وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام) : مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا .                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                

Search form

إرسال الی صدیق
ومن توجيهاته عليه السلام لجباة الأموال

«إنطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروعن مسلما، ولا تجتازن عليه كارها، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله، فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بالسكينة والوقار، حتى تقوم بينهم، فتسلم عليهم، ولا تخدج بالتحية لهم، ثم تقول:

عباد الله أرسلني إليكم ولي الله، وخليفته، لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق، فتؤدوه إلى وليه»[١].

«إياك أن تضرب مسلما أويهوديا أونصرانيا في درهم خراج، أوتبيع دابة عمل في درهم، فإنما امرنا أن نأخذ منهم العفو»[٢].

ومن تعليماته لجيوشه:

ولقد كان (ع) يوصي جنوده في حالات الحرب بأن لا يبدؤوا بقتال العدو، حتى يبدأهم بالحرب، ولا يقتلوا من ولى دبره عن قتالهم، ولا يقتلوا الجريح ومن عجزعن حماية نفسه أثناء الحرب، ولا يؤذوا النساء بشي‏ء حتى وإن بدأن بسب أوشتم.[٣] ونحوذلك من وصاياه(ع).

فهل نرى عدلا رفيعا كهذا العدل؟

بل هل حدث التأريخ الانساني عن رجل يحب الخير حتى لخصومه الذين ناصبوه العداء؟

إنه علي (ع) صاحب القلب الكبير، الذي شمل الناس بحب غامر، فبسط لهم العدل في حياتهم، وأشعرهم بحقيقة الكرامة الانسانية، ووفر لهم غطاء من الأمن والإستقرار في جوالشعور بالمساواة والحياة الحرة الكريمة.

ثانياـ تواضع الإمام:

خلق التواضع في معاملة الناس، بقدر ما يكون عبادة اسلامية يندب الشرع الإلهي إليها، كذلك يعبر عن إحدى صيغ التعامل الفاضل بين أبناء الامة، فهومن وسائل توحيد الكلمة وجمع الشمل، وإشاعة المودة وإلغاء التفاوت الطبقي.

ولقد كان الإمام علي (ع) مثلا أعلى في تواضعه، كما كان رسول الله (ص) من قبل.

وسيرته العطرة تطرح المزيد من الشواهد على ذلك الخلق الاسلامي الرفيع:

يقول الإمام الصادق (ع): «كان أمير المؤمنين (ع) يحطب ويستسقي ويكنس، وكانت فاطمة تطحن وتعجن وتخبز»[٤].

وكان الإمام (ع) يشتري حاجته وحاجة اسرته الكريمة من السوق بنفسه، ويحملها بيده، وهوأمير المؤمنين، الذي يحظى باحتلال أرفع مركز في حياة المسلمين، ولقدكان الناس يسرعون إليه لحمل أشيائه حين يرون ذلك منه، ولكنه يأبى عليهم ويقول: «رب العيال أحق بحمله»[٥].

وكان (ع) يسير في الأسواق وحده، لا يصحبه حشم ولا خدم، ولا جند، فيرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبقالين والتجار ويأمرهم بالتواضع وحسن المعاملة ويتلوعليهم قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)[٦].

ومن عظيم تواضعه (ع) أنه خرج يوما على أصحابه، وهوراكب، فمشوا خلفه، فالتفت إليهم فقال:

« (ألكم حاجة؟) قالوا: لا، يا أمير المؤمنين!ولكنا نحب أن نمشي معك، فقال لهم: (إنصرفوا فإن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي) »[٧].

وقد استقبله زعماء الأنبار وترجلوا وأسندوا بين يديه فقال (ع):

« (ما هذا الذي صنعتموه؟) قالوا: خلق منا نعظم به امراءنا. فقال (ع): (والله ما ينتفع بهذا امراؤكم، وإنكم لتشقون به على أنفسكم، وتشقون به في آخرتكم، وما أخسر المشقة وراءها العقاب، وما أربح الراحة معها الأمان من النار) »[٨].

ومن أدبه الكامل تسليمه على النساء[٩] من قومه، ومشيه مع المرأة لقضاء شأن من شؤونها، حتى وإن جلب له الأمر مشقة، فعن الإمام الباقر (ع) قال:

«رجع الإمام علي (ع) إلى داره في وقت القيظ، فإذا امرأة قائمة تقول: إن زوجي ظلمني، وأخافني، وتعدى علي. فقال الإمام: (يا أمة الله!اصبري حتى يبرد النهارثم أذهب معك إن شاء الله)، فقالت: يشتد غضبه علي. فطأطأ الإمام (ع) رأسه ثم رفعه وهويقول: (لا والله أويؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع!أين منزلك؟)، ووقف الإمام (ع) على باب المنزل فقال: (السلام عليكم)، فخرج الشاب. فقال له الإمام (ع): (يا عبد الله، إتق الله، فإنك قد أخفتها وأخرجتها !) فقال الفتى: وما أنت وذاك؟فقال أمير المؤمنين: (آمرك بالمعروف، وأنهاك عن المنكر، تستقبلني بالمنكر وتنكر المعروف؟) فأقبل الناس من الطرق يلقون التحية على الإمام (ع) ويقولون: سلام عليكم يا أمير المؤمنين!فسقط في يديه، فقال: يا أمير المؤمنين!أقلني عثرتي، فوالله لأكونن لها أرضا تطأني. فالتفت الإمام إلى المرأة قائلا: (يا أمة الله!ادخلي منزلك ولا تلجئي زوجك إلى مثل هذا وشبهه) »[١٠].

وكان الإمام (ع) قريبا سهلا هينا يلقى أبعد الناس وأقربهم بلا تصنع ولا تكلف، ولم يحط نفسه بالألقاب ولا زخرفة الملك، بل كان يتعامل مع الامة كفرد منها، يعايش مشاكل الضعفاء، ويحب المساكين، ويتودد للفقراء، ويعظم أهل التقوى من الناس.

ولقد كان من شواهد رفقه بالامة وتواضعه في المعاملة وسهولته، ومرونته: مقابلته لمن يلقاه بطلاقة المحيا والإبتسامة الحلوة وبشر الوجه، وإلغاء منه للحواجز والرسميات بين القيادة والامة، وإنهاء لدور الزخرفة والألقاب التي يحيط بها الامراء والقادة أنفسهم عبر تعاملهم مع الناس.

ولاشتهاره بتلك الروح الاجتماعية السمحة بين عامة الناس، حاول أعداؤه أن يشوهوا تلك الميزة في الإمام (ع) ويحولوها إلى عيب ينبزونه فيه، إمعانا منهم في تشويه واقع خطه وسياسته وجميل صفاته الشخصية والاجتماعية.

فعمروبن العاص يحدث أهل الشام عن علي (ع) فيقول: أنه ذودعابة شديدة، محاولا بذلك الانتقاص من شأن الإمام (ع)، والإمعان في تغطية فضائله، والعمل‏على كل ما من شأنه تضليل الناس هناك لكي يحال بينهم وبين التطلع لواقع الإمام (ع) وحقيقته.

حتى أن الإمام (ع) حين بلغه افتراء ابن العاص قال:

«عجبا لابن النابغة!يزعم لأهل الشام أن في دعابة وإني امرؤ تلعابة»[١١].

ولقد كان معاوية بن أبي سفيان يشيع ما يشيعه ابن العاص كذلك في مناسبة واخرى.

وما يضر أمير المؤمنين (ع) إذا عابه معاوية وابن العاص، فلقد كان (ع) يقتفي أثر رسول الله (ص) في سماحة أخلاقه وطلاقة محياه سواء بسواء.

وكان (ع) يعمل على الالتصاق بالناس للتعرف إلى ما يعانون حتى أنه كان يمشي في الأسواق ويتابع الحركة التجارية من ناحية الوزن والأسعار ونوعية المعروض من السلعـ كما ألمحنا فيما سبقـ.

وكان الإمام (ع) حريصا على متابعة تصرفات الولاة في البلدان، والقادة وجباة الأموال، ويأمرهم بالرفق والتواضع في معاملة الناس.

وما أروع روح التواضع عند علي (ع)، كما يصفها ضرار بن ضمرة في حديثه لمعاويةـ الذي افتتحنا به هذا الفصلـ: «يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان والله كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين»[١٢].

ثالثاـ حلم الإمام:

ولقد كان الإمام (ع) قمة في حمله وعفوه عمن يسي‏ء الأدب معه، فهولا يعرف الغضب إلا حين تنتهك للحق حرمته، أوتتعدى حدود الله تعالى، أويتعدى على‏حقوق الامة وتضر مصلحتها.

وخلق الإمام (ع) في الحلم والصفح عن المسي‏ء ظل هوهولم يتغير، فعلي (ع) في صفحه وحلمه قبل خلافته، كعلي في صفحه وعفوه أيام قيادته المباشرة للامة، على أن عظمة الإمام (ع) تزداد قوة وجلاء حين يظل يصفح ويمعن في عفوه حتى عن أشد خصومه، في وقت يمتلك القدرة على العقاب والإرهاب والقتل.

فهوفي أيام خلافته في مركز يؤهله أن يقتص من خصومه، لأنه رئيس الدولة، والمطاع الأول بين أتباعه، غير أنه مع هذا وذاك ظل يحمل نفس الروح من العفووالتجاوز، كما كان رسول الله (ص) قبله سواء بسواء.

وهذه نماذج من عفوه:

أسر مالك الأشتر (رض) مروان بن الحكم يوم الجمل، فلما مثل مروان بين يدي الإمام (ع) لم يستقبله بسوء قط، وإنما عاتبه على موقفه الخياني اللئيم فحسب[١٣]، ثم أطلق سراحه، ومروان هوهوفي حقده على الاسلام والإمام (ع)، وهوهوفي دسائسه ومكره، ودوره الخبيث في تأجيج الفتن في وجه الإمام (ع) أشهر من أن تذكر، فهوالذي عارض البيعة للإمام (ع)، وهرب من المدينة المنورة بعد البيعة مباشرة، وهوالذي ساهم في فتنة البصرة، وألهب الناكثين وأغراهم بالتعجيل بها، إلى غير ذلك من مواقفه الخسيسة.

ولقد عفا الإمام (ع) كذلك عن عبد الله بن الزبير[١٤]، بعد أسره يوم الجمل، وعبد الله بن الزبير هوالذي كان يقود الفتنة في حرب الجمل.

وجي‏ء بموسى بن طلحة بن عبيد الله، وكان طرفا في فتنة الجمل، فلما وقف بين يدي الإمام (ع) خلى سبيله، ولم يعنفه عن دوره في الفتنة، وإنما طلب منه أن يستغفر الله ويتوب إليه ثم قال: «إذهب حيث شئت، وما وجدت لك في عسكرنا من سلاح أوكراع فخذه، واتق الله فيما تستقبله من أمرك واجلس في بيتك»[١٥].

ومن عظيم عفوه ما رواه الإمام الباقر (ع) قال: «كان علي (ع) إذا أخذ أسيرا في حروب الشام أخذ سلاحه ودابته واستحلفه أن لا يعين عليه»[١٦].

أرأيت موقفا إنسانيا كهذا الموقف؟

لقد كان الإمام (ع) مدركا أن الذين يقاتلونه من أهل الشام إنما يقاتلونه وهم عن حقيقته غافلون، فقد أغراهم معاوية بالمال، وسد عليه منافذ التفكير والوعي على الحقائق، بما استخدمه من وعاظ سوء، وواضعي حديث، ممن باعوا ضمائرهم للانحراف صوب الجاهلية.

وبناء على هذا الوعي العلوي لحقيقة مقاتليه ممن أغراهم معاوية وغرر بهم، فقد سبق حلم الإمام (ع) عدله في معاملتهم فلم يعاقب من اتخذ منهم أسيرا، وإنما يجرده من أداة الشر، ويضعه أمام الله والضمير، كي لا يعود لقتال معسكر الحق الذي يقوده الإمام (ع).

ويذكرنا هذا الموقف الكريم بموقف معاوية وعمروبن العاص اللذين كانا يصران على قتل الأشراف من جيش الإمام (ع)، بيد أنهما خشيا الفضيحة إذا أقدما على ذلك بعد أن خلى الإمام (ع) عن أسراهم ابتداء، فعدل معاوية وصاحبه عن موقفهما، لا لطيب خلق منهما، وإنما خشية نقمة الرأي العام الاسلامي[١٧].

ولم نذهب بعيدا وتلك معركة صفين تحمل أحداثها الكثير الكثير من مواقف الصفح العلوي، فحين سبق جيش معاوية إلى ماء الفرات أصر على منع الماء عن جيش علي (ع)، فأوفد الإمام (ع) لمعاوية وفدا كي يغير موقفه، ولكنه مضى في‏إصراره وموقفه غير الأخلاقي.

فاضطر الإمام (ع) لتحريك قوة من جيشه لفك الحصار. وكانت النتيجة أن سيطر جيش الإمام (ع) على الماء، ولكنه (ع) حمله حلمه الرفيع وكرم نفسه على بذل الماء لخصمه قائلا لجنوده:

«خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا إلى عسكركم. وخلوا عنهم فإن الله عز وجل قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم»[١٨].

ولقد كان مقدرا للإمام (ع) أن يذيقهم الهزيمة الشاملة لوأنه منعهم الماء، وحال بينهم وبينه، ولكنها الأخلاق الإلهية التي يتمسك بها، ويجسدها حية في دنيا الناس، تأبى عليه ذلك اللون من المواقف. لكي يقع التمييز بين منهج الهدى والصراط المستقيم في الفكر والعمل الذي يمثله علي (ع)، وبين سبيل الانحراف والالتواء وفقد الأخلاق التي يجسدها معاوية بن أبي سفيان.

ولنا أن نعرض شواهد من حلم الإمام (ع) وعظيم صفحه في حياته الخاصة كذلك:

«دعا الإمام (ع) غلاما له مرارا فلم يجبه، فخرج فوجده على باب البيت فقال: (ما حملك على ترك إجابتي؟) قال: كسلت عن إجابتك، وأمنت عقوبتك. فقال (ع): (الحمد لله الذي جعلني ممن تأمنه خلقه، امض فأنت حر لوجه الله) »[١٩].

وقد خاطبه رجل من الخوارج بقوله: «قاتله الله كافرا ما أفقه!فوثب أصحاب الإمام (ع) ليقتلوه، فقال الإمام (ع): (رويدا انما هوسب بسب أوعفوعن ذنب) »[٢٠].

وهكذا شمل الرجل بعفوه، وحال بين القوم وبين معاقبته. وفي سيرة الإمام (ع) الكثير من مثل هذه المواقف، التي تعبر عن خلق إلهي كريم، اطرت به شخصية علي (ع)، على أننا لوغضضنا الطرف عن مواقف الحلم كافة التي اصطبغت بها حياة علي (ع) بالنسبة إلى المسيئين له أوأعدائه، لكان في موقف الإمام (ع) من قاتله ابن ملجم المرادي أعظم شاهد على تمتع الإمام (ع) بنمط من الأخلاق السامية، لم يتمتع بها سوى الأنبياء والمقربين إلى الله، فهل أنبأك التأريخ عن إنسان عامل عدوه بنفس الروح التي عامل بها علي (ع) قاتله، لقد شدد الإمام (ع) على أهل بيته أن يطعموا قاتله ويسقوه ويحسنوا إليه، فعن الإمام الباقر (ع) وهوبصدد ذكر إحدى وصايا الإمام أمير المؤمنين (ع) في آخر حياته يقول:

«إن علي بن أبي طالب (ع)، قال للحسن والحسين (ع): (إحبسوا هذا الأسيرـ يعني ابن ملجم المراديـ وأطعموه واسقوه، وأحسنوا أساره، فإن عشت فأنا أولى بما صنع في، إن شئت استقدت وإن شئت صالحت، وإن مت فذلك إليكم، فإن بدا لكم أن تقتلوه فلا تمثلوا به) »[٢١].

رابعاـ التورع عن البغي:

والتورع عن البغي أصل من اصول نفسية الإمام (ع)، وخلق من أخلاقه الكريمة، وهومظهر من مظاهر التقوى التي يمتاز بها، فهويتحاشى البغي حتى على أشد الناس خصومة له وللحق الذي هوعليه، وحتى إذا بغي عليه يبقى مصرا على التزام خطه في النأي عما له صلة بأي لون من ألوان البغي.

ومن أجل ذلك كان الإمام (ع) داعية السلم الأكبر، مع كثرة الشغب والفتن التي أثارها النفعيون والوصوليون في طريق مسيرته الاصلاحية:

بذل كل ما في وسعه أن يجنب الامة المسلمة سفك الدماء وتمزق الصف، حين ألح على الزبير وطلحة أن يعدلوا عن موقفهم، سواء من خلال المراسلة، أم الوفود أم‏اللقاءات الشخصية المباشرة معهما[٢٢].

ولقد بلغ الأمر بالإمام (ع) حين التقى الجيشان في البصرة أن يدعوالزبير فيخرج الإمام (ع) بغير سلاح، ويعانقه طويلا!وربما بكى علي (ع) في ذلك الموقف، ثم عاتب الزبير على خروجه لقتاله، وذكره بعلائق المودة القديمة بينهما كما ذكره بقول رسول الله (ص) فيهما:

«انشدك الله يا زبير أما تذكر، قال لك رسول الله (ص): (يا زبير أتحب عليا)، فقلت: وما يمنعني من حبه، وهوابن خالي؟فقال (ص): (أما إنك ستخرج عليه وأنت ظالم له). فقال الزبير. اللهم!بلى، قد كان ذلك»[٢٣]

وحين أفلت الزمام وأصر الناكثون على إشعال نار الحرب، بقي الإمام (ع) عند موقفه الرافض للبغي والعدوان، فلنصغ إليه وهويخاطب جنوده:

«أيها الناس»انشدكم الله أن لا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تستحلوا سبيا، ولا تأخذوا سلاحا ولا متاعا»[٢٤].

وحتى بعد انتهاء المعركة بقي الإمام (ع) عند موقفه النائي عن العدوان، فأعلن العفوالعام عن جميع المشتركين في حربه، القيادات وأتباعهم على حد سواء.

وذلك الخلق العلوي تجلى في حوادث صفين من بدايتها إلى نهايتها: يقطع البغاة عنه طريق الوصول إلى الماءـ وهوفي حيويته لجيش مقاتل كبير مثل جيشهـ فلا يبادر لاستعمال العنف، بل يرسل الوفود، ويبذل المحاولات لتغيير الموقف بالتي هي أحسن، لكي لا تراق للمسلمين دماء، ولكن البغي الأموي الحاقد الذي يجسده‏قولهم: (ولا قطرة حتى تموت ظمأ)[٢٥] ، حمله على إصدار أوامره لقواته بالتحرك لكسر الحصار وهكذا كان، وحين امتلك الماء أباحه لجيش عدوه منذ الساعة الاولى من سيطرة قواته عليه.

ومع أصحاب النهروان بذل الإمام (ع) كل مسعى لأجل إبعاد الناس عن القتال، ولكن إصرارهم على قتال الإمام (ع) حال دون بلوغهم الصراط المستقيم، فعاثوا في الأرض فسادا وقتلوا نفوسا بريئة، وأثاروا البلبلة في البلاد، مما اضطر عليا (ع) إلى قتالهم، ولكن بعد محاولات عديدة منه أيضا لجمع الصف، ودعوات مستمرة لإقرار السلم وإلقاء السيف.

وفي وصايا الإمام (ع) لجيوشه وجباة المال والولاة، مؤشرات أخرى على التزام علي (ع) لمنهاج عدم البغي وعدم العدوان على أحد كائنا من كان، مما ذكرنا منه طرفا في الصفحات الماضية من هذا البحث.

وما أعظم عليا أمير المؤمنين (ع) وهوينص في عهده لمالك الأشتر على وجوب التزام الرفق بالناس، وعدم التعامل بأي لون من ألوان البغي والتعالي على الناس، وغمط حقوقهم المفروضة في شرع الله العظيم:

«وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أونظير لك في الخلق، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه.

أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك الا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان الله حربا حتى ينزع، أويتوب»[٢٦].

ولم يكن منهاج علي (ع) هذا خاصا بأهل مصر، وإنما هومنهاجه الشامل لكل البلاد التي رفرفت راية دولته الكريمة عليها.

ولقد كان الإمام (ع) يعهد إلى ولاته في الأمصار مثل الذي عهده إلى مالك (رض) في وجوب إشاعة العدل، والرفق بالناس، وعدم البغي عليهم بحال من الأحوال أومعاملتهم بأي لون من ألوان الظلم.

ولقد ذكرنا بعضا من وصاياه للولاة فيما مضى من حديث.

-----------------------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة/رقم النص ٥/باب الرسائل. لا تخدج بالتحية: لا تبخل بها عليهم.
[٢] . من وصيته لصاحب الخراج على القادسية وسواد الكوفة. انظر بحار الأنوار/ج ٤١/ص ١٢٨، عن الكافي. والعفو: الفاضل عن النفقة.
[٣] . راجع نهج البلاغة/رقم النص ١٤/باب الرسائل وغيره.
[٤] . ابن شهر آشوب/المناقب/ج ٢/ص. ١٠٤.
[٥] . المصدر السابق.
[٦] . المصدر السابق.
[٧] . المجلسي/بحار الأنوار/ج ٤١/ص ٥٥، عن المحاسن.
[٨] . ابن شهر آشوب/المناقب/ج ٢/ص. ١٠٤.
[٩] . الكليني/الكافي/ج ٥/باب التسليم على النساء.
[١٠] . ابن شهر آشوب/المناقب/ج ٢/ص. ١٠٦.
[١١] . ابن أبي الحديد/شرح نهج البلاغة/ج ١/ص ٢٥. تلعابة: كثير المرح واللعب.
[١٢] . ابن شهر آشوب/المناقب/ج ٢/ص. ١٠٣.
[١٣] ابن شهر آشوب/المناقب/ج ٢/ص ١١٤. نهج البلاغة/نص. ٧٣.
[١٤] . ابن أبي الحديد/شرح نهج البلاغة/ج ١/ص. ٢٢.
[١٥] . المجلسي/بحار الأنوار/ج ٤١/ص ٥٠، نقلا عن المناقب. الكراع: جمع الخيل.
[١٦] . ابن شهر آشوب/المناقب/ج ٢/ص ١١٤. عن ابن بطة والسجستاني.
[١٧] . المصدر السابق.
[١٨] . محمد رضا/الإمام علي بن أبي طالب (ع) /ص. ١٧٣.
[١٩] . ابن شهر آشوب/المناقب/ج ٢/ص. ١١٣.
[٢٠] . المصدر السابق.
[٢١] . المجلسي/بحار الأنوار/ج ٤٢/ص ٢٠٦، عن قرب الإسناد.
[٢٢] . سبط ابن الجوزي/تذكرة الخواص/ص. ٦٩.
[٢٣] ابن الصباغ المالكي/الفصول المهمة/ص ٧٩. وفي تذكرة الخواص رواية مشابهة. ابن أبي الحديد/شرح نهج البلاغة/ج ٢/ص ١٧٦ مثلها.
[٢٤] . ابن الصباغ المالكي/الفصول المهمة/ص ٧٩. وفي تذكرة الخواص أيضا.
[٢٥] . المجلسي/بحار الأنوار/ج ٤١/ص ١٤٥. ابن أبي الحديد/شرح نهج البلاغة/ج ٢/ص. ٢٣.
[٢٦] . عهد الإمام (ع) إلى مالك الأشتر حين ولاه مصر/نهج البلاغة/رقم النص ٥٣/ص. ٤٢٦. 
****************************