وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                

Search form

إرسال الی صدیق
ما قيل في نهج البلاغة من نظم ونثر- الثاني

السيد عبد العزيز الطباطبائي

فهناك كثير من الأدباء والبلغاء بَهَرَهُم كلامُ أمير المؤمنين عليه السلام ، الذي قديماً وصفوه بأنّه : دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، ومَن شِدّة إعجابهم به كان لهم أقوال ذهبيّة حول بلاغته عليه السلام الرائقة ومقدرته الخطابية الفائقة ، لو تعرّضنا لها لطال بنا المقام ، وإنّما نقتصر على مَن أطرى ( نهج البلاغة ) خاصة ، وأبدى إعجابه بما يحويه من بلاغة متناهية وأدب جَمّ وحِكَم بالغة وكَلِم خالدة .
 

فصل :
١ ـ فمنهم أبو الحسن علي بن زيد البيهقي ، فريد خراسان ـ المتوفّى سنة ٥٦٥ ه‍ـ ـ في شرحه على نهج البلاغة الذي سمّاه : معارج نهج البلاغة ، ص٣ ، قال :
وها أنا ذا أقول : هذا الكتاب النفيس مملوء من ألفاظ يتهذّب بها المتكلّم ، ويتدرّب بها المتكلّم [ المتعلم / ظ ] ، فيه من القول أحسنه ، ومن المعاني أرصنه ، كلام أحلى من نغم القِيان ، وأبهى من نِعَم الجنان ، كلام مطلعه كسنّة [ كهيئة / ظ ] البدر ، ومشرعه مورد أهل الفضل والقدر ، وكلمات وشيُها حَبْر ، ومعانيها فقر ، وخطب مقاطعها غُرر ، ومبادئها دُرر ، استعاراتها تحكي غمزات الألحاظ المِراض ، ومواعظها تعبّر عن زهرات الرياض ، جمع قائل هذا الكلام بين ترصيع بديع ، وتجنيس أنيس ، وتطبيق أنيق ، فللّه دَرّ خاطر عن مَخايل الرشد ماطر ، وعين الله إذا انهلّت فيه عزالي الأنواء أنْ يخضر رُبَاه ، ويفوح رياه ، ولا للساري في مسالك نهج البلاغة أنْ يُحمد عند الصباح سُراه ، ولا لمجيل قِداح الطهارة إذا صدَقهُ رائد التوفيق والإلهام أنْ يفوز بقدحي المعلّى والرقيب ، ويمتطي غوارب كل حظ ونصيب .
ولا شك أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان باب مدينة العلوم ، فما تقول في سِفْطٍ انفضّ من زند خاطره الواري ، وغيض بدا من فيض نهره الجاري ، لا بل في شعلة من سراجه الوهّاج ، وغرفة من بحره الموّاج ، وقطرة من سحاب علمه الغزير ، ولا يُنبّئك مثل خبير .
والسيد الإمام الرضي ـ رحمه الله ـ ناظم تلك العقود ، وقاطف هذا العنقود ... وأنا أقول : ما ظنّك بكلام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو كلام إذا لحظه الطرف رأى حقائق العلم المكنون ، وإذا تصفّحه الخاطر جنى ثمرات السرّ المخزون ، حتى قال عمرو بن بحر الجاحظ : وددتُ أنّي أعطيت جميع مصنّفاتي ، وقطعت أنسابها عنّي ، وأخذتُ بدلها ثلاث كلمات منسوبة إلى علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وصارت منسوبة إلي ...
وقال في ص ٩٩ بعد شرح قوله عليه السلام : ( وَلا يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلاّ رَبَّهُ ) :
وأقول : في وصف هذا الكلام : هذا كلام يجري مجرى السحر الحلال ، ويرتفع درجته عن نعوت الكمال ، كأنّه اليواقيت في النظام ، أو مواقيت الأعياد في الأيّام ، لفظ أحسن من عَطفَة الأصداغ ، وبلاغة كالأمل أذِنَ بالبلاغ ، وأمثال كأنّها حديقة الأحداق وبضاعة الحذّاق ، يضحك معاني تلك الألفاظ شعور الأدب ضحك الأزاهير غَب بكاء السحاب ، كأنّها لآلئ السِمْط أو أشعة السقط ، وكان الصبح يتنفّس عن نسيمها ، والدرّ يبسم عن نظيمها ، ولا غرو ، فإنّ قائلها استقى من منابع المصطفى عليه السلام ، وجذب العلم بضِبْعِهِ ، وشقَّ الإلهام عن بصره وسمعه ، وخُتمت آداب الدين في عراص طبعه ، بذكره ينشرح الصدور ، وفلك الفصاحة [ على ] قطبه وخاطره يدور .
وقال في ص ١٠٨ بعد شرح قوله عليه السلام : ( تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا .. ) :
ثمّ مدح السيّد هذا الكلام بألفاظ تشفي القرائح القريحة والجوارح الجريحة [١] ، وأنا أقول : هذه ألفاظ علوية ، يحكي تورّد الأشجار ، وتنفّس الأسحار ، ودِرَر السحاب ، ودُرَر السخاب ، فيها ملح كيواقيت السحر ، وفَقْر كالغنى بعد الفقر ، ومواعظ تقود المستمعين إلى الطاعة والانقياد والإذعان ، تجري في القلوب مجرى المياه في عروق الأغصان ، لو تُليت على الحجارة لانفجرت منها عيون الماء ، أو على الكواكب لانتثرت من آفاق السماء .
وقال في ص ٣٧٨ بعد الانتهاء من شرح وصيّته إلى ابنه الحسن عليهما السلام :
ولو سودت في شرح هذه الوصية ، التي جمع فيها أمير المؤمنين عليه السلام جميع ما يحتاج إليه البشر ، طاقات من القراطيس ، لَمَا قرب من فوائدها بنصف عشرها أو أقل ، ومَن له ذوق علمي وعملي فإنّه يكفيه ما أشرت إليه ، ومَن كان بخلاف ذلك فالقليل والكثير من البيان عنده سواء . [٢]
٢ ـ وقال قطب الدين الراوندي المتوفّى سنة ٥٧٣ هـ‍ في أوّل شرحه على نهج البلاغة المُسمّى : منهاج البراعة ، ج١ ، ص٤ : وهو كلام عند أهل الفطنة والنظر ، دون كلام الله ورسوله ، وفوق كلام البشر ، واضحة مناره ، مشرقة آثاره .
٣ ـ وقال قطب الدين الكيدري محمد بن الحسين النيشابوري ، من أعلام القرن السادس ، في شرحه على نهج البلاغة ، الذي سمّاه : حدائق الحقائق في فسر دقائق أفصح الخلائق ، ج ١ ، ص ٨٦ :
هذا الكتاب ـ الذي نحن بصدده وهو كتاب نهج البلاغة ـ نطفة من بحار علومه الغزيرة ، ودرّة من جواهر أصدافه الجمّة الغفيرة ، وقطرة من قطرات غيثه المدرار ، وكوكب من كواكب فلكه الدوّار ، ولعمري إنّه الكتاب الذي لا يُدانيه في كمال الفضل كتاب ، وطالب مثله في الكتب كالعنزي لا يُرجى له إيّاب ، وهو محجر عيون العلوم ، وفي خلال الكتب كالبدر بين النجوم ، ألفاظه علوية علوية ، ومعانيه قدسية نبوية ، وهو عديم المثل والنظير ، وكما قلت فوقه بكثير ... وإذ قد كان هذا الكتاب الغاية في بلاغة البلغاء ، والنهاية في فصاحة الفصحاء ، تعيّن الفرض علينا أنْ نصدر شرحه بجملة وجيزة من أقسام البلاغة وأحكامها .
وقال ابن أبي الحديد عند وصفه لشرحه على نهج البلاغة ، في مقدّمته ، ص ٤ :
وبرهن على أنّ كثيراً من فصوله [ نهج البلاغة ] داخل في باب المعجزات المحمدية ؛ لاشتمالها على الأخبار الغيبية ، وخروجها عن وسع الطبيعة البشرية ، وبين من مقامات العارفين التي يرمز إليها في كلامه ما لا يعقله إلاّ العالِمون ، ولا يدركه إلاّ الروحانيّون المقرّبون ...
وقال عند كلامه على خصائص أمير المؤمنين عليه السلام وخصائله وما امتاز به عمق سواه من الفضائل ، ص ٧١ :
وما أقول في رجل تُعزى إليه كلّ فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلي حلبتها ، وكل مَن بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى ...
فتكلّم على العلوم والفنون والفضائل إلى أنْ انتهى إلى قوله في ص ٤٢ : وأمّا الفصاحة : فهو عليه السلام إمام الفصحاء ، وسيّد البلغاء وفي كلامه قيل : دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين .
ومنه تعلّم الناس الخطابة والكتابة ، قال عبد الحميد بن يحيى : حفظتُ سبعين خطبة من خطب الأصلع ، ففاضت ثمّ فاضت . وقال ابن نباتة : حفظتُ من الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلاّ سعة وكثرة ، حفظتُ مئة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب ...
ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنّه لا يُجارى في الفصاحة ، ولا يُبارى في البلاغة ، وحسبك أنّه لم يدوّن لأحد من فصحاء الصحابة العشر ، ولا نصف العشر مما دوّن له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب ( البيان والتبيين ) وفي غيره من كتبه ...
وقال في ج ١٦ ، ص ١٤٥ عند كلامه على كتابه عليه السلام إلى عبد الله بن عباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر :
انظر إلى الفصاحة كيف تُعطي هذا الرجل قيادها ، وتملّكه زمامها ، وأعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضاً كيف تُواتيه وتُطاوِعه ، سلسة سهلة تتدفّق من غير تعسّف ولا تكلّف ، حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال :
( ... يوماً واحداً ، ولا ألتقي بهم أبداً ) ، وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإنْ أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلّف أثرٌ بيّن ، وعلامة واضحة ، وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر ، قال : انظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة ، الأولى منصوبة الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب أصلاً ، ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما .
ثمّ إنّ فواصل كل واحد منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلّفيّة .
ثمّ انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ، كيف قال : ( ولداً ناصحاً ) ، و ( عاملاً كادِحاً ) ، و ( سيفاً قاطعاً ) ، و ( ركناً دافعاً ) ، لو قال : « ولداً كادحاً » و ( عاملاً ناصحاً ) وكذلك ما بعده لَمَا كان صواباً ، ولا في الموقع واقعاً ، فسبحان الله مَن منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ! أنْ يكون غلام من أبناء عرب مكّة ، ينشأ بين أهله ، لم يُخالط الحكماء ، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهيّة من إفلاطون وأرسطو .
ولم يُعاشر أرباب الحكم الخُلُقية والآداب النفسانية ؛ لأنّ قريشاً لم يكن أحد منهم مشهوراً بمثل ذلك ، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط . ولم يُربّ بين الشجعان ؛ لأنّ أهل مكّة كانوا ذوي تجارة ، ولم يكونوا ذوي حرب ، وخرج أشجع من كلّ بشر مشى على الأرض ، قيل لخلف الأحمر : أيّما أشجع عنبسة وبسطام أَمْ علي بن أبي طالب ؟ فقال : إنّما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس ، لا مع مَن يرتفع عن هذه الطبقة ، فقيل له : فعلى كلّ حال . قال : والله لو صاح في وجوههما لماتا قبل أنْ يحمل عليهما .
وخرج أفصح من سبحان وقس ، ولم تكن قريش بأفصح العرب ، كان غيرها أفصح منها ، قالوا : أفصح العرب جُرْهُم وإنْ لم تكن لهم نباهة . وخرج أزهد الناس في الدنيا ، وأعفّهم ، مع أنّ قريشاً ذوو حرص ومحبّة للدنيا ، ولا غرو فيمن كان محمّد صلّى الله عليه وآله مربّيه ومخرجه ، والعناية الإلهية تمدّه وترفده أنْ يكون منه ما كان .
٥ ـ وقال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي النصيبي ـ المتوفّى سنة ٦٥٢ ه‍ـ في ( مطالب السؤول ) في الفصل العاشر ، في فصاحته ، وجُمَل من كلامه عليه السلام ...
النوع الخامس في الخطب والمواعظ ، ممّا نقلتْه الرواة وروتْه الثقات عنه عليه السلام : قد اشتمل كتاب نهج البلاغة المنسوب إليه عليه السلام على أنواع من خطبه ومواعظه ، ومواعظه الصادعة بأوامرها ونواهيها ، المطلعة أنوار الفصاحة ، والبلاغة مشرقة من ألفاظها ومعانيها ، الجامعة حكم عيون علم المعاني والبيان على اختلاف أساليبها مودعة فيها ، ولا يليق نقل ما فيه مع شهرته وكثرة نسخة بمنصب مَن نصّب نفسه لجمع أشتات المناقب من أرجاء محالّها ونواحيها ...
٦ ـ وقال ابن الطقطقي في كتاب ( الفخري ) ص ١٢ ، في أواخر مقدّمته في كلامه على الكتب الأدبية ، كحماسة أبي تمام ومقامات الحريري ، ومدحها من جهة وذمّها من جهة أخرى ، فقال في كلامه عن مقامات الحريري :
فإنْ نفعت من جانب ضرّت من جانب ، وبعض الناس تنبّهوا على هذا من المقامات الحريرية والبديعة ، فعدل الناس إلى نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإنّه الكتاب الذي يُتعلّم منه الحكم ، والمواعظ ، والخطب ، والتوحيد ، والشجاعة ، والزهد ، وعلوّ الهمة ، وأدنى فوائده الفصاحة والبلاغة .
٧ ـ قال القوشجي ـ المتوفّى سنة ٨٧٩ ه‍ـ في شرحه على التجريد ، ص ٣٧٨ ، في شرح قول نصير الدين الطوسي في وصف أمير المؤمنين عليه السلام : ( وأفصحهم لساناً ) : على ما يشهد به نهج البلاغة ، وقال البلغاء : وإنّ كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق .
٨ ـ وقال نظام الدين الجيلاني في ديباجة شرحه لنهج البلاغة ، الذي سمّاه : أنوار الفصاحة وأسرار البراعة :
ولمّا كان كتاب نهج البلاغة ... محتوياً على مختار كلام الإمام الهمام مولانا وإمامنا ... في جميع الفنون ، من خطب وكتب ومواعظ وآداب البلغاء والعلماء ، ومتضمّناً من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وبدائع الصنائع ، بحيث يعدّه العلماء تحت كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، فلم يطمع ( ظ ) ببدائع صنائعه وعجائب بدائعه من غير الشرح والتفسير إلاّ واحد بعد واحد ممّن برع في العلوم العربية والرسوم الأدبية ، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة ، مشتعل القريحة ، ويقظان النفس ، درّاكاَ اللمحة ، منتبهاً على الرمز والإشارة ، متفوّقاً ذا دِرْيِة بأساليب النظم وتراكيب النثر ، وعَلِم كيف يُرتّب الكلام ويؤلّف ، وكيف ينظّم ويرصِف ، فإنّ هذا الكتاب دستور الغرائب وفهرست العجائب ، ولا يَعرف ذلك إلاّ مَن تسنّم شواهق البلاغة بحق ، وجرى في ميدان الفصاحة أشواطاً على عرق ، وعرف أنْ لا كل سوداء تمرة ، ولا كل حمراء جمرة ، فإنّ هذا الكتاب ميدان ، وللفصحاء والبلغاء فيه جولان ، وكان في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار ، وسلّمه المخالف والموافق ، واستحسنه الصغار والكبار ، فإنّه وإنْ كان صغير الحجم وجيز النظم ، فهو كثير العلم ، عظيم الاسم ، جليل الشأن ، واضح البرهان ، لا يُعرف على وجه الأرض بعد الكتاب الإلهي كتاب أشرف منه وأعظم ، ولا أنفس منه وأتم ، فمِن شأنه أنْ يكتب سطوره بالنور على خدود الحور ظاهراً ، وينقش معانيه بقلم العقل على لوح النفس باطناً ، فإنّه خلاصة كلامه عليه السلام ...
٩ ـ وقال عبد المسيح الأنطاكي في تعاليق قصيدته ( القصيدة العلوية المباركة ) ص ٥٦٧ :
إنّ الحكمة المأثورة عن سيدنا أمير المؤمنين عليه صلوات الله ، فهو ولا جدال سيد الحكماء ، وعنه تروى الحكمة في مواطن السرّاء والضرّاء ، وقد وردتْ الحكمة على لسانه الشريف في كثير من رسائله وخطبه وأقواله حتى قالوا : إنّه كان ينطق بالحكمة في كل موطن أقام فيه ومَجْلِس جَلَسَهُ ومَوْقِف وَقَفَهُ ، بل كانت جميع أقواله الشريفة وأعماله المنيفة حِكَمَاً مأثورة منبَثِقة عن توقّد ذكاء وسعة تجربة واختبار ، ولقد جمع الشريف الرضي بعض هاتيك الحِكَم في آخر كتاب نهج البلاغة ، فكانت حلية في الآداب ملأى بما يسدّد خطى الناس إلى الرشاد والصواب ، وقد اقتبسنا بعضها فنظمناها حلية لجيد علويّتنا المباركة ، والأمل أنْ تعمّ فائدتها ، وتحسن على القرّاء الأتقياء عائدتها ، وبالله المستعان .
١٠ ـ وقال الشيخ محمّد عبده في مقدمة شرحه لنهج البلاغة : حمد لله سياج النعم ، والصلاة على النبي وفاء الذمم ، واستمطار الرحمة على آله الأولياء ، وأصحابه الأصفياء ، عرفان الجميل ، وتذكار الدليل . وبعد ، فقد أوفى لي حُكْم القدر بالإطلاع على كتاب نهج البلاغة مصادفة بلا تعمّل ، أصبته على تغير حال ، وتبلبل بال ، وتزاحم أشغال ، وعطلة من أعمال ، فحسبتُه تسلية ، وحيلة للتخلية ، فتصفّحتُ بعض صفحاته ، وتأمّلت جُمَلاً من عباراته ، من مواضع مختلفات ، ومواضيع متفرّقات ، فكان يُخيّل لي في كل مقام أنّ حروبا شبّت ، وغارات شُنّت ، وأنّ للبلاغة دولة ، وللفصاحة صولة ، وأنّ للأوهام عَرامةً ، وللريب دعارةً ، وأنّ جحافل الخطابة ، وكتائب الذرابة ، في عقود النظام ، وصفوف الانتظام ، تنافح بالفصيح الأبلج ، والقويم الأملج ، وتمتلج المهج برواضع الحجج ، فتفلّ من دعارة الوساوس ، وتصيب مقاتل الخوانس ، فما أنا إلاّ والحق منتصر ، والباطل منكسر ، ومرج الشك في خمود ، وهرج الريب في ركود ، وإنّ مدبّر تلك الدولة ، وباسل تلك الصولة ، هو حامل لوائها الغالب ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب .
بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغير المشاهد ، وتحوّل المعاهد : فتارة كنت أجدني في عالم يعمره من المعاني أرواح عالية ، في حلل من العبارات الزاهية ، تطوف على النفوس الزاكية ، وتدنو من القلوب الصافية ، تُوحي إليها رشادها ، وتقوم منها مرادها ، وتنفر بها عن مداحض المزال ، إلى جواد الفضل والكمال .
وطوراً كانت تتكشّف لي الجمل عن وجوه باسرة ، وأنياب كاشرة ، وأرواح في أشباح النمور ، ومخالب النسور ، قد تحفّزت للوثاب ، ثمّ انقضَّت للاخْتِلاب ، فخلبتْ القلوب عن هواها ، وأخذت الخواطر دون مرماها ، واغتالت فاسد الأهواء ، وباطل الآراء .
وأحيانا كنت أشهد أنّ عقلاً نورانيّاً ، لا يشبه خلقاً جسدانيّاً ، فصل عن الموكب الإلهي واتّصل بالروح الإنساني ، فخلعه عن غاشيات الطبيعة ، وسما به إلى الملكوت الأعلى ، ونما به إلى مشهد النور الأجلى ، وسكن به إلى عمار جانب التقديس ، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس .
وآناتٌ كأنّي أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة ، وأولياء أمر الأئمّة ، يُعرّفهم مواقع الصواب ، ويبصّرهم مواضع الارتياب ، ويحذّرهم مزالق الاضطراب ، ويرشدهم إلى دقائق السياسة ، ويهديهم طرق الكياسة ، ويرتفع بهم إلى منصّات الرئاسة ، ويصعدهم شرف التدبير ، ويُشرف بهم على حسن المصير .
ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي ، رحمه الله ، من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، جمع متفرقة وسمّاه هذا الاسم : نهج البلاغة ، ولا أعلم اسماً أَلْيَق بالدلالة على معناه منه ، وليس في وُسْعِي أنْ أصف هذا الكتاب بأزيد ممّا دلّ عليه اسمُه ، ولا أنْ آتي بشيء في بيان مزيّته فوق ما أتى به صاحب الاختيار كما ستراه في مقدّمة الكتاب .
ولولا أنّ غرائز الجبلة ، وقواضي الذمّة تفرض علينا عرفان الجميل لصاحبه ، وشكر المحسن على إحسانه ، لَمَا احتجْنا إلى التنبيه على ما أودع نهج البلاغة ، من فنون الفصاحة ، وما خص به من وجوه البلاغة ، خصوصاً وهو لم يترك غرضاً من أغراض الكلام إلاّ أصابه ، ولم يدع للفكر مَمَرّاً إلاّ جابه ...
١١ ـ ولقد أحسن الوصف أستاذ الفن محمد حسن نائل المرصفي ، مدرّس البيان بكلّيّة الفرير الكبرى بمصر ، في مقدمة الشرح على نهج البلاغة ، فجمع بإيجاز أطراف البيان حول عبقريّة الإمام ، وذكر مزاياه العالية ، وشرح ماهيّة كلامه في نهج البلاغة ملخّصاً فيما يأتي ، قال :
بهذه الخصال الثلاث ـ يعني جمال الحضارة الجديدة ، وجلال البداوة القديمة ، وبشاشة القرآن الكريم ـ امتاز الخلفاء الراشدون ، ولقد كان المجلّى في هذه الحلبة علي صلوات الله عليه ، وما أحسبني أحتاج في إثبات هذا إلى دليل أكثر من نهج البلاغة ، ذلك الكتاب الذي أقامه الله حجّة واضحة على أنّ عليّاً رضي الله عنه قد كان أحسن مثال حي لنور القرآن وحكمته وعلمه وهدايته وإعجازه وفصاحته .
اجتمع لعلي عليه السلام في هذا الكتاب ما لم يجتمع لكبار الحكماء وأفذاذ الفلاسفة ونوابغ الربّانيّين ، من آيات الحكمة السامية وقواعد السياسة المستقيمة ، ومن كل موعظة باهرة وحج~ة بالغة تشهد له بالفعل وحسن الأثر .
خاض علي في هذا الكتاب لجّة العلم والسياسة والدين ، فكان في كل هذه المسائل نابغة مبرَّزاً ، ولئن سألتَ عن مكان كتابه من الأدب بعد أنْ عرفت مكانه من العلم ، فليس في وُسْع الكاتب المسترسل والخطيب المصقع والشاعر المفلَّق أنْ يبلغ الغاية في وصفه والنهاية من تقريظه ، وحسبنا أنْ نقول : إنّه الملتقى الفذ الذي التقى فيه جمال الحضارة وجزالة البداوة ، والمنزل الفرد الذي اختارته الحقيقة لنفسها منزلاً تطمئنّ فيه وتأوي إليه ، بعد أنْ زلت بها المنازل في كل لغة .
١٢ ـ وقال الأستاذ محمد الزهري الغمراوي المصري ، في مقدّمته لطبعة نهج البلاغة بشرح الشيخ محمد عبده ومحمد حسن نائل المرصفي ، طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٢٨ ه‍ـ ، وطبعة المطبعة الميمنية بالقاهرة تحت عنوان : ( كتاب الفصحاء ) :
ولم ينقل عن أحد من أهل هذه الطبقات ما نقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، فقد اشتملت مقالاته على المواعظ الزهدية ، والمناهج السياسية ، والزواجر الدينية ، والحكم النفسية ، والآداب الخُلُقية ، والدُرَر التوحيدية ، والإرشادات الغيبية ، والردود على الخصوم ، والنصائح على وجه العموم ، وقد احتوى على غرر كلامه كرّم الله وجه كتاب نهج البلاغة الذي جمعه وهذّبه أبو الحسن محمد بن الطاهر ، المشهور بالشريف الرضي ، رحمه الله وأثابه وأرضاه .
١٣ ـ وقال الشيخ مصطفى الغلاييني المتوفّى سنة ١٣٦٤ ه‍ـ عضو المجمع العلمي السوري ، وأستاذ التفسير والفقه والآداب العربية في الكلية الإسلامية في بيروت ، في كتابه ( أريج الزهر ) المطبوع في بيروت سنة ١٣٢٩ ه‍ـ تحت عنوان : ( نهج البلاغة وأساليب الكلام العربي ) :
من أحسن ما ينبغي مطالعته لمَن يتطلّب الأسلوب العالي كتاب نهج البلاغة للإمام علي رضي الله عنه ، وهو الكتاب الذي أنشأتُ هذا المقال لأجله ، فإنّ فيه من بليغ الكلام ، والأساليب المدهشة ، والمعاني الرائقة ، ومناحي الموضوعات الجليلة ، ما يجعل مطالعه ـ إذا زاوله مزاولة صحيحة ـ بليغاً في كتابته ، وخطابته ، ومعانيه .
١٤ ـ وقال محمد كرد علي في مقال له عنوانه : ( الإنشاء والمنشؤون )  [٣] :
إذا أردنا أنْ نحكم على المنشئين بما انتهى إلينا من خُطَبِهِم ، ورسائلهم ، ومحاوراتهم ، ومصنّفاتهم ، وبدأنا بأهل القرن الأوّل للإسلام ، نرى على رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، فإنّه سيد البلغاء على الإطلاق ، وواضع بنيان البيان العربي ، وكلامه ـ كما قال العارفون : بعد كلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ـ أبلغ كلام .
ونهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي من كلامه ، وشرحه ابن أبي الحديد كتاب الدهر الخالد . . .
وقال أيضاً في مقال آخر له  [٤] :
وإذا طلبت البلاغة في أتمّ مظاهرها ، والفصاحة التي لم تشبْها عجمة ، فعليك بنهج البلاغة الذي فيه خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورسائله إلى عمّاله .. .
١٥ ـ وقال الصحفي الشهير أمين نخلة ـ المسيحي اللبناني ـ في جواب مَن سأله أنْ يختار له مئة كلمة من حِكَم أمير المؤمنين عليه السلام :
سألتني أنْ أنتقي مئة كلمة من كلمات أبلغ العرب أبي الحسن ، تُخْرِجها في كتاب ، وليس بين يدي الآن من كتب الأدب التي يرجع إليها في مثل هذا الغرض إلاّ طائفة قليلة ، منها : إنجيل البلاغة ( النهج ) ، فَرِحْتُ أسرّح إصبعي فيه ، ووالله لا أعرف كيف أصطفي لك المئة من مئات ، بل الكلمة من كلمات ، إلاّ إذا سلخت الياقوتة عن أختها الياقوتة ، ولقد فعلتُ ويدي تتقلّب على اليواقيت ، وعيني تغوص في اللمعان ، فما حسبتني أخرج من معدن البلاغة بكلمة ؛ لفرط ما تحيّرت في التخيير ! فخذه هذه المئة  [٥] ، وتذكّر أنّها لمحات من نور ، وزهرات من نور ، ففي نهج البلاغة من نِعَم الله على العربية وأهلها أكثر بكثير من مئة كلمة ..  [٦] .
١٦ ـ وقال الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد في كلام له عن نهج البلاغة في مقدّمته لطبعه :
وهو الذي يقول جامعه الشريف الرضي في سبب توليفه : ( علماً أنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة ، وغرائب الفصاحة ، وجواهر العربية ، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ، ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ، ولا مجموع الأطراف في كتاب ، إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها ، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب ، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا ، وتقدّم وتأخّروا ) .
هذا كتاب ( نهج البلاغة ) وهو الذي عرفتَ منزلته بين الكتب ، وسمعتَ الثناء العظيم عليه من رجل من رجالات الأدب والبيان في عصر العلم والبيان ، وهو ( أشعر الطالبيين مَن مضى ومَن غبر ، على كثيرة شعرائهم المفلقين ) [٧]، ومن حكيم الإسلام وإمام المسلمين وزعيم الدعوة الاجتماعية والأدبية في العصر الحديث ، فليس بِدْعَاً أنْ نحضّك على قراءته ومعاودة مراجعته ، ثمّ على التأسّي به وقفْو نَهْجَه ، وليس كثيراً أنْ نكفل لك إذا أنت لم تأل جهداً في اتبّاع هذه النصيحة أنْ تبلغ الذروة ، وتصل إلى ما تطمع فيه من امتلاك أزمّة البلاغة ، والتمكّن من أعنّتها .
وليس من شكٍّ عند أحد من أدباء هذا العصر ، ولا عند أحمد ممّن تقدّمهم ، في أنّ أكثر ما تضمّنه ( نهج البلاغة ) من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، نعم ليس من شكّ عند أحد في ذلك ، وليس من شك عند أحد في أنّ ما تضمّنه الكتاب جارٍ على النهج المعروف عن أمير المؤمنين ، موافق للأسلوب الذي يحفظه الأدباء والعلماء من كلامه الموثوق بنسبته إليه .
١٦ ـ وقال شيخنا الحجّة العلاّمة الكبير الشيخ آقا بزرك الطهراني المتوفّى سنة ١٣٨٩ هـ رحمه الله ، في موسوعته الخالدة كتاب ( الذريعة إلى تصانيف الشيعة ) ج ٤ ، ص ١٤٤ ، في الثناء على نهج البلاغة :
لم يبرز في الوجود بعد انقطاع الوحي الإلهي كتاب أمس به ممّا دوّن في نهج البلاغة ، نهج العلم والعمل الذي عليه مسحة من العلم الإلهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي ، وهو صدَف لآلئ الحِكَم ، وسِفط يواقيت الكَلِم ، المواعظ البالغة في طي خطبه وكتبه تأخذ بمجامع القلوب ، وقصار كلماته كافلة لسعادة الدنيا والآخرة ، ترشد طلاّب الحقائق بمشاهدة ضالّتهم ، وتهدي أرباب الكياسة لطريق سياستهم وسيادتهم ، وما هذا شأنه حقيق أنْ يعتكف بفنائه العارفون وينقّبه الباحثون ، وحَرِيّ أنْ تُكتب حوله كتب ورسائل كثيرة حتى يشرح فيها مطالبه كُلاًّ أو بعضاً ، ويُترجم إلى لغات أُخر ، ليغترف أهل كل لسان من بحاره غُرْفَة .. .
وقال فيه ـ رحمه الله ـ أيضاً في ج ١٤ ، ص ١١١ :
هو كالشمس الطالعة في رائعة النهار ، في الظهور وعلوّ الشأن والقدر ، وارتفاع المحل ، قد جُعلت رؤيتها لجميع الناس مرأى واحداً لا تخفى على أحد ، فيقبح من العاقل البصير سؤال ما هي الشمس الطالعة ؟ وهي ممّا يَقتبس من إشراق نورها كافّة الكائنات في البرّ والبحر ، كذلك النهج قد طبَّقت معروفيّته الشرق والغرب ، ونشر خبره في أسماع الخافقَين ، ويتنوّر من تعليمات النهج جميع أفراد نوع البشر ؛ لصدوره عن معدن الوحي الإلهي ، فهو أخُ القرآن الكريم في التبليغ والتعليم ، وفيه دواء كل عليل وسقيم ، ودستور للعمل بموجبات سعادة الدنيا وسيادة دار النعيم ، غير أنّ القرآن أنزله حامل الوحي الإلهي على قلب النبي الأمين صلّى الله عليه وآله وسلّم ، والنهج أنشأه باب مدينة علم النبي وحامل وَحْيِهِ ، سيّد الموحّدين وإمام المتّقين ، علي أمير المؤمنين عليه السلام من ربّ العالمين ، وقد قيل فيه :
نهجُ البلاغةِ نهجُ العلمِ والعملِ = فاسْلُكْهُ يا صَاح تَبْلُغ غايةَ الأَمَلِ
وقد لمحنا في ج ٤ ، ص ١٤٤ إلى سيادته على سائر الكتب ، وكونه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، ونِعْمَ ما قيل فيه :
كلامُ عليٍّ كلامُ علي = وما قاله المرتضى مرتضى
لقد صارت الكلمات التي يلقيها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبه ، أو يُمْلِيها إلى كاتبه مخزونة في صدور جمع من أصحابه ، على موجب السيرة العربية ، ثمّ قيّد ما في تلك الصدور إلى الكتابة في الأصول الأوّلية التي ذكرنا اثني عشر منها في ج ٧ ، ص ١٨٧ وبعدها ، ومنها ما أُلّف في عصر الأمير عليه السلام ، مثل كتاب : ( الخطب ) تأليف أبي سليمان زيد الجهني ، الذي شهد حروب الأمير عليه السلام ، ثمّ نقل منها إلى سائر الكتب التي أُلّفت في جمع خطبه عليه السلام إلى عصر الشريف الرضي ـ رحمه الله ـ ممّا لا يُستهان به ، وكانت تلك الأصول المعتبرة والكتب المعتمدة في مكتبة الوزير سابور بن أردشير وغيرها في بغداد تحت نظر الشريف الرضي ـ رحمه الله ـ يستفيد منها في كل حين ، حتى أخرج منها ما اختاره من منشِئات أمير المؤمنين عليه السلام وجعلها بين الدفّتين مرتّباً على ثلاثة أقطاب :
١ ـ الخطب .
٢ ـ الكتب .
٣ ـ الحكم ، وبعد ذلك سُمّى ما دونه من المنشئات بـ‍ ( نهج البلاغة ) .
١٨ ـ وقال السيد هبة الدين الشهرستاني في ( ما هو نهج البلاغة ) ص ٥ ، بعد إيراد كلام المرصفي الذي تقدّم برقم ١٠ :
وكم مثل هذا في الواصفين لنهج البلاغة مَن حكموا بتفوّقه على كتب الإنشاء ومنشئات البلغاء ، واعترفوا ببلوغه حد الإعجاز ، وأنّه فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق المتعال ، وأعجبوا به أقصى الإعجاب ، وشهدت ألسنتُهم بدهشة عقولهم من عظمة أضاء سَنَا بَرْقِهَا من ثنايا الخطب ومزايا الجُمَل ، وليس إعجاب الأدباء بانسجام لفظه وحده ، ولا دهشة العلماء مِن تفوّق معانيه البليغة حدّ الإعجاز فقط ، وإنّما الإعجاب كلّه والدهشة كلّها في تنوّع المناحي في هذه الخُطَب والكَلِم ، واختلاف المرامي والأغراض فيها ، فمِن وَعْظ ونُصْح وزهد وزَجر ، إلى :
تنبيه حربي واستنهاض للجهاد .
إلى تعليم فنّي ودروس ضافية في هيئة الأفلاك وأبواب النجوم وأسرار من طبائع كائنات الأرض وكامنات السماء .
إلى فلسفة الكون وخالقه وتفنّن في المعارف الإلهيّة وترسّل في التوحيد وصفة المبدأ والمعاد .
إلى توسع في أصول الإدارة وسياسة المدن والأمم .
إلى تثقيف النفوس بالفضائل وقواعد الاجتماع وآداب المعاشرة ومكارم الأخلاق .
إلى وصف شعري لظواهر الحياة .
وغير ذلك من شتّى المناحي المتجلّية في ( نهج البلاغة ) بأرقى المظاهر ، والإمام نراه الإمام في كلّ ضرب من ضروب الاتّجاه ، وعبقرية الإمام ظاهرة التفوّق على الجميع ، بينما نرى أفذاذ الرجال يجدون في أوجه الكمال فلا يبلغونه إلاّ من الوجه الواحد .. .
١٩ ـ وقال العلاّمة الجليل الشيخ هادي آل كاشف الغطاء النجفي المتوفّى بها سنة ١٣٦١ ه‍ـ في كتابه ( مستدرك نهج البلاغة ) المطبوع سنة ١٣٥٤ ه‍ـ ، ص ٣ :
إنّ نهج البلاغة من كلام مولانا أمير المؤمنين ، وإمام الموحّدين ، باب مدينة العلم ، علي بن أبي طالب عليه السلام ، من أعظم الكتب الإسلامية شأناً ، وأرفعها قدراً ، وأجمعها محاسن ، وأعلاها منازل ، نورٌ لمَن استضاء به ، ونجاة لمَن تمسّك بِعُرَاه ، وبرهان لمَن اعتمده ، ولُبّ لمَن تدبّره ، أقواله فَصْل ، وأحكامه عَدْل ، حاجة العالم والمتعلّم ، وبُغْيَة الراغب والزاهد ، وبُلْغَة السائس والمسوس ، ومُنْيَة المحارِب والمسالِم ، والجندي والقائد .
فيه من الكلام في التوحيد والعدل ، ومكارم الشِيَم ، ومحاسن الأخلاق ، والترغيب والترهيب ، والوعظ والتحذير ، وحقوق الراعي والرعية ، وأصول المدنيّة الحقّة ، وما ينقع الغلّة ، ويزيل العلّة ، لم تُعرف المباحث الكلاميّة إلاّ منه ، ولم تكن إلاّ عيالاً عليه ، فهو قدوةُ فَطَاحِلِهَا ، وإمام أفضلها .
٢٠ ـ وقال الأستاذ عبد الوهاب حمّودة ، أستاذ الأدب الحديث بكلّيّة الآداب بجامعة فؤاد الأوّل ، في مقال له حول نهج البلاغة نشره في مجلّة : ( رسالة الإسلام ) الصادرة عن دار التقريب بمصر ، في عددها الثالث من سنتها الثالثة ، شهر رمضان سنة ١٣٧٠ هـ‍ ، تحت عنوان : ( الآراء الاجتماعية في نهج البلاغة ) فقال :
لسنا بصدد تحقيق نسبة كتاب ( نهج البلاغة ) إلى الإمام علي رضي الله عنه ، أو إلى جامِعِه الشريف الرضي ، فإنّ لذلك مجالاً غير هذا ، غير أنّه ممّا لا شك فيه عند أحد من أدباء هذا العصر ، ولا عند أحد ممّن تقدّمهم في أنّ أكثر ما تضمّنه ( نهج البلاغة ) هو من كلام أمير المؤمنين رضوان الله عليه ، وعلى ضوء هذا الرأي نحن ننظر في الكتاب فنبحث في مطاويه ، ونمتّع الذهن بأسرار معانيه ، ونستخرج منه الآراء الناضجة الاجتماعية ، والأفكار الخالدة الإنسانية ، وإنّ الباحث ليتملكه الدهش حين يرى لأدب آل البيت جميعاً سِمات خاصّة وخصائص متمايزة ، لا فرق في ذلك بين رجالهم ونسائهم وخطبائهم وشعرائهم ، فإنّ لأدب كلّ جماعة سمات تُستمدّ من وجداناتهم ، وصدق عواطفهم ، ونُبْل مقاصدهم ، ودقّة مشاعرهم ، فمِن سمات أدب آل البيت صدق العاطفة ، وجزالة الأسلوب ، وسموّ المقصد ، وحرارة العبارة ، وقوّة الإيمان ، ورسوخ العقيدة ، وتوقّد الوجدان .
ولا عجب في ذلك ؛ فإنّ الأدب ينهض في عصور المشادّة لا عصور اللين والأمن ، وإنّ عصور الأمن عصور طراوة ودعة لا تحفّز النفوس ، ولا تستثير قواها الكامنة ، وعلى النقيض من ذلك عصور المشادّة والجهاد التي تحرّك أعمق أعماق النفوس وتُثير كلّ تيّاراتها ، وتبتعث رواقدها ، لِمَا تتطلّبه طبيعة العِرَاك من استمداد كلّ قوّة ، وإفراغ كل جهد . إنّ الاضطهاد العنيف لم يترك في أدب آل البيت أنيناً وشكوى ، ولا بكاءً ولا عويلاً ، وإنّما ترك قوّة صامدة ، وتحقيراً لأمر الدنيا ، وإعظاماً للجهاد ، وإكباراً للتضحية .
ولم يكن لآل البيت أسلوب قوي فحسب ، بل كانت معانيهم أيضاً قويّة ، فقد اصطبغتْ هذه المعاني بالمثل الأعلى للإيمان والعقيدة ، فاكتسبتْ رونقاً وجلالاً ، وعظمةً وجمالاً ، ولا غرو ، فقد قدّموا في سبيل هذه العقيدة أغلى ما يمكن أنْ يقدّمه إنسان قرباناً لعقيدة ، وهي أنفسهم الزكية ، وأرواحهم الطاهرة ، أليس يقول الإمام رضي الله عنه : ( لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ وَإِلاّ رَكِبْنَا أَعْجَازَ الإِبِلِ وَإِنْ طَالَ السُّرَى ) .
وقد اجتمع له رضي الله عنه في كتاب ( نهج البلاغة ) ما يجتمع لكبار الحكماء ، وأفذاذ الفلاسفة ، ونوابغ الربّانيين من آيات الحكمة السامية ، وقواعد السياسة المستقيمة ، ومن كل موعظة باهرة ، وحجّة بالغة ، وآراء اجتماعية ، وأسس حربية ، ممّا يشهد للإمام بالفضل وحسن الأثر .
فأنت واجد في خطبه ووصاياه رضوان الله عنه ملتقى العاطفة المشبوبة والإحساس المتطلّع إلى الرحمة والإكبار ، فقد كانت حياته وحياة أبنائه سلسلة من الجهاد والصراع والاضطهاد والجلاد ، فكان رضي الله عنه شجاعاً في غير بَغْي ، قويّاً في غير قسوة ، سليم الصدر من الضغن والحقد ، برئ النفس من حبّ الانتقام والغرور ، لا يتكلّف ولا يحتال على أنْ يتكلّف ، بل كان يقول : ( شَرُّ الإِخْوَانِ مَنْ تُكُلِّفَ لَهُ ) .
وكان لا يعرف غير طريق واحدة هي طريق الصراحة التي تكشف عن قرارة نفسه ، فهو في طلب الحق لا تلين قناته ، ولا تأخذه فيه هوادة ، وهو يربأ بنفسه أنْ يستهوي الأفئدة بالمداجاة والمقاربة وبذل العطاء كما كان يفعل سواه .. .
٢١ ـ وقال الدكتور صبحي الصالح في ما كتب يأذن في طبع نهج البلاغة بتحقيقه [٨] :
وإنّي بدوري وبوصفي محقِّقاً للكتاب ، وشارِحاً له ، وضابِطاً لنصّه : أرى أنّ نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يجب أنْ يُطبع ، ويُنشر ، ويُوزّع في جميع أنحاء العالم ، ليستفيد منه الجيل المسلم الجديد ؛ من أجل هذا أرى لِزَاماً علي أنْ أشكر أصدقائي الأعزّة من العلماء العاملين في مركز البحوث الإسلامية في قم لنهوضهم بهذا الواجب في إيران المسلمة العريقة في إسلامها .. .
٢٢ ـ وقال العلاّمة الشيخ عزيز الله العطاردي الخراساني القوجاني ، نزيل طهران اليوم ، في مقدّمته لمنهاج البراعة   [٩] وهو يتحدّث عن نهج البلاغة :
هذا الكتاب الشريف أشرف الكتب بعد كلام الله تعالى وكلام رسوله صلّى الله عليه وآله ، وهو دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين ، وأفضل الكلام وأفصحه وأنفعه وأرفعه ، وهذا واضح لمَن تأمّل في الكتاب ، وتفكّر في ألفاظه ومعانيه .
نهج البلاغة كتاب يشتمل على المعارف الإلهية ، والأسرار النبوية ، والأحكام الإسلامية ، والقواعد السياسية ، يستفيد منه الحكيم الإلهي ، والفقيه الربّاني ، والواعظ الصمداني ، والمصلح السياسي ، وفيه آداب الحرب وتنظيم العساكر والجيوش ، وردتْ فيه مواعظ شافية للمتّعظين ، وآداب للعارفين ، وترغيب للعابدين ، وتحذير للمنافقين ، وتخويف للأمراء والسلاطين ، وإرشادهم في الحكم وبسط العدل للمسلمين ، وكظم الغيظ والعفو عن المجرمين .
مَن نظر في نهج البلاغة وتعمّق في خطبه ورسائله يرى نفسه مع خطيب وأمير إلهي :
تارة يتكلّم في التوحيد ، ويبحث عن أسرار الكائنات ، ويكشف غوامض المسائل ، ويشرح مكنون العلم .
وتارة يتكلّم عن النبوّة وصفات الأنبياء عليهم السلام والأولياء .
وأخرى يتكلّم عن العباد والزهّاد وصفات المتّقين .
وآونة عن فنون الحرب والجهاد مع الأعداء في الغزوات ومقارعة الأبطال ومصارعة الشجعان .
وحينا يعظ الناس ويحذّرهم من الدنيا وزينتها ، ويرغّبهم في الآخرة ونعيمها .

------------------------------------------------------
[١] . قال الشريف الرضي رحمه الله بعد هذا الكلام : هذا الكلام لو وزن بعد كلام الله سبحانه وبعد كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله بكل كلام لمال به راجحاً ، وبرز عليه سابقاً .
فأمّا قوله عليه السلام : ( تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا .. ) فما سُمع كلام أقل منه مسموعاً ، ولا أكثر محصولاً ، وما أبعد غَوْرها من كلمة ! وأنقع نطفتها من حكمة ! وقد نبّهنا في كتاب : ( الخصائص ) على عظم قدرها وشرف جوهرها .
[٢] . ما هو نهج البلاغة ، ص ٥ .
[٣] . نُشر أوّلاً باللغة الفرنسية في مجلّة ( التعليم ) ، ثمّ نُشر بالعربية في مجلّة المجمع العلمي السوري ، في المجلّد الخامس ، العدد الثاني ، ص ٨٠ .
[٤] . مجلّة المجمع العلمي السوري ، المجلّد ١٨ ، ص ٢٧٠ .
[٥] . نشرت هذه المئة كلمة ـ اختيار أمين نخلة ـ في مطبعة العرفان بصيدا ، سنة ١٣٤٩ = ١٩٣٠ .
[٦] . ما هو نهج البلاغة ، للسيد هبة الدين الشهرستاني : ٣ .
[٧] . يقول ذلك الثعالبي في شأن الشريف الرضي .
[٨] . نشر بتصوير خطّه في مقدّمة الطبعة الأولى لنهج البلاغة في إيران بتحقيق الدكتور صبحي الصالح ، من إصدارات مركز البحوث الإسلامية في قم سنة ١٣٩٥ ه‍ـ .
[٩] . في شرح نهج البلاغة ، لقطب الدين الراوندي المتوفّى سنة ٥٧٣ ه‍ـ ، وقد طبعه بالهند سنة ١٤٠٤ هـ‍ .

يتبع ......

****************************