وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                
وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
وصايا الأمير عليه السلام – الثاني

الدرس الثاني : حياةالقلب
أحْي قلْبك بالْموْعظة، وأمتْهُ بالزّهادة، وقوّه بالْيقين، ونوّرْهُ بالْحكْمة، وذلّلْهُ بذكْر الْموْت، وقرّرْهُ بالْفناء، وبصّرْهُ فجائع الدُّنْيا، وحذّرْهُ صوْلة الدّهْر وفُحْش تقلُّب اللّيالي والْأيّام، واعْرضْ عليْه أخْبار الْماضين، وذكّرْهُ بما أصاب منْ كان قبْلك من الْأوّلين، وسرْ في ديارهمْ وآثارهمْ، فانْظُر فيْما فعلُوا عمّا انْتقلُوا، وأيْن حلُّوا ونزلُوا! فإنّك تجدُهُمْ قد انْتقلُوا عن الْأحبّة، وحلُّوا ديار الْغُرْبة، وكأنّك عنْ قليلٍ قدْ صرْت كأحدهمْ.

تمهيد
لقد اهتمّ الإسلام بقلب الإنسان اهتماماً بالغاً، حتى نزلت الكثير من آيات القرآن الكريم لتشرح أهمية القلب ودوره.
فالقلب هو المعيار المميز بين الإنسان الصالح وغيره، يقول تعالى: "ومن النّاس من يُعْجبُك قوْلُهُ في الْحياة الدُّنْيا ويُشْهدُ اللّه على ما في قلْبه وهُو ألدُّ الْخصام" [١] .
وببركة هذا القلب يستطيع الإنسان أن يميّز بين الحق والباطل "هُو الّذي أنزل عليْك الْكتاب منْهُ آياتٌ مُّحْكماتٌ هُنّ أُمُّ الْكتاب وأُخرُ مُتشابهاتٌ فأمّا الّذين في قُلُوبهمْ زيْغٌ فيتّبعُون ما تشابه منْهُ ابْتغاء الْفتْنة وابْتغاء تأْويله وما يعْلمُ تأْويلهُ إلاّ اللّهُ والرّاسخُون في الْعلْم يقُولُون آمنّا به كُلٌّ مّنْ عند ربّنا وما يذّكّرُ إلاّ أُوْلُواْ الألْباب"  [٢] .
وأما من أصاب قلبه المرض فإنه سيسلب التوفيق، وسيزداد مرضاً وبعداً عن الله تعالى حتى يصل إلى العذاب الأليم "في قُلُوبهم مّرضٌ فزادهُمُ اللّهُ مرضاً ولهُم عذابٌ أليمٌ بما كانُوا يكْذبُون"  [٣].
وكذلك من قسا قلبه، فتسلب عنه كل بركة "ثُمّ قستْ قُلُوبُكُم مّن بعْد ذلك فهي كالْحجارة أوْ أشدُّ قسْوةً وإنّ من الْحجارة لما يتفجّرُ منْهُ الأنْهارُ وإنّ منْها لما يشّقّقُ فيخْرُجُ منْهُ الْماء وإنّ منْها لما يهْبطُ منْ خشْية اللّه وما اللّهُ بغافلٍ عمّا تعْملُون"  [٤].
وبالنتيجة فإنه سيخسر آخرته وسيستحق الغضب الإلهي والعذاب الأليم، "إنّ الّذين كفرُواْ سواءٌ عليْهمْ أأنذرْتهُمْ أمْ لمْ تُنذرْهُمْ لا يُؤْمنُون * ختم اللّهُ على قُلُوبهمْ وعلى سمْعهمْ وعلى أبْصارهمْ غشاوةٌ ولهُمْ عذابٌ عظيمٌ"  [٥].
وأما صاحب القلب الحي فإنه كالأرض الصالحة الزكية التي تثمر فيها أشجار السعادة وتحيى بربيع دائم "وإذا ما أُنزلتْ سُورةٌ فمنْهُم مّن يقُولُ أيُّكُمْ زادتْهُ هذه إيمانًا فأمّا الّذين آمنُواْ فزادتْهُمْ إيمانًا وهُمْ يسْتبْشرُون * وأمّا الّذين في قُلُوبهم مّرضٌ فزادتْهُمْ رجْسًا إلى رجْسهمْ وماتُواْ وهُمْ كافرُون" [٦] .
فالقلب إذاً له الكلمة الفصل في مصير سلوك الإنسان في الدنيا ومصيره في الآخرة، وقد علمنا الله تعالى في كتابه الكريم أن ندعو بثبات هذه القلوب على الحق "ربّنا لا تُزغْ قُلُوبنا بعْد إذْ هديْتنا وهبْ لنا من لّدُنك رحْمةً إنّك أنت الْوهّابُ" [٧] ، من هنا كيف نستطيع أن نبعد هذا القلب عن مهالكه، ونؤمّن له ما يحميه ويقوي دوره الصحيح في حياتنا؟ يكون ذلك من خلال منع أسباب الظلمات، وبعث النور في القلب من جديد، وتقويته في مواجهة الفتن والتحديات.
الأمر الأول : أسباب الظلمات ورفعها:
هناك العديد من الأمور التي تتسبب بالظلمات في القلب، أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته هذه، أو أشارت إليها الآيات القرآنية، لا بد من التعرف عليها لرفعها، والوقوف بوجهها، لما تشكله من خطر على هذا القلب، ومن هذه الأمور:
١- حب الدنيا:
"واصْبرْ نفْسك مع الّذين يدْعُون ربّهُم بالْغداة والْعشيّ يُريدُون وجْههُ ولا تعْدُ عيْناك عنْهُمْ تُريدُ زينة الْحياة الدُّنْيا ولا تُطعْ منْ أغْفلْنا قلْبهُ عن ذكْرنا واتّبع هواهُ وكان أمْرُهُ فُرُطًا" [٨] .
إن التعلق بالدنيا وحبها يفسد القلب، ويجعله ساحة سهلة أمام زمر الشيطان، من هنا لا بد للإنسان المؤمن من أن يقطع هذا التعلق بالدنيا الذي يجعلها هدفاً وغاية بدل الآخرة، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله "وأمته بالزهادة" فلإماتة هذا الافتتان بالدنيا طريق هو عبارة عن الزهد، والزهد يحصل من خلال المعرفة، أي الإدراك والإيمان بأن هذه الدنيا ليست هي الهدف والغاية، بل هي منقطعة وليست سوى طريق للآخرة، وقد ورد في الرواية عن الإمام علي عليه السلام : "أعرفُ الناس بالزهادة من عرف نقص الدنيا" [٩] .
وهناك رواية عن الإمام الصادق عليه السلام يشرح فيها معالم الزهد: "الزهد مفتاح باب الآخرة، والبراءة من النار، وهو تركك كل شيء يشغلك عن الله، من غير تأسف على فوتها، ولا اعجاب في تركها، ولا انتظار فرج منها، ولا طلب محمدة عليها، ولا عوض منها، بل ترى فوتها راحة وكونها آفة، وتكون أبداً هارباً من الآفة، معتصماً بالراحة"  [١٠] .
٢- ارتكاب المعاصي:
سلوك الإنسان يؤثر في القلب أيضاً، فإن كان سلوكاً سيئاً يخالف حكم الله تعالى وإرشادات الإسلام، فإنه سيملأ القلب ظلاماً وحجباً، وهذا ما تؤكده العديد من الآيات القرآنية، كالآيات التالية: "كلّا بلْ ران على قُلُوبهم مّا كانُوا يكْسبُون" [١١] .
"أولمْ يهْد للّذين يرثُون الأرْض من بعْد أهْلها أن لّوْ نشاء أصبْناهُم بذُنُوبهمْ ونطْبعُ على قُلُوبهمْ فهُمْ لا يسْمعُون" [١٢].
"فأعقبهم فأعْقبهُمْ نفاقًا في قُلُوبهمْ إلى يوْم يلْقوْنهُ بما أخْلفُواْ اللّه ما وعدُوهُ وبما كانُواْ يكْذبُون" [١٣].
٣- ترك الجهاد في سبيل الله:
"وإذآ أُنزلتْ سُورةٌ أنْ آمنُواْ باللّه وجاهدُواْ مع رسُوله اسْتأْذنك أُوْلُواْ الطّوْل منْهُمْ وقالُواْ ذرْنا نكُن مّع الْقاعدين * رضُواْ بأن يكُونُواْ مع الْخوالف وطُبع على قُلُوبهمْ فهُمْ لا يفْقهُون" [١٤].
إن التخلف عن الجهاد في سبيل الله والقعود عن نصرة دينه وترك مواجهة الظالمين، له تبعات خطيرة جداً في الدنيا والآخرة، وما يهمنا الإشارة إليه الآن أثره في القلب، حيث تصرح هذه الآية الكريمة، أن هؤلاء القاعدين المتخلفين عن الجهاد طُبع على قلوبهم. ومن الطبيعي أن الذي يعيد الحياة للقلب، المشاركة في الجهاد،لذلك نجد الإنسان المجاهد أكثر نوراً، وألين قلباً، وأقرب إلى الله تعالى.
٤- التخلي عن الفرص الإلهية:
إن الله تعالى يوفق الإنسان خلال حياته للكثير من الفرص التي لو استغلها لجعلته أقرب إلى ساحة رضا الله تعالى، وترك الفرص بالإضافة إلى كونه خسارة لفرصة قد لا تعود، هو أيضاً سبب من أسباب موت القلوب وظلامها. يقول تعالى "تلْك الْقُرى نقُصُّ عليْك منْ أنبآئها ولقدْ جاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالْبيّنات فما كانُواْ ليُؤْمنُواْ بما كذّبُواْ من قبْلُ كذلك يطْبعُ اللّهُ على قُلُوب الْكافرين" [١٥].
ثانياً: بعث النور في القلب من جديد
للقلب حياة وموت، فكم من إنسان حي ببدنه يعيش في هذه الأرض ولكنه ميت القلب، لا يشعر بالآخرة ولا يرى أمامه سوى هذه الدنيا. وأما لو كان القلب حياً فإن سائر أعضاء هذا الجسد سوف تنبض بالحياة لأنه هو الموجه لها وهي مطيعة له ولذا ورد في رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: "القلب ملك وله جنود، فإذا صلح الملك صلحت جنوده، وإذا فسد الملك فسدت جنوده"  [١٦].
إن كل مكان تركته زمر الشيطان، علينا أن نسلط جنود الرحمان عليه من جديد، وكل مكان أزلنا أسباب الظلام عنه، يجب أن نفتح أبوابه أمام شعاع النور.
وبعد أن عرضنا شيئاً من أسباب الظلام وموت القلوب لمنعها، نستعرض أموراً تساعد على بعث النور في القلب وإحياءه من جديد.
١ـ ذكر الله:
هذا الذكر الذي يتجلى ألفاظاً على اللسان هو أيضاً بحقيقته يقين في القلوب، هذا اليقين الذي يقوي القلب ويبعث فيه النور "قوه باليقين" "إنّما الْمُؤْمنُون الّذين إذا ذُكر اللّهُ وجلتْ قُلُوبُهُمْ وإذا تُليتْ عليْهمْ آياتُهُ زادتْهُمْ إيمانًا وعلى ربّهمْ يتوكّلُون" [١٧].
واليقين:هو درجة شديدة من الإيمان،فقد ورد في الرواية الترتيب التالي:عن أبي جعفر عليه السلام :"إنما هو الإسلام،والإيمان فوقه بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسم بين الناس شيء أقل من اليقين"  [١٨] من هنا نعلم كيف يعطي اليقين قوة القلب لدى هذا الإنسان، إنه الإدراك التام لما يترتب على الأفعال من مصالح ومفاسد، ولذا فإن صاحب اليقين لا يقدم على التجاوز عن ذلك للمعرفة التامة. فمن يتيقن بأن النار محرقة لن يقدم على رمي نفسه فيها.
٢- الحكمة:
"ونوره بالحكمة": قال تعالى: "يُؤْتي الْحكْمة منْ يشاءُ ومنْ يُؤْت الْحكْمة فقدْ أُوتي خيْراً كثيراً وما يذّكّرُ إلاّ أُوْلُوا الألْباب" [١٩].
فالحكمة أولاً هي من عند الله، وكل ما كان من عند الله فلا بد وأن يكون خيراً لأنه مصدر كل خير، وقد وصف الله عز وجل هذا الخير بأنه كثير، فإذا كان الوصف القرآني له بهذا النحو فهذا يعني أنه من الكثرة ما لا يتصوره الإنسان.
وأما ما هي الحكمة؟ فهذا ما يفسّره الإمام الصادق عليه السلام كما في الرواية: "إن الحكمة المعرفة والتفقه في الدين، فمن فقه منكم فهو حكيم".
وفي رواية لبيان طريق نيل الحكمة، ورد في حديث المعراج: "يا أحمد ! إن العبد إذا أجاع بطنه وحفظ لسانه علمته الحكمة، وإن كان كافراً تكون حكمته حجة عليه ووبالاً، وإن كان مؤمناً تكون حكمته له نوراً وبرهاناً وشفاءً ورحمةً، فيعلم ما لم يكن يعلم ويبصر ما لم يكن يبصر، فأول ما أبصره عيوب نفسه حتى يشتغل عن عيوب غيره، وابصره دقائق العلم حتى لا يدخل عليه الشيطان" [٢٠].
٣ـ الموعظة:
في الوصية "أحي قلبك بالموعظة... وذلّله بذكر الموت، وقرره بالفناء. وبصره فجائع الدنيا".
والموعظة هي التذكير بالآخرة وبالمصير الذي لا بد وأن يصل إليه كل إنسان، فإذا سمع ذلك الإنسان لجأ إلى التوبة، وبها حياة القلب، ولذا نقرأ في دعاء الإمام السجاد عليه السلام : "إلهي ألبستني الخطايا ثوب مذلتي، وجللني التباعد منك لباس مسكنتي، وأمات قلبي عظيم جنايتي، فأحيه بتوبة منك يا أملي وبغيتي".
ثالثاً: تقوية القلب
على الإنسان أن يصنع للقلب دفاعات وحواجز تقيه وتحرسه في مواجهة تحديات الدنيا، ويكون ذلك من خلال بعض الأمور التي أشار إليها الإمام عليه السلام في وصيته:
١- التذكير:
"اعرض عليه أخبار الماضين، وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين، وسر في ديارهم وآثارهم".
تتضمن هذه الكلمات بيانا لأفضل طريق يمكن أن يسلكه الإنسان في تربية النفس في حالاته كافة، فإن كان غنياً قد أنعم الله عليه، ونظر إلى من كان قبله من الأغنياء والمترفين من الأمم السالفة علم أن مصير ذلك كله إلى زوال. وإن كان فقيراً أو مبتلى علم بأن هذه الدنيا لا تدوم لأحد ولم يكن الخلود نصيب أحد فيها.
قال تعالى: "قدْ خلتْ منْ قبْلكُمْ سُننٌ فسيرُوا في الأرْض فانْظُروا كيْف كان عاقبةُ الْمُكذّبين" [٢١].
إن لله في الأمم سننا لا تختص بهم، بل هي قوانين وسنن عامة في الحياة تجري على الحاضرين كما جرت على الماضين سواء بسواء، وهي سنن للتقدم والبقاء، وسنن للتدهور والاندحار، التقدم للمؤمنين المجاهدين المتحدين الواعين، والتدهور والاندحار للأمم المتفرقة المتشتتة الكافرة الغارقة في الذنوب والآثام.
وفي موضع آخر من نهج البلاغة يقول الإمام علي عليه السلام :
"واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال، وذميم الأعمال، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم فإذا تفكرتم في تفاوت حاليهم فالزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم وزاحت الأعداء له عنهم، ومدت العافية به عليهم، وانقادت النعمة له معهم، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة واللزوم للألفة والتحاض عليها، والتواصي بها، واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم وأوهن منتهم، من تضاغن القلوب، وتشاحن الصدور وتدابر النفوس، وتخاذل الأيدي..."  [٢٢] .
٢- التحذير:
"وحذره صولة الدهر وفحش تقلّب الليالي والأيام": لا يعيش الإنسان في حياته بدوام السرور بل تتقلب به الأيام وتعصف به يميناً ويساراً، فتارة يكون بأتمّ الصحة وأخرى تجده يعاني الأمرين من المرض، وتارة تجده غنياً موفور النعمة وأخرى تجده فقيراً معدماً، وهكذا... تتقلب به الأيام من حال إلى حال، وهذا الاختلاف يصفه أمير المؤمنين بأنه يكون فاحشاً، أي كبيراً وعظيماً، لا يسيراً وسهلاً.
والإمام يدعو لتربية النفس على تحمّل هذه التقلبات التي يصاب بها الإنسان، بنحو لا تخرجه عن طاعة الله إلى معصيته أو عن الإيمان إلى الكفر.
وعن الإمام الصادق عليه السلام : "ما أعطي عبد من الدنيا إلا اعتبارا، وما زوي عنه إلا اختبارا" [٢٣].

الدرس الثالث : النصيحة وضرورة استماعها
"بادرْتُ بوصيّتي إليْك، وأوْردْتُ خصالاً منْها قبْل أنْ يعْجل بي أجلي دُون أنْ أُفْضي إليْك بما في نفْسي، أوْ أنْ أنْقُص في رأْيي كما نُقصْتُ في جسْمي، أوْ يسْبقني إليْك بعْضُ غلبات الْهوى وفتن الدُّنْيا، فتكُون كالصّعْب النّفُور. وإنّما قلْبُ الْحدث كالْأرْض الْخالية ما ألْقي فيها منْ شيءٍ قبلتْهُ. فبادرْتُك بالْأدب قبْل أنْ يقْسُو قلْبُك، ويشْتغل لُبُّك، لتسْتقْبل بجدّ رأْيك من الْأمْر ما قدْ كفاك أهْلُ التّجارب بُغْيتهُ وتجْربتهُ، فتكُون قدْ كُفيت مؤُونة الطّلب، وعُوفيت منْ علاج التّجْربة، فأتاك منْ ذلك ما قدْ كُنّا نأْتيه، واسْتبان لك ما رُبّما أظْلم عليْنا منْهُ".

تمهيد
النصيحة هي من أهم ما يمكن أن يهديه الإنسان لأخيه المؤمن، فهي تصدر عنه من خالص المحبة ولذا ورد في الحديث: "ناصحك مشفق عليك، محسن إليك، ناظر في عواقبك، مستدرك فوارطك، ففي طاعته رشادك، وفي مخالفته فسادك"  [٢٤] ، والنصيحة إن جاءت من الأب لولده كانت أزيد شفقة ومحبة من النصيحة التي تأتي من غيره، والإمام عليه السلام في الوقت الذي يوجه النصيحة لولده الإمام الحسن عليه السلام، يمهّد لذلك بذكر الأسباب التي دعته إلى اختيار ذلك الوقت لأجل توجيه النصيحة لولده، مبيّنا أنه لو تأخر في أداء تلك النصيحة عن ذلك الوقت، فإن ذلك سوف يؤدي إلى ضياع النصيحة، لأنها سوف تتأخر عن وقتها الذي كان ينبغي أن تؤدى فيه، ولذا يشير الإمام إلى موانع الاستماع إلى النصيحة.
والنصيحة والأدب هما من التربية الواجبة على الأهل، ومن حق الطفل على أبيه أن يحسن أدبه وتربيته. وهذا ما ورد في كتاب الله عز وجل حيث قال: "يا أيُّها الّذين آمنُوا قُوا أنفُسكُمْ وأهْليكُمْ ناراً وقُودُها النّاسُ والْحجارةُ" [٢٥] .
فقد ورد في الرواية أنه عليه السلام: لما نزلت الآية، قال الناس: كيف نقي أنفسنا وأهلنا؟ قال: اعملوا الخير وذكّروا به أهليكم وأدبوهم على طاعة الله [٢٦].
موانع الاستماع إلى النصيحة
أ- "يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا".
إنها مسابقة بين الدعوة إلى الحق والدعوة إلى الباطل, فالشاب في مقتبل العمر إذا لم تؤد له النصيحة في وقتها وسبقت دعوة الباطل دعوة الحق لتطرق مسامع أذنه، وتتحدث مع شغاف قلبه، فإنه سوف يبتعد عن الاستماع إلى النصيحة، وسوف يكون التقصير من الأهل الذين لم يبادروا إلى ذلك.
وقد بيّن الإمام سبب ذلك، وهو أن الشاب في أوائل شبابه يشعر بفراغ يحتاج إلى أن يملأه ويبادر إلى ملئه بما يجده في متناوله، ولذا قال عليه السلام: "إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما القي فيها من شئ قبلته".
ب- "فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك".
الخطوة التي تلي النصيحة هي الأدب، والأدب مرحلة أشد من النصيحة، لأنه يتضمن بعض الأساليب التي تحمل نوعا من الفرض والعقوبة مع فرض التخلف عن ذلك والمعصية، وهذه المرحلة لها أيضا وقتها الذي ينبغي أن يبادر الأهل إلى أدائها في ذلك الوقت وعدم تأخيرها بنحو لا يعود من الأدب نفع ولا فائدة.
والمانع من تأثير النصيحة كما يذكر الإمام عليه السلام ذلك في هذه الرواية هو قسوة القلب.
ولقسوة القلب أسباب عديدة ومن هذه الأسباب أن يعيش الإنسان طول الأمل، والشاب في مقتبل العمر مُعرّض لأن يرى من نفسه القوة والقدرة على كل شيء، وأن ينظر إلى الناس من حوله فلا يرى لهم من حق عليه سوى أنه أقدر منهم وأقوى على نيل ما يريد وهذا الأمر يورث قسوة القلب، ففي الرواية، فيما ناجى الله عز وجل به موسى عليه السلام: "يا موسى، لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك" [٢٧] .
ج- ويشتغل لبك
المانع الثالث من الاستماع إلى النصيحة هو أن يكون الشاب في حداثة سنه ومقتبل عمره حاملا لهمّ ما، كما لو كان يطلب الوصول إلى غاية من الغايات ويسعى للوصول إليها مهما كلفه ذلك، فإن ذلك سوف يكون مانعا من الاستماع إلى النصيحة، فهو ونتيجة حرصه على الوصول إلى غايته سوف يطلب أسرع الطرق والتي قد لا تكون مضمونة، ولو وجهت إليه النصائح المتتالية بأن هذا الطريق يضر به ولا يفيده فإنه لن يبادر إلى الاستماع إلى النصيحة.
ثمرة النصيحة
١- "لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته".
إن من أهم فوائد النصيحة هي أن يتحرز الإنسان عن الوقوع في الخطأ، فإذا وقف الإنسان أمام خيارات متعددة وبدل أن يخوض غمار التجارب والتي قد تكون فاشلة وفيها الخسارة، يعتبر بمن سبقه من الناس إلى تجربة تلك الطرق، وبهذا يأمن الوقوع في الضرر، وهذه هي فائدة النصيحة.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "التجارب علم مستفاد" [٢٨].
إذا الثمرة الأولى هي الإحاطة بالأمر واختيار الأفضل.
٢- "فتكون قد كفيت مؤونة الطلب".
وهنا يشير الإمام عليه السلام إلى الثمرة الثانية للاستفادة من نصيحة الآخرين، وهو أن أصحاب التجربة إذا أشاروا إليك في أمر من الأمور، فعملت بنصيحتهم في فعل أو في ترك، جعلوك في راحة من أن تسعى لترى ذلك بنفسك، فخففوا عنك أعباء قد تضطر إلى تحملها لو أردت تجربة ذلك بنفسك، وحفظوا لك وقتك وطاقاتك لتستنفذها في مكانها المثمر ثماراً جديدة.
٣- "عوفيت من علاج التجربة".
الوقاية خير من العلاج كما يقال، وهذه هي الثمرة الثالثة من الأخذ بالنصيحة، إنها الوقاية من الوقوع في الداء الذي يحتاج إلى علاج. والتجربة إذا خاضها الإنسان بنفسه قد توقعه في أمر لا بد له فيه من العلاج، ولكنه لو اعتمد على تجارب الآخرين أمن من الضرر. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ثمرة التجربة حسن الاختيار" [٢٩] .
٤- "فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه".
الثمرة الرابعة من الرجوع إلى النصيحة أن يصل الإنسان إلى ما يريده بيسر وسهولة، فمن سبقنا إلى الأمر قد تجشم العناء في الوصول إليه، والسعي لنيله، وأما نحن فيصلنا صافيا وفي معافاة من أمرنا.
٥- "واستبان لك ما ربما أظلم علينا منه".
الثمرة الخامسة هي في أن الصورة لدينا تكون أوضح وأجلى، فإننا متى شاهدنا التجارب التي خاضها الآخرون، ولاحظنا حجم المعاناة التي عانوا منها فأخذنا بالتجارب المتعددة، والصور المختلفة التي يحكيها أصحاب التجارب، ونصائحهم التي ينظر فيها كل واحد منهم إلى جهة من الجهات، اجتمعت لدينا جهات متعددة من النظر والرأي، وهذا يؤدي إلى تكوين صورة أفضل وأجمع وأشمل.

--------------------------------------------------------------------------

[١] . البقرة:٢٠٤

[٢] . آل عمران:٧

[٣] . البقرة: ١٠

[٤] . البقرة: ٧٤

[٥] . البقرة: ٦-٧

[٦] . التوبة:١٢٤-١٢٥

[٧] . آل عمران: ٨

[٨] . الكهف: ٢٨

[٩] . علي بن محمد الواسطي- عيون الحكم والمواعظ- ص ١٢٢.

[١٠] . الري شهري- محمد- ميزان الحكمة- دار الحديث , الطبعة الأولى - ج ٢ ص ١١٦٨.

[١١] . المطففين: ١٤

[١٢] . الأعراف:١٠٠

[١٣] . التوبة:٧٧

[١٤] . التوبة:٨٦ - ٨٧

[١٥] . الأعراف:١٠١

[١٦] . كنز العمال: ١٢٢٣، ١٢٠٥.

[١٧] . الأنفال:٢

[١٨] . الري شهري محمد ميزان الحكمة دار الحديث , الطبعة الأولى ج ٤ ص ٣٧١٤.

[١٩] . البقرة:٢٦٩

[٢٠] . الري شهري محمد ميزان الحكمة دار الحديث , الطبعة الأولى ج ١ ص ٦٧٣

[٢١] . آل عمران:١٣٧

[٢٢] . نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢

[٢٣] . الكليني الكافي - دار الكتب الإسلامية ,آخوندي الطبعة الثالثة - ابن بابويه - علي - فقه الرضا - مؤسسة أهل البيت: ج٢ / ص ٢٦١ / حديث ٦

[٢٤] . الري شهري- محمد- ميزان الحكمة- دار الحديث , الطبعة الأولى - ج ٤ ص ٣٢٧٩.

[٢٥] . التحريم: ٦.

[٢٦] . المحقق النوري - مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل - مؤسسة أهل البيت لإحياء التراث - الطبعة الأولى –: ١٢ / ٢٠١ / ١٣٨٨١ و ح ١٣٨٨٢

[٢٧] . الكليني، الكليني- الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي- الطبعة الثالثة - ابن بابويه- علي- فقه الرضا- مؤسسة أهل البيت: ٢ / ٣٢٩.

[٢٨] . غرر الحكم: ١٠٣٦.

[٢٩] . غرر الحكم: ٤٦١٧.

يتبع ...

****************************