وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                

Search form

إرسال الی صدیق
وصايا الأمير عليه السلام – الرابع

الدرس السابع : ذكر الموت
"أكْثرْ منْ ذكْر الْموْت، وذكْر ما تهْجُمُ عليْه، وتُفْضي بعْد الْموْت إليْه، حتّى يأْتيك وقدْ أخذْت منْهُ حذْرك، وشددْت لهُ أزْرك، ولا يأْتيك بغْتةً فيبْهرك. وإيّاك أنْ تغْترّ بما ترى منْ إخْلاد أهْل الدُّنْيا إليْها، وتكالُبهمْ عليْها، فقدْ نبّأك اللهُ عنْها، ونعتْ لك نفْسها، وتكشّفتْ لك عنْ مساويها".

أثر ذكر الموت
الموت هذه الحقيقة التي إليها يكون مصير كل إنسان، وهو في الحقيقة انتقال من دار البلاء والامتحان إلى دار الأجر والجزاء، فمن أحسن عملاً أحب وقت الجزاء، ومن أساء العمل خاف من ذلك اليوم، وقد ورد في الرواية عن لإمام الباقر عليه السلام: "لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال: حتى يكون الموت أحب إليه من الحياة" [١] .
ولا شك أن لذكر الموت أثراً على روحية الإنسان ومسلكيته في هذه الدنيا، والناس بالنسبة لذكر الموت قسمان:
القسم الأول هم الأشخاص الغافلون عن الآخرة، والذين تشكل أيامهم المعدودة في هذه الحياة الدنيا كل همّهم، وتتلخص أهدافهم بمتطلبات هذه الأيام المعدودة، وهذا النوع من الناس يشكل الموت بالنسبة إليهم نهاية كل شيء، نهاية الأمل ونهاية الهدف ونهاية الوجود، وبالتالي فمن المنطقي أن يكون ذكر الموت بالنسبة لهم يبعث على اليأس والإحباط، لذلك تجدهم كثيراً ما يتجنبون ذكر الموت وينزعجون من التلفظ باسمه.
والقسم الثاني هم عرفوا الله تعالى وعرفوا أن هناك يوم حساب ويوم جزاء، وبالتالي فالدنيا بالنسبة لهم ليست إلا قنطرة وجسراً يعبرونها للوصول إلى تلك الحياة الحقيقية والأساسية فهدفهم الحقيقي لا يتوقف عند هذه الأيام والأنفاس المعدودة، وطموحاتهم لا تنحصر بمتطلبات هذه الأيام المحدودة، فهم وإن لم ينسوا نصيبهم من الدنيا إلا أن هدفهم الأساسي هو الآخرة، يبنون لها ويمهدون لأنفسهم للوصول إلى تلك المرحلة على أفضل حال، وهذا النوع من الناس سيكون ذكر الموت بالنسبة لهم له فوائد متعددة، فهو:
أ- باعث على الجد والنشاط للاستفادة من فرصة هذه الدنيا على أكمل وجه للتأسيس للآخرة، فلحظات هذه الفرصة محدودة.
ب– يرسّخ الهدف الحقيقي - المتمثل بالآخرة - أكثر في النفوس، ويجعل هذا الهدف حاضراً بشكل أكبر وآكد. وبالتالي يصوّب مسيرة الإنسان بالاتجاه الصحيح.
ج– يساعد الإنسان للسيطرة على ميوله النفسية وشهواته، فيهذّبها ويجعلها ضمن الإطار الإيجابي والصحيح.
وقد ورد في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أكثروا ذكر الموت، فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا، فإن ذكرتموه عند الغنى هدمه، وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم"  [٢].

الحذر من الموت
"حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك".
إن مشكلة الإنسان في هذه الدنيا تتمثل في الحجب التي تتالى على قلبه فتمنعه من ذكر الله عز وجل، وتكون هذه الحجب سبباً في ابتعاده عن الله، وذكر الموت هو أحد الأسباب التي تشكل عاملاً مساعداً على إزالة هذه الحجب، ففي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء قيل: وما جلاؤها؟ قال: كثرة ذكر الموت، وتلاوة القرآن" [٣] .
وأما كيف يؤدي ذكر الموت دوره في رفع هذه الحجب؟ فهو من جهة شعور الإنسان بأن مصير كل ما يعيشه الإنسان في هذه الدنيا إلى الزوال لا البقاء. وقد ورد في الرواية عن الإمام علي عليه السلام: "إن الموت هادم لذاتكم، ومكدر شهواتكم، ومباعد طياتكم، زائر غير محبوب، وقرن غير مغلوب، وواتر غير مطلوب، قد أعلقتكم حبائله... فيوشك أن تغشاكم دواجي ظلله، واحتدام علله" [٤] .
وهذا الموت الذي يتيقن كل إنسان في هذه الدنيا أنه سوف يأتيه في يوم من الأيام، تجد الإنسان يتعامل مع معاملة الشيء المشكوك وهذا ما نبّه عليه الإمام علي عليه السلام في رواية قال: "ما رأيت إيمانا مع يقين أشبه منه بشك على هذا الإنسان، إنه كل يوم يودع إلى القبور، ويشيع، وإلى غرور الدنيا يرجع، وعن الشهوة والذنوب لا يقلع، فلو لم يكن لابن آدم المسكين ذنب يتوكفه ولا حساب يقف عليه إلا موت يبدد شمله ويفرق جمعه ويوتم ولده، لكان ينبغي له أن يحاذر ما هو فيه بأشد النصب والتعب" [٥] .
وهل لإنسان أن يطمع بالخلود في هذه الدنيا، قد تجد من الناس من يحب ذلك ويرغب به ولكن الناس كافة تؤمن يقينا بأنه لا سبيل إلى ذلك وفي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "لو أن أحدا يجد إلى البقاء سلما أو لدفع الموت سبيلا لكان ذلك سليمان بن داود عليه السلام، الذي سخر له ملك الجن والإنس مع النبوة، وعظيم الزلفة، فلما استوفى طعمته واستكمل مدته رمته قسي الفناء بنبال الموت، وأصبحت الديار منه خالية، والمساكن معطلة، وورثها قوم آخرون" [٦].
الاستعداد لتلك الرحلة
"وشددت له أزرك".
إن كل من يقدم على سفر من الأسفار يتجهز لهذا السفر بما يحتاج إليه ومنها أن يكون له من القدرة والقوة ما يمكنه من طي هذا السفر بنحو يصل إلى مقصوده، وهكذا حال الإنسان في هذه الدنيا، فإنه لا بد له وأن يتجهز في هذه الدنيا بما يعينه على الآخرة.
وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: "احذروا عباد الله الموت وقربه، وأعدوا له عدته، فإنه يأتي بأمر عظيم وخطب جليل، بخير لا يكون معه شر أبداً، أو شر لا يكون معه خير أبداً، فمن أقرب إلى الجنة من عاملها! ومن أقرب إلى النار من عاملها" [٧].
"ولا يأتيك بغتة فيبهرك".
ورد في الروايات ذكر صورة الموت للمؤمن وصورة الموت للكافر، وإنما تحصل البغتة للكافر، قال تعالى: "قدْ خسر الّذين كذّبُوا بلقاء اللّه حتّى إذا جاءتْهُمْ السّاعةُ بغْتةً قالُوا يا حسْرتنا على ما فرّطْنا فيها وهُمْ يحْملُون أوْزارهُمْ على ظُهُورهمْ ألا ساء ما يزرُون"  [٨] .

صورة موت المؤمن
تتلخص صورة موت المؤمن بما يلي:
أ- ملك الموت: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن ملك الموت ليقف من المؤمن عند موته موقف العبد الذليل من المولى، فيقوم وأصحابه لا يدنو ن منه حتى يبدأه بالتسليم ويبشره بالجنة" [٩].
ب- خروج الروح: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن أشد شيعتنا لنا حبا يكون خروج نفسه كشرب أحدكم في يوم الصيف الماء البارد الذي ينتفع به القلوب،وإن سائرهم ليموت كما يغبط أحدكم على فراشه كأقر ما كانت عينه بموته" [١٠] .
ج- البشارة: أول ما يبشر به المؤمن روح وريحان وجنة نعيم، وأول ما يبشر به المؤمن أن يقال له: أبشر ولي الله برضاه والجنة ! قدمت خير مقدم، قد غفر الله لمن شيعك، واستجاب لمن استغفر لك، وقبل من شهد لك [١١].
صورة موت أهل النار
تتلخص صورة موته بما يلي:
أ- ملك الموت: قال تعالى: "ولوْ ترى إذْ يتوفّى الّذين كفرُوا الْملائكةُ يضْربُون وُجُوههُمْ وأدْبارهُمْ وذُوقُوا عذاب الْحريق" والمراد من الآية أن نزع الملائكة لروح الكافر يترافق مع ضربه من أمام ومن خلف. عن أبي جعفر عليه السلام قال: "إذا أراد الله قبض روح الكافر قال: يا ملك الموت انطلق أنت و أعوانك إلى عدوي، فإني قد ابتليته فأحسنت البلاء، ودعوته إلى دار السلام فأبى إلا أن يشتمني، وكفر بي وبنعمتي، وشتمني على عرشي فاقبض روحه حتى تكبه في النار، قال: فيجيئه ملك الموت بوجه كريه كالح، عيناه كالبرق الخاطف، صوته كالرعد القاصف، لونه كقطع الليل المظلم، نفسه كلهب النار رأسه في السماء الدنيا ورجل في المشرق و رجل في المغرب، وقدماه في الهواء معه سفود كثير الشعب، معه خمسمائة ملك معهم سياط من قلب جهنم، تلتهب تلك السياط وهي من لهب جهنم، ومعهم مسح أسود وجمرة من جمر جهنم، ثم يدخل عليه ملك من خزان جهنم يقال له: سحقطائيل فيسقيه شربة من النار، لا يزال منها عطشاناً حتى يدخل النار، فإذا نظر إلى ملك الموت شخص بصره وطار عقله، قال: يا ملك الموت ارجعون، قال: فيقول ملك الموت: "كلا إنها كلمة هو قائلها"  [١٢].
ب- خروج الروح: وقد ورد في الرواية وصف ذلك عن أبي جعفر الصادق عليه السلام قال: "فيجيئه (الكافر) ملك الموت بوجه كريه كالح، عيناه كالبرق الخاطف، صوته كالرعد القاصف، لونه كقطع الليل المظلم، نفسه كلهب النار رأسه في السماء الدنيا ورجل في المشرق و رجل في المغرب، وقدماه في الهواء" [١٣] .
ج- المصير السيئ: يقول تعالى "ولوْ ترى إذ الظّالمُون في غمرات الْموْت والْملآئكةُ باسطُواْ أيْديهمْ أخْرجُواْ أنفُسكُمُ الْيوْم تُجْزوْن عذاب الْهُون بما كُنتُمْ تقُولُون على اللّه غيْر الْحقّ وكُنتُمْ عنْ آياته تسْتكْبرُون" [١٤] .

الدرس الثامن : المؤمن عزيز
"وأكْرمْ نفْسك عنْ كُلّ دنيّةٍ وإنْ ساقتْك إلى الرّغائب، فإنّك لنْ تعْتاض بما تبْذُلُ منْ نفْسك عوضاً. ولا تكُنْ عبْد غيْرك وقدْ جعلك اللهُ حُرّاً. وما خيْرُ خيْرٍ لا يُنالُ إلاّ بشرٍّ، ويُسْرٍ لا يُنالُ إلاّ بعُسْرٍ ؟! وإيّاك أنْ تُوجف بك مطايا الطّمع، فتُوردك مناهل الْهلكة، وإن اسْتطعْت ألاّ يكُون بيْنك بيْن الله ذُونعْمة فافْعلْ، فإنّك مُدْركٌ قسْمك، وآخذٌ سهْمك، وإنّ الْيسير من الله سُبْحانهُ أعْظمُ و أكْرمُ من الْكثير منْ خلْقه وإنْ كان كُلٌّ منْهُ. وتلافيك ما فرط منْ صمْتك أيْسرُ منْ إدْراكك ما فات منْ منْطقك، وحفْظُ ما في الْوعاء بشدّ الْوكاء، وحفْظُ ما في يديْك أحبُّ إليّ منْ طلب ما في يديْ غيْرك. ومرارةُ الْيأْس خيْرٌ من الطّلب إلى النّاس، والْحرْفةُ مع الْعفّة خيْرٌ من الْغنى مع الْفُجُور".

المؤمن لا يُذل
"أكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً".
ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "المؤمن أعظم حرمة من الكعبة" [١٥] .
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "إن الله عز وجل أعطى المؤمن ثلاث خصال: العز في الدنيا والدين، والفلاح في الآخرة، والمهابة في صدور العالمين" [١٦] .
الله عز وجل أعطى لهذا المؤمن العزة، ولكن الإنسان قد تدعوه رغبة من رغباته إلى فعل ما لا يليق به تلبية لرغبته تلك، فيقع في إذلال نفسه ويضحي بما وهبه إياه الله عز وجل، وهنا يرشدنا الإمام إلى أن ما نناله جراء التضحية بهذه العزة والكرامة الموهوبة من الله عز وجل لا يعادل ما نأخذه من حطام. فإن من يقدم على ذلك لمغبون، لأنه يبذل الشيء الغالي والنفيس في سبيل الفاني والرخيص.
بل ورد في الرواية أن المؤمن لا ولاية له على أن يُذل نفسه. في سبيل ذلك فقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "إن الله فوض إلى المؤمن أموره كلها، ولم يفوض إليه أن يكون ذليلا، أما تسمع الله تعالى يقول: "...وللّه الْعزّةُ ولرسُوله وللْمُؤْمنين ولكنّ الْمُنافقين لا يعْلمُون" [١٧] "  [١٨].
فالمؤمن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً، إن المؤمن أعز من الجبل، لأن الجبل يستفل منه بالمعاول، والمؤمن لا يستفل من دينه بشيء.
وعنه عليه السلام: "المؤمن إذا سئل أسعف، وإذا سأل خفف" [١٩].
المؤمن حر
"لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً". هذه العبارة من الإمام عليه السلام أصبحت من الأمثال التي سار بها الناس، فالمؤمن هو عبد لله عز وجل فقط ولا يمكنه أن يكون عبداً لغيره لأن في ذلك ذلّه، وقد وردت الروايات بالنهي عن أن يؤجر الإنسان المؤمن نفسه عن عمل من الأعمال ولو كان ذلك لأجل الرزق ففي رواية عن لإمام الصادق عليه السلام: "من آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق". وفي رواية أخرى: "وكيف لا يحظره؟! وما أصاب فيه فهو لربه الذي آجره".
الغاية والوسيلة
"وما خير خير لا ينال إلا بشر، ويسر لا ينال إلا بعسر".
هل الغاية تبرر الوسيلة؟ الجواب الذي تتضمنه هذه الوصية هو النفي، فالإمام عليه السلام يؤكد على أن الخير الذي يصل إليه الإنسان عن طريق الشر، لا يكون خيراً، بل هو من الشر، فالمال الذي يحصل عليه الإنسان ولو كان لفعل الخير إذا كان من خلال إذلال المؤمن لنفسه فإنه سوف يكون موجباً لكون ذلك الخير من الشر.
موجبات العزة
أ- طاعة الله:
عن الإمام الصادق عليه السلام: "من أخرجه الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى، أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر" [٢٠].
ومن الطاعة التسليم لله عز وجل فيما أمر ونهى، وقد نهي المؤمن عن إذلال نفسه، وإذلال النفس إمّا أن يكون لأجل الحاجة إلى المال، او إلى العشيرة او إلى الصداقة والرفقة، فلو أطاع الله لسلك في هذه الثلاثة سبل الطاعة فكان عزيزاً فيها.
وهذا ما يمكن أن يستفاد من الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة" [٢١] .
ب- اليأس عما في أيدي الناس
إنما يذل الإنسان نفسه لغيره من الناس متى عاش على أمل أن يجد ما يطلبه عندهم وأما لو قطع الأمل من ذلك في نفسه، وعلق أمله بالله عز وجل فقط فإنه لن يلجأ إلى إذلال نفسه، ولذا ورد في الرواية عن لقمان عليه السلام - لابنه وهو يعظه -: "إن أردت أن تجمع عز الدنيا فاقطع طمعك مما في أيدي الناس، فإنما بلغ الأنبياء والصديقون ما بلغوا بقطع طمعهم"   [٢٢].
ج- نصرة الحق
إن العزة هي في نصرة الحق، وأما لو تخلى الإنسان عن نصرة الحق فإنه سوف يكون مصيره إلى الذل، وقد ورد في الرواية عن الإمام العسكري عليه السلام: "ما ترك الحق عزيز إلا ذل، ولا أخذ به ذليل إلا عز" [٢٣].
وعن الإمام علي عليه السلام: "فرض الله... والجهاد عزاً للإسلام" [٢٤].
د- إكرام الناس
إن من موجبات كرامة النفس عند النفس ان يتعامل الإنسان بإكرام مع سائر الناس، فقد ورد في الرواية عن الإمام علي عليه السلام: "إن مكرمة صنعتها إلى أحد من الناس إنما أكرمت بها نفسك وزينت بها عرضك، فلا تطلب من غيرك شكر ما صنعت إلى نفسك"  [٢٥].

الدرس التاسع : العلاقة مع الإخوان "١"
"احْملْ نفْسك منْ أخيك عنْد صرْمه على الصّلة، وعنْد صُدُوده على اللّطف والْمُقاربة، وعنْد جُمُوده على الْبذْل، وعنْد تباعُده على الدُّنُوّ، وعنْد شدّته على اللّين، وعنْد جُرْمه على الْعُذْر، حتّى كأنّك لهُ عبْدٌ، وكأنّهُ ذُو نعْمة عليْك. وإيّاك أنْ تضع ذلك في غيْر موْضعه، أوْ أنْ تفْعلهُ بغيْر أهْله، لا تتّخذنّ عدُوّ صديقك صديقاً فتُعادي صديقك، وامْحضْ أخاك النّصيحة، حسنةً كانتْ أمْ قبيحةً".

تمهيد
كما حث الإسلام الناس على اكتساب الإخوان حتى جعل ذلك من علامات القدرة والقوة، فقد ورد في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم" [٢٦] .
كذلك وردت الرواية وتعاليم أئمة أهل البيت عليهم السلام بتحديد قواعد العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الإخوان، والتي تحفظ هذه المودة التي تكون بينهم. وهذه القواعد هي التي يوصي بها الإمام عليه السلام ولده.
وقد ورد في التشريع الأخلاقي الإسلامي بيان مجموعة من الحقوق الثابتة بين الإخوان، وقد ورد في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع هذه الحقوق والتي تصل إلى ثلاثين حقاً: "للمسلم على أخيه ثلاثون حقاً، لا براءة له منها إلا بالأداء أو العفو! يغفر زلته، ويرحم عبرته، ويستر عورته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلته، ويرعى ذمته، ويعود مرضه، ويشهد ميته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويحفظ حليلته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويسمت عطسته، ويرشد ضالته، ويرد سلامه، ويطيب كلامه، ويبر أنعامه، ويصدق أقسامه، ويوالي وليه، ولا يعاديه، وينصره ظالما ومظلوما، فأما نصرته ظالما فيرده عن ظلمه، وأما نصرته مظلوما فيعينه على أخذ حقه، ولا يسلمه، ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه" [٢٧] .
عدم قطيعة الإخوان
إن ارتباك علاقة المؤمنين ببعضهم مما أكد عليه الإمام عليه السلام، ومن مفردات العلاقة الحسنة:
١ - "إحمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة".
الصرم هو الصد والقطيعة، هل أبادر إذا قاطعني أي أخ من الأخوان بسبب مبرر أو دون سبب مبرر إلى مقاطعته أيضاً؟ إن العداوة تستمر وتكبر بسبب المبادرة إلى المقابلة بالمثل وهذا لا ينبغي ان يكون عليه الحال بين الإخوان، فمبدأ المقابلة بالمثل هو بين الأعداء لا بين الإخوان.
عن الإمام علي عليه السلام: "لا تتبع أخاك بعد القطيعة وقيعة فيه، فيسد عليه طريق الرجوع إليك، فلعل التجارب ترده عليك"  [٢٨] .
وعنه عليه السلام: "لا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته" [٢٩] .
٢- "وعند صدوده على اللطف والمقاربة".
قد تجد لدى أخيك نوعاً من الجفاء والصدود، ومقابل ذلك عليك ان تبادر إلى مودته وإظهار اللطف به، ويكفي فائدة في ذلك أن تقصد به وجه الله عز وجل كما ورد في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "النظر إلى الأخ توده في الله عز وجل عبادة" [٣٠] .
٣- "وعند جموده على البذل".
لو وجدت من أخيك نوعا من الاحجام عن الكرم او الانفاق، او شيئا من البخل فلا تبادله ذلك بالبخل عليه او الجمود بل بادر بالبذل له فإنك بذلك تخرجه عن تلك الحالة إلى حالة الكرم.
٤- "وعند تباعده على الدنو".
قد لا يبادر الأخ إلى القطيعة ولكنه يبتعد، فلا تبادر بدورك إلى الابتعاد، بل بادر إلى الدنو والاقتراب منه، فلعله يعاني من مشكلة لم يحب أن يطلعك عليها، فإذا وجد أنك لم تبادله بالبعد، بل بقيت على دنوك منه بادر إلى إطلاعك، فكنت عونا له للخلاص من مما يعانيه.
٥- "وعند شدته على اللين".
الإنسان خاضع لما يحيط به من ظروف وما يعيشه من حالات، فقد يبادر إلى استعمال القسوة او الشدة مع إخوانه وسواء كان ذلك مبرراً له او غير مبرر، فإن ما ينبغي لنا المبادرة إليه هو ان نعامله بلين ونحمل فعل الشدة منه على العذر.
٦- "وعند جرمه على العذر حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك".
إذا أساء لك أخوك فلا تبادره بالإساءة بل بادره بالإحسان محتملا له العذر، فقد ورد في الرواية عن الإمام علي عليه السلام - في وصيته لمحمد بن الحنفية -: "لا تصرم أخاك على ارتياب، ولا تقطعه دون استعتاب، لعل له عذرا وأنت تلوم به".

الحذر في العلاقة
١- "إياك أن تضع ذلك في غير موضعه أو أن تفعله بغير أهله".
الإمام الصادق عليه السلام: "الإخوان ثلاثة: فواحد كالغذاء الذي يحتاج إليه كل وقت فهو العاقل، والثاني في معنى الداء وهو الأحمق، والثالث في معنى الدواء فهو اللبيب" [٣١].
وعنه عليه السلام: "الإخوان ثلاثة: مواس بنفسه، وآخر مواس بماله، وهما الصادقان في الإخاء، وآخر يأخذ منك البلغة، ويريدك لبعض اللذة، فلا تعده من أهل الثقة" [٣٢] .
٢- "لا تتخذن عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك".
لا شك في أن الإنسان لا يمكنه أن يصادق عدوه، أو أن يصادق عدو صديقه، لأن مجرد صداقة العدو تجعل من النفس تستريب وتشك في أن تكون الصداقة غير خالصة، بل مشوبة بنوع من النفاق.
٣ـ "وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة".
النصيحة للأخ كما تكون بطلب من ذلك الأخ، وذلك متى وقع في مشكلة او أراد أمرا وطلب النصيحة فيه، وإما أن تكون ابتداء متى وقع الأخ فيما لا يرضى به الله عز وجل، أو ابتعد عن طريق الحق، فقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من رأى أخاه على أمر يكرهه فلم يرده عنه وهو يقدر عليه فقد خانه"  [٣٣] .
وفي رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام قال: "أما حق أخيك، فأن تعلم أنه يدك وعزك وقوتك، فلا تتخذه سلاحا على معصية الله، ولا عدة للظلم لخلق الله، ولا تدع نصرته على عدوه والنصيحة له، فان أطاع الله وإلا فليكن الله أكرم عليك منه، ولا قوة إلا بالله".

-------------------------------------------------------------------------
[١] . الري شهري- محمد - ميزان الحكمة - دار الحديث, الطبعة الأولى - ج١، ص ١٩٣.
[٢] . الري شهري- محمد - ميزان الحكمة - دار الحديث, الطبعة الأولى - ج٤، ص ٢٩٦٥.
[٣] . الري شهري- محمد - ميزان الحكمة - دار الحديث, الطبعة الأولى - ج٣، ص ٢٦١٦.
[٤] . نهج البلاغة: الخطبة ٢٣٠.
[٥] . الري شهري- محمد - ميزان الحكمة - دار الحديث, الطبعة الأولى - ج٤، ص ٢٩٥٧.
[٦] . الري شهري- محمد - ميزان الحكمة - دار الحديث, الطبعة الأولى - ج،٤ ص ٢٩٥٧.
[٧] . نهج البلاغة: الكتاب: ٢٧.
[٨] . الأنعام: ٣١.
[٩] . الصدوق"٣٨١هـ ." – من لا يحضره الفقيه - جامعة المدرسين – الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ.: ١ / ١٣٥.
[١٠] . المجلسي - محمد باقر - المجلسي - محمد باقر - بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء, الطبعة الثانية المصححة – الأنوار - مؤسسة الوفاء, الطبعة الثانية المصححة: ٦/ ١٦٢.
[١١] . الري شهري- محمد - ميزان الحكمة - دار الحديث, الطبعة الأولى - ج٤، ص ٢٩٦١.
[١٢] . المفيد – محمد بن محمد بن النعمان – الاختصاص- دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت – لبنان - ص ٣٥٩.
[١٣] . المفيد – محمد بن محمد بن النعمان – الاختصاص- دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت – لبنان - ص ٣٥٩.
[١٤] . الأنعام: ٩٣.
[١٥] . الري شهري - محمد - ميزان الحكمة - دار الحديث، الطبعة الأولى - ج١، ص٢٠٥.
[١٦] . المجلسي - محمد باقر - المجلسي - محمد باقر - بحار الأنوار - مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة – الأنوار- مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة: ٦٧ / ٧١.
[١٧] . المنافقون: ٨.
[١٨] . الطوسي – تهذيب الأحكام - دار الكتب الإسلامية – طهران -: ٦ / ١٧٩.
[١٩] . غرر الحكم: ١٩٣٣.
[٢٠] . الري شهري - محمد - ميزان الحكمة - دار الحديث، الطبعة الأولى - ج٣، ص١٩٥٨.
[٢١] . غرر الحكم: ٤٠٥٦.
[٢٢] . الري شهري - محمد - ميزان الحكمة - دار الحديث، الطبعة الأولى - ج٣، ص١٩٥٩.
[٢٣] . المجلسي - محمد باقر - بحار الأنوار - مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة: ٧٨ / ٣٧٤.
[٢٤] . نهج البلاغة: الحكمة: ٢٥٢، الخطبة ١٩٨.
[٢٥] . غرر الحكم: ٣٥٤٢.
[٢٦] . المجلسي - محمد باقر - بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة: ٧٤ / ٢٧٨.
[٢٧] . المجلسي- محمد باقر -المجلسي- محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة – الأنوار- مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة –، ج ٧٤، ص ٢٣٦.
[٢٨] . المجلسي - محمد باقر - بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة: ٧٧ / ٢٠٩.
[٢٩] . نهج البلاغة: الكتاب ٣١.
[٣٠] . المجلسي - محمد باقر - بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة: ٧٤ / ٢٧٩.
[٣١] . الحراني - ابن شعبة - الوفاة: ق ٤- تحف العقول- الطبعة: الثانية - مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين بقم المشرفة- ٣٢٣.
[٣٢] . الحراني - ابن شعبة - الوفاة: ق ٤- تحف العقول- الطبعة: الثانية - مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين بقم المشرفة - ص ٣٢٣.
[٣٣] . المجلسي - محمد باقر - بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة: ٧٥ / ٦٥.

يتبع ....

****************************