الدكتور محمد هادي الاميني
نبذة مختصرة عن الشريف الرضي[١]
أبو الحسن محمد بن ابي أحمد الطاهر « ذي المنقبتين » الحسين بن موسى الابرش بن محمد الاعرج بن موسى « المعروف بأبي سبحة » بن ابراهيم (الاصغر) بن الامام موسى بن جعفر عليهم السلام.
وأمه فاطمة بنت أبي محمد الحسين الناصر الصغير بن أبي الحسين أحمد[٢] ابن محمد الناصر الكبير الاطروش[٣] بن علي بن الحسن بن علي الاصغر ابن عمر الاشرف بن الامام زين العابدين عليهم السلام.
كانت أسرة الشريف من طرف الابوين بهاليل مساعير، فيهم من دوخ الملوك، ونابغ في العلم والادب، وشاعر مجيد، ولابيه الطاهر ذي المنقبتين احمد المقام الرفيع في الدولة مع اباء وشهامة[٤] وقد قلد النقابة خمس مرات[٥]، وتولى النظر في المظالم، والحج بالناس مرارا [٦]، وان جلالة قدره أهلته للسفارة بين معز الدولة، والاتراك، وبين بهاء الدولة، وصمصام الدولة، كما توسط للصلح بين بهاء الدولة، ومهذب الدولة[٧]. وكان رسولا من معز الدولة إلى عضد الدولة في رد غلام أسره عنده[٨] ووسيطا في الصلح بين معز الدولة، وبين أبي تغلب بن حمدان[٩] إلى أمثال هذه القضايا التي لم يعهد بها إلا لذي كرامة سامية بين الجماهير، واحترام ذاتي غير مستعار.
وأما عم الشريف الرضي، وهو أبو عبد الله أحمد بن موسى الابرش، فلم يكن خامل الذكر وضيع الشأن، يعرفنا خروجه إلى واسط لاستقبال بهاء الدولة، وكان من الطالبيين الذين أسهموا بالفخار والكرامة، فإنه لا يستقبل الملوك إلا من يعرفه الملوك، ويقدرون موقفه ومنزلته.
ومن أسرة والدته: أبو علي الشاعر المجيد الذي أشخصه الرشيد من الحجاز، وحبسه في بغداد وافلت من حبسه واختفى فيها[١٠].
ومحمد بن القاسم الصوفي الزاهد الفقيه الذي ظهر ايام المعتصم في (الطالقان) وقبض عليه ابن طاهر وانفذه الى بغداد فسجن ثم فر فاخذ وقتل صبرا[١١].
والناصر الاطروش صاحب الديلم[١٢].
والناصر الصغير الحسن بن أحمد بن الناصر الكبير أبي محمد الحسن بن علي الحسيني المقتول بآمل سنة ٣٠٤ والنقيب ببغداد صاحب الناصريات في الفقه المطبوع مع عدة كتب في مجموع عرف (بجامع الفقه)[١٣].
وكانت والدة الشريف الرضي فاطمة من النساء البرزة الرزان، أرضعته مع درها اماني النقابة والخلافة، وقصت عليه مآثر ابائها المصاليت البهاليل، وانفحته بالمال الذي احتوت عليه من آبائها، وفي رثائها يقول الشريف ولدها:
آباؤك الغـر الـذين تفــجــــــــرت | بهـم ينـابــــــيـع من النعــــمــــــاء | |
من نـاصر للحــــــق أو داع إلى | سبل الهدى أو كــــــاشف الظلماء | |
نـزلوا بعرعرة السنام من العلى | وعلوا على الاثباج والامطاء[١٤] |
كانت فاطمة والدة الشريف الرضي، ابنة أخت زوجة معز الدولة أميرة البلاط، وابنة خالة بختيار بن عز الدولة، وهذه المصاهرة عقدت على حساب وتدبير، ومن أسبابها تجليل مقام الناصر الكبير الاطروش الجد الاعلى لوالدة الشريف الرضي، وربما كان أبو أحمد والد الشريف زوجها يعمل السعاة الذين يسرون بانباء العاصمة الى والي الاهواز معز الدولة ويعرفونه ضعف الخلافة، ويستثيرون همته لامتلاكها ولجلالة والدة سيدنا الشريف وكبر شأنها الف شيخنا المفيد[١٥] كتاب احكام النساء[١٦] لها فانه قال في أوله: فاني عرفت من آثار السيدة الجليلة الفاضلة ادام الله عزها جميع الاحكام التي تعم المكلفين من النساء، وتخص النساء منهن على التمييز لهن،
ليكون ملخصا في كتاب يعتمد للدين، ويرجع إليه فيما يثمر به العلم واليقين، واخبرتني برغبتها ادام الله توفيقها في ذلك الخ[١٧].
وعلى كل فالشريف الرضي كان بحاشيتي نسبه قابضا على عضادتي الامامة فهو ابن الامامين زين العابدين علي بن الحسين، وابي ابراهيم موسى بن جعفر الكاظم عليهم السلام، ومن ناحية الاعمام ولاخوال يكرع بكؤوس الفخار ويتزمل مطارف العلا وقد أثر هذا النسب الوضاح في شعره وتمشى في أدبه فيقول:
ما عذر من ضربت به أعراقه | حتى بلغـــــــن إلـى النبي محمـد | |
أن لا يمـد إلى المكـــارم باعه | وينال منقطع العلا والسؤدد[١٨] |
ومن يقرأ شعر الشريف الرضي بتأمل يعرف نفسيته وطموحه الى الخلافة واولويته بها وتباهيهه بخيمه، وتمجده بآبائه الاكارم، وشعره ميادين حروب، وغمرات اجال، وشعور ملتهب، ونفس جائشة تتلمض للوثبة والانطلاق والتحرر كل ذلك للاغلال التى ارهق بها رهطه الانجاد والسجون التي اوصدت عليهم، والدماء السواجم التي اراقتها سيوف الظلم والعدوان والتمادي وهذا هو الذي أودع فيه روحا متحمسة وثابة ماثلة بين عيني المتصفح لديوانه.
ولا غرابة في ذلك بعد ان انحدر السيد الشريف من أصلاب الشرف العلوي، ودرت عليه اخلاف المجد الهاشمي، وبزغ في ظلال اسرة الزعامة والعظمة، ودرج في احضان الامامة فكان لهذا أثر بليغ في ترفعه وشممه ومحاولاته وعواطفه وميوله، حتى اوجب لنفسه الكفاية في تسنم اريكة الخلافة، فيقول مخاطبا الخليفة العباسي القادر بالله:
عطفا أمير المؤمنين فإننا | عن دوحة العلياء لا نتفرق | |
ما بيننا يوم الفخار تفاوت | أبدا كلانا في المعالي معرق | |
إلا الخلافة ميزتـك فانـنــــــي | انـا عاطل منهـا وانت مطوق[١٩] |
فلم ينكر عليه الخليفة ولا استظهر بطيب مغرسه، نعم رد عليه بقوله:
(على الرغم أنف الشريف)[٢٠]
ان نفس الشريف أبية صعبة المراس ذات اتجهات واسعة في السياسة، وكان الامراء ورجال الدولة يقدمونه على اخيه « علم الهدى » لما يجدون فيه من الاباء والعزة والترفع، وعدم قبول الصلات.
ولكنه بالرغم من ذلك كان خاضعا لحكم عضد الدولة الشائن مع عمه وأبيه المعتقل لهما في القلعة من فارس[٢١].
وكان اعتقاله حين دخول عضد الدولة إلى بغداد سنة ٣٦٧ فبقي معتقلا فيها إلى سنة ٣٧٦ أي بعد وفاة عضد الدولة بأربع سنين فانه توفى سنة ٣٧٢ عندما دخلها شرف الدولة، وللشريف الرضي المولود سنة ٣٥٩ يوم اعتقال أبيه ثمان سنين، واطلق سراحه وهو ابن ست عشرة سنة[٢٢].
ولما دخل شرف الدولة بغداد فاتحا سنة ٣٧٥، انعقدت صلاته مع الطاهر ابي أحمد، والد الشريف الرضي وأقره على النقابة وادنا قربه، وهنا نرى الشريف الرضي في هذا الدور قلق الفكر لعدم توثق صلاته بالقادر بالله العباسي ولم يحصل على محاولاته وربما عضته نكبة في حياته السياسية، فيثور ملتهبا وينبه اولياء الامور باهتضامه ويتوعدهم بالالتجاء إلى من يرعى حقه ويحفظ حرمته فيقول من مقطوعة له:
ألبس الذل في ديـار الاعادي | وبمصر الخـليفـة العـلوي |
وعليها استشاط القادر، وصرفه عن النقابة.