من الاعلى، فبدأت بتصفيقه وإثارته حتى مخضته مخض السقاء، وبعثرته في أنحاء الفضاء.

ومنه خلق اللّه السموات.

فالامام (ع) يبين أن الريح العقيمة قد حولت السائل الكثيف الى غاز كالدخان انتشر في الفضاء فكانت منه السموات، أما الزبد الذي تشكل على سطح السائل فقد خلقت منه الارض.

وهذه النظرية تنفي تشكل الارض من الشمس. ومما يؤيد ذلك أن الارض تحوي من العناصر الخفيفة والثقيلة حسبما هوظاهر في تصنيف مندلييف للعناصر، بينما الشمس فلا زالت تحوي فقط العناصر الغازية الخفيفة، فهي لم تصل بعد الى المرحلة من عمرها التي يمكنها فيها أن تشكل العناصر الثقيلة.

فالارض أقدم تشكلا من الشمس، فكيف تكون منفصلة من الشمس واليك الفقرات التي تكلم فيها الامام علي (ع) عن خلق الكون والسموات. يقول الامام علي (ع) في الخطبة الاولى من نهج البلاغة: ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء، وشقّ الأرجاء، وسكائك الهواء.

فاجرى فيها ماء متلاطما تيّاره، متراكما زخّاره. حمله على متن الرّيح العاصفة، والزّعزع القاصفة، فأمرها بردّه، وسلّطها على شدّه، وقرنها إلى حدّه. الهواء من تحتها فتيق (أي منبسط)، والماء من فوقها دفيق.

يستفاد من هذا الكلام أن الله سبحانه خلق الفضاء (فتق الاجواء) ثم خلق في الفضاء ماء، أي سائلا من نوع خاص، ثم سلّط عليه ريحا قوية من تحته، فأصبحت الريح كوسادة تحمله وتمنعه من الهبوط (فأمرها بردّه) أي منعة من التبعثر. والمقصود بالماء هنا الجوهر السائل الذي هوأصل كل الاجسام.

ثم يقول (ع): ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبّها، وأدام مربّها، وأعصف مجراها، وأبعد منشاها، فأمرها بتصفيق الماء الزّخّار، وإثارة موج البحار، فمخضته مخض السّقاء، وعصفت به عصفها بالفضاء.

تردّ أوّله الى آخره، وساجيه إلى مائره. حتّى عبّ عبابه، ورمى بالزّبد ركامه. فرفعه في هواء منفتق، وجومنفهق (أي مفتوح واسع)، فسوّى‏ منه سبع سموات، جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا، وعلياهنّ سقفا محفوظا، وسمكا مرفوعا، بغير عمد يدعمها، ولا دسار ينظمها.

فالامام (ع) يقرر أن السائل المحمول على الريح العاصفة، سلّط سبحانه عليه من الاعلى ريحا أخرى من نوع خاص هي الريح العقيم، قامت بتمويج السائل الذائب تمويجا شديدا كمخض السقاء، حتى ارتفع منه بخار كالدخان خلق منه السموات العليا، وظهر على وجه ذلك السائل زبد، خلق منه الارض.

هذا وان عدم تعرضه (ع) الى خلق الارض بعد ذكر السموات، دليل على خلقها قبل السموات. وهذا قول بعض المفسرين، واستدلوا عليه بقوله تعالى في سورة فصلت: (قل أئنّكم لتكفرون بالّذي خلق الأرض في يومين، وتجعلون له أندادا، ذلك ربّ العالمين) الى قوله (ثمّ استوى الى السّماء وهي دخان، فقال لها وللأرض: ائتيا طوعا أوكرها، قالتا: أتينا طائعين).

ويقول (ع) في الخطبة رقم (٨٩) من النهج عن خلق السماء: ونظم بلا تعليق رهوات فرجها، ولا حم صدوع انفراجها، ووشّج بينها وبين أزواجها (أى أمثالها وقرائنها)... وناداها بعد إذ هي دخان، فالتحمت عرى أشراجها (جمع شرج وهي المجرة)، وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها.

في هذا الكلام يشير الامام (ع) الى نظرية نشوء الكون، وهي احدى النظريات المعروضة اليوم، وهي أن أوّل نشوء الكون كان من دقائق ناعمة هي الدخان. ثم بدأت الدقائق تتجمع في مراكز معينة مشكلة أجراما. وكانت السماء أول ما خلقت غير منتظمة الاجزاء، بل بعضها أرفع وبعضها أخفض، فنظمها سبحانه (ونظم بلا تعليق رهوات فرجها)، فجعلها على بساط واحد من غير حاجة الى تعليق. وألصق تلك الشقوق والفروج، فجعلها جسما متصلا وسطحا أملس.

بل جعل كل جزء منها ملتصقا بمثله (ووشّج بينها وبين أزواجها).

وفي قول الامام (ع): (فالتحمت عرى أشراجها) تشبيه لمجموعات المجرة بالحلقات المرتبطة ببعضها بوشاج الجاذبية. وجعل بين المجموعات والمجرات أبوابا ونقابا (أى طرقا) بعد أن كانت مسدودة بدون منفذ. وهوما عبّر عنه الامام (ع) بالفتق بعد الارتتاق في قوله (وفتق بعد الارتتاق صوامت ابوابها).

ثم يقول (ع): وأقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها، وأمسكها من أن تمور في خرق الهواء بأيده، وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره.

فأما قوله (ع): (وأقام رصدا من الشهب) فاشارة الى أن الشهب ترصد كل من يحاول النفوذ من نقاب السماء أى من طرقها. وأما قوله (ع): (وأمسكها من أن تمور في خرق الهواء بأيده) أي أمسك الكواكب من أن تضطرب في الهواء بقوته. (وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره) أى ألزمها مراكزها ومداراتها لا تفارقها.

وفي الخطبة رقم (٢٠٩) يقول الامام (ع): وكان من اقتدار جبروته، وبديع لطائف صنعته، أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا، ثم فطر منه أطباقا، ففتقها سبع سموات بعد ارتتاقها، فاستمسكت بأمره، وقامت على حده.

ففي هذا بيان لما ذكرناه سابقا من أن أصل الاجرام سائل عبّر عنه بالماء، خلقت السماء من بخاره، وخلقت الارض من زبده، ثم أصبحت الارض يبسا جامدا بعد السيولة. (ثم فطر منه أطباقا) أي خلق من ذلك اليبس أطباقا في السماء، ثم جعلها سبع سموات منفصلة بعد أن كانت متصلة، وقد كانت هي والارض كتلة واحدة، وذلك مصداق قوله تعالى: «أ ولم ير الذين كفروا أن‏ السَّمواتِ والَارْضَ كانَتا رَتقاً فَفَتَقْناهُما»[١].

خلق السماء الدنيا والشمس والقمر:

أما عن خلق النجوم والكواكب الموجودة في السماء الدنيا، ومن أبرزها الشمس والقمر، فيقول الامام علي (ع) في الخطبة الاولى من النهج: ثمّ زيّنها (أي السماء) بزينة الكواكب، وضياء الثّواقب، وأجرى فيها سراجا مستطيرا (أي منتشر الضياء)، وقمرا منيرا، في فلك دائر، وسقف سائر، ورقيم مائر (أي فلك متحرك).

فهذا المقطع رغم ايجازه يدل على عدة حقائق منها:

١- أن هناك نجوما ثواقب أي مضيئة من ذاتها، كما أن هناك كواكب غير مشتعلة، ولكنها تستمد نورها من غيرها (ثمّ زيّنها بزينة الكواكب وضياء الثّواقب).

٢- أن الشمس سراج مستطير، أى يصدر النور بقوة كبيرة، بينما القمر فهومنير، أي يعكس النور الذي يتلقاه من غيره. وهذا شبيه قوله تعالى «هُوالَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والْقَمَرَ نُوراً»[٢].

٣- أن الشمس تجري وكذلك القمر، كغيرهما من من الاجرام، وليس هناك أي نجم ثابت عن الحركة. وذلك في قوله (ع): «في فلك دائر» وهذا مصداق قوله تعالى: «وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.»[٣] وفي الواقع ان للشمس حركتين: حركة ظاهرية وهي الحركة النسبية التي نراها من على الأرض، ي أنها تدور من الشرق الى الغرب، وينشأ منها الليل والنهار. والحركة الثانية هي الحركة الذاتية، وهي أن للشمس مع مجموعتها حركة دائرية على محرك حلزوني.

٤- ثم إن في قوله (ع): «وسقف سائر، ورقيم مائر» دلالة على أن هناك للحركة أكثر من نظام واحد، فالكوكب الذي يدور في مجموعته على محرك شبه دائرى، يدور مع مجموعته النجمية في حركة أخرى حول محور مجرته، والمجرات بدورها تدور حول محور الكون، كل حسبما قرّر له من فلك ومن سرعة.

٥- إن في قوله (ع): «وسقف سائر» دلالتان علميتان لطيفتان. فأما الاولى فهي أن نجوم السماء ليست منتشرة في الفضاء بشكل كروى أوعشوائي، وانما هي موزعة وفق مجرات تأخذ شكل القرص المسطح وهوما عبّر عنه بكلمة: سقف. وأما الثانية فهي أن هذه المجرات عدا عن حركتها الدورانية فانها تسمى في الفضاء وفق ما ذكرناه من خاصة تمدد الكون، وهذا ما عبّر عنه (ع) بقوله (وسقف سائر).

علم الجيولوجيا

يختص علم الجيلولوجيا بدراسة طبقات الارض وكيفية تشكلها وما اعتراها من تغيرات خلال الاحقاب المتوالية. ومن أهمّ ذلك كيفية تشكل الارض بعد أن كانت مؤلفة من عناصر سائلة، ثم بدأت بالتصلب على نحوجعل فيها سهولا وصحاري وجبالا ووديانا. وفي الجبال تشكلت مكامن الينابيع ومخازن الماء. كل ذلك نعمة من اللَّه للانسان، ليعيش وينعم بما آتاه اللَّه وحباه.

خلق الارض:

يقدر العلماء اليوم عمر الارض منذ أن شرعت قشرتها بالتجمد بأكثر من مليون سنة. واذا كانت الارض (وكذلك الكواكب السيارة) منفصلة من نجم كما هي عليه النظريات المطروحة، فانها كانت أول انفصالها في الطور الغازي، ثم تبردت سريعا بالاشعاع لصغر حجمها، فتحولت من حالة الغاز الى حالة السيولة.

وهنا بدأت المواد الثقيلة فيها مثل الحديد بالغوص نحوالمركز، بينما طفت المواد الخفيفة على السطح. ثم بدأت تتبرد القشرة الارضية المعرضة تعرضا مباشرا للجو، وأول ما تبرد منها حسب النصوص الدينية، منطقة مكة المكرمة والكعبة المشرفة، التي بنى اللَّه عليها أول بيت وضع للناس للعبادة.

ولم تستطع سحب الماء التي شكّلها اللَّه تعالى في جوالارض أن تحطّ على سطح الارض إلا بعد أن تبردت قشرتها الى حد كاف، فتشكلت بذلك المحيطات والبحار. وظل ربع الارض خاليا من الماء لارتفاعه، وهوالذي شكّل اليابسة والقارات. وقد كانت اليابسة مجمّعة في منطقة واحدة من الارض ثم تباعدت عن بعضها مشكلة القارات.

ولما اكتمل ظهور القارات على الارض وكذلك المحيطات، بدأت الانهار تحفر مجاريها عليها، وتحمل أملاحها الى المحيطات. وكانت الارض قد اكتمل نضوجها الى حد جعل لها جوا ملائما للحياة، يملؤه الاكسجين وغاز الفحم. وهكذا أخذت الارض تسعد في استقبال موكب الحياة.

نظرية الامام عليّ (ع) في خلق الارض:

يقول الامام علي (ع) في الخطبة رقم (١٨٤) عن خلق الارض: وأنشأ الارض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار.

وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصّنها من الأود والاعوجاج، ومنعها من التّهافت والانفراج. أرسى أوتادها، وضرب أسدادها. واستفاض عيونها، وخدّ أوديتها. فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قوّاه.

وفي قوله (ع): «وأرساها على غير قرار» وما بعده، ردّ على من زعم أن الارض تدور على قرن ثور ونحوه، من الاباطيل والاوهام.

ويقول (ع) في الخطبة (٨٩) في صفة الارض ودحوها على الماء: كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة، ولجج بحار زاخرة... إلخ.

ففي هذا يبين أن اللّه خلق الماء قبل خلق الارض. ثم وضع الارض على الما وضغطها بشدة، فسكنت أمواج المياه بعد أن كانت هائجة مستفحلة، وأصبحت ساجية مقهورة لجاذبية الارض، وهي التي تغطي الآن ثلاثة أرباع الارض، عدا عما يتخلل الربع الباقي من جيوب الينابيع وأجواف الماء. وفي كلام الامام هذا تفصيلات دقيقة عن خلق الارض لم تتوصل اليها نظريات العلماء الجيلولوجيين.

خلق الجبال والينابيع:

الى أن يقول (ع): فلمّا سكن هيج الماء من تحت أكنافها، وحمل شواهق الجبال الشمّخ البذّخ على أكتافها، فجّر ينابيع العيون من عرانين أنوفها، وفرّقها في سهوب بيدها وأخاديدها، وعدّل حركاتها بالرّاسيات من جلاميدها، وذوات الشّناخيب الشّمّ من صياخيدها. فسكنت من الميدان لرسوب الجبال في قطع أديمها، وتغلغلها متسرّبة في جوبات خياشيمها، وركوبها أعناق سهول الارضين وجراثيمها. وفسح بين الجووبينها، وأعدّ الهواء متنسّما لساكنها، وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها.

فيصور الامام (ع) في هذا المقطع تشكل الجبال بعد أن سكن الماء الحامل للارض وأحاطها من جميع أطرافها، فيقول: لما حمل اللَّه تعالى شواهق الجبال على أكتاف الارض، فجّر ينابيع العيون من سفوحها، وأجرى تلك الينابيع في‏ شقوق الارض وصحاريها. وعدّل بذلك حركة الارض بما أنشأ من الصخور الثقال والجبال العالية. فسكنت عن الاضطراب لنزول الجبال في أجزاء سطحها، ودخولها في أصول الارض... ثم جعل سبحانه للارض جوا فسيحا، جعل أسفله موضعا لحركة الهواء، الذي يروّح بنسيمه عن المخلوقات التي أوجدها عليها، وأمّن لها جميع مرافقها.

وفي هذا الكلام حقائق علمية جديرة بالتأمل منها:

١- أن اللَّه سبحانه خلق في الجبال مخازن المياه التي تنفجر عنها العيون.

٢- ومنها أن سطح الارض كان أثناء تشكله عرضة للاضطراب، فثبّت اللَّه الارض بما رسّخ من الجبال القاسية في أديمها. فالارض كانت مائدة مضطربة قبل جمودها، وأول ما تجمد منها الجبال، فمنعتها عن الاضطراب.

٣- ومنها ما اكتشفه علم الجيولوجيا الحديث عن تركيب الجبال، وهوأن لكل جبل وتدا في الارض، يمسكه عن الانزلاق والتهافت، ويمسك به طبقات الارض عن أن تتفكك عن بعضها وتتحرك، فالوتد أشبه ما يكون بالمسمار الفولاذي الذي يخترق الصفائح المعدنية ليمسكها ببعضها. ولولا ذلك لمادت الارض بأهلها، ولتبدل سطح الارض باستمرار، فوجود الجبال يتيح للانسان حياة مستقرة على سطح الارض.

تسخير الينابيع والسحب لحياة النبات والانسان:

ثم يقول (ع): ثمّ لم يدع جرز الأرض الّتي تقصر مياه العيون عن روابيها، ولا تجد جداول الانهار ذريعة إلى بلوغها، حتّى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها، وتستخرج نباتها.

الى أن يقول (ع): فلمّا ألقت السّحاب برك بوانيها، وبعاع ما استقلّت‏ به من العب‏ء المحمول عليها، أخرج به من هوامد الأرض النّبات، ومن زعر الجبال الأعشاب، فهي تبهج بزينة رياضها، وتزدهي بما ألبسته من رّيط أزاهيرها، وحلية ما سمّطت به من ناضر أنوارها، وجعل ذلك بلاغا للانام، ورزقا للانعام.

فالامام (ع) يصف في هذا بعض مظاهر القدرة الالهية والعناية الربانية، فيما سخّر للمخلوقات على سطح الارض، من الماء الذي لا غنى لأحد من المخلوقات عنه، فقد سخر لها جيوبا في الجبال تنفجر من لدن الينابيع لتشكل الجداول والانهار، وهي تمتلئ في الشتاء لتستمر متدفقة طول الصيف، ثم هي عذبة الماء باردة المعين، على غير شاكلة البحار التي نشأت منها... ثم انه سبحانه بثّ نعمته في جميع أنحاء الارض، فبعض المناطق منحها الينابيع والمياه الجوفية، في حين عوّض بعضها الآخر عن ذلك بما أنشأ لها من سحب تجود عليها بالماء بين الآونة والاخرى.

ثم يصور عليه السلام كيفية نزول الامطار من هذه السحب، حتى تحطّ كل عبئها الذي تحمله فوق الارض الجدباء، فاذا هي رابية بعد همودها، مليئة بأنواع الاعشاب، وأصناف النبات وألوان الرياض، تزهوبأزاهيرها، وتختال بما تحلّت به من عقود أنوارها الساحرة.. كل ذلك رزقا للانعام وكفاية لبني الانسان.

وفي آخر الخطبة رقم (٢٠٩) يبين (ع) كيفية نشؤ السحب والغيوم من ماء البحر عن طريق عصف الرياح به، فيقول: فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها.

فجعلها لخلقه مهادا، وبسطها لم فراشا. فوق بحر لجّيّ راكد لا يجري وقائم لا يسري. تكركره الرّياح العواصف، وتمخضه الغمام الذّوارف، (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى‏).

وفي الواقع ان السحب التي يبعثها اللَّه رحمة للعباد، تنشأ عن طريق تكنيس‏ الرياح للطبقات السطحية من البحار والمحيطات، فتلعب بها وتمخضها، حاملة معها بخار الماء وذراته بكميات وافرة، ثم تعلوبها الى السماء، وتسوقها الى الارض العطشى فتسقيها، والى الجبال الشاهقة فتملأ جيوبها ومخازنها.

ورغم وفرة تلك السحب والغيوم فانها لا تنعقد أمطارا وقطرا إلا حيثما يريد اللَّه وفي الزمان الذي يريده سبحانه، فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، «قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ»[٤].

صدق اللَّه العلىّ العظيم.

منقول من كتاب تصنيف نهج البلاغة لبيب بيضون

(ماجستير في الفيزياء مدير اعمال في كلية العلوم بجامعة دمشق)

-----------------------------------------------------------------
[١] سورة الانبياء – ٣٠.
[٢] . سورة يونس – ٥.
[٣] . سورة الانبياء – ٣٣.
[٤] . سورة ال عمران – ١٣.
****************************