وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُل خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                

Search form

إرسال الی صدیق
هل هناك ما يشير إلى وجود فقرات عرفانية في نهج البلاغة؟

السؤال :

هل هناك ما يشير الى وجود فقرات عرفانية في نهج البلاغة؟ وهل هي من نوع العرفان النظري اوالعملي؟

الجواب الإجمالي :

لا يصح تقسيم العرفان الى العملي والنظري بالنسبة الى الائمة (ع)؛ لانه لا فرق عندهم بين العرفانين؛ لان سيرتهم تكشف عن عدم الفصل بين العرفانين، فما توصلوا اليه من الحقائق وانكشف لهم عرفانياً وضعوه تحت متناول الناس، هذا أولا.
وثانياً: ان الجذور التاريخية للتقسيم الثنائي لا تضرب بجذورها في اعماق التاريخ وانما ظهر مؤخراً في كلمات ابن عربي.
والناظر في كتاب نهج البلاغة يراه متوفراً على كم هائل من المعارف العرفانية تبرر لنا وصفه بالبحر الزخار عرفانياً، لما احتواه من كلمات ذلك الانسان الكامل الحائز على العرفان بشقيه النظري والعملي. وقد أشرنا في الجواب التفصيلي الى نماذج من كلماته (ع) في العرفان بشقيه النظري والعملي.

الجواب التفصيلي :

عُرّف العرفان بانه الطريق والمنهج الذي يعتمده طالبوا الحق للوصول الى غايتهم ومعرفة الحق. ويقسم العرفان الى نوعين؛ العرفان العلمي؛ يعني السير والسلوك والوصول والفناء. والعرفان النظري ويراد به معرفة الضوابط واساليب الكشف والشهود [١] .
وبعبارة أخرى، العرفان النظري يتكفل بتفسير الوجود؛ يعني بيان المراد من الباري والعالم والانسان، وأما العرفان العلمي فيتكفل ببناء الانسان الكامل.
وقبل البدء في الاجابة نرى من الضروري الاشارة الى أن تقسيم العرفان على العملي والنظري لا يصح بالنسبة الى الائمة (ع) فلا فرق عندهم بين العرفانين؛ لان سيرتهم تكشف عن عدم الفصل عندهم بين العرفانين، فما توصلوا اليه من الحقائق وانكشف لهم عرفانياً وضعوه تحت متناول الناس، هذا أولا.
وثانياً: ان الجذور التاريخية للتقسيم الثنائي لا تضرب بجذورها في اعماق التاريخ وانما ظهر في كلمات ابن عربي ومنه أخذ طريقه الى الفلسفة وخير مثال على ذلك ما جاء في الحكمة المتعالية.
لكن مع ذلك كله يتوفر كتاب نهج البلاغة على كم هائل من المعارف العرفانية تبرر لنا وصفه بالبحر الزخار عرفانياً، لما احتواه من كلمات ذلك الانسان الكامل المتوفر على العرفان بشقيه النظري والعملي، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان كلمات أمير المؤمنين (ع) العرفانية لا تنحصر في كتاب نهج البلاغة فقط.
يقول أمير العارفين (ع): "نحن شجرة النبوة ومحط الرسالة ومختلف الملائکة، ومعادن العلم وینابیع الحکم....". [٢]  فاذا ما بحث عن علم أوعرفان فلابد من البحث عنه في سيرة وكلمات بيت الوحي والرسالة؛ علي وأولاده البررة.
وقد اشار الامام الخميني (ره) ذلك العارف الكبير الى حقيقة مهمة حول نهج البلاغة حينما قال: اما كتاب نهج البلاغة فهوثمرة روح أمير المؤمنين (ع) لتعليم البشرية وتربية المتعطشين الى المعرفة والغارقين في حجب الانانية.... فهومجموعة بوسع الانسان وبوسع المجتمع... فمهما توسعت المجتمات والشعوب وكثر الفلاسفة والمفكرون والعارفون وغاروا جميعهم في فقرة واحدة من ذلك السفر الخالد وكان بعضهم لبعض ظهيراً لما استطاعوا معرفة كنهها والوصول الى حقيقتها ولاعترف الجميع بعجزه عن الغوص في بحرها الزاخر والوصول الى عمقها واقتناص دررها، الا وهي قوله (ع) في أول النهج: " مع کل شيءٍ لابمقارنةٍ وغیر کل شيءٍ لا بمزایلةٍ".

وهي اشارة الى وحدة الوجود المطروحة في الفكر العرفاني.
فنهج البلاغة بحر زاخر في العرفان النظري حول المبدأ والمعاد، الخلق، الوحي، الملائكة، عالم المجردات، عالم الملكوت و....، والعرفان العملي في مجال الاخلاق، الفضائل النفسية، العدالة، التقوى، الزهد، والسير والسلوك، الجهاد، والدعاء و...
وسنحاول هنا الاشارة الى نماذج من العرفانين النظري والعملي في كلماته (ع):

الف. العرفان النظري

حينما يلقي الباحث نظرة عابرة على الخطبة الاول من نهج البلاغة يراها تموج بانواع المعارف وخاصة ما يتعلق بالله تعالى وكبريائه وعظمته، من قبيل:
١- " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ ولا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ ولا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ ولا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ ولا نَعْتٌ مَوْجُود".
٢- " أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ وكمالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ وكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ وكَمَالُ الإِخلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ".
٣- " كَائِنٌ لا عن حَدَثٍ مَوْجُودٌ لَا عن عَدَمٍ مع كُلِّ شَيْ‏ءٍ لا بِمُقَارَنَةٍ وغَيْرُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ لا بِمُزَايَلَة ".  [٣]
٤- ويقول (ع) في موضع آخر من النهج في توصيف عملية الخلق: " قَدَّرَ ما خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ ودَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ ووَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ ولَمْ يَقْصُرْ دُونَ الِانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ ولَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ فَكَيْفَ وإِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا ولَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا ولَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ ولَا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُور". [٤]
هذه قبسات من ذلك النور الساطع وقطرات بحر العرفان النظري الزاخر، ومَن ذا الذي يستطيع الغور في اعماقه اوالاحاطة بمعارفه؟!!

ب. العرفان العملي

١- يشير أمور المؤمنين الى المراقاة الاولى في السير والسلوك ووصف السالك بقوله: " قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ وأَمَاتَ نَفْسَهُ حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ ولَطُفَ غَلِيظُهُ وبَرَقَ لهُ لامِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ وسَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ ". [٥]
٢- وقوله (ع): " عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ وتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ وأَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِه‏".  [٦]

٣- ومن خطبة له عرفت بخطبة المتقين جاء فيها وصفه لهم: " عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ والْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وهُمْ والنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُون ‏".  [٧]
٤- ويقول في موضع آخر: " أَحْمَدُهُ اسْتِتْمَاماً لِنِعْمَتِهِ واسْتِسْلَاماً لِعِزَّتِهِ واسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ وأَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إِلَى كِفَايَتِهِ إِنَّهُ لَا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ ولَا يَئِلُ مَنْ عَادَاهُ ولَا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاه ‏". [٨]
٥- " ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك "  [٩] .
٦- ويقول (ع) واصفاً حالته العرفانية عند استقباله للموت: " واللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ  بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّه ‏". [١٠]

٧- وله في حث المتقين على احياء الليل وقلة النوم والاكل: " أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ وأَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ واسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ وأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ وخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ولَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا ‏".  [١١]
٨- ويقول في وصف الجهاد في سبيل الحق والعدل: " أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ وهُولِبَاسُ التَّقْوَى ودِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ وجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ . [١٢]

------------------------------------------------
[١] . معجم المصطلحات العرفانیة، مفردة العرفان، مکتبة طهوري، طهران، الطبعة الرابعة، ١٣٧٨ش.
[٢] . نهج البلاغة، خ ١٠٨.
[٣] . نهج البلاغة، الخطبة الاولى.
[٤] . المصدر، خ٩١.
[٥] . المصدر، خ ٢٢٠.
[٦] . المصدر، خ٨٧.
[٧] . المصدر، خ ١٩٣.
[٨] . المصدر، خ ٢.
[٩] . الاحسائي، ابن ابي جمهور، عوالي اللآلي، ج ١، ص ٤٤، انتشارات سید الشهداء، قم، ١٤٠٥ق.
[١٠] . نهج البلاغة، خ ٥.
[١١] . المصدر، خ١٨٣.
[١٢] . المصدر، خ ٢٧.
****************************