ومن خطبة له (عليه السلام)
[وفيها يبيّن فضل الاسلام ويذكر الرسول الكريم ثمّ يلوم أصحابه]
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي شَرَعَ الاِْسْلاَمَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ، وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ، فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ[١]، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ، وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ، وَفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ، وَلُبّاً لَمِنْ تَدَبَّرَ، وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَتَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ، وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ، وَنَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ، وَثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ، وَرَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ، وَجُنَّةً[٢] لِمَنْ صَبَرَ.
فَهُوَ أبْلَجُ الْمَنَاهجِ[٣] وَاضِحُ الْوَلاَئِجِ[٤]، مُشْرَفُ الْمَنَارِ[٥]، مُشْرِقُ الْجَوَادِّ[٦]، مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ، كَرَيمُ الْمِضْمارِ[٧]، رَفِيعُ الْغَايَةِ، جَامِعُ الْحَلْبَةِ[٨]، مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ[٩]، شَرِيفُ الْفُرْسَانِ.
التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ، وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ، وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ، وَالدُّنْيَا مِضْمارُهُ، وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ، وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ.
حَتَّى أَوْرَى[١٠] قَبَساً لِقَابِس[١١]، وَأَنَارَ عَلَماً لِحَابِس[١٢]، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وَبَعِيثُكَ[١٣] نِعْمةً، وَرَسُولُكَ بِالْحقِّ رَحْمَةً.
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً[١٤] مِنْ عَدْلِكَ، وَاجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ.
اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بَنَاءِ الْبَانِينَ بَنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ[١٥]، وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ، وَآتِهِ الْوَسِيلَةَ، وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ[١٦] وَالْفَضِيلَةَ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ غَيْرَ خَزَايَا[١٧]، وَلاَ نَادِمِينَ، وَلاَ نَاكِبِينَ[١٨]، وَلاَ نَاكِثِينَ[١٩]، وَلاَ ضَالِّينَ، وَلاَ مَفْتُونِينَ.
وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم، إلاّ أنّنا كرّرناه هاهنا لما في الروايتين من الاختلاف.
وَقَدْ بَلَغْتُمْ منْ كَرَامَةِ اللهِ لَكُمْ مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ، وَتُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ، وَيُعَظِّمُكُمْ مَنْ لاَ فَضْلَ لَكُمْ عَلَيهِ، وَلاَ يَدَلَكُمْ عِنْدَهُ، وَيَهَابُكُمْ مَنْ لاَ يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً، وَلاَ لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ، وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللهِ مَنْقُوضَةً فَلاَ تَغْضَبُونَ! وَأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ! وَكَانَتْ أَمُورُ اللهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ، وَعَنْكُمْ تَصْدُرُ، وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ، فَمَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ، وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ، وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللهِ فِي أَيْدِيهمْ، يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ، وَيَسِيرُونَ في الشَّهَوَاتِ، وَايْمُ اللهِ، لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَب، لَجَمَعَكُمُ اللهُ لِشَرِّ يَوْم لَهُمْ!