السيد محمد رضا الجلالي
كان الإمام عليه السلام في طليعة المبيحين للتدوين. [١]
وقد علمنا أنّه كتب بخطّه بإملاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، كتابة الكبير، الذي تحدّثنا عنه بتفصيل في الفصل الثاني من هذا القسم. [٢]
وقد قيل في ذلك الكتاب إنّه«أوّل كتاب في الإسلام». [٣]
كما روى الامام عليه السلام كثيرا من النصوص المرفوعة، الدالّة على إباحة التدوين، وقد سبقت كذلك.
لكن الإمام عليه السلام قد أظهر التزامه بإباحة التدوين، بالقول والفعل، وتضافرت النصوص الموقوفة عليه في ذلك، وسنذكرها في مجموعتين:
١ - في مجال التصنيف والتأليف.
٢ - الأقوال المرويّة عنه، والموقوفة عليه.
١ - في مجال التصنيف :
قد مرّ في الفصل الثاني ذكر كتاب عليّ عليه السلام الذي كتبه الإمام عليه السلام بخطّه بإملاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.
وإنّما لم نعدّه مؤلّفا للإمام، لأنّه كما تدلّ عليه نصوصه ورواياته، قد كتب بأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وبإرادته وبإشراف تامّ منه عليه، ومثل هذا لا ينسب إلاّ إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، لأنّ الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام لا يقوم فيه إلاّ بدور الكاتب الذي يملى عليه فيكتب.
وتدل النصوص على أنّ الإمام عليه السلام قد ألّف كتبا كثيرة: روي البحراني بسنده عن عبد الملك بن أعين، قال: أراني
أبو جعفر عليه السلام بعض كتب عليّ عليه السلام، ثمّ قال لي: لأيّ شي ء كتب هذا الكتاب؟ .
قلت: ما ابين الرأي فيها!.
قال: هات.
قلت: علم أنّ قائمكم يقوم يوما فأحبّ أن يعمل بما فيها.
قال: صدقت. [٤]
وروى الرازي عن شعبة (ت ١٦٠) : أنّ روايتي التابعيّين عامر الشعبيّ عن عليّ، وعطاء بن أبي رباح عن عليّ إنّما هي من كتاب. [٥]
وقال: كان عند أبي هارون العبدي (ت ١٣٤) كتاب في عليّ عليه السلام. [٦]
وقال أحمد: خلاس بن عمرو البحري، روايته عن عليّ عليه السلام من كتاب، ويقال: وقعت عنده صحف عن عليّ عليه السلام. [٧]
وقال الدارقطنيّ: قالوا: هو صحفيّ. [٨]
وأمّا الكتب المنسوبة إليه عليه السلام بعناوينها الخاصّة، فهي:
١ - كتاب في علوم القرآن :
أملاه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فذكر فيه ستّين نوعا من أنواع علوم القرآن، رواه الحافظ أبوالعبّاس، أحمد بن محمّد بن سعيد، ابن عقدة الكوفي المتوفي (٣٣٣) بسنده عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام. [٩]
ورواه جمع من كبار الطائفة فنسب إليهم:
منهم المحدّث أبوالقاسم سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعريّ القميّ المتوفي (سنة ٣٠١ أوسنة ٢٩٩) بعنوان (تفسير سعد) و(ناسخ القرآن ومنسوخه). [١٠]
ومنهم المحدّث محمّد بن إبراهيم بن أبي زينب الكاتب البغدادي صاحب«الغيبة» تلميذ الكليني، فقد نسب إليه بعنوان (تفسير النعماني). [١١]
ومنهم السيّد الشريف المرتضي عليّ بن الحسين الموسوي (ت ٤٣٦) فقد نسب إليه باسم (المحكم والمتشابه في القرآن). [١٢]
وقد أورد المحدّث المجلسي نصّه الكامل في كتاب (بحار الأنوار). [١٣]
٢ - كتاب السنن والقضايا والأحكام :
كتاب كبير حوى أبواب العلم، وفقه الشريعة المقدّسة، ومنها ما قضى به الإمام عليه السلام في الحوادث الخاصّة، وكما يبدو من اسمه فإنّ فيه السنن والآداب الشرعيّة، والعبادات من الطهارة والصلاة والصوم والحجّ والزكاة، والأقضية، والحدود، والديات، وأبواب المعاملات من البيوع، وغيرها. وقد روى هذا الكتاب جمع من أصحاب الإمام عليه السلام، تارة بعنوانه العامّ، واخرى بعنوان باب من أبوابه. [١٤]
ونورد هنا قائمة بأسماء من رواه، أو روى قسما منه، مع ذكر كتبهم ومحلّ رواياتهم:
١ - عمر ابن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، روى عن أبيه هذا الكتاب كاملا. [١٥]
٢ – أبو رافع مولى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وصاحب بيت مال الإمام عليه السلام.
روى الكتاب عن أمير المؤمنين عليه السلام كاملا [١٦] ورواه عنه ابناه: عبيد اللّه بن أبي رافع، كاتب الامام عليه السلام:
روى الكتاب عن أبيه عن الامام عليه السلام، كما يظهر من ترجمة أبيه وغيره. [١٧]
وعليّ بن أبي رافع، كاتب الامام عليه السلام: روى الكتاب عن أبيه كاملا . [١٨]
٣ - ربيعة بن سميع:
روي قسم الزكاة عن أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب كتبه له بخطه لما بعثه على الصدقات. [١٩]
٤ - محمّد بن قيس البجليّ:
روى قسم القضايا، وقد عرض كتابه على الباقر عليه السلام، فصدّق أنّه كتاب أمير المؤمنين عليه السلام. [٢٠]
٥ - يعلى بن مرّة الثقفي: له نسخة عن الامام عليه السلام. [٢١]
٦ - الحارث بن عبد اللّه، الاعور، الهمداني: روى الكتاب كاملا عن أمير المؤمنين عليه السلام. [٢٢]
٧ - الاصبغ بن نباتة المجاشعيّ: [٢٣]
روى قسم القضاء عن الامام عليّ عليه السلام، وهو موجود برواية إبراهيم بن هاشم القمي، ومنه نسخة في مكتبة جامعة طهران برقم (٣٩١٥) تاريخها سنة ( ١٠٦٤ هـ) ، ونسخة في تركيا مكتبة حميديّة رقم (١٤٤٧) من ١٤٩ آ ١٥٣ آ (باسم أقضية أمير المؤمنين عليه السلام) .
وقد كانت عند السيّد محسن الامين العامليّ صاحب أعيان الشيعة نسخة ثمينة من هذا الكتاب ضمن مجموعة مؤرّخة بسنة (٤١٠ و٤٢٠) باسم (عجائب أحكام أمير المؤمنين عليه السلام ومسائله) ، فأدرجها في كتاب ألّفه باسم: (عجائب أحكام وقضايا ومسائل أمير المؤمنين عليه السلام) وطبعه في مطبعة الاتقان، دمشق ١٣٦٦ هـ . وأعيد طبعه بالاوفست بطهران (١٣٩٤) ضمن سلسلة (إحياء تراث أهل البيت عليهم السلام) بتقديم السيّد محمّد حسين الحسينيّ الجلالي .
٨ - عبد اللّه بن عبّاس: كان يتّخذ صحفا فيها قضاء عليّ عليه السلام. [٢٤]
٩ - ميثم بن يحيى التمّار: له كتاب، كان متداولا حتى القرن السابع الهجري، حيث نقل عنه مباشرة الطبري صاحب كتاب (بشارة المصطفى). [٢٥]
١٠ - عبيد اللّه بن الحرّ الكوفي، الشاعر، الجعفي: روى عن الامام عليه السلام نسخة. [٢٦]
١١ - ومن أجزاء هذا الكتاب هو(كتاب الديات) الذي اشتهر باسم راويه ظريف بن ناصح. [٢٧]
فقد عرضه الرواة على الائمّة: جعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعليّ الرضا عليهم السلام، فأقرّوا أنّه من إملاء الامام أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّه كتبه لعمّاله وامراء أجناده. [٢٨]
ونصّه الكامل موجود: فرّقه الكليني في جامعه (الكافي) وسمّاه (كتاب الفرائض عن عليّ عليه السلام). [٢٩]
وأورده بتمامه الشيخ الصدوق، في (كتاب الفقيه). [٣٠]
كما أورده كاملا الفقيه ابن سعيد الحلّي في (الجامع) وطرّق إليه طرقا عديدة. [٣١]
وقد طبع هذا الكتاب باسم (أصل ظريف) في (الاصول الستة عشر). [٣٢]
والذي يظهر من المصادر أنّ كلا من هؤلاء الرواة المذكورين قد ألّف ما يحصّه، وجمع روايات كتابه عن الإمام عليه السلام، إلاّ أنّا نعتقد بأنّ الكتاب ليس إلاّ مجموعة كبيرة واحدة من تأليف الإمام وإملائه عليه السلام، وذلك لما يلي:
١ - انتهاء الأسانيد في تلك الكتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام بعنوان أنّ كلا منها نسخة منه، أو إملائه.
٢ - لوجود نفس العناوين ضمن ما نسب إلى غير الرواة المذكورين، الذين اعتبروا كمؤلّفين للكتب.
فذلك يؤكّد أنّ الكتاب المذكور كان مجموعة كبيرة من تأليف الإمام نفسه عليه السلام، رواه بعض أصحابه كاملا، وروى بعضهم أبوابا منه. [٣٣]
وقد وردت عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام روايات حول ما ورد في هذا الكتاب بطرق الرواة المذكورين وغيرهم، في كتب العامة، جمع أحمد بن حنبل مجموعة كبيرة منها في مسنده. [٣٤]
٣ - عهد الإمام عليه السّلام للأشتر: وهو العهد الطويل المهمّ الذي كتبه الإمام عليه السّلام لمالك الأشتر النخعيّ، لمّا ولاّه مصر، وتضمّن اصول إدارة البلاد، وتراتيب النظم السياسيّة لامور العباد. ونصّه معروف، ومطبوع متداول، وهو في (نهج البلاغة) [٣٥] .
وقد رواه الأصبغ بن نباتة. [٣٦]
٤ - التعليقة النحوية: التي ألقاها الإمام عليه السّلام إلى أبي الأسود الدؤليّ.
نقل خبرها السيوطيّ عن ابن عساكر أنّ بعض النحاة كان يذكر أنّ عنده تعليقة أبي الأسود التي ألقاها إليه عليّ عليه السّلام. [٣٧]
وقال ابن النديم في سبب تسمية العلم«بالنحو»: إنّ عليا ألقى إلى ابي الاسود شيئا فيه اصول النحو. [٣٨]
لكنّ بعضهم يعتقد أن أوّل من صنّف في علم النحو هو أبوالاسود، فلاحظ. [٣٩]
٢ - في مجال الروايات والاثار:
لقد نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام الكثير في مجال التأكيد على الكتابة والتدوين وفيه ما هو صريح في الامر به، كما أنّ فيه ما هو دالّ بالملازمة العرفية الواضحة، وإليك ما وقفنا عليه من ذلك:
١ - عن الحارث عن عليّ عليه السلام: قال: «قيّدوا العلم، قيّدوا العلم» هكذا مرّتين. [٤٠]
٢ - وعن حبيب بن جري، قال: قال عليّ عليه السلام: «قيّدوا العلم بالكتاب». [٤١]
وقد مرّ هذا مسندا إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم، في الفصل الثاني برقم «٦٩».
٣ - وعن علباء، عن عليّ عليه السلام أنّه خطب الناس، فقال: من يشتري منّي علما بدرهم». [٤٢]
قال ابوخيثمة زهير بن حرب مفسّرا هذا الحديث يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم. [٤٣]
وفي بعض نصوص الحديث: أنّ الحارث الاعور اشترى صحفا بدرهم، ثمّ جاء بها عليا عليه السلام، فكتب له علما كثير، ثمّ إنّ الإمام عليه السلام خطب الناس بعد فقال: يا أهل الكوفة، غلبكم نصف رجل. [٤٤]
٤ - عن الحارث، عن عليّ عليه السلام، قال: قراءتك على العالم وقراءة العالم عليك سواء، إذا أقرّ لك به. [٤٥]
وروى نحوه أبوظبيان، عنه عليه السلام. [٤٦]
٥ - عن هبيرة بن يريم، عن عليّ عليه السلام، قال: القراءة عليه بمنزلة السماع منه. [٤٧]
وقد أثبتنا هذه الروايات في كتابنا (إجازة الحديث) وقلنا: إنّها تدلّ على وجود الكتاب في عهد الإمام عليه السلام، حيث أنّ قراءة الراوي على الشيخ لا تكون إلاّ من كتاب وبواسطة نص مكتوب، يقرا الراوي منه الحديث على الشيخ.
ونقول أيضا : قد يكون فيه بعث على كتابة النصّ، ليكون الراوي مكتفيا بقراءته على الشيخ، لتحصيل عنصر الضبط والاشراف من الشيخ عليه.
٦ - وقال عليه السلام لكاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع: «ألق دواتك، وأطل جلفة قلمك، وفرّج بين السطور، وقرمط بين الحروف، فإنّ ذلك أجدر بصباحة الخط». [٤٨]
٧ - وكتب عليه السلام إلى عمّاله: «أدقوا أقلامكم، وقاربوا بين سطوركم، واحذفوا عنّي فضولكم، واقصدوا قصد المعاني، وإيّاكم والاكثار، فإنّ أموال المسلمين لا تحتمل الاضرار». [٤٩]
٨ - وقال ابوحكيمة العبدي: كنت أكتب المصاحف، فبينا أنا أكتب مصحفا، إذ مرّ بي عليّ عليه السلام، فقام ينظر إلى كتابي، فقال: «اجلك قلمك». فقططت من قلمي قطّة [٥٠] ثمّ جعلت أكتب، فقال: «نعم، هكذا نوّره كما نوّره اللّه تعالى». [٥١]
٩ - وقال عليه السلام لرجل رآه قبيح الخطّ : «أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها، واعدل أقسامك، وأقم الفك ولامك». [٥٢]
١٠ - وعن عليّ عليه السّلام، قال: «عقل الكاتب قلمه». [٥٣]
١١ - وقد روي عن الصادق عليه السّلام، قال: كان أمير المؤمنين عليه السّلام يعجبه أن يروى شعر أبي طالب، وأن يدوّن. [٥٤]