وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام) : مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا .                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
نهج البلاغة .. الكتاب المفتوح

جابر مسلماني

نهج البلاغة من الكتب الكبرى التي تستحق التكريم والإجلال، نظرا لما يحمله من مضامين سامية ورؤى متماسكة قاعدية تمثل ذرى الابداع وعبقريات الصناعة المكثفة للقواعد والتحتيات الفكرية والثقافية الكونية التي تعمل في مدى الروح والمادة تشكيلا وخلاصية، وفي مدى الأوطان بناء وصياغة واعتصاما، هو من الكتب العابرة لمضايق المربعات الأولى من دون أن تغادرها، نهج البلاغة تركة الامام علي الفلسفية والمعرفية تلكم الشخصية التي تربعت على عرش الفكر الانساني على إختلاف مشاربه وتعدد قراءاته لكيان الحياة وباستضافة بل وتأبيد طوعي وتأميم من تلكم القلوب والعقول في كل دوائرها .
لا أخفي اني إذا مددت يدي الى مكان هذا الكتاب في مكتبتي تعتريني رهبة تطال كل جوارحي وتنفذ الى معاقل خلجاتي مع دقائق صمت وجودي رهيب يحيط بكل أركاني، لا يدخل ذلك في سياقات نسج مخيالي مكتسب وموروث مع ذاتية متشكلة على نبض وانتماء عاطفي بل لانك على موعد مع الاستماع والتلقي الصافي والاغتراف من الينابيع الاولى من دون ملحقات متراكمة، مع محاكمة نقدية للذات وسياقاتها تحت أقواس فلسفة وفكر الامام علي وصدم وهدم وبناء ركين صاخب، هو فعل نهج البلاغة مع كل قرائه ومرتاديه .
إن من أهم ما يمكنك تلمسه عند استماعك المقروء والمتأمل لنص الامام علي هو المباشرة في التقعيد والتأصيل المكثف، المباشرة في الاجوبة عن الاسئلة الوجودية الكامنه، ما يدخل في المفكر فيه واللامفكر فيه، مباشرة في الحفر تحت هيكل المشكل والمعضل، عدم المساومة والتسويات الفكرية والثقافية، على أي مبدأ قيمي انساني، مركزية الله، ومساحة الانسان سيد المسرح الكوني بتفويض رباني، عدم تضخيم الحاكم والسلطة وعناصرها خارج وظيفيتها واليتها، مركزية الفقراء في منظومته الفكرية والسلوكية، وربط السياسه وحراك الانسان وكدحه العام بالسماء من دون خلل في ضرورة تجذره في مقاربة الارض كما يحصل في دوائر أخرى تعمل على إقصاءها واستبعادها ضمن تأسيسات تنسب الى السماء نفسها، الى الكثير الكثير مما يظهر على سطحه ويتقعد في أعماقه المتراميه بلا حدود.
هذا النهج الذي سبق في أذهاننا اضافته الى البلاغة لغويا وتسمية، لأنه دستور بلاغي بإمتياز هو أيضا نهج السياسة ونهج الاقتصاد وقيمه وأخلاقياته، نهج الحقوق بالاضافة الى كونه نهج الواجبات، أقول هذا لأننا نسمع ونرى في المديين الاسلامي والعربي سياقات خطابات اسلاميه دعوية تغفل وتختزل منظومة الحقوق وتصر على جناح واحد في صميم وتجليات خطابها، علما انه وإن كان منطق حق الطاعة والانقياد لله متقدما على كل شيء الا ان اقتصار بعض الخطاب العقدي والممتد الى السياسي عليه أدى الى انشطار رهيب وتدمير غير بسيط لأحد أجنحة ذلك الفكر الحيوية والمركزية.وكذلك الخطاب الديني او المدني الذي يؤسس لمنظومة الطاعة للحاكم والسلطة مع إغفال لصيغ الحقوق وتغييبها او جعلها في إطار مسلمات مضمرة وباطنية بافتراض كفاية وجودها النصي او الارتكازي الغائر دون تبريزها وتقعيدها والتأسيس عليها وتحويلها الى ثقافة راسخة وظاهرة وبنائية على قواعد العقد الاجتماعي والسياسي.
إن من عوامل نجاح واستقرار الانظمة الديمقراطية الراسخة في العالم هو حضور مقولة الحقوق كثقافة مواطنية بشكل كبير وعريض ولحظي حاضر في مجتمعاتها، وقد اصبحت بعد مخاضات عسيرة ثقافة قارة وجوفية ومبرزة على صعيد الممارسة الشاملة هناك ولها حراستها القانونية الحصينة والمحصنة.
يقول الإمام علي في نهج البلاغة مخاطبا اجتماعه السياسي :إن" لي عليكم حق ولكم علي حق" هذا القول من الإمام تعبير واضح عن العقد الاجتماعي والسياسي المشترك في ثنائية واضحة، عقد يؤسس ويكشف عن طبيعة الرباط بين الإمام بالمعنيين الديني والسياسي والأمة مجمل تجلياتها، الذي يربط رأس الهرم بالقاعدة العريضة بمنبسطاتها وتضاريسها، قاعدة المجتمع في دائرة الدولة واجتماعها السياسي .
إن من اُولى شرائط الحاكم وأوصافه هو الاعتقاد الذاتي بثقافة الحقوق، حقوق المواطنين والمحكومين في الدول والأوطان، وثانيا العمل على تحقيقها ورعايتها، وهذا ما يتم الإعلان عنه في الاحتفالية المعروفة لاداءات القسم الرئاسي في الدول التي تجدد رئاساتها ديمقراطيا لان الدول التي تحكمها ملكيات أبدية -الملكيات الاستبدادية حصرا - يكفي فيها القسم الأزلي للأجداد الذي يجدده ويتجدد معه ورثة الأوطان وأهلها حتى إشعار الموت الأخير.
إن من جملة ما يستوقفني في نهج البلاغة هو الرسائل السياسية للإمام علي تلك التي كان يرسلها الى أعدائه وخصومه أو عماله والتي يطلق عليها "الكتب" وكثيرا ما كان يُصدر الامام رسائله بكلمة من عبد الله أمير المؤمنين الى ....
إن الامام يقدم عبوديته لله على لقبه الديني والسياسي وذلك للإشارة الى إستشعاره المطلق لمرجعيته الربانية العليا ومحافظته على ثوابتها في صناعة الانسان وطرائق الحكم ضمن معطيات العدل وأسسه، إن الامام يؤكد أن سلطته في سياق حكم الاجتماع الاسلامي تعمل من خلال فضاء ثقافة الآخرة والمسؤوليات الجزائية المُثْبتة في نصوصها وبآليات دنيوية في الدنيا وهو تأكيد آخر على إحترام كامل للقانون الأعلى الذي يمثله كحاكم وإمام على البلاد والعباد.
وهناك في دول العالم على إختلاف النظرات والمساحات في مباني الرؤية الكونية أنظمة حكم ودساتير تفرز حكاما وقادة ورؤساء يحكمون على أسس إحترامهم للقوانين مما يجعلهم في سياق مواطنيّ كامل تحت تلك القوانين لا فوقها، وكم من رئيس صاخب في العالم بمجرد أن أنتهت ولايته أصبح جزءا من الذاكرة التاريخية لتلك الدول لا قابضا أبديا على حاضرها ومستقبلها.
هناك نص للإمام علي في نهج البلاغة وهو جزء من مواد القسم الرئاسي العَلوي المتناثر في أوراق نهج البلاغة ويجدر الاشارة الى أن الإمام علي منتخب بالاجماع –الاجتماعي والسياسي-العريض في سياق خلافته الرابعة في سياق التاريخ الاسلامي فضلا عن مشروعيات أخرى، يقول الامام للناس "لا تكلموني بما تُكلم به الجبابرة" أي أنه يرفض التحتية والفوقية أو الطبقية المخملية والنرجسية في إطار العلاقة معهم في دائرة ممارسة الحكم، لا يريد أي خطاب تبجيلي من مواطنيه لا يريد المدح وكل أصناف المعاملات اللسانية سواء الطبيعية منها والصادقة او الذرائعية التي تستهدف مناطق الارتخاء في قلب الحاكم بشكل عام على أمل الدخول في جنة سلطته والامن من نارها.
ويقول الامام في النص نفسه "ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة" في إشارة الى طبيعية الحكم الديكتاتوري والحاكم المستبد الذي يبادر الى نفي وإلغاء من يخالفه في الرأي أو السلوك وطرائق التفكير أو سجنهم وربما قتلهم، إن الإمام يدعو وبشكل واضح وصريح الى الحرية التعبيرية أن يقول الإنسان ما يريد وفي الوقت الذي يريد لأن صمت الناس المفروض او الكبت الجمعي المفروض بنار وحديد انظمة المخابرات في أية دولة من العالم لا يحل المشاكل.
لا يعني ذلك على الاطلاق ما يطلق عليه هيبة الحكم طبعا، ما لم يمس الثوابت الاساسية وما لم يهدد الامن القومي للدول والاوطان وهذا ما يقتضي ترسيما عقلانيا ودستوريا لثوابته حتى لا يستثمر هذا المفهوم في أكثر مما يقتضيه وهذا التحديد لضرورة حماية وعدم المس بالامن القومي ذكره الامام علي في نهج البلاغة ايضا في حواره مع الخوارج اصحاب الحركة الانفصاليه الشهيرة التي كان احد تعبيراتها عندما كان الامام على منبر المسجد في العراق عندما اعلنوا شعارهم الشهير-لا حكم الا لله-عندها أعلن لهم الامام ثلاثة ضمانات الاولى: لن نمنعكم مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وهو عبارة عن حصولهم على حق العبادة في معابد الدولة ومساجدها ..الثانية: لا نمنعكم فيئا ما دامت أيديكم مع أيدينا –لا عليها- وهو إشارة الى المال والرواتب والحقوق الاقتصادية، والثالثة: لا نقاتلكم حتى تقاتلوا وهو عبارة عن الأمن الشخصي للناس حتى مع إختلافهم مع الإمام صاحب القوة الفعلية بشرط عدم استعمالهم لما يؤدي الى تقويض دعائم العدل ومنطق قوة الحكم واستقراره .
إن نهج البلاغة وثيقة وميثاق حضاري وإنساني وأخلاقي عريض يهتم بالحياة وفلسفتها وشرائطها، الحياة العزيزة والكريمة والمصانة، لذلك يقول الامام في أروع فلسفة لثنائية الموت والحياة : إن الحياة في موتكم قاهرين والموت في حياتكم مقهورين وهو نداء كل قادة العالم ودساتير أوطانه العظيمة .
ليس نداء الامام هذا دعوة الى الموت ابدا ودائما، بل المقصود إن الانسان يفضل الموت العزيز على الحياة الذليلة فليس بالخبز وحده يحيا الانسان-على أنه الفريضة الغائبة هذه الايام- بل بحريته وحرية وطنه وسيادته وسؤدده وحصانته وبإقتداره على الدفاع عنه وعن أهله وكرامته بكل اسباب القوة وطرائق النضال والمقاومة، ومن اسمى ما قاله الامام في هذا الصدد أما والله لو فعلها ابن الاصفر لأكونن جنديا من جنود معاوية .
إن نهج البلاغة كتاب فلسفة حياة واجتماع يكفي نظرة واحدة على عهد مالك الاشتر عامله على مصر والذي بإمكانه ترشيد حضارة عالم اليوم في خطوطها الميثاقية العريضة لأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها في إطار الاخلاق السياسية وطريقة ادارة الاقتصاد والاجتماع قيميا .
ومن جملة ما فيه هو نظرة الامام الى الانسان كإنسان بمعزل عن هويته الدينية "ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق " في إشارة الى منع استلاب الاقتصاديات الوطنية وسرقة الناس والعبث بأموالهم، كل الناس وليس المسلمين وحسب، في أجمل رائعة نصية تعبر عن المساواة والعدالة في سياق الاوطان التركيبية، والامام يتحدث هنا عن مصر تاريخيا المتعددة والمتنوعة طائفيا ودينيا في نمذجة واضحة تؤسس لتعميم ثقافة العدل والحكم العادل في كل زمان ومكان وهذا مختلف تماما عن تلك النظرات التي تعبر عن الانا العليا وترفض الاعتراف بحقوق المختلف حتى في حقه الوجودي في الحياة الذي وهبه الله إياه.
إن نهج البلاغة كتاب مفتوح الى كل الحكام والزعماء والقادة والمثقفين الى كل شرائح الاجتماع الانساني، هذا الكتاب الحكمي والفلسفي والقيمي والحقوقي اسلاميا وانسانيا الذي رشح من قلب وعقل الامام علي ليس حكرا على أحد وليس وقودا في أي صراع الا في سبيل تثبيت القيم والمبادئ الانسانية العادلة وهي من ابرز مظاهر وتجليات شخصية الامام علي نفسه.
هذا الكتاب الذي حاز على اهتمام كبير من قبل العلماء شرحا وتفسيرا ولكنه حافظ على غضاضته وبقي الكثير من تلك الشروح على أعتابه .
نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي وشرحه محمد عبدو وعشقه عباس محمود العقاد وجورج جرداق وآخرون وآخرون، نهج البلاغة هو كتاب مفتوح على القراءة الدائمة والاستنطاق الدائم في سياق صناعة الرؤى واعتدالها وتأصيلها وصياغة مجتمع متمدد لا يعاني الانكماش ضمن ثوابت راقية ومستقرة ينبغي قراءته واعادة قراءته ولكن لا نقرأه بعين شيعية ولا سنية ولا مسيحية ولا علمانية ولا يسارية ولا حمورابية ولا بعيون خيم الصحاري ولا ناطحات السحاب بل لنفتح هذه العيون كلها ونقرأه بها لعلنا نقف على مساحته ومدياته وفضاءاته والمنطلقات والتخوم التي يتحرك ويصل اليها كلام الامام لتثبيت المشترك وصياغة رسالته ومقتضياته عقلا وقلبا وممارسة .
إن بإمكان نهج البلاغة الروحي والانساني الجامع وانفتاحه العميق والاصيل ان يكون ضمانه للأوطان وأهلها ومرشدا أخلاقيا لها، وكما قيل ان في كل ناحية من نواحي الاجتماع الانساني العام على تنوعه ملتقى بسيرة ومنطق علي ابن ابي طالب .
أأبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى ؟!! أأقنع من نفسي ان يقال هذا امير المؤمنين ولا اشاركهم مكاره الدهر او اكون اسوة لهم في جشوبة العيش، كم من وطن جريح ورقيق، جائع ومهدد يستصرخ قواعد عدل الامام علي ابن ابي طالب، امام المعذبين في كل مكان وزمان والعابر لكل جغرافيا ومحددات واحتباسات التاريخ .

****************************