وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                

Search form

إرسال الی صدیق
نهج البلاغة ودفع الشبهات عنه – الخامس

آية الله العظمى الشيخ هادي كاشف الغطاء

كتاب النهج مصدر لا يحتاج إلـى مصدر:

إن كتاباً يرويه ثقة عدل بصير ثَبْت، ثم تمر عليه قرون وعصور تتداوله الناس وتتناقله الأيدي، وتتلقاه العلماء بالقبول، ويبلغ من الاعتبار والعناية أن تعلّق عليه شروح جَمّة من الأفاضل والأعلام، لجدير بأن يكون أعظم مصدر وأكبر مرجع

وليس يصح في الإفهام شيء              إذ احتاج النهار إلى دليل[١]

ذاك كتاب (نهج البلاغة)، وما أدراك ما (نهج البلاغة)، كتاب دونه أكثر المصادر شأناً، وأوثق المراجع منزلة، استعرضته الأفكار ونخبته[٢] الآراء، وقد أظهره الشريف لذلك الملأ، وفي ذلك القرن الذي ازدهرت فيه الآداب، ومُحِّصت الآثار، ونبغ النوابغ، وأنتج للأمة العربية أعظم ثروة علمية، لا يخفى على رجاله دَس ولا وضع، ولا يفوتهم رد ولا نقد، والعهد قريب، والأسانيد عالية، والمصادر بالأيدي، أظهره الشريف بصراحة، وجلاه[٣] على منصّة الأسماع والأبصار لسائليه ذلك من إخوانه وغيرهم، مطمئن الجأش[٤]، أمن السرب،[٥] فلو لم يكن على يقين منه وثقة به لمَا نوّه به وشهّر بتأليفه، والأضداد[٦] كثيرون، والحسّاد أكثر، وبما إنّا فيما سلف منا قد أزلنا الشكوك والشبهات، ودفعنا الردود والنقود، فلم يحتج الكتاب بعد هذا إلى ذكر مصدر، ولا إلى بيان مرجع، ولكنّا جرياً على رغبة ثُلّة من أهل العصر في ذكر ما تصل إليه اليد من المصادر، عزمنا على الفحص والتنقيب قدر ما يتسع الوقت له، ويتهيأ لنا الرجوع إليه، فإن من الكتب الموجودة في عصرنا ما لم يتيسر لنا الاطلاع عليها، وقد اكتفينا بما ظفرنا به، والذي نراه إن المتتبع البصير يقف على أكثر مِن ذلك، إلاّ إنا قد منعتنا من الاستقصاء والإمعان في الفحص كثرة الإشغال، وضيق المجال، ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد[٧].

المصادر المذكورة في كتاب النهج:

١. كتاب (البيان والتبيين) لعمرو بن بحر الجاحظ.

٢. كتاب (المقتضب) للمبرد في باب اللفظ بالحروف.

٣. كتاب (المغازي) لسعيد بن يحي الأموي.

٤. كتاب (الجمل) للواقدي.

٥. كتاب (المقامات) في مناقب أمير المؤمنين لأبي جعفر الاسكافي.

٦. (تاريخ ابن جرير الطبري).

٧. (حكاية أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام).

٨. (رواية اليماني عن ابن قتيبة).

٩. ما وجد بخط هشام بن الكلبي.

١٠. خبر ضرار بن حمزة الضبابي.

١١. رواية أبي حجيفة.

١٢. حكاية ثعلب.

ذُكِرت هذه المصادر في كتاب (النهج) متفرقة في أبوابه؛ لخصوص بعض من الخطب والكتب والكلم القصار، والظاهر أن الوجه في تخصيص ذلك البعض بذكر المصدر دون غيره من مندرجات الكتاب هو أن ذلك البعض مما لم تتحقق عند المؤلف نسبته إلى أمير المؤمنين عليه السلام، بخلاف غيره، فانه على ثقة منه ويقين، فلا يحتاج إلى ذكر مصدر له تكون العهدة عليه في النقل والنسبة، وهذه عادة القدماء من أهل التأليف والنقل، فان ما يثقون بصدوره من شخص ينسبونه إليه ولا يذكرون الواسطة، بخلاف ما لم يثقوا بصدوره، وقد يكون الوجه في ذلك وقوع الخلاف في النسبة أو وجود النسبة إلى الغير، فيذكر المصدر مؤيداً لما يراه المؤلف، كما يظهر ذلك من نقله عن الجاحظ في كتاب (البيان والتبيين).

مرادنا بمصادر النهج:

قد أسلفنا الكلام مكرراً في أنه لا ينبغي أن يطمع معاصر في العثور على مصادر جميع ما في النهج من الخطب والكتب والحكم وغيرها، وكذا الحال في أمثاله مما صنّف وألّف في القرون السالفة والعصور الخالية من كتب اللغة والأخبار وكتب التاريخ وغيرها؛ لما قدمناه من اندراس ما يصلح للمصدرية، ولئن كان ذلك إنما يعلم غالباً من مصنف الكتاب أما تصريحاً أو تلويحاً، والتنصيص على المصادر لم يكن متعارفاً عند المؤلفين المتقدمين على هذه العصور المتأخرة، وحيث قد عزمنا على تطلب مصادر ما في النهج فإنا نقصد بالمصادر الكتب والمؤلفات المتداولة المعتمد عليها من كتب التاريخ والحديث والسير والمغازي وكتب الآداب والأخلاق والحكم المؤلّفة قبل عصر الرضي أو بعده، مع عدم استناد راويها إلى كتاب (النهج) واعتماده في روايتها عليه، فإذا وُجِد المروي في (النهج) في أحد هذه الكتب المذكورة سواء وُجِد المروي في (النهج) بتمامه في أحد تلك الكتب أو مع اختلاف في النقص والزيادة أو في بعض الكلمات أو الفقرات، فان ذلك مما يدل على رواية ذلك بنحو آخر، فان الخطبة الواحدة تختلف روايتها في الكتب التي بالأيدي، فيرويها لنا الجاحظ بخلاف ما يرويها ابن جرير[٨]، وتراها في كتاب (مروج الذهب)[٩] تخالف التي نراها في (العقد الفريد)[١٠] ، وما ذاك إلاّ لاختلاف الروايات. والشريف الرضي إن لم يكن من أفضل الرواة وأوثقهم فهو ليس دون غيره في جميع الصفات المعتبرة في الراوي، كما يذعن بذلك كل خبير بترجمة السيد وعارف بحاله، وأما ما لم يوقف على روايته في غير النهج فقد قدمنا الوجه فيه، وان ذلك أما لقصور في التتبع، أو لعدم علم بمنهاج السيد في الجمع والاختيار، فانه قد يجمع الخطبة من كلمات متفرقة في مواضيع شتى.

قال الشارح الفاضل في شرح قوله عليه السلام: (وإنما سمّيت الشبهة شبهة... الخ)[١١] ، هذان فصلان غير ملتئم أحدهما مع الآخر، وإنما الرضي كان يلتقط الكلام التقاطاً، ومراده أن يأتي بفصيح كلامه عليه السلام، وقد قال الرضي ذلك في خطبة الكتاب.[١٢] انتهى مختصراً.

وقال في شرح قوله عليه السلام: (فقمتُ بالأمر حين فشلوا)[١٣] نحو ذلك، ويكون ذلك لعدم وجود ما كان مأخذاً ومصدراً للسيد من الكتب التي قد اندرست ولم يبق منها إلى اليوم عين ولا أثر، ولا أدري لأي سبب يقع الريب من العصريين المتفلسفين حتى في اللغة والدين فيما يرويه الشريف المذكور على جلالة قدره وعظيم منزلته وثقته وورعه دون مرويات الجاحظ وابن جرير و أمثالهما من العلماء والرواة، فيؤخذ بما يرويه هؤلاء بدون تردد، ولا تشكيك ولا مطالبة بمصدر لذلك أو مستند، وعلى أي حال فلا يهمنا البحث عن ذلك، ولا داعي لبيان ما نظنه السبب فيه، فليكن هذا أوّل الشروع في المقصود، والله المعين.

يتبع  ...

----------------------------------------------------------
[١] . بيت شعر للمتنبي من قصيدة قالها في حضرة سيف الدولة، وقد عارض بعض الحاضرين، مطلعها:  شديدُ البُعدِ من شرب الشمولِ ***** تُرنجُ الهندِ أو طلعُ النخيلِ .  شرح ديوان المتنبي: ج٣، ص١٥٧.
[٢] . أي اختارته، والانتخاب: الاختيار. الصحاح: ج١، ص٢٢٣.
[٣] . أي أظهره. ينظر: تاج العروس: ج١٩، ص٢٩٣.
[٤] . يقال: فلان رابط الجأش، أي يربط نفسه عن الفرار؛ لشجاعته. الصحاح: ج٣، ص٩٩٧.
[٥] . أمن السَّرْب: لا يُغترى ما له ونَعَمُه؛ لِعِزِّه، فهو آمن في أهله وماله وولده. لسان العرب: ج٢، ص١٧٩٢.
[٦] . الأضداد: الأنداد. تاج العروس: ج٥، ص٧٣.
[٧] . هذا القول يجري مجرى المثل، وأصله: (حَسبُكَ من القلادة ما أحاك بالعنق)، أي اكتفِ بالقليل من الكثير. مجمع الأمثال: ج١، ص١٩٦.
[٨] . أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري (٢٢٤-٣١٠هـ)، المؤرخ المفسر الإمام، ولد في طبرستان، واستوطن بغداد، وتوفي بها، وعرض عليه القضاء فامتنع، والمظالم فأبى، من مؤلفاته: (أخبار الرسل والملوك) يعرف بتاريخ الطبري. الأعلام: ج٦، ص٦٩.
[٩] . مروج الذهب ومعادن الجوهر في التاريخ، لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، المتوفي سنة (٣٤٦هـ). كشف الظنون: ج٢، ص١٦٥٩.
[١٠] . العقد الفريد، لأبي عمر أحمد بن محمد المعروف بابن عبد ربه القرطبي، توفي سنة (٣٢٨هـ). كشف الظنون: ج٢، ص١١٤٩.
[١١] . نهج البلاغة: ٨١.
[١٢] . ينظر: شرح ابن أبي الحديد: ج٢، ص٢٩٨.
[١٣] . نهج البلاغة: ٨٠.
****************************