ومن خطبة له (عليه السلام)
قد تقدّم مختارها برواية ونذكرها هاهنا برواية أخرى لتغاير الروايتين
أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بِانْقِضَاء، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها[١]، وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ[٢]، فَهِيَ تَحْفِزُ[٣] بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا، وَتَحْدُو[٤] بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا، وَقَدْ أَمَرَّ[٥] مِنْها مَا كَانَ حُلْواً، وَكَدِرَ[٦] مِنْهَا ما كَانَ صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الاِْدَاوَةِ[٧]، أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ[٨]، لَوْ تَمَزَّزَهَا)الصَّدْيَانُ[٩] لَمْ يَنْقَعْ[١٠]، فَأَزْمِعُوا[١١] عِبَادَ اللهِ الرَّحِيلَ عَنْ هذِهِ الدَّارِ المَقْدُورِ[١٢] عَلَى أَهْلِهَا الزَّوالُ، وَلاَ يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الاَْمَلُ، وَلاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الاَْمَدُ.
فَوَاللهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ[١٣]، وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ[١٤]، وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ[١٥] مُتَبَتِّلِي[١٦] الرُّهْبَانِ، وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الاَْمْوَالِ وَالاَْوْلاَدِ، الِْتمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَة عِنْدَهُ، أوغُفْرَانِ سِيِّئَة أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَكَانَ قَلِيلاً فَيَما أَرْجُو لَكُم مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ.
وَتَاللهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلوبُكُمُ انْمِيَاثاً[١٧]، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَة إِلَيْهِ وَرَهْبَة مِنْهُ دَماً، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا، مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةٌ، مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ [عَنْكُمْ] ـ وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ ـ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ، وَهُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلاِْيمَانِ.
وَمِنْ تَمَامِ الاُْضحِيَةِ[١٨] اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا[١٩]، وَسَلاَمَةُ عَيْنِهَا، فَإِذَا سَلِمَتِ الاُْذُنُ وَالْعَيْنُ سَلِمَتِ الاُْضْحِيِةُ وَتَمَّتْ، وَلَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ الْقَرْنِ[٢٠] تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى المَنْسَكِ[٢١].