وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                

Search form

إرسال الی صدیق
نهج البلاغة أنموذج الأدب الإسلامي الرفيع

م.د.عبد الكريم أحمد المحمود

(جامعة الكوفة  - كلية الفقه / قسم اللغة العربية)

بسم الله الرحمن الرحيم

يتربع نهج البلاغة للامام علي بن أبي طالب(علیه السلام) على قمة الأدب الاسلامي أنموذجاً رائعاً ومتفردا لما أنتجه الأدباء الاسلاميون على مرّ العصور من ذلك الأدب الرفيع.

ومن هنا يحاول هذا البحث أن يستظهر خصائص الأدب الاسلامي ومقوماته من خلال نهج البلاغة، متخذاً في هذا الاستظهار منهجاً نقدياً اسلاميا حديثا يتمايز في أسسه وأصوله عن مناهج النقد الأدبي الأخرى[١].

إن أول ما يلحظه البحث من خصائص الأدب الرفيع في نهج البلاغة هو طابع الاسلامية وأعني بها ارتباط هذا الأدب بعقيدة الاسلام وصدوره عنها، ومن المعلوم أن تجربة العقيدة هي من أشد التجارب تأثيراً في حياة الانسان أياً كان منشأ ذلك المعتقد وطبيعته سواء كان« منبثقاً عن تصور إلهي او عن تصور فلسفي من نتاج الفكر البشري، إلاّ انه لا يخرج في عمومه عن كونه تفسيراً يبيّن موقف الانسان من هذا الوجود وعلاقته بخالقه والكون والحياة »[٢] وحين يكون هذا الانسان أديباً فلا بد أن يظهر أثر عقيدته فيما ينتجه من ادب وذلك لأن معتقد الاديب جزء اساس من الاطار العام لتجربته الشعورية ثم أن الادب بطبيعته يحتاج الى خلفية عقائدية يرتبط بها ومن الملاحظ أن علاقة الأدب بالعقيدة الدينية قضية اصيلة من قضايا نشأة الادب قديماً وحديثاً.

فقد ظل الادب في العالم اجمع مرتبطاً بالدين حتى العصر الحديث عندما لم يعد للسلطة الدينية وجهها الجماعي القديم فراح الانسان يبحث عن عقيدة اخرى.

ومن ثم لم تخلُ أعماله الفنية  في أي وقت من أن تكون تعبيراً عن عقيدة[٣].

ولم تعد العلاقة بين الادب والدين او بين الادب والايديولوجيا مثار نزاع او جدل بين الناس، ولا يماري في ذلك إلاّ من لا يعرف حقيقة الادب وحقيقة الدين، ولا يعرف تاريخ الآداب الانسانية وعلاقتها بالدين.

«وحسبك أن تلتمس اثرالدين في كبار ادباء العالم لترى ذلك جلياً بيّناً وارجع إن شئت الى محمد إقبال وطاغور وكوته وبرخيس واحمد شوقي وميخائيل نعيمة وتولستوي وبوشكين ومحمد عاكف ومرال معروف وت.س. اليوت، وبول كلوديل وسواهم، تر العجب العجاب من أمر الدين وأثره في آداب العظماء»[٤].

وغني عن البيان أن الامام علياً(علیه السلام) كان قد بلغ حدّ الذوبان في دينه وعقيدته الاسلامية الراسخة فلابد أن يظهر أثر ذلك فيما ينتجه من أدب.

وبدءاً من أول نص في نهج البلاغة نلتقي بطابع الاسلامية واضحاً جلياً في قوله(علیه السلام):«الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادّون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بُعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حدّ محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود.

فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميَدان أرضه»[٥] فهنا الوعي التام بأول أصل من أصول العقيدة الاسلامية أعني التوحيد الخالص من أي شائبة من شوائب الشرك في وجوده تعالى وصفاته ووحدانيته وهيمنته على العالم.

ويتبع هذا الأصل المكين ما يرتبط به ويتفرع عنه من أصول أخرى كالنبوة والامامة والمعاد، هذه الأصول التي تصدر عنها الشواهد العديدة في أدب نهج البلاغة، ولو أردنا استقصاءها لطال بنا الكلام ولذلك نكتفي بالاشارة الى بعضها كقوله(علیه السلام)عن النبوة:«ولم يُخل الله سبحانه خلقه من نبيّ مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة. رسلٌ لا تقصّر بهم قلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم، من سابق سمّي له ما بعده، أو غابر عرّفه من قبله. على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلفت الأبناء»[٦].

ويخصّ نبوة محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) بقوله:«الى أن بعث الله سبحانه محمداً رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم لإنجاز عِدته، وإتمام نبوته، مأخوذاً على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريماً ميلاده»[٧] ويشير الى أصل الامامة بقوله(علیه السلام):«أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم. بنا يُستعطى الهدى، ويُستجلى العمى. إن الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم»[٨] (ص٢٣١) ويذكر المعاد في يوم القيامة فيقول(علیه السلام):«وذلك يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين لنقاش الحساب وجزاء الأعمال، خضوعاً قياماً، قد الجمهم العرق، ورجفت بهم الأرض، فأحسنهم حالاً مَن وجد لقدميه موضعاً، ولنفسه متسعاً»[٩] (ص١٦٨) وهكذا يرتبط أدب نهج البلاغة بالاسلام ارتباطاً مباشراً فيتصف  بصفة الاسلامية بما تعنيه من وجهة النظر الدينية للانسان والطبيعة في ما يتعلق بالمفاهيم الادبية.

«ويقيناً فإن الاسلامية هي غير الكلاسيكية او الرومانسية او الكلاسيكية الجديدة او الواقعية او الطبيعية او الواقعية النقدية او الواقعية الاشتراكية او الرمزية او السريالية او الطليعية او المستقبلية..الى آخره، انه مذهب متميز قد يلتقي مع هذا المذهب او ذاك لقاءً جزئياً.

ولكنه يبقى مذهباً ادبياً اسلامياً مستقلاً لأنه في الأصول والكليات لا يمكن بحال أن يلتقي مع أي من المذاهب الادبية الاخرى. إنه إذا حدث أن تم لقاء ما في الشكل فإنه يندر على مستوى المضمون والمذهب عموماً لأن نقاط الخلاف أكبر بكثير وأعمق بكثير من نقاط اللقاء.

فها هنا ينبثق المذهب الاسلامي في الادب عن رؤية تصدر عن الله سبحانه الذي انعم على البشرية بالدين القيمّ: الاسلام. وهناك تنبثق المذاهب الادبية عن رؤى بشرية وضعية قاصرة تتضمن الكثيرمن المناقص والاخطاء والثغرات والاحكام النسبية والاختلال والتطرف والشذوذ»[١٠] وإن كان بعض النقاد الاسلاميين – مثل الدكتور نجيب الكيلاني – لا يقرّ بمذهبية الادب الاسلامي حيث يقول:« ونحن لا نعتبر الاسلامية مذهباً كالواقعية والرومانسية والوجودية والبرناسية...الخ، فالادب اوسع من أن يحيط به ادب محدود وارحب من ان نحصره في قيود من القواعد المحلية او الطارئة.

والاسلام دين انساني شامل لا يعرف حدود الزمان والمكان وإن تلاءم معهما وتمشى مع منطقهما المتطور المتجدد الاشكال الثابت الجوهر وتبعاً لذلك تكون الاسلامية من الوجهة الادبية والفنية ارحب من المذاهب واسمى من القيود»[١١]. ويبدو لي أن لا ضير من اعتبار الاسلامية مذهباً خاصاً ومتميزاً في الادب،اذا فهمنا من معنى المذهب أنه معتقد ديني يسلّم به الاديب ويوفّق بين انتاجه الادبي ومضمون ما يعلّم به هذا المعتقد[١٢].

وقد تجلى أثر هذا المعتقد الديني بأوضح صوره في أدب نهج البلاغة ويشهد لهذا الأثر جميع النصوص المروية في هذا الكتاب النفيس، وقد ذكرنا أمثلة يسيرة منها وتركنا أضعافها توخياً للاختصار ونصل منها جميعاً الى معنى الالتزام الذي يتفق النقاد على ضرورة تحققه في الادب الاسلامي وانطلاقاً من هذا الالتزام فإن الامام علياً(علیه السلام) يعتمد الاسلام وحده في تصوراته ومواقفه التي أنتجت لنا أدباً اسلامياً رائعاً في نهج البلاغة، وهذا المنهج الاسلامي الذي اتخذه الامام علي(علیه السلام) في أدبه يرفض جميع المصادر التي تعتمدها الآداب الاخرى.

مثل الكلاسيكية التي ترجع دوماً الى العقل والرومانسية التي تؤثر العاطفة على العقل والواقعية التي تفضل الواقع الموضوعي على ماسواه، وهلم جرا،اذ في المذهب الأدبي الاسلامي  «يصبح المنهاج الربّاني– قرآناً وسنة– هو النبع الغني للادب لفظة وتعبيراً وموضوعاً وفكراً واسلوباً.

هكذا يصبح للادب الاسلامي معين غنيّ يستقي منه ويرتوي. وبهذا النبع الغنيّ  يصبح الادب الاسلامي هوالادب الانساني المتناسق مع الفطرة»[١٣] وغير المحدود في موضوعاته او المقيد في مجالاته لأن «الدين الاسلامي لم يكن قاصراً محدوداً في العبادات وحدها حتى يقال عنه انه اذا سايره ادب كان ادباً منحصراً في العبادات وحدها، بل انما الاسلام هو الدين الفريد الذي اتسع كاتساع الانسان وامتد كامتداد حياته ولم يتعارض إلاّ مع ما يتعارض مع مصلحة الحياة الانسانية ذاتها ومع ذوقها الجميل، وإنه إذا تعارض فيتعارض مع عمليات الهدم والاخلال بصالح الانسان وانسانيته.

فلم يكن للعمل الادبي أن يجد صعوبة في منادمة الاسلام ومسايرته ولم يكن له عائق عن أن يجد تحقيقاً لأهدافه في تصوير جوانب الحياة المتلائمة مع الاسلام»[١٤] كما إن الدستور الإسلامي – كمصدر ادبي وفني – لا يقيد حرية الاديب ولا يحصر نتاجه في موضوعات محددة.

بل انه ليدفعه دفعاً قوياً نحو تضمين نتاجه هذا كل الوجود والكون بمجالاته وابعاده التي لا تحصى ولا تعد[١٥] ومصداق هذا الاتساع والتنوع في موضوعات الأدب الاسلامي ما نجده في نهج البلاغة من هذا الأدب الذي يسيح في عوالم الانسان والكون والحياة والمجتمع والدين سياحة منسجمة مع فطرة الوجود وناموسه الأكبر.

فنجده يتطرق الى بيان أصول الدين من التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد كما يتطرق الى فروعه من الصلاة والصوم والحج والزكاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتولي اهل بيت النبي والبراءة من اعدائهم والجهاد في سبيل الله ويذكر خلق العالم وخلق الانسان ويصف بعض مظاهر الطبيعة كوصفه للطاووس والخفاش والنملة والجرادة وغيرها، وينبه على عجائب صنع الله في السماوات والأرض ويتحدث عن الحروب التي خاضها مع خصومه كالجمل وصفين والنهروان وغيرها، ويذم الشيطان واتباعه، ويعظ الناس ويهديهم من ضلالتهم، ويصف ما ينبغي من احوال العلماء والحكّام، ويصف حال الدنيا في تقلبها  ويحث الناس على الزهد فيها ويحذرهم من فتنتها، ويصف العرب قبل البعثة وبعدها، ويستنفر الناس الى قتال الناكثين والمارقين والقاسطين ويحذر من الفتن في زمانه وما يقع منها ومن الملاحم في آخر الزمان، ويدعو الى صالح الاعمال ومعالي الاخلاق والتزام التقوى، ويذكر جانباً من الحياة الاقتصادية في عصره فيصف حال الفقراء والمعوزين ويسعى الى تأديب الاغنياء بالشفقة عليهم ويذم البخلاء منهم، ويدافع عن المظلومين والمقهورين، ويتحدث عن بيعة الخلفاء قبله وعن ضياع حقه في الخلافة ويبين ما وقع فيه الناس من الخبط والتلون والتباس الحق بالباطل، وينبه على فضل الرسول الاعظم (صلی الله علیه وآله وسلم) وفضل القرآن الكريم، ويبسط الحديث في صفات النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) واهل بيته واتباع دينه، ويتناول اهم الاحداث السياسية التي وقعت في عصره، هذا فضلاً عن رسائله وعهوده ووصاياه وحكمه التي تضمنت موضوعات شتى ومعاني لا تحصى، وكل ما تقدم من الموضوعات كان يصوغه الامام علي (علیه السلام) بأسلوبه الادبي الجميل حافلاً بفصاحة الالفاظ وبلاغة التراكيب والصور الفنية المدهشة.

لنستمع اليه كيف يصف الطاووس بقوله (علیه السلام): «تخال قصبه مداري من فضة، وما أُنبت عليها من عجيب داراته، وشموسه خالصَ العقيان، وفلَذ الزبرجد.

فإن شبهته بما انبتت الارض قلت: جنىً جُني من زهرة كل ربيع. وان ضاهيته بالملابس فهو كموشيّ الحلل، او كمونقٍ عصب اليمن، وان شاكلته بالحُليّ فهو كفصوص ذات الوان، قد نطّقت باللجين المكلّل، يمشي مشي المرٍح المختال، ويتصفح ذنبه وجناحيه فيقهقه ضاحكاً لجمال سرباله واصابيغ وشاحه، فإذا رمى ببصره الى قوائمه زقا معولاً بصوت يكاد يبين عن استغاثته، ويشهد بصادق توجعه، لأن قوائمه حُمش كقوائم الديكة الخلاسية، وقد نجمت من ظنبوب ساقه صيصية خفيه، وله في موضع العُرف قُنزعة خضراء موشاة. ومخرج عنقه كالابريق، ومغرزها الى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية، او كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال، وكأنه متلفع بمعجر اسحم إلا أنه يُخيّل لكثرة مائه وشدة بريقه، أن الخضرة الناضرة ممتزجة به.

ومع فتق سمعه خطُّ كمستدق القلم في لون الأقحوان، ابيض يقق، فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق. وقلّ صبغ إلا وقد أخذ منه بقسط، وعلاه بكثرة صقاله وبريقه، وبصيص ديباجه ورونقه، فهو كالازاهير المبثوثة، لم تربّها امطار ربيع، ولا شموس قيظ.

وقد ينحسر من ريشه، ويعرى من لباسه، فيسقط تترى، وينبت تباعاً، فينحتُّ من قصبه انحتات اوراق الاغصان ثم يتلاحق نامياً حتى يعود كهيئته قبل سقوطه، لا يخالف سالف الوانه ولا يقع لون في غير مكانه ! وإذا تصفحتَ شعرةً من شعرات قصبه ارتك حمرة وردية، وتارة خضرة زبرجدية، واحياناً صفرة عسجدية، فكيف تصل الى صفة هذا عمائق الفطن او تبلغه قرائح العقول او تستنظم وصفه اقوال الواصفين ! وأقل اجزائه قد أعجز الاوهام أن تدركه،  والألسنة أن تصفه ! فسبحان الذي بهر العقول عن وصف خلق جلاّه للعيون، فأدركته محدوداً مكوناً ومؤلّفاً ملوّناً وأعجز الألسن عن تلخيص صفته، وقعد بها عن تأدية نعته »[١٦].

فهنا تتساوق الألفاظ في جمال جرسها ورائق ظلالها وفخامة بنائها واختيال صورها لتكون معادلاً للطاووس في عجيب تكوينه وتناسق ألوانه وحركات خيلائه ومعاني أصواته، ودلالة كل ذلك على قدرة الله الخلاّق العظيم، وعجزعقول البشرعن ادراك أسرار الخلق،وكلالة ألسنتهم عن الوصف الدقيق لعجائب الكون ولطائف الوجود، رغم أنهم يرون كل ذلك بأم أعينهم ويدركونه بسائر حواسهم.

وهكذا يسعى الامام علي(علیه السلام) من تصويره الفني للطاووس ليصل الى ربطه بالحقيقة الكبرى وراء هذا العالم المحسوس، ونجد أمثلة هذه الهدفية أيضاً في وصفه عليه السلام للخفاش والنملة والجرادة وغيرها من المخلوقات.

ومن هنا يكتسب الادب الاسلامي في نهج البلاغة صفة الواقعية باعتبار أن «الواقع في التصور الإسلامي أوسع من هذا الواقع المحدود الصغير، يرقى الى ما فوق الواقع ويرى أنه جزء من الحقيقة مثلما أن الواقع المادي الملموس جزء من الحقيقة كذلك. وبهذا يتسع الواقع ليشمل الغيب والشهادة، العقل والوجدان الروح والمادة، واقع الارض وواقع السماء، كل هذا يتعاضد في مفهوم الواقعية الاسلامية.

وهذا ما يميز الثقافة الاسلامية عن الثقافة الغربية التي لا تتعدى الواقع المادي الى ما سواه، فهي واقعية حتمية طينية لا ترى ابعد مما ترى او تحسّ. ولا تنظر الى الانسان إلاّ في حدود (حيوانيته) وغرائزه مثلما الهمتها به النظريات المادية في علوم الحياة والاقتصاد والاجتماع بما يشبه الجبرية او الحتمية التي تكون في حياة الحيوان»[١٧] فما اطلق عليه بـ(الواقعية)  في اوربا لا يُعد واقعياً بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح لأنه في الفكر الأوربي والغربي عامة يقتصر على الواقع المحدود الذي تدركه الحواس ولا تتجاوزه الى ما وراءه.

«إن هذا الواقع – في التصور الإسلامي – جزء من الحقيقة الكلية العليا او هو صادر من تلك الحقيقة. ولا يمكن تجاوز الكل والمنبع والمصدر الى الجزء، اللهم إلاّ اذا فقد الانسان وعيه وعقله،وروحه ومشاعره، وبقي رهين حواسه كالحيوان الذي لا يقوى إلاّ على التحرك من أجل إشباع غرائزه.

إننا نرى انطلاقاً من التصور الاسلامي للوجود أن الواقعية منتهى الواقعية هي التعلق بالمطلق الازلي ووصف أشواق الروح الصاعدة والمنتهية اليه مثلما هي التعلق بالواقع الجزئي، رصده والتفاعل معه والاحساس به»[١٨] واتخاذه وسيلة في الوصول الى الواقع الحقيقي المطلق واستكناه ما ينطوي عليه من الحق والخير والجمال ويعدّ هذا الوصول اسمى غاية يحاول الاديب الاسلامي بلوغها وليست هذه الغاية ضرباً من الخيال او الوهم او المثال الذي لا يتحقق، بل هي واقع اسمى وارفع واشمل من الواقع الأرضي الثقيل المحدود ولقد كان الواقع الارضي دائماً جزءاً صغيراً جداً من واقع متسع الآفاق ممتد الحدود امتداداً لا يعرف التوقف، والاديب الموهوب هو أكثر المخلوقات مقدرة على الاحساس بذلك الواقع المتسع غير المنظور، لأن الانسان يحتاج الى قوى خفية وغير عادية لبلوغ تلك الحقيقة العليا.

إننا مع أديب فذ كعلي بن أبي طالب(علیه السلام) نصل الى أبعد آفاق هذا الواقع الكلي الفسيح فنشهد التوحّد والتوازن والانسجام مع السنن الالهية في الكون والانسان والحياة والمجتمع بعد الوعي التام بهذه السنن والقوانين الخفية المحركة للوجود، ولا يتحقق هذا الوعي والانسجام الموصل الى الحقائق العليا إلاّ في نفس أديب مؤمن موهوب كعلي بن أبي طالب الذي ينطلق ابداعه في بعد انساني كبير وامتداد كوني واسع تسقط فيه الحجب المادية الكثيفة وصولاً الى العالم الروحاني العتيد كما في قوله(علیه السلام):«فإنكم لو قد عاينتم ما قد عاين مَن مات منكم لجزعتم ووهلتم، وسمعتم وأطعتم، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا، وقريب ما يُطرح الحجاب! ولقد بُصّرتم إن أبصرتم، وأُسمعتم إن سمعتم، وهُديتم إن اهتديتم، وبحق أقول لكم: لقد جاهرتكم العبر، وزُجرتم بما فيه مزدجر. وما يبلّغ عن الله بعد رسل السماء إلا البشر»[١٩] وهذه هي الواقعية الاسلامية الداعمة للوعي والشعور الانساني باعتبار الانسان محوراً مهماً واساسياً في هذا الكون.

فبينما«يركّز الواقعيون الاشتراكيون على (تخليص) الواقعية من اوهام ما وراء الواقع أو الطبيعة – كما يدعون – او ما يسمونه (الخبث الميتافيزيكي) تصرّ الواقعية الاسلامية على أن الانسان – من خلال واقعه الحقيقي – ليس عقلاً فحسب او قل ليس مادة خالصة،إنه روح ومادة، وعقل وما وراء العقل»[٢٠].

وواقع ارضي محدود هو جزء من واقع سماوي اوسع واشمل، ومنهما معاً تقوم الواقعية الاسلامية في الادب، وتختلف بهذا المنظور عن الواقعية الاشتراكية الممسوخة في حقيقتها لأنها تأخذ في حسابها الوجه المحسوس للأنسان وترفض الاعتراف بالوجه الآخر غير المحسوس، الوجه الروحي الميتافيزيقي، وتختلف الواقعية الاسلامية من جانب آخر عن كل من الواقعيتين: الاوربية (الانتقادية والطبيعية)، والاشتراكية(الماركسية) وإن كانت هنالك اسس فنية قد تجمع بينها جميعاً.«فالواقعية الاوربية واقعية نقدية تعنى بوصف التجربة كما هي حتى لو كانت تدعوالى تشاؤم عميق لا أمل  فيه. في حين تحتم الواقعية الاشتراكية أن يثبت الكاتب في تصويره للشرّ دواعي الامل في التخلص منه فتحاً لمنافذ التفاؤل حتى في احلك المواقف ولو ادى الى تزييف الموقف بعض الشيء.

اما الواقعية الاسلامية فإنها – مع انتقادها للواقع – تنطلق في انتقادها من التصور الاسلامي الذي يكون دائماً منصفاً فلا يبالغ ولا يهوّل، أيضاً لا يتحامل بسبب المغايرة في الانتماء ولا يحبذ الصراع بين الطبقات كما يبتغي الواقعيون الاشتراكيون فضلاً عن أن الامل في الواقعية الاسلامية هو أمل إيماني يقوم على اساس نظرة الله في كل الاحوال، حياة وموتاً.

إنها باختصار ترفض التشاؤم كما ترفض التفاؤل الذي يقوم على الخداع او التزييف »[٢١]، فنظرة الاسلام للحياة هي نظرة متفائلة بناءة، «متفائلة لانها لاتعتبر الشر عنصراً اصيلاً ضارب الجذور في اعماق الوجود وإنما هو مجرد اوضاع مقلوبة من السهل تصحيح انحرافها، او مجرد داء امسك بتلابيب الامن الاجتماعي والنفسي في الامكان علاجه ووصف الدواء الناجع له.... وبناءة لانها لا تؤمن بنزعة الهدم الكلي لمجرد الهدم والانتقام بل تؤمن بالعلاج والاصلاح والمحافظة على كل عنصر.

إن الوضع المقلوب يجب ان يصلح وبث معنى امكانية الاصلاح في النفوس له من النفع والايجابية ما يقضي على كثير من نزعات السلبية والتهور واليأس، وما دام الشرّ مرضاً فقد يكون من السهل القضاء على جرثومته[٢٢]» سواء على الصعيد النفسي أو الصعيد الاجتماعي، ويعدّ الانتباه من الغفلة والمبادرة الى التوبة والعمل الصالح من أروع ما يرمم شروخ النفس ويجدد نشاطها الايجابي ويقيها مكائد الشيطان ويسوقها لتحقيق غايتها الأصيلة في الوجود، وهذا ما نفيده من قول الامام(علیه السلام):«فاتقوا الله عباد الله، وبادروا آجالكم بأعمالكم،وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم، وترحلوا فقد جُدّ بكم، واستعدوا للموت فقد اظلكم، وكونوا قوماً صيح بهم فانتبهوا، وعلموا ان الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا، فان الله سبحانه لم يخلقكم عبثاً، ولم يترككم سدى، وما بين احدكم وبين الجنة او النار الا الموت ان ينزل به، وان غاية تنقصها اللحظة، وتهدمها الساعة، لجديرة بقصر المدة.

وان غائباً يحدوه الجديدان – الليل والنهار – لحري بسرعة الاوبة.

وان قادماً يقدم بالفوز او الشقوة لمستحق لافضل العُدة. فتزودوا في الدنيا من الدنيا، وما تحرزون به انفسكم غداً.

فاتقى عبد ربه، نصح نفسه، وقدم توبته، وغلب شهوته، فإن اجله مستور عنه، وامله خادع له، والشيطان موكل به، يزين له المعصية ليركبها، ويمنيه التوبة ليسوفها، اذا هجمت منيته عليه اغفل ما يكون عنها.

فيالها حسرة على كل ذي غفلة ان يكون عمره عليه حجة، وان تؤديه ايامه الى الشقوة! نسأل الله سبحانه ان يجعلنا واياكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تقصّر به عن طاعة ربه غاية، ولا تحل به بعد الموت ندامة ولا كآبة»[٢٣].

ومن هذه النظرة الواقعية الاسلامية الهادفة الى تحقيق التكامل الانساني، يكتسب الادب الاسلامي في نهج البلاغة طابعه الاخلاقي والاجتماعي الاصلاحي «واذا كانت بعض التيارات الادبية تعارض ان يكون للادب غاية خلقية، فان الواقعية الاسلامية لا يمكنها ان تتخلى عن هذه الغاية التي الحّ عليها كثيرون في الماضي والحاضر.

لقد اكد اوسكار وايلد على الرسالة الخلقية للفن بالمعنى الواسع وتعني هذه الرسالة لديه: مساعدتنا على فهم الحياة. وقد آمن بهذه الرسالة افلاطون وارسطو من قبل، ثم مونتاني وموليير من الفرنسيين وبن جونسون ودكتور جونسون من الانجليز»[٢٤].

ولدى الامام علي بن أبي طالب(علیه السلام) نجد أن التعبير عن هموم المظلومين والمقهورين والمستضعفين من عامة الناس يمثل لب الرسالة الخلقية للواقعية الاسلامية المتجسدة في نهج البلاغة، كما نلمس ذلك من قوله(علیه السلام):«ولو شئتُ لاهتديت الطريقَ الى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي الى تخيّر الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة مَن لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبَع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى، وأكباد حرّى، أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داءً أن تبيت ببِطنة ***** وحولك أكباد تحنّ الى القدِّ

أأقنع من نفسي بأن يُقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أُسوة لهم في جشوبة العيش؟!»[٢٥] ولا يقتصر أمير المؤمنين(علیه السلام) في موقفه على مشاركة الفقراء والمساكين والمظلومين في آلامهم ومشاعرهم، بل يقف موقف المدافع عنهم المطالب بحقوقهم، فنجده في وصاياه وعهوده الى ولاته وعماله، يكثر من حثهم على الاهتمام بأمور المعوزين من عامة الرعية، ويأمرهم بإقامة العدل بين الناس والابتعاد عن مواطن الظلم للرعية، كما في عهده لمالك الأشتر حين ولاّه على مصر اذ كتب اليه قائلاً:«أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومَن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلاّ تفعلْ تظلم! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حرباً، حتى ينزع او يتوب.

وليس شئٌ أدعى الى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميعٌ دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد»[٢٦] بل يسعى(علیه السلام) الى الإنتصاف لأولئك المظلومين بمحاسبة من  ظلمهم والاقتصاص لهم، ولذلك نجده أشدّ ما يكون غضباً على ولاته وعماله اذا بلغه عن أحدهم ما يُخلّ بعدله، فقد كتب الى بعض عماله قائلاً:«أما بعد، فقد بلغني عنك أمرٌ، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك، وعصيت إمامك، وأخزيت أمانتك.

بلغني أنك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما تحت يديك، فارفع إليّ حسابك، واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس، والسلام»[٢٧] وكتب(علیه السلام) الى أحد عماله أيضاً:«كيف تُسيغ شراباً وطعاماً، وأنت تعلم أنك تأكل حراماً وتشرب حراماً، وتبتاع الاماء وتنكح النساء من أموال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين، الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال، وأحرز بهم هذه البلاد! فاتق الله واردد الى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأُعذرنّ الى الله فيك، ولأضربنّك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلا دخل النار!»[٢٨].

إن هذه النصوص الأدبية الرائعة تقف شاهداً على الغاية الاجتماعية الاصلاحية للأدب الاسلامي في نهج البلاغة، بل نجد في هذا النهج أدباً رسالياً ثورياً يسعى الى هدم أركان الشر وإقامة دعائم الخير في المجتمع، ولذلك فهو ينتقد شخصيات الظالمين والمارقين ويكشف زيفها، كما نشهد ذلك في خطابات الامام(علیه السلام) الموجهة الى رؤوس الفتنة والنفاق في عصره، ومن ذلك ما كتبه الى معاوية بن أبي سفيان قائلاً:«فسبحان الله! ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة، والحيرة المتّبعة، مع تضييع الحقائق واطّراح الوثائق، التي هي لله طلبة، وعلى عباده حجة.

فأما إكثارك الحجاج على عثمان وقتلته، فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك، وخذلته حيث كان النصر له. والسلام»[٢٩] وكتب(علیه السلام) الى عمرو بن العاص قائلاً:«فإنك قد جعلت دينك تبعاً لدنيا امرئ ظاهر غيّه، مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفّه الحليم بخُلطته، فاتبعت أثره، وطلبت فضله، اتّباع الكلب للضرغام يلوذ بمخالبه، وينتظر ما يُلقى اليه من فضل فريسته، فأذهبت دنياك وآخرتك ! ولو بالحق أخذتَ أدركت ما طلبت. فإن يمكّنّي الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما بما قدمتما، وإن تُعجزا وتبقيا فما أمامكما شر لكما »[٣٠].

وهناك شواهد عديدة في نهج البلاغة لهذا الأدب الثائرعلى الظلم والظالمين الذين نصبوا أنفسهم ولاة وأمراء على الناس دون أن يحوزوا الحدّ الأدنى من صفات الحاكم العادل والتي يشير اليها أمير المؤمنين(علیه السلام) بقوله:«وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيلُ، فتكونَ في أموالهم نَهمتُه، ولا الجاهلُ فيضلَّهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائفُ للدول فيتخذَ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهبَ بالحقوق، ويقفَ بها دون المقاطع، ولا المعطّلُ للسنّة فيهلكَ الأمة»[٣١] فمن هذه أوصافه لا يصلح أن يكون اماماً أو والياً أو خليفة يأمر الناس وينهاهم وهو بعيد الحق وإصلاح البلاد وإنصلف المظلوم وإقامة شرع الله وحدوده.

ومن خلال ما تقدم من أمثلة يتبين اهتمام الأدب الاسلامي في نهج البلاغة بالجانب السياسي والاجتماعي الاصلاحي في حياة الأمة المسلمة، والثورة على أسباب الألم والشقاء في حياة الانسان، دون أن يكون أدب نحيب وبكاء وتعبّد للألم كما هو عند الرومانسيين، ودون أن يجعل من الحياة ابتسامة عريضة دائماً كما تتوهم الواقعية الاشتراكية، بل هو تصوير لهذا الاسى النفسي وتصوير يرتبط بمعاني المعاناة والتطهر والثورة على اسباب العذاب والمعاناة، وهو نقطة تحريض وانطلاق الى آفاق الانشراح والابتسام والسعادة بتحقيق العدل واحياء السنن واماتة البدع والقضاء على رؤوس الفتنة والضلال. 

ومن نافلة القول أن أدب نهج البلاغة بعيد عن الفحش والتهتك الذي أصيب به الأدب على مرّ العصور وبخاصة في عصرنا الحديث الذي سُحر فيه الأدباء بما أفرزته المجتمعات الغربية المتفسخة من أدب مكشوف لا يتحرج من وصف العورات واثارة الشهوات واستباحة الحرمات فضلاً عن ادب العنف والقتل والجرائم كالسرقة والاختلاس والاغتصاب وغيرها من فنون الجريمة مما كان له الأثر الكبير في افساد الاخلاق وانحراف العواطف « وادباؤنا الذين يحاولون الجري وراء هذه البدع الغربية في الادب العالمي انما يزيفون واقعهم ويقلدون دون تفكير ورؤية شأنهم شأن بعض المجتمعات عندنا وهي تقلد اساليب الغرب في طعامه وشرابه وسلوكه»[٣٢] والحق أن نظُم الغرب السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية ليست على اتفاق تام مع نظامنا الاسلامي، ولذلك فإن الأدب المستوحى من طبيعة الحياة الغربية لا يتفق مع الأدب الاسلامي النابع من التصور الاسلامي للكون والانسان والحياة والذي نجد أنموذجه السامي في نهج البلاغة، حيث نلتقي بأدب يدعو الى الطهارة والفضيلة والحب والسلام والاخاء بين بني الانسان سواء على صعيد المجتمع الاسلامي او المجتمع الانساني عموماً، وتتجلى هذه القيم بأوضح صورها في عهد الامام(علیه السلام) لمالك الأشتر لمّا ولاّه على مصر ومنه قوله:«وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظيرلك في الخَلْق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطإ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه»[٣٣] ومن المؤكد أن الحاكم حين يكون على هذا القدر من الرأفة والرحمة والمحبة للناس، فلا بد أن تظهر آثار هذه القيم في المجتمع فتدفع أفراده الى إشاعة المحبة والأخوة بينهم، وتدعوهم الى التكافل والتسامح والاحترام.

ولا يقتصر أمير المؤمنين(علیه السلام) في بثه لهذه القيم الفاضلة على طبقة الحكام والولاة، بل يحاول ايصالها الى جميع أفراد المجتمع متخذاً أساليب التعبير المتنوعة لتحقيق هذا الهدف الكبير، فنراه على الدوام يخاطب شرائح المجتمع كافة رغم اختلافها القبلي والثقافي والطائفي، بل انه ليخاطب أعداءه من الناكثين والقاسطين والمارقين ويحاول ارجاعهم الى جادة الحق والصواب، وتنبيههم من غفلتهم ليعودوا الى رشدهم وخلال ذلك يتناول قضية الصراع بين الخير والشر بل يصوّر الخير والشر قاصداً من ذلك الى الترغيب بالخير والحضّ عليه وتزيينه في النفوس، والتنديد بالشر واجتثاثه من القلوب وبالجملة يهتم أدب نهج البلاغة بالحياة الاجتماعية ومشكلات العصر على اطلاقها، ولهذا نجده ينتقد الفئة الظالمة والافراد الظالمين اياً كان انتماؤهم الى الطبقة العليا او الوسطى او الدنيا على السواء، وهذا ما يمنحه صفة الرسالية الجهادية والتربوية باعتبار أن منتجه يعلم أنه صاحب رسالة وطالب غاية ويؤمن بأن عطاءه لله ولهذا تنتفي عنه الاباحية ومسايرة الاهواء، وتثبت له صفة الادب الثوري لانه يهدم فكرة ويبني اخرى، فضلاً عن صفة(الادب التربوي) لأن الغاية منه أن يعمل على تنقية الذهنية المسلمة القائمة من شوائب الانحراف الى اليمين او اليسار ومن أوضار الرجعية الى الشرك او الالحاد.

وبالجملة يهتم الادب الاسلامي في نهج البلاغة بالحياة الاجتماعية ومشكلات العصر على اطلاقها ويختار شخوصه من عامة المجتمع وجميع طبقاته «لان الخير والشر ليسا قاصرين على طبقة بعينها ولكنهما موجودان في النفس البشرية اياً كانت طبقتها او انتماؤها الطبقي، وان الانسان يمكن أن يكون خيراً او شريراً وفقاً لاختياره وعوامل اخرى مؤثرة في هذا الاختيار من قبيل التربية والتوجيه والقدوة والظروف المحيطة...الخ، لذا فان الطبقة ليست هي العنصر الحاسم في الصراع بين الخير والشر وانما الارادة الفردية ومكوناتها وهو ما يتسق مع التصور الاسلامي»[٣٤].

فإذا كانت الواقعيتان:الانتقادية والاشتراكية توجهان سهام نقدهما للطبقة الوسطى (البرجوازية) لانها ظلمت الطبقة الدنيا وانزلت بها اسوأ انواع القهر والغبن عندما وصلت الى السلطة، فان الواقعية الاسلامية تنتقد الفئة الظالمة والافراد الظالمين اياً كان انتماؤهم الى الطبقة العليا او الوسطى او الدنيا على السواء، وهذا النهج الثوري التربوي معاً هو ما ينبغي أن يلتزمه الأدب الاسلامي في عصرنا الحاضر، بخاصة «وان المجتمع المسلم اليوم يعيش قلقاً نفسياً واضطراباً عقائدياً وضياعاً في السلوك، لأنه عاد الميدان الذي تتصارع فيه العقائدالكافرة، بغية انتزاع عقيدته الاسلامية ولأجل أن تحل هي في موضعها »[٣٥] فالتربية هنا عملية تطوير وتهذيب وتنقية مما ينحرف بالسلوك فكرياً وعملياً، فيكون للادب الاسلامي حين ذاك ابعد الاثر في التوعية ونشرالفكرة واعداد الارضية الصالحة للدعوة والمناخ المناسب لانطلاقها.

ونحن واجدون في نهج البلاغة زاداً وفيراً من هذا الأدب التربوي الثوري اذ يتغلغل في اعماق الذهن ليزرع الفكرة وفي اغوار النفس ليخلق العاطفة وفي محيط الامة ليوجه السلوك، فيقوم بالدور المهم في التغيير والتطوير.

ولاتمنع هذه الهدفية الجادة من اتصاف الادب في نهج البلاغة بالجمالية والمتعة، ومن ثم فهو يُبطل الزعم القائل بأن الأدب الاسلامي ادب صارم في جديّته خالٍ من المتعة الفكرية او الفنية، ويكتمل الجمال المضموني في أدب نهج البلاغة بما يوازنه من جمال التعبير والاسلوب الفني الملائم فهو يحقق التوازن المطلوب بين الشكل والمضمون في العمل الادبي ومن المؤكد أن هذا التوازن الجوهري لا يتحقق إلاّ بصدق الاديب واخلاصه في تجربته، ونحن نشهد هذا الصدق على الصعيدين الشعوري والفني في نصوص نهج البلاغة.

وقد « ذهب افلاطون الى اعلان الاهتمام بالصدق وهو أن أساس كل عمل جيد وخالد في الادب هو الاخلاص التام من الفرد لنفسه والاخلاص التام منه لتجربته الخاصة في الحياة... وكم من الناس فقدوا قيمتهم بكبتهم نفوسهم وجريهم وراء غيرهم في اسلوبه وموضوعه، وهذا هو الذي يفسر لنا اننا نرى الرجل كبيراً في ملكاته الطبيعية واسع الثقافة كامل الفن، قد فاقه غيره بسبب أن الاول اقل صراحه واضعف جرأة  في التعبير عن نفسه.

فبدون الاخلاص لا يمكن أن يوجد في الادب عمل حي، وميزة التجديد في الادب التي يدأب الناس في البحث عنها ليست في الجدة ولكنها في الصدق. 

والانسان سواء كان محيط تجربته وقوته الخاصة كبيراً أو صغيراً فإنه يجب أن يكتب كما تقوده اليه اقدامه وأن يهتم بوصف ما عاشه هو وما رآه وفكرفيه واحس بصدق وامانة ونعني بالصدق أن يعبر عن احساسه وشعوره لا عن احساس غيره وشعوره»[٣٦]، إن هذا الصدق الشعوري ليتجلى واضحاً في قول الامام(علیه السلام) مثلاً:«وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه! فرأيت الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذىً، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا»[٣٧] وفي قوله(علیه السلام):«فيا عجباً! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته- لشدّما تشطّرا ضرعيها- فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحّم، فمُني الناس- لعمرُ الله- بخبط وشماس، وتلوّن واعتراض، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة »[٣٨] وفي قوله(علیه السلام) أيضاً:«أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألاّ يقارّوا على كِظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز»[٣٩].

ففي هذه النصوص نشهد الانسجام التام بين صدق الامام في مشاعره وصدقه في التعبير الفني عنها، وحسبنا دليلاً على ذلك استخدام الامام(علیه السلام) للألفاظ والتراكيب والصور التشبيهية والاستعارية، الموحية بمعاني الألم والمعاناة والتوتر والصبرعلى ما قاساه في الواقع من ظلام وظلم دام سنين عديدة، فلا نجد هنا تجربة أدبية مصطنعة كتلك التجارب التي كثيراً ما نجدها في الأدب الحديث من شعر وقصة ومسرحية وخاطرة وغيرها، حيث يصطنع المنشيء حدثاُ او شخصية او موقفاً يخضع لما هو محتمل او ممتنع من السلوك.

وهنا ربما يتسائل البعض عن موقف التصور الاسلامي حيال أمثال هذه التجارب المصطنعة، ويجيب الدكتورمحمود البستاني وهو احد النقاد والمنظّرين الاسلاميين ـ عن هذا التساؤل بقوله:«بالنسبة الى ماهو ممتنع من السلوك يبقى خاضعاً لنفس الحظر بطبيعة الحال مادام التصور الاسلامي لا يحبّذ التعامل مع الوهم، حينئذ فان التعامل مع ماهو ممتنع كما لوتخيلنا بطلاً لا إمكانية لوجوده على الارض كالشخصية الاسطورية، يبقى مشمولاً بنفس الحظر اما بالنسبة الى ماهو محتمل فيمكننا أن نقرّر سلفاً مشروعيته»[٤٠].

ومصداق هذا الحكم ما نشهده في أدب نهج البلاغة من التعامل مع الواقع سواء كان حسياً أوغيبيا، والابتعاد عن الأوهام والأساطير والخيالات الباطلة رغم الاستخدام المجازي للغة وادهاش السامع بكسر المألوف والمعتادً من لغته اليومية إذ يعمد الامام(علیه السلام) الى التصويروالتخييل في التعبيرعن مراده الجدّي دون أن يكون ذلك التصويرأو التخييل محالاً أو ممتنعاً في العقل، ولذلك فهو يخرج عن دائرة الكذب التي يدخل فيها القول المشهور عن بعض شعراء العربية ونقادها بأن أعذب الشعرأكذبه، ولتعليل هذا القول حاول بعض المفكرين وأصحاب المنطق أن يميزوا بين مرادين أحدهما جدّي بقصد الواقع واشترطوا فيه أن يكون صادقاً، والآخر استعمالي بقصد التخييل لم يروا بأساً في كذبه «ولا سيما أن اكثر ما يأتي فيه التخييل بالمبالغات كالمبالغة بالمدح او الذم او التحسين او التقبيح، والمبالغة ليست كذباً في المراد الجدّي اذا كان واقعه كذلك ولكنها كاذبة في المراد الاستعمالي و ليس هذا من الكذب القبيح المذموم مادام هو ليس مراداً جدياً يراد الاخبارعنه حقيقة.

مثلاً قد يشبه الشعراء الخصر الدقيق بالشعرة الدقيقة  فهذا تصوير لدقة الخصر فإن اريد به الاخبار حقيقة  وجدّاً عن أن الخصر دقيق كالشعرة أي أن المراد الجدّي هو ذلك فهو كذب باطل وسخيف وليس فيه أي تأثير على النفس ولا تخييل فلا يعدّ شعراً ولكن في الحقيقة أن المراد الجدي منه اعطاء صورة للخصر الدقيق لبيان أن حسنه في دقته يتجاوز الحدّ المألوف في الناس، وانما يكون هذا كذباً اذا كان الخصر غير دقيق لأن الواقع يخالف المراد الجدي. اما المراد الاستعمالي وهو التشبيه بالشعرة فهو كاذب ولا ضير فيه ولا قبح مادام المراد به التوصل الى التعبير عن ذلك المراد الجدي بهذه الصورة الخيالية.

وبمثل هذا يكون التعبير تخييلاً مستغرباً وصورة خيالية قد تشبه المحال فتجلب الانتباه وتثير الانفعال لغرابتها.  وكلما كانت الصورة الخيالية غريبة بعيدة تكون اكثر اثراً في تلذذ النفس واعجابها »[٤١].

ويبدو لي أن هذا التحليل المنطقي قد بني على مقدمات لا يقطع العقل السليم بصحتها المطلقة، فما كل نفس تلتذ وتعجب بالمبالغات والمحالات والخيالات البعيدة والاوهام، بل النفس المؤمنة الزاكية تجد التذاذها واعجابها فيما تحسه من التوازن والتوسط في الاشياء والاقتراب من حقائقها وليس بالبعد عنها.

وفي الواقع فإن معظم النقاد الاسلاميين في العصر الحديث لا يؤيدون قضية الكذب في الشعر ولا في الادب عامة.

بل يدعون الى الصدق سواء في التجربة الشعورية او في التعبير عنها، ومن دواعي هذا الصدق أن يكون الاديب متوحداً متوازناً منسجماً مع حقيقة نفسه وحقائق الوجود المحيطة به دون مبالغة او رياء او كذب وهذه هي حقيقة الادب الاسلامي وفضيلته التي تميزه عن سائر الآداب الجاهلية القديمة والحديثة التي ترى جمالها وعذوبتها فيما تتبّرج به من مبالغات فجة واكاذيب ومحالات « إن مقاييس (اعذب الشعر اكذبه) و(الشعر لا يجود إلاّ في الشرّ) صحيحة تماماً اذا انطلقنا من المنطلقات الجاهلية، هذه المنطلقات البلهاء التي استطاعت بصورة عجيبة أن تجمع في وقت واحد بين المتناقضات: بين العذوبة والكذب، وبين الجودة والشر، اما المقياس الاسلامي بمنطلقه الالهي السليم فلا تقبل موضوعيته (نوعاً عذباً من الكذب ) او( شكلاً جيداً من الشرّ ) ولو عادت الجاهلية الحديثة الى منطقها العلمي المتطور – إن سلم من الانحراف – لو جدت أن الجمع بين هذه المتناقضات يدخل في باب المستحيل وأنه لا سبيل للتفريق بين متعة العذوبة الفنية في الشعر ومتعة الصدق الفكري فيه او بين جمالية الجودة الفنية وجمالية الخير في هذا الشعر، وأن أي متعة فنية انسانية يبطل عملها وتأثيرها اذا قرنت بقيم غير انسانية كالكذب او الشر مطلقاً»[٤٢].

وبهذا تتقرر صفة الصدق في الادب الاسلامي انطلاقاً من التزامه بقيم الحق والخير والجمال التي يفرضها التصور الاسلامي للوجود. وتظهر صفة الصدق الشعوري والفني بأجلى صورها في أدب نهج البلاغة، وقد ضربنا له بعض الأمثلة في هذا البحث وتركنا أضعافها توخياً للاختصار.

وبأثرهذا الصدق تتقرر صفة اخرى للادب الاسلامي في نهج البلاغة هي صفة الوضوح، ومن المؤكد أن مهمة الأديب الاسلامي هي توصيل مبادئ المعرفة الى الاخرين «وحينئذ فإن التوصيل لا سواه هو المطلوب اساساً، ومع ادراكنا لهذه المهمة فان عملية التوصيل تعني ان المتلقي بمقدوره ان يتمثل النص – ابداعاً او دراسة – وان يستوعب دلالته. وهذا يستتبع بالضرورة عدم أي حاجز يقف حيال ذلك، والغموض – كما هو بين – يحتجز المتلقي عن التمثّل (الاستيعاب)»[٤٣] ومن الواضح أن قارئ نهج البلاغة لا يجد عسراً أو مشقة في استيعاب نصوصه الأدبية وفهم دلالاتها رغم صياغتها بالأساليب الفنية الراقية، وهذا نابع من طبيعة الثقافة الاسلامية التي يشكل الوضوح سمة بارزة من سماتها.

وأول ما يدل على هذه الطبيعة وصفُ القرآن الكريم بالكتاب المبين وآياته بالبينات والمبينات، ثم إن جميع المصطلحات الادبية التي تحدثت في تراثنا الاسلامي عن جماليات الكلام وخصائص القول الايجابية هي مصطلحات تحمل معنى الوضوح والظهور، والانكشاف فاحرى بالادب الاسلامي الحامل لروح الثقافة الاسلامية أن يتسم بالوضوح كما هو في نهج البلاغة، وما يتبجح به الحداثيون اليوم من سمة الغموض في أدبهم إنما هو دليل نقص في أدواتهم الأسلوبية، كما هو دليل مفارقتهم طبيعة مجتمعاتنا المسلمة وتراثها وثقافتها.

إن الوضوح الذي نتحدث عنه لا يعني السطحية والتعبير المباشر وأداء المعنى بشكل مبتذل رخيص او تقريره في الذهن تقريراً ساذجاً كما تقرر الاقوال العادية في لغة الخطاب اليومي.

اذ ما نجده في نهج البلاغة من أدب رفيع يجسد أروع صفات البيان العربي ويمثل أرقى أساليب الفصاحة والبلاغة العربية في عصرها الذهبي رغم اتصافه بالوضوح التام في ايصاله أدق الأفكار والمشاعر الى ذهن المتلقي ووجدانه.

ومن المعلوم أن الأصل في لغة الأدب أنها لغة تصويرية مجازية تعتمد التخييل وتقوم على التجسيد والتشخيص «وقد أجمع النقاد والبلاغيون العرب على أن التعبير المجازي أبلغ من التعبير الحقيقي وأن الكناية- ومن ضروبها الرمز- أبلغ من التصريح»[٤٤] وعلى هذا فلا نعني بالوضوح في أدب نهج البلاغة سوى بلوغ النص للمتلقي ووصوله اليه  بما يحمله من عمق التجربة ودقة الفكر واختلاج العواطف واهتزاز النفس وأشواق الروح السامية، وكل هذه المعاني تحكمها ضوابط العقل والوعي الذي يستعمل اللغة بشكل منطقي مترابط، واذا أردنا أن نضرب الأمثلة على ذلك طال بنا الكلام، ولكن نكتفي- بالاضافة الى ما ذكرناه- بهذا النص الذي يصوغه أمير المؤمنين(علیه السلام) في وصف الدنيا وأهلها قائلاً:«إنما مثل من خبر الدنيا كمثل قوم سَفْرنبا بهم منزل جديب، فأمّوا منزلاً خصيباً وجناباً مريعاً، فاحتملوا وعثاء الطريق، وفراق الصديق، وخشونة السفر، وجشوبة المطعم، ليأتوا سعة دارهم، ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشئٍ من ذلك ألماً، ولا يرون نفقة فيه مغرماً، ولا شئً أحبُ اليهم مما قرّبهم من منزلهم، وأدناهم من محلّتهم.

ومثل من اغترّ بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب، فنبا بهم الى منزل جديب، فليس شئ أكره اليهم ولا أفظعَ عندهم من مفارقة ما كانوا فيه، الى ما يهجمون عليه ويصيرون اليه»[٤٥] فهذا النص الأدبي يسيح بذهن المتلقي وخياله في عالم الدنيا وينتهي به الى موعظة تستقر في عقله وقلبه جاذبة إياه الى عالم الآخرة، ولا يجد هذا المتلقي أي عسر في فهمه للمعنى واستيعابه.

وأمثلة هذه الصور الفنية الهادفة والبعيدة عن الغموض كثيرة جداً في أدب نهج البلاغة.

أما «الغموض المتفشّي في ادبنا المعاصر والذي يعده قوم من النقاد مَعلماً من معالم الحداثة وسمة بارزة من سماتها المميزة، فهو على غير هذا المفهوم، إنه غموض قطع الصلة بين الأدب والمتلقي إذ تحولت فيه النصوص إلى طلاسم وأحاج لا تفصح ولاتبين، نصوص لاقدرة للمنشيء نفسه على فهمها.

وهو عندئذ مفهوم نقدي هجين على ثقافنتا العربية الاسلامية التي هي ثقافة الوضوح والاتصال والغاية ويتنافى مع طبيعة الأدب الإسلامي»[٤٦] وحقيقة هذا المسلك الشاذ والغريب عن ثقافتنا أنه اثر من آثار الأدب الغربي في المقلدين من ادبائنا فاذا كانت الحياة المعقدة في الغرب والخواء الروحي والتخمة المادية والنمط الميكانيكي للحركة اليومية والتفكك الاسري وطغيان الفردية والفوضى الفكرية والسلوكية تحت شعار الحرية، والأمراض النفسية الفتاكة، اذا كان هذا كله قد افرز في الغرب آداباً وفنوناً معتلة، فما معنى أن نختط لحياتنا في الشرق تصوراً شبيهاً لما يجري في هذا الغرب ؟[٤٧]

والواقع أن التقليد هو الذي قيّد أصالة ادبائنا العرب « وهو الذي وزع شعرنا العربي إلى مدارس تقلد المدارس الغربية: الاتباعية والابداعية والواقعية والرمزية.. الخ.

أما الأدب الإسلامي الذي نقدم به زاداً جديداً للعالم ويقدم تصوراتنا فهو الذي ينبغي أن نقدمه لا أن نقدم للعالم الغربي رجع عطائه، إن الزاد الجديد الأصيل يمكن أن يرفد العالم بنتاج رفيع يسيغة العالم بوصفه زاداً أصيلاً نابعاً من اكبر تجمع بشري ومن تطلعات الأمة المسلمة في كل مكان»[٤٨]  وخير ما نقدمه من هذا الزاد الأصيل هو ما نجده في نهج البلاغة من روائع النصوص الأدبية الممتازة والتي يمكن اتخاذها مناراً هادياً للأدباء ومنهجاً راسخاً للأدب الاسلامي في كل زمان ومكان. لأن أدب نهج البلاغة نابع من التصور الإسلامي العميق الشمولي والنظرة الكلية للوجود والرؤية الاسلامية لحقائق العالم مستنداً في ذلك الى تعاليم الإسلام ونصوصه الصحيحة.

«ومعلوم أن الله تعالى قد عرفنا طبيعة الوجود وأصله ومصيره ومكانة الانسان فيه ووظيفته المنوطة به. وفي القرآن الكريم بيان وافٍ وشرح رائع وتفسير دقيق لما يحيط بالأنسان جملة، هذا وإن الأدب الإسلامي وهو يرتكز على قاعدة الشمولية لايستخدم طريقة شرح المتون وتفسير النصوص أي أن مهمته ليست تقديم صياغة ثانية (صياغة فنية) لنصوص القرآن والسنة وقواعد الفقه واحداث السيرة، والذي يتصور طبيعة الأدب الإسلامي من خلال هذا المنظور الضيق يجهل تمام الجهل حقيقة هذا الأدب ودوره في حياة الانسان بعامة.

إن الأديب المسلم مكلف بتصوير الوجود كله والحياة جميعها معتمداً في ذلك على الرؤية الاسلامية. ومعنى هذا أنه يغوص في اعماق الواقع بكل قواه العقلية وطاقاته الفنية وقدراتة الابداعية ليعود الينا بنتاج يتضمن صورة جميلة صادقة عن هذا الواقع أو الوجود»[٤٩] وحين نقلب صفحات نهج البلاغة نرى أطيب مثال وأروعه في هذا الأديب الاسلامي الفذ الذي انطلق في أدبه من رؤية شاملة يطرحها الإسلام من خلال قرآنه وسنة نبيه وهي« رؤية جديدة للكون والعالم والحياة والانسان، رؤية تجيء بمثابة انقلاب شامل في كل الرؤى المحدودة والمواصفات البصرية القاصرة والأعراف والقيم والتقاليد والممارسات المبعثرة الخاطئة، رؤية تبدأ انقلابها هذا في صميم الانسان، في عقله وقلبه وروحه ووجدانه وغرائزه وميوله ونوازعه لكي تصوغه إنساناً جديداً قديراً على تحقيق التغيير المطلوب في بنية العالم وصيرورة الحركة التاريخية»[٥٠] وبهذه الرؤية الاسلامية يصبح الأدب الإسلامي في نهج البلاغة أدباً انسانياً عالمياً إذ إن الإسلام دين عام وشامل وهو ملك الانسانية جمعاء، لايستطيع أحد من البشر أن يحتكره لنفسه أو يدعي امتلاكه دون الآخرين سواء كان ذلك المدعي شخصاً أو جماعة أو شعباً ولما كان الإسلام فكرة مطلقة من هذه القيود، فإن كل من ينتج فناً أو أدباً في إطار هذه الفكرة فإن انتاجه يُعدّ انسانياً عالمياً، لأن عقيدة الإسلام لاتتحدد بحدود الاقليم أو الجنس أو العصر أو اللغة، وإن إقامة الأدب على اساس العقيدة ينتهي بنا إلى خروج هذا الأدب من حدوده الاقليمية المحدودة بنطاق اللغة ليأخذ صفة انسانية عالمية[٥١].

ومن ثم فإن أدب نهج البلاغة هو أنموذج الأدب الاسلامي الانساني العالمي لأن إسلامية الأدب تمنحه الشمول والعموم مما يجعله أقرب إلى الكمال وأدعى إلى الاتباع أو الاعتناق، والاسلام دين الفطرة فكل ما عبّر عن الفطرة السليمة في الأنفس والآفاق فهو ذو طبيعة اسلامية، ولهذا فإن الأدب الإسلامي« واسع مع الالتزام ومقيد مع الشمول يتصل بجميع مجالات الحياة الدينية والدنيوية، ولكنه ملتزم في حدود الطبيعة الاسلامية، والطبيعة الاسلامية هي الفطرة التي فطر خالق الناس الناس عليها »[٥٢] ومصداق هذا الالتزام بالفطرة الالهية السليمة هو ما نراه في أدب نهج البلاغة من تتبع للانسان في سروره وحزنه ورضاه وسخطه وعفوه وانتقامه وولائه ومخالفته وغير ذلك من شؤونه، وما نراه كذلك من تتبع لآفاق الطبيعة بحيوانها ونباتها وجمادها، فضلاً عن تتبع عالم الغيب وفيوضات العلم الالهي المتعلقة بوجود الله وملائكته وكتبه ورسله. إنه أدب يتتبع شؤون الدنيا والآخرة في توازن وشمول فريد.

ورغم الشمول الزماني والمكاني والطابع الانساني العالمي الذي نلمسه في أدب نهج البلاغة، الاّ أن هذا الادب لا يحقر بيئته الخاصة ولا يتنكر لظروفه المحلية، وليس اجدر منه في تحقيق الوفاق والانسجام والتكامل بين قطبي المحلية والعالمية  فإن الخصوصية الاسلامية التي هي وليدة الزمن والمكان، لا تتعارض مطلقاً مع التوجه (العالمي) او الإنساني خارج قيود الزمن والمكان والبيئة والتاريخ لأن الاسلام في الوقت نفسه توجه ابدي صوب الانسان في كل زمان ومكان، ولأن من اهدافه أن يصنع عالماً سعيداً لبني ادم جميعاً وأن يعينهم جميعاً على تجاوز متاعبهم وآلامهم.

ومن هذا التوازن الذي نشهده في أدب نهج البلاغة بين المحلية والعالمية، وتوازن الثنائيات الاخرى بين ما هو منظور وغيبي، وطبيعي وميتافيزيقي، ومادي وروحي، وثابت ومتغير، ومحدود ومطلق، وفان وخالد، ثم التوازن بين جميع هذه المضامين وقيم الشكل الفنية بهذا كله يكتسب هذا الادب صفته العالمية ويجتذب اهتمام الانسان في اقطار المعمورة،ويصبح الأنموذج الرفيع والخالد للأدب الاسلامي الأصيل.

وما ينبغي التاكيد عليه من مظاهر التوازن في الادب الاسلامي عامة، هو التوازن بين الثابت والمتغير في هذا الادب «فالجانب الفني في نظرية الادب الاسلامي هو الجانب المتغير وهو الجانب الذي قد يغتني بما يتوصل اليه الابداع الفني في اصقاع الارض كافة.

والمجال الذي تتمذهب فيه نظرية الادب الاسلامي هو المجال الفكري او الخط التصوري العام عن الكون والحياة والانسان وهو المجال الذي تتفرد فيه وتختلف عن أي من النظريات القديمة أوالحديثة ولا يمكن أن تكون فيه عالة على أي مذهب او عقيدة او تصور، بل هي تعتقد أنها قيّمة على غيرها وقدوة لغيرها ووسط يهتدي به غيرها»[٥٣] « فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ»[٥٤] وبهذا يتأكد «الموقف الوسطي للنظرية الاسلامية بصدد الثابت والمتحول، الستاتيك والدايناميك، في تيار الابداع الادبي إنه – بتركيز بالغ – رفض للسكون التام من جهة وللحركة العمياء من جهة اخرى، احترام لعناصر الديمومة والثبات من جهة وانفتاح على قوى التجديد والتغيير والتحول من جهة اخرى.

إن الادب الاسلامي لا يجد ايما عائق يصدّه عن قبول الجديد المتغير مادام إنه لا يرتطم ورؤيته للكون والعالم والاشياء، ولكنه لن يضحّي- خلال تقبله ذاك - بأي من العناصر الثابتة التي تمثل عصب الابداع الادبي وهيكله العظمي - اذا صح التعبير- وإلاّ غدا العمل الادبي رخواً متميعاً رجراجاً لا يشده رابط ولا تمسك به شخصية مستقلة متبلورة.

إن هنالك حدوداً للتغير والتجديد يتوجب أن يقف عندها الاديب الجاد، والاّ سقنا معطياتنا الادبية الى الضياع الذي لا نصل في صحاريه المتراميةالى قطرة واحدة من ماء»[٥٥] ونحن نشهد هذا الضياع لدى معظم أدباء الشباب منذ خمسينات القرن الماضي وحتى الآن ويتجلى ضياعهم في تطرفهم بالخروج على جميع القواعد والاساليب ونفورهم من كل الاعراف الادبية التي تبلورت كبديهيات لا تقبل النقاش ونزوعهم الى التجديد الاعمى بقفزات مجنونة لا تقف عند حدّ، ولا يتصدى لكل هذا السخف والضياع في الادب العالمي، الاّ ما نجده في الادب الاسلامي من العمق والاصالة والصفاء والصدق والفضيلة والمتعة وكل حق وخير وجمال يرسخه التصور الاسلامي في نفس الاديب المؤمن بالله ورسوله.

فمن الحق«أن الايمان وصفاء النفس والاشتغال بالله والعزوف عن الشهوات يمنح صاحبه صفاء حسّ ولطافة نفس وعذوبة روح ونفوذاً الى المعاني الدقيقة واقتداراً على التعبير البليغ، فتأتي كتابته كانها قطعة من نفس صاحبها وصورة لروحه خفيفة على النفس مشرقة الديباجة لطيفة السبك بارعة التصوير»[٥٦] فلم يتردّ الادب في انحاء العالم ولم يضع في اتون الترّهات إلاّ حين تردّى الادباء وضاعوا في متاهات الافكار الضالة والاهواء الفاسدة والخيالات السقيمة، بعيداً عن رحاب الايمان والتقوى ومراقبة الخالق العظيم فيما يصدر عنهم من ادب جاهلي، ولا بديل ينعش البشرية الاّ في الادب الاسلامي، ادب العقيدة والرسالة والواقع والحقيقة والمعرفة والجهاد في سبيل الله كما شهدنا أنموذجه الرفيع في نهج البلاغة.

----------------------------------------------------------------------------
[١] .عالجنا أسس هذا المنهج وأصوله في كتابنا: منهج النقد الأدبي الاسلامي (تحت الطبع).
[٢] . سيد قطب ، خصائص التصور الإسلامي /٢٥.
[٣] . د. عز الدين اسماعيل ، الشعر في اطار العصر الثوري /١٩
[٤] . د. حسن الأمراني ، سيمياء الأدب الإسلامي ، موقع رابطة ادباء الشام – لندن. تحديث ٢٠٠٤.
[٥] . الامام علي بن أبي طالب(علیه السلام)، نهج البلاغة /١٥.
[٦] . نهج البلاغة /٢٠.
[٧] . المصدر السابق/٢١.
[٨] . المصدر السابق /١٥.
[٩] . المصدر السابق /١٦٨.
[١٠] . د. عماد الدين خليل، مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي /١٥٣.
[١١] . د. نجيب الكيلاني، الاسلامية والمذاهب الأدبية /٤٧.
[١٢] . ينظر: جبور عبد النور ، المعجم الأدبي /٢٤٦.
[١٣] . د. عدنان علي رضا النحوي، الأدب الإسلامي. انسانيته وعالميته /١٢٥.
[١٤] . محمد الرابع الحسني الندوي ، الأدب الإسلامي وصلته بالحياة /١٩.
[١٥] . د. عبد الحميد بوزوينة، نظرية الأدب في ضوء الإسلام ٣/١١٨.
[١٦] . نهج البلاغة /٢٧٣-٢٧٥.
[١٧] . د. شلتاغ عبود ، الثقافة الاسلامية بين التغريب والتأصيل /١٨٢  .
[١٨] . د. شلتاغ عبود ، الملامح العامة لنظرية الأدب الإسلامي /٦٢.
[١٩] . نهج البلاغة /٤٥.
[٢٠] . د. أحمد بسام ساعي،الواقعية الاسلامية في الأدب والنقد /١٤.
[٢١] . د. حلمي محمد القاعود ، الواقعية الاسلامية في روايات نجيب الكيلاني /١٥.
[٢٢] . الاسلامية والمذاهب الأدبية /٥٠.
[٢٣] . نهج البلاغة /٩٢-٩٣.
[٢٤] . الواقعية الاسلامية في روايات نجيب الكيلاني /١٦.
[٢٥] . المصدر السابق /٤٨٨.
[٢٦] . المصدر السابق /٥٠٢.
[٢٧] . المصدر السابق /٤٨٠.
[٢٨] . المصدر السابق /٤٨٢.
[٢٩] . المصدر السابق /٤٧٨.
[٣٠] . المصدر السابق /٤٨٠  .
[٣١] . المصدر السابق/٢١٧.
[٣٢] . الاسلامية والمذاهب الادبية /٦١.
[٣٣] . نهج البلاغة /٥٠٠.
[٣٤] . الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني /١٦.
[٣٥] . عبد الهادي الفضلي ، نحو أدب اسلامي /٨.
[٣٦] . حبيب آل جميع، نظرات في الأدب الرسالي /٦٠.
[٣٧] . نهج البلاغة /٢٥-٢٦.
[٣٨] . المصدر السابق/٢٦.
[٣٩] . المصدر السابق/٢٨-٢٩.
[٤٠] . د. محمود البستاني، الإسلام والأدب /٥٤.
[٤١] . نظرات في الادب الرسالي / ٥٦ – ٥٧.
[٤٢] . الواقعية الاسلامية في الادب والنقد /٤٤.
[٤٣] . الإسلام والادب / ٢٩.
[٤٤] . د. وليد قصاب، من خصائص الادب الإسلامي (الوضوح)، موقع الإسلام اليوم، تحديث ٢٠٠٦ م.
[٤٥] . نهج البلاغة /٤٦٢.
[٤٦] . من خصائص الادب الاسلامي (الوضوح) /٢.
[٤٧] . ينظر: د. نجيب الكيلاني، مدخل إلى الادب الإسلامي /٢٩.
[٤٨] . من كلام الاستاذ عادل الهاشمي في: حوار حول الادب الاسلامي ومناهج دراسته /١٠   .
[٤٩] . نظرية الادب في ضوء الإسلام ٣.
[٥٠] . د. عماد الدين خليل، محاولات جديدة في النقد الإسلامي /٩.
[٥١] . د. عبد الباسط بدر، مقدمة لنظرية الادب الإسلامي /٨٩.
[٥٢] . الادب الإسلامي وصلته بالحياة /٥٥.
[٥٣] . الملامح العامة لنظرية الادب الإسلامي /١٧٢.
[٥٤] . سورة الروم، الآية (٣٠).
[٥٥] . مدخل إلى نظرية الادب الإسلامي / ١٤٧.
[٥٦] . ابو الحسن علي الحسني الندوي، نظرات في الادب /٣٣.

المصادر والمراجع

١-القرآن الكريم

٢- الأدب الاسلامي. انسانيته وعالميته، د. عدنان علي رضا النحوي، دار النحوي للنشر والتوزيع– الرياض ١٩٩٤م ط٣.

٣- الأدب الاسلامي وصلته بالحياة، محمدالرابع الحسني الندوي، مؤسسةالرسالة– بيروت١٩٨٥م.

٤- الإسلام والأدب، د. محمود البستاني، ستارة – قم /ايران ١٤٢٢ هـ.

٥- الإسلامية والمذاهب الأدبية، د. نجيب الكيلاني، مؤسسة الرسالة – بيروت ١٩٨١م ط٢.

٦- الثقافة الاسلامية بين التغريب والتأصيل، د. شلتاغ عبود، دار الهادي – بيروت ٢٠٠١م.

٧- خصائص التصور الاسلامي، سيد قطب، مكتبة عيسى البابي الحلبي – القاهرة ١٩٦٢م.

٨- سيمياء الادب الاسلامي، حسن الامراني، موقع رابطة ادباء الشام – لندن. تحديث ٢٠٠٥م.

٩- الشعر في إطار العصر الثوري، د. عز الدين اسماعيل، دار العودة – بيروت ١٩٧٦م.

١٠- مدخل إلى الأدب الإسلامي، د. نجيب الكيلاني، دار ابن حزم للطباعة – بيروت ١٩٩٢م ط٢.

١١- مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي،د. عماد الدين خليل، مؤسسة الرسالة – بيروت ١٩٨٧م.

١٢- محاولات جديدة في النقد الإسلامي، د. عماد الدين خليل، مؤسسة الرسالة – بيروت ١٩٨١م.

١٣- المعجم الادبي، جبور عبد النور، دار العلم للملايين – بيروت ١٩٨٤م. ط٢. 

١٤- مقدمة لنظرية الادب الاسلامي، د. عبد الباسط بدر، دار المنارة – جدة ١٩٨٥م.

١٥- الملامح العامة لنظرية الأدب الإسلامي، د. شلتاغ عبود، دار المعرفة – دمشق ١٩٩٢م.

١٦- من خصائص الادب الاسلامي (الوضوح)، د. وليد قصاب، موقع الاسلام اليوم. تحديث ٢٠٠٦م.

١٧- نحو أدب اسلامي، عبد الهادي الفضلي، مطبعة الآداب- النجف. د.ت

١٨- نظرات في الأدب، أبو الحسن علي الحسني الندوي، دار البشير – عمان / الأردن ١٩٩٠م

١٩- نظرات في الأدب الرسالي، حبيب آل جميع، دار الملاك – بيروت ١٩٩٧م.

٢٠- نظرية الأدب في ضوء الاسلام، د. عبد الحميد بوزوينة، دار البشير – عمان / الأردن ١٩٩٠م.

٢١- نهج البلاغة، الامام علي بن أبي طالب(علیه السلام)، مؤسسة أنصاريان- ايران / قم ٢٠٠٤م.

٢٢- الواقعية الاسلامية في الأدب والنقد، د. أحمد بسام ساعي، دار المنار للنشر – جدة ١٩٨٥م 

٢٣- الواقعية الاسلامية في روايات نجيب الكيلاني، د. حلمي محمد القاعود، دار البشير – عمان / الأردن ١٩٩٦م.

****************************