وليد الكعبة..
ولادة علي (عليه السلام) في الكعبة:
قد تقدم: أن أمير المؤمنين "عليه السلام" ولد في الكعبة.
وذكر الحاكم: أن الأخبار قد تواترت بأن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام" في جوف الكعبة [١].
ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله تعالى سواه [٢].
وعن الإمام السجاد "عليه السلام": إن فاطمة بنت أسد كانت في الطواف، فضربها الطلق، فدخلت الكعبة، فولدت أمير المؤمنين "عليه السلام" فيها [٣].
وسيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى حديث عن السبب في اختصاصه "عليه السلام" بهذه الفضيلة.
وكان رسول الله "صلى الله عليه وآله" يتيمن بتلك السنة وبولادة علي "عليه السلام" فيها، ويسميها سنة الخير، وسنة البركة [٤].
علي (عليه السلام) سجد لله لا للأصنام:
ومن أغرب ما سمعناه هنا: ما أشكل به بعض الناس على الروايات التي تذكر سجود علي "عليه السلام" في جوف الكعبة حين ولادته.
قال: فقد كانت الأصنام في جوف الكعبة، فيكون سجود علي "عليه السلام" لها..
ونقول:
أولاً: إن الله عز وجل لم يطلع هذا القائل الغريب الأطوار على غيبه هذا، ولا أخبره به نبي، ولا وصي.. وإذا كان السجود من هذا الطفل لا يكون إلا بتدخل إلهي، يهدف إلى إظهار الكرامة له "عليه السلام"، فالله لا يصنع الكرامة لعلي، لكي يعظم الأصنام، بل ليكون تعظيمه له تبارك وتعالى دون سواه.
ثانياً: يضاف إلى ذلك: أن النية هي التي تعين من يكون السجود له، ولم يطلع الله أحد على تفصيل نية علي "عليه السلام" في سجوده آنئذ..
ثالثاً: إن النص التاريخي يقول: إنه سجد لله، وشهد بالوحدانية، وبالرسالة.. [٥].
وفي نص آخر: سجد على الأرض، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأشهد أن علياً وصي محمد رسول الله، وبمحمد ختم الله النبوة، وبي تتم الوصية، وأنا أمير المؤمنين.. [٦].
وفي نص آخر: أنه "عليه السلام" لما ولد سجد لله على الأرض، وحمده [٧].
فلا معنى للإجتهاد في مقابل النص، بادِّعاء: أنه "عليه السلام" قد سجد للأصنام!!
رابعاً: إن قول هذا القائل حجة عليه، فهل يستجيز لنفسه أن يغير دينه، ويعبد الأصنام، والعياذ بالله، استناداً إلى وهمه هذا بأن المعجزة قد ظهرت له فيها؟!..
وهل يمكن أن يظهر الله أمراً يوجب التغرير بعباده، ويوقعهم في الشبهة والباطل؟! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ولأجل ذلك نقول:
إن كل من يسمع منه هذا القول لا بد أن يعلن تكذيبه له، وسخريته به، ويعتقد أن الله لا يصنع للأصنام أي شيء يدل على علو شأنها، وبذلك يحقق توحيد الله، وتنزيهه تبارك وتعالى..
وأخيراً: فإنني لا أدري ماذا يقول هذا الرجل عن أهل نحلته، الذين ما زالوا يقولون عن علي "عليه السلام" إذا ذكروه: كرم الله وجهه، وحجتهم في ذلك أنه "عليه السلام" لم يسجد لصنم قط.
خلف أستار الكعبة أم في داخلها؟!:
وقد حاول السيد هاشم معروف الحسني أن يبهم أمر ولادته "عليه السلام" في جوف الكعبة، فقال: "أطلَّ على هذه الدنيا من الكعبة، وقد جاءتها أمه فاطمة بنت أسد مستجيرة بالله، فلاذت إلى بعض جوانبها، وقد خشيت أن تراها عيون أولئك الذين اعتادوا الإجتماع في أمسياتهم إلى أروقة البيت وفي داخله، فانحازت ناحية، وتوارت عن عيونهم خلف أستار الكعبة" ثم ذكر ولادتها إياه هناك [٨].
ونقول:
١ ـ إن الكعبة لم تكن مجمعاً للناس في داخلها.. بل كانوا يجتمعون ولا يزالون في المسجد حولها.. فلماذا تهرب منهم إلى خارج الكعبة لتكون خلف استارها.. إلا إذا فرض أن المراد بالبيت هو المسجد الحرام كله..
٢ ـ إن الأستار تجعل على ظاهر الكعبة، فتتدلى على جوانبها الخارجية من سطحها إلى الأسفل.. فإذا قيل: فلان متعلق بأستار الكعبة، فمعنى ذلك: أنه متعلق بها من الخارج.. فلماذا هذا الخلط في أمور معلومة لكل أحد؟!
٣ ـ بعض الروايات قد صرحت: بأن جدار الكعبة قد انشق لفاطمة بنت أسد، فدخلتها. وبقيت في داخلها ثلاثة أيام.. وهي كما في المناقب مروية عن العباس بن عبد المطلب، وعن الحسن بن محبوب، عن الإمام الصادق "عليه السلام" [٩].
وفي نص آخر عن جابر ويزيد بن قعنب: فانفتح البيت ودخلت فيه، فإذا هي بحواء، ومريم، وآسية، وأم موسى، وغيرهن [١٠] .
٤ ـ وتقدم قول الحاكم وغيره: "وقد تواترت الأخبار: أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام" في جوف الكعبة" [١١].
٥ ـ وقال ابن الصباغ وغيره: "ولدته بداخل البيت الحرام، أو بداخل الكعبة" [١٢] .
٦ ـ وفي نص آخر: "فتح لها باب الكعبة" [١٣].
وقد ذكر السيد المرعشي "رحمه الله" في ملحقات إحقاق الحق ج١٧ من ص٣٦٤ إلى ٣٧٤ في المتن والهامش طائفة كبيرة من القائلين بولادته "عليه السلام" في الكعبة، وليراجع أيضاً كتاب: علي "عليه السلام" وليد الكعبة وغير ذلك.
حديث شق الجدار.. مستفيض:
وقد يتساءل البعض عن مدى إعتبار حديث إنشقاق الجدار لفاطمة بنت أسد لتضع مولودها في جوف الكعبة؟!
ونجيب:
إن انشقاق الجدار كرامة لأمير المؤمنين "عليه السلام"، وحديث ولادته داخلها، قد روي عن أناس حارب بعضهم علياً "عليه السلام"، وسعى إلى قتله، أو كان يكرهه، وينصب العداء له، ولا يرضى بالإقرار بفضيلة له..
فقد رواه: سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عائشة [١٤].
ورواه: أبو داود، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن عباس بن عبد المطلب [١٥].
ورواه: ابن شاذان، عن إبراهيم، بإسناده عن جعفر بن محمد "عليه السلام" [١٦].
ورواه: الحسن بن محبوب عن الإمام الصادق "عليه السلام" [١٧].
ورواه: علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [١٨].
ورواه: علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن جعفر الأسدي، عن موسى بن عمران، عن النوفلي، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن ثابت بن دينار، عن ابن جبير، عن يزيد بن قعنب [١٩] .
فظهر مما تقدم: أن أكثر الذين رووا هذه القضية هم من غير الشيعة، بل فيهم من عرف بعدائه لعلي "عليه السلام"، وبغضه له، بل فيهم من حاربه. ومن تتوفر لديه الدواعي لإخفائها، وذلك يكفي قرينة قاطعة على ثبوتها.
وظهر أيضاً: أن الرواية به مستفيضة..
وظهر: أن هذه الرواية قد جاءت عن:
١ ـ عائشة بنت أبي بكر.
٢ ـ العباس بن عبد المطلب.
٣ ـ عبد الله بن عباس.
٤ ـ يزيد بن قعنب.
٥ ـ الإمام جعفر الصادق "عليه السلام".
فإذا أخذنا بقول الزرقاني الذي صرح بأن: "من القواعد: أن تعدد الطرق يفيد: أن للحديث أصلاً" [٢٠].
وقول الخفاجي عن حديث رد الشمس: "إن تعدد طرقه شاهد صدق على صحته" [٢١].
وإذا أخذنا بقاعدة: "والفضل ما شهدت به الأعداء".
حتى إن عائشة لم تكن تطيب نفسها بذكر علي "عليه السلام" بخير أبداً..
وإذا أكدنا ذلك بوجود أثر هذا الشق في جدار الكعبة إلى يومنا هذا، وقد جهدوا ليخفوه، فلم يمكنهم ذلك..
نعم.. إننا إذا أخذنا بذلك كله، فلماذا لا نأخذ بهذه الرواية أيضاً؟!
بل إنه حتى لو كان رواة حديث مَّا ينسبون للكذب والوضع، فإن ذلك لا يعني أن لا تصدر عنهم كلمة صدق أصلاً.
بل لابد أن يكثر صدقهم، إذ لولا ذلك لما استطاعوا التسويق للأمر الذي يريدون أن يكذبوا فيه.
والحاصل: أن الكاذب قد يقول الصدق، والوضَّاع قد يعترف بالحق، مع أن الأمر في رواة هذه الحادثة ليس كذلك كما يُعلم بالمراجعة..
أسئلة.. وأجوبتها:
وقد ذكرت بعض الروايات: أن فاطمة بنت أسد ولدت علياً "عليه السلام" في جوف الكعبة "..فلما خرجت قال علي "عليه السلام": السلام عليك يا أبه ورحمة الله وبركاته.
ثم تنحنح وقال: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [٢٢] الآيات..
فقال رسول الله "صلى الله عليه وآله": قد أفلحوا بك، وأنت والله أميرهم، تميرهم من علمك، فيتمارون، وأنت ـ والله دليلهم. وبك ـ والله ـ يهتدون الخ.." [٢٣].
وفي حديث آخر: أن النبي "صلى الله عليه وآله"، قال في حديث طويل:
"ولقد هبط حبيبي جبرئيل في وقت ولادة علي "عليه السلام"، فقال: يا حبيب الله، العلي الأعلى يقرأ عليك السلام، ويهنؤك بولادة أخيك علي "عليه السلام"، ويقول: هذا أوان ظهور نبوتك، وإعلان وحيك، وكشف رسالتك، إذ أيدتك بأخيك، ووزيرك.. الخ" [٢٤].
وفي نص آخر: أنه "عليه السلام" لما ولد سجد على الأرض، وهو يقول: "أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن علياً وصي رسول الله. بمحمد يختم النبوة، وبي يتم الوصية، وأنا أمير المؤمنين إلخ.." [٢٥].
فهنا أسئلة عديدة، هي التالية:
أحدها: أن القرآن لم يكن قد نزل حين ولادة علي "عليه السلام"، لأنه "عليه السلام" ولد قبل البعثة بعشر سنوات. فكيف قرأ علي "عليه السلام" الآيات من سورة المؤمنون، حين ولادته، وهي لم تكن قد نزلت؟!
وكيف تقول الرواية: إن جبرئيل هبط على رسول الله، وقال له:..؟!
فهل كان جبرئيل يهبط على النبي "صلى الله عليه وآله" قبل أن يبعث؟!
السؤال الثاني: كيف يتكلم علي "عليه السلام" حين ولادته، فإن هذا الأمر غير معقول؟!
السؤال الثالث: كيف علم علي "عليه السلام" بهذا القرآن، وهو قد ولد لتوّه ولم يعلمه النبي "صلى الله عليه وآله" إياه. بل هو "صلى الله عليه وآله" لم يره بعد؟!
والجواب:
أولاً: قد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى الله عليه وآله": أن النبي "صلى الله عليه وآله" كان نبياً منذ ولد كما دلت عليه الروايات، ثم صار رسولاً حين بلغ أربعين سنة [٢٦].
ويدل على ذلك: أن عيسى "عليه السلام" كان نبياً منذ ولد، فقد قال تعالى:
{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيّاً، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} [٢٧].
وقال سبحانه وتعالى عن يحيى: {وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً} [٢٨].
وورد في أخبار كثيرة، بعضها صحيح السند كما في رواية يزيد الكناسي: إن الله لم يعط نبياً فضيلة، ولا كرامة، ولا معجزة إلا أعطاها نبينا الأكرم "صلى الله عليه وآله".
وروي أيضاً: أنه "صلى الله عليه وآله" قال: كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد، أو نحو ذلك [٢٩].
ومن الواضح: أن نزول القرآن الدفعي الذي أشير إليه بقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}[٣٠] إنما يحتاج لمجرد نزول الوحي، الذي تتحقق به النبوة، وقد كان ذلك حاصلاً لرسول الله "صلى الله عليه وآله" منذ صغره، أو قبل ذلك حيث كان آدم بين الماء والطين أو بين الروح والجسد، فيكون نزول القرآن سابقاً على ولادة علي "عليه السلام".
ثانياً: إنه لا مانع من أن يعلم علي "عليه السلام" بالقرآن، ما دام أن نوره مشتق من نور الرسول "صلى الله عليه وآله"، وهو وصيـه، وهو يعلم بما أنزل الله على نبيه، بالنحو المناسب لمسيرة خلقته، وحسبما يختـاره الله لـه من وسائل التعليم، ولو بواسطة الملك الذي يحدثـه بما يعرفـه، فإنه إذا كان سلـمان "عليه السلام" ـ كما روي ـ محدثـاً [٣١]، بل كان عمر محدثاً أيضاً (حسب زعمهم [٣٢] )؛ فلماذا لا يكون علي "عليه السلام" كذلك أيضاً، فيخبره الملك منذ ولادته بما أنزل الله تعالى على رسوله "صلى الله عليه وآله"؟!
ثالثاً: إن نطق الصغير بالكلام، وظهور رجاحة عقله، وإقراره بالإيمان، وبالإسـلام، وبغير ذلك.. وإن كان مخالفاً للعادة، لكنه ليس من المحالات في نفسه، ونحن نشهد تفاوتـاً ظاهـراً في وعي الأطفال في صغرهم؛ وفي أوقات ظهور ذلك منهم.. فكيف إذا كان الله تعالى هو الذي يظهر هذه الفضيلة لهم.
وقد أنطق الله تعالى عيسى بن مريم "عليه السلام" فور ولادته، كما صرحت به الآيات الكريمة التي أشرنا إليها آنفاً، فلماذا لا يُنطِق علياً "عليه السلام"، وهو أفضل منه، كما أظهرته الأحاديث الشريفة، ومنها حديث: لولا علي لم يكن لفاطمة كفؤ، آدم فمن دونه؟! [٣٣].
حكيم بن حزام لم يولد في الكعبة:
وبعد جميع ما تقدم نقول:
قال السيد الحميري، المتوفى في سنة ١٧٣ ه:
ولدته في حـرم الإلـه وأَمنِـهِ *****والبيـت حيـث فِناؤه والمسجدُ
بـيضاء طـاهـرة الثياب كريمـة *****طابـت وطاب وليدهـا والمولد
في ليلة غـابت نحوس نجومها *****وبدا مـع القمـر المنير الأسعد
ما لـف في خرق القـوابل مثلــه *****إلا ابـن آمـنـة الـنـبـي محمـد
ويقول عبد الباقي العمري:
أنـت الـعـلي الذى فوق العلى رُفعا *****بـبـطن مكة وسط البيت إذ وُضعا
ولكن نفوس شانئي علي "عليه السلام" قد نفست عليه هذه الفضيلة التي اختصه الله بها، فحاولت تجاهل كل أقوال العلماء والمؤرخين، ورواة الحديث والأثر، والضرب بها عرض الجدار، حيث نجدهم يسعون ـ وبكل جرأة ولا مبالاة ـ ليثبتوا ذلك لرجل آخر غير علي "عليه السلام"، بل ويحاولون التشكيك في ما ثبت لعلي أيضاً، حتى لقد قال في كتاب النور:
"حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة، ولا يعرف ذلك لغيره. وأما ما روي من أن علياً ولد فيها فضعيف عند العلماء" [٣٤].
وقال المعتزلي: "كثير من الشيعة يزعمون: أنه ولد في الكعبة، والمحدّثون لا يعترفون بذلك، ويزعمون: أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام" [٣٥] .
ثم حاول الحلبي والدياربكري الجمع والصلح بين الفريقين، باحتمال ولادة كليهما فيها [٣٦].
ولكن كيف يصح هذا الجمع، ونحن نجد عدداً ممن قدمنا أسماءهم، وغيرهم ممن ذكرهم العلامة الأميني في كتاب الغدير، وغيره، يصرون على أنه لم يولد في جوف الكعبة سوى علي، لا قبله ولا بعده؟! وأن تلك فضيلة اختصه الله بها دون غيره من العالمين؟!
وكيف يقبل هذا الجمع بين الروايتين، ونحن نجد الحاكم يصرح بتواتر الأخبار في ولادة أمير المؤمنين "عليه السلام" في جوف الكعبة، وبأنه لم يولد فيها أحد سواه، ليدل بذلك على كذب ما يدعونه لغير علي "عليه السلام"؟!
فهل الحاكم بنظر المعتزلي جاهل بالحديث؟!
أم أنه يعده من الشيعة؟!
ومن أين لحديث ولادة حكيم بن حزام حتى خصوصية صحة سنده، فضلاً عن أن يكون متواتراً ومقطوعاً به؟!.
لماذا حكيم بن حزام؟!
وإنما أرادوا إثبات هذه الفضيلة لحكيم بن حزام؛ لأنه كان للزبيريين فيه هوى، فهو ابن عم الزبير، وابن عم أولاده؛ فهو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، والزبيريون ينتهون أيضاً إلى أسد بن عبد العزى.
ولم يسلم حكيم إلا عام الفتح، وهو من المؤلفة قلوبهم [٣٧]، وكان يحتكر الطعام على عهد رسول الله "صلى الله عليه وآله" [٣٨].
وعن المامقاني: نقل الطبري: أنه كان عثمانياً متصلباً، تلكأ عن علي [٣٩]، ولم يشهد شيئاً من حروبه [٤٠].
إذن.. فمن الطبيعي أن يروي الزبير بن بكار، ومصعب بن عبد الله [٤١] ـ وهما لا شك في كونهما زبيريي الهوى ـ: أنه لم يولد في جوف الكعبة سواه، وذلك على خلاف جميع الأخبار المتواترة، ومخالفة لكل من نص على أنه لم يولد فيها سوى أمير المؤمنين "عليه السلام" لا قبله ولا بعده؟!
لماذا ولد علي (عليه السلام) في الكعبة؟!:
وهناك سؤال يقول:
كيف نفسر اختصاص أمير المؤمنين "عليه السلام"، بكرامة الولادة في الكعبة، دون رسول الله "صلى الله عليه وآله"؟!
ونقول في جوابه ما يلي:
إننا قبل كل شيء، نحب التذكير بأن بين النبوة والإمامة، والنبي والإمام، فرقاً، فيما يرتبط بترتيب الأحكام الظاهرية على من يؤمن بذلك وينكر، ومن يتيقن ويشك، ومن يحب ويبغض..
فأما بالنسبة للنبوة والنبي "صلى الله عليه وآله"، فإن أدنى شك أو شبهة بها، وكذلك أدنى ريب في الرسول "صلى الله عليه وآله" يوجب الكفر والخروج من الدين، كما أن بغض الرسول "صلى الله عليه وآله" بأي مرتبة كان، يخرج الإنسان من الإسلام واقعاً، ويلحقه بالكفر، وتترتب عليه أحكامه في مرحلة الظاهر، فيحكم عليه بالنجاسة، وبأنه لا يرث من المسلم، وبأن زوجته تبين منه، وتعتد، وبغير ذلك..
وأما الإمامة والإمام "عليه السلام"، فإن الحكمة، والرحمة الإلهية، وحب الله تعالى للناس، ورفقه بهم، قد اقتضى: أن لا تترتب الأحكام الظاهرية على من أنكر الإمامة، أو شك فيها، أو في الإمام "عليه السلام"، أو قصر في حبه.. ولكن بشرطين..
أحدهما: أن يكون ذلك الإنكار، أو الشك، أو التقصير ناشئاً عن شبهة، إذ مع اليقين بثبوت النص وفي دلالته، يكون المنكر أو الشاك مكذباً لرسول الله "صلى الله عليه وآله"، راداً على الله سبحانه، ومن كان كذلك فهو كافر جزماً..
الثاني: أن لا يكون معلناً ببغض الإمام، ناصباً العداء له، لأن الناصب حكمه حكم الكافر أيضاً..
النبي (صلى الله عليه وآله) لا يقتل أحداً؛ لماذا؟
وبعدما تقدم نقول:
لا ريب في أن قيام الإسلام وحفظه يحتاج إلى جهاد وتضحيات، وأن في الجهاد قتلاً ويتماً، ومصائب ومصاعب، ولم يكن يمكن لرسول الله "صلى الله عليه وآله" أن يتولى بنفسه كسر شوكة الشرك، وقتل فراعنته وصناديده.. لأن ذلك يوجب أن ينصب الحقد عليه، وأن تمتلئ نفوس ذوي القتلى ومحبيهم، ومن يرون أنفسهم في موقع المهزوم، بغضاً له، وحنقاً عليه..
وهذا يؤدي إلى حرمان هؤلاء من فرصة الفوز بالتشرف بالإسلام، وسيؤثر ذلك على تمكّن بنيهم، وسائر ذويهم ومحبيهم من ذلك أيضاً.. فقضت الرحمة الإلهية أن يتولى مناجزتهم من هو كنفس الرسول "صلى الله عليه وآله"، الذي يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ألا وهو أمير المؤمنين "عليه السلام"..
واقتضت هذه الرحمة أيضاً رفع بعض الأحكام الظاهرية ـ دون الواقعية ـ المرتبطة بحبه وبغضه، وبأمر إمامته "عليه السلام"، تسهيلاً من الله على الناس، ورفقاً بهم ـ رفعها ـ عن منكر إمامته "عليه السلام"، وعن المقصر في حبه، ولكن بالشرطين المتقدمين وهما: وجود الشبهة وعدم نصب العداء له، لأنه مع عدم الشبهة يكون من قبيل تعمد تكذيب الرسول "صلى الله عليه وآله"، ومع نصب العداء يتحقق التمرد والرد على الله سبحانه، كما قلنا..
معالجة قضايا الروح والنفس:
ثم إن معالجة قضايا الحب والبغض، والرضا والغضب، والإنفعالات النفسية، تحتاج إلى اتصال بالروح، وبالوجدان، وإلى إيقاظ الضمير، وإثارة العاطفة، بالإضافة إلى زيادة البصيرة في الدين، وترسيخ اليقين بحقائقه..
وهذا بالذات هو ما يتراءى لنا في مفردات السياسة الإلهية، في معالجة الأحقاد التي علم الله سبحانه أنها سوف تنشأ، وقد نشأت بالفعل، كنتيجة لجهاد الإمام علي "عليه السلام"، في سبيل هذا الدين..
ونحن نعتقد: أن قضية ولادة الإمام علي "عليه السلام" في جوف الكعبة، واحدة من مفردات هذه السياسة الربانية، الحكيمة، والرائعة..
ولادة علي (عليه السلام) في الكعبة صنع الله:
ويمكن توضيح ذلك بأن نقول:
إن ولادته "عليه السلام"، في الكعبة المشرفة، أمر صنعه الله تعالى له، لأنه يريد أن تكون هذه الولادة رحمة للأمة، وسبباً من أسباب هدايتها.. وهي ليست أمراً صنعه الإمام علي "عليه السلام" لنفسه، ولا هي مما سعى إليه الآخرون، ليمكن اتهامهم بأنهم يدبرون لأمر قد لا يكون لهم الحق به، أو اتهامهم بالسعي لتأييد مفهوم اعتقادي، أو لواقع سياسي، أو الانتصار لجهة أو لفريق بعينه، في صراع ديني، أو اجتماعي، أو غيره..
ويلاحظ: أن الله تعالى قد شق جدار الكعبة لوالدته "عليه السلام" حين دخلت، وحين خرجت، بعد أن وضعته في جوف الكعبة الشريفة..
وقد جرى هذا الصنع الإلهي له "عليه السلام" حيث كان لايزال في طور الخلق والنشوء في هذا العالم الجديد.. ليدل دلالة واضحة على اصطفائه تعالى له، وعنايته به..
وذلك من شأنه أن يجعل أمر الإهتداء إلى نور ولايته أيسر، ويكون الإنسان في إمامته أبصر..
ويتأكد هذا الأمر بالنسبة لأولئك الذين سوف تترك لمسات ذباب سيفه "ذي الفقار" آثارها في أعناق المستكبرين والطغاة من إخوانهم، وآبائهم، وعشائرهم، أو من لهم بهم صلة أو رابطة من أي نوع..
الرصيد الوجداني آثار وسمات:
ثم إن هذا الرصيد الوجداني، قد هيأه الله لهم ليختزنوه في قلوبهم وعقولهم من خلال النصوص القرآنية والنبوية التي تؤكد فضل علي "عليه السلام" وإمامته، ثم جاء الواقع العملي ليعطيها المزيد من الرسوخ والتجذر في قلوبهم وعقولهم من خلال مشاهداتهم، ووقوفهم على ما حباه الله به من ألطاف إلهية، وإحساسهم بعمق وجدانهم بأنه وليد مبارك، وبأنه من صفوة خلق الله، ومن عباده المخلصين.
وذلك سيجعلهم يدركون: أنه "عليه السلام"، لا يريد بما بذله من جهد وجهاد في مسيرة الإسلام، إلا رضا الله سبحانه، وإلا حفظ مسيرة الحياة الإنسانية، على حالة السلامة، وفي خط الاعتدال.. لأنها مسيرة سيكون جميع الناس ـ بدون استثناء ـ عناصر فاعلة ومؤثرة فيها، ومتأثرة بها..
وبذلك يصبح الذين يريدون الكون في موقع المخاصم له "عليه السلام"، أو المؤلب عليه، أمام صراع مع النفس ومع الوجدان، والضمير، وسيرون أنهم حين يحاربونه إنما يحاربون الله ورسوله.. ويسعون في هدم ما شيده للدين من أركان، وما أقامه من أجل سعادتهم، وسلامة حياتهم، من بنيان..
ولادة علي (عليه السلام) في الكعبة لطف بالأمة:
فولادة الإمام علي "عليه السلام"، في الكعبة المشرفة، لطف إلهي، بالأمة بأسرها، حتى بأولئك الذين وترهم الإسلام، وهو سبيل هداية لهم ولها، وسبب انضباط وجداني، ومعدن خير وصلاح، ينتج الإيمان، والعمل الصالح، ويكف من يستجيب لنداء الوجدان، عن الإمعان في الطغيان، والعدوان، وعن الإنسياق وراء الأهواء، والعواطف، من دون تأمل وتدبر..
وغني عن البيان، أن مقام الإمام علي "عليه السلام" وفضله، أعظم وأجل من أن تكون ولادته "عليه السلام"، في الكعبة سبباً أو منشأً لإعطاء المقام والشرف له.. بل الكعبة هي التي تعتز، وتزيد قداستها، وتتأكد حرمتها بولادته فيها صلوات الله وسلامه عليه..
وأما رسول الله "صلى الله عليه وآله"، فإن معجزته الظاهرة التي تهدي الناس إلى الله تعالى، وإلى صفاته، وإلى النبوة، وتدلهم على النبي، وتؤكد صدقه، وتلزم الناس كلهم بالإيمان به، وتأخذ بيدهم إلى التسليم باليوم الآخر ـ إن هذه المعجزة ـ هي هذا القرآن العظيم، الذي يهدي إلى الرشد من أراده، والذي لا بد أن يدخل هذه الحقائق إلى القلوب والعقول أولاً، من باب الاستدلال، والانجذاب الفطري إلى الحق بما هو حق.. من دون تأثر بالعاطفة، وبعيداً عن احتمالات الإنبهار بأية مؤثرات أخرى مهما كانت..
إذ إن القضية هي قضية إيمان وكفر، وحق وباطل، لا بد لإدراكهما من الكون على حالة من الصفاء والنقاء، وتفريغ القلب من أي داع آخر، قد يكون سبباً في التساهل في رصد الحقيقة، أو في التعامل مع وسائل الحصول عليها، والوصول إليها..
فالله لا يريد أن تكون مظاهر الكرامة، سبباً في إعاقة العقل عن دوره الأصيل في إدراك الحق، وفي تحديد حدوده، وتَلَمُّس دقائقه، وحقائقه والتبيُّن لها إلى حد تصير معه أوضح من الشمس، وأبين من الأمس..
ولذلك فإن الله تعالى لم يصنع لرسوله "صلى الله عليه وآله"، ما يدعوهم إلى تقديسه كشخص، ولا ربط الناس به قبل بعثته بما هو فرد بعينه، لا بد لهم من الخضوع والبخوع له، وتمجيد مقامه، لأن هذا قد لا يكون هو الأسلوب الأمثل، ولا الطريقة الفضلى، في سياسية الهداية الإلهية إلى الأمور الإعتقادية، التي هي أساس الدين، والتي تحتاج إلى تفريغ النفس، وإعطاء الدور، كل الدور، للدليل وللبرهان، وللآيات والبينات، وإلى أن يكون التعاطي مع الآيات والدلائل بسلامة تامة، وبوعي كامل، وتأمل عميق، وملاحظة دقيقة..
وهذا هو ما نلاحظه في إثارات الآيات القرآنية لقضايا الإيمان الكبرى، خصوصاً تلك التي نزلت في الفترة المكية للدعوة. فإنها إثارات جاءت بالغة الدقة، رائعة في دلالاتها وبياناتها، التي تضع العقل والفطرة أمام الأمر الواقع الذي لا يمكن القفز عنه، إلا بتعطيل دورهما، وإسقاط سلطانهما، لمصلحة سلطان الهوى، ونزوات الشهوات، والغرائز..
وهذا الذي قلناه، لا ينسحب ولا يشمل إظهار المعجزات والآيات الدالة على الرسولية، وعلى النبوة، فإنها آيات يستطيع العقل أن يتخذ منها وسائل وأدوات ترشده إلى الحق، وتوصله إليه.. وتضع يده عليه.. وليست هي فوق العقل، ولا هي من موجبات تعطيله، أو إضعافه.
يتبع .....