وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُل خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                

Search form

إرسال الی صدیق
نهج البلاغة والشريف الرضي

احمد زكي

١ - خلَّف الشريف فيما خلَّف كتابا نفيسا هو « نهج البلاغة » وهو مجموعة كبيرة من الخطب والرسائل والوصايا والحكم والمواعظ المنسوبة إلى أمير المؤمنين[١].

وما أحب أن أعيد ما قلته عن أمير المؤمنين في كتاب « المدائح النبوية » ولا ما قلته عن نهج البلاغة في كتاب « النثر الفني » أو كتاب « وحي بغداد ».

وإنما يهمني أن أنشئ فصلا جديدا عن نهج البلاغة أحدد به موقع ذلك الكتاب من الأدب العربي، وأكمل به المباحث حتى تعرضت لها من قبل، وأنا بعيد كل البعد من التحيز لذلك الكتاب أو التحامل عليه.

٢ - لقد ثارت الشكوك حول نسبة محصول نهج البلاغة إلى أمير المؤمنين، وهذه الشكوك مما يشرّف ماضينا: لأنها فرع من التحقيق العلمي الذي تفوّق فيه أسلافنا أشد التفوّق، وما يجوز القول بأن تلك الشكوك قامت جميعا على أساس النزعات المذهبية، فقد كان في أسلافنا رجال لا يهمهم غير الحق ولا يستهويهم غير الصدق، ولا يرضيهم أن يزوّر التاريخ.

٣ - وقد حدثنا ابن أبي الحديد عن ألوان تلك الشكوك، وهي تلخّص في أن كثيرا من أرباب الهوى يقولون إن كثيرا من نهج البلاغة كلام محدث

صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن وغيره.

ونحن نعتب على ابن أبي الحديد بعض العتب، فإن عبارة « أرباب الهوى » لا تخلو من جفاء، وفيها غض من أقدار الباحثين الذين أرادوا أن يمسّوا نهج البلاغة بالوضع والتزييف.

٤ - والحقّ أن الأدب العربي تعرّض إلى شبهات كثيرة من هذا اللون: فقد كان للأحزاب السياسية والدينية دخل في تلوين الآثار الأدبية، وقد حدثنا بعض المؤرخين عن أشعار أضيفت إلى كثير من القبائل الجاهلية، ألم ينص صاحب الأغاني على أن يزيد بن المفرّغ هو الذي صنع الأشعار المنسوبة إلى القبائل اليمنية.

٥ - ونزاع المذاهب لم يكن أقل من نزاع القبائل، فقد وصل الخصام بين الأمويين والعلويين إلى أقصى حدود القسوة والعنف، ومن المستبعد أن يكون أنصار العلويين قد تفردوا بالتجمّل وإيثار الصدق في محاربة أعدائهم من الأمويين.

وهل يجوز أن يلتزم العلويون الصمت وهم يرون طلائع الشر تفاجئهم من كل باب.

لا يقول بذلك إلا من يجهل كيف تأرّثت نار العداوة بين الحزبين لذلك العهد، العداوة التي قضت بأن يأمر بنو أمية بسبّ عليّ فوق المنابر، وبأن ينهوا الناس عن تسمية أبنائهم باسمه وهذا الحمق السياسي غير مستغرب: فقد رأينا له شبيها في زماننا يوم أمرت إحدى الوزارات المصرية بأن لا يذكر اسم سعد زغلول في الجرائد فالذي يتّهم الشيعة بأنهم أنطقوا عليّا بأقوال لم يقلها ليؤيدوا قضيتهم

المذهبية لا يبعد في حكمه عن الروح الذي كان سرى في الخصومات السياسية لتلك العهود.

٦ - ولهذا الرأي شاهد من التاريخ: فقد أسرف الشيعة في تحقير يزيد حتى صار مثلا في الرقاعة والسّخف، ومع ذلك رأينا من يرفع يزيد إلى صفوف العظماء، كالذي صنع مؤلف « نجباء الأبناء » فهو يرد قالة بقالة، ليرفع عن يزيد إصر الأراجيف.

وعلى ذلك لا يستغرب في شرعة العقل أن تكون مناقب الأمويين والعلويين مدخولة في كثير من الشؤون وفقا لما اصطلح عليه العرف السياسي من تحقير الأعداء وتعظيم الأصدقاء.

والعرف السياسي خلقه أسلافنا، أو سلكوا فيه مسالك اليونان والرومان وهو عرف يقضي بأن لا ترى في صديقك غير الحسن، ولا ترى في عدوّك غير القبيح.

والأدب العربي مدين للإفك السياسي أكبر الدّين، فبفضل ذلك الإفك خلقت محامد ومثالب هي صور روائع من الشمائل الإنسانية، ولو خلا أدبنا من ذلك الافتعال الجميل أو البغيض لصار مثلا في العجف والهزال ٦ - وأقول بصراحة إن التزيد على أمير المؤمنين أمر واقع، وهذا التزيد يشرّف من اقترفوه، لأنه يشهد بأنهم كانوا رجالا أقوياء يعرفون كيف يتسلحون للحرب السياسية، وهي حرب لا ينهزم فيها غير من يتورعون عن الابتداع والافتعال.

وسيأتي يوم نعرف فيه أقدار الكتاب البارعين الذين أمدّوا الحرب السياسية بوقود من سحر الفصاحة والبيان، والذين أذاعوا في محصول الأدب العربي روح القوة والنضال.

٧ - التزيّد على أمير المؤمنين أمر واقع، والتنصّل منه جهل، ولكن المشكلة هي وضع « نهج البلاغة » في موضعه الصحيح.

عندنا في هذا المقام مشكلتان:الأولى عبقرية عليّ بن أبي طالب،عبقريته الخطابية والإنشائية.

والثانية ضمير الشريف الرضي.

والمشكلة الأولى تحدثت عنها في كتاب « النثر الفني » فقد كان معروفا أن ابن أبي طالب له مجموعة من الخطب، مجموعة تحدث عنها الجاحظ في مطلع القرن الثالث، وهل يعقل أن يتضيع آثار ابن أبي طالب ضياعا مطلقا وكان في زمانه وبشهادة خصومه من أفصح الخطباء.

كان علي خطيبا مفوّها، وكان كاتبا فصيحا.

فأين ذهبت آثاره في الخطابة والانشاء وهل يعقل أن تضيع آثاره وحوله أشياع يحفظون كلّ ما ينسب إليه هل يعقل أن يحفظ الناس أشعار العابثين والماجنين من أهل العصر الأموي وينسوا آثار خطيب قتل بسببه ألوف وألوف من أبطال الحروب ومن الذي يتصور أن الذاكرة العربية تحفظ أشعار النصارى واليهود وتنسى خطب الرجل الذي غسّل بدمه في يوم من أيام الفتن العمياء وإذا جاز أن يحفظ الناس ما دسّه المغرضون على أمير المؤمنين فكيف يجوز أن ينسوا اما نسب إليه على وجه صحيح وأين العقل الذي يقبل القول بأن عليّا لم يحي بيانه إلا في الآثار المفتريات أين ونحن نجزم بأن في الشيعة أنفسهم رجالا من العرب الصرحاء الذين يؤذيهم الكذب والافتعال.

وهل كان الشيعة إلا قوما تستهويهم السياسة حينا، ويأسرهم الصدق في أحايين.

لا مفرّ من الاعتراف بأن « نهج البلاغة » له أصل، وإلا فهو شاهد على أن الشيعة كانوا أقدر الناس على صياغة الكلام البليغ.

٨ - أما ضمير الشريف الرضيّ فهو عندي فوق الشّبهات، وهو قد خدم التشيّع بالصدق لا بالافتراء، فان كان جمع آثار علي بن أبي طالب خدمة سياسية لمذهب التشيّع فهو ذلك، ولكنها خدمة أدّيت بأسلوب مقبول هو إبراز آثار أمير المؤمنين، ولا يعاب على الرجال أن يخدم مذهبه السياسي بجميع الوسائل والأساليب ما دام في حدود العقل والذوق.

فان قيل إن النقد الصحيح يشهد بأن في مجموعة « نهج البلاغة » أشياء يبعد صدورها من علي بن أبي طالب بسبب الغلوّ في العصبية، أو بسبب ضعف الديباجة، أو بسبب التكلف الذي خلت منه لغة الصدر الأول، بسبب الكلمات الاصطلاحية التي لم تشيع في ذلك العهد، إن قيل ذلك فنحن نجيب بأن إصر تلك الأشياء لا يقع على عاتق الشريف، وإنما يقع على عواتق من سبقوه من الذين طاب لهم ان ينطقوا أمير المؤمنين بأقوال رأوها تؤيد مذهبهم بعض التأييد.

أنا لا أقول بأن مجموعة « نهج البلاغة » صحيحة النسب إلى أمير المؤمنين في كل ما اشتملت عليه، ففيها فقرات وفصول ينكرها الناقد الحصيف.

ولكني أقول بأن آثار علي بن أبي طالب تعرّضت لمثل ما تعرضت له سائر الآثار الأدبية والسياسية والدينية، ثم أجزم بأن ما فات الشريف من التحقيق لم يقع عن عمد، وإنما وقع عن جهل بما تعرضت له تلك الآثار من الوضع والافتراء.

٩ - وهذا الحكم القاسي لا يطوّق به عنق الشريف إلا إن ثبت أن مجموعة « نهج البلاغة » لم تعرّض بعد وفاته للزيادات والإضافات التي توجبها النزعة المذهبية في عصور وصل فيها الكفاح السياسي إلى ابعد حدود القسوة والعنف، فان ثبت بعد البحث أنها سلمت من الزيادات فهي شاهد على أن الشريف كان يعوزه التدقيق في بعض الأحايين.

اما اتهامه بالكذب على أمير المؤمنين في سبيل النزعة المذهبية فهو اتهام مردود، ولا يقبله إلا من يجهل أخلاق الشريف.

١٠ - ومهما تكن حال « نهج البلاغة » فهو وثيقة أدبية وتاريخية وسياسية قليلة الأمثال، هو إن صحّ صورة من صور النضال السياسي في مطلع العصر الأموي، وإن لم يصح فهو أيضا صورة لذلك النضال حسبما فهمت الأجيال التي سبقت مولد الشريف، وهو كذلك ثروة أدبية ولغوية تؤرخ اللغة في ذلك العهد، أو تؤرخ ما فهم الناس انها كانت عليه في ذلك العهد، وهو أيضا يصور ما فهم العرب من أصول السياسة والمعاش وتدبير الملك في أعقاب عصر النبوّة، أو ما تمثلوه بعد ذلك من تلك الأصول.

هو في جميع الاحتمالات خدمة أدّاها الشريف إلى اللغة والأدب والسياسة والأخلاق.

وإني لأعتقد أن النظر في كتاب نهج البلاغة يورث الرجولة والشهامة وعظمة النفس، لأنه فيض من روح قهّار واجه المصاعب بعزائم الأسود.

١١ - وهناك خدمة ثانية أدّاها كتاب نهج البلاغة للغة العربية، فقد كان فرصة ثمينة لحركة الافهام والعقول.

ألا تعرفون شرح ابن أبي الحديد إن ذلك الشرح هو من ذخائر اللغة العربية: ففيه فوائد أدبية ولغوية وتاريخية وفقهية لا يستهين بها إلا الغافلون عما في ماضينا الأدبي والعلمي من أطايب وفرائد وآيات.

١٢ - فإن ذكرتم أن نهج البلاغة شرح نحو أربعين مرة، وإن ذكرتم أن فيه فصولا ترجمت إلى بعض اللغات الشرقية والغربية، وإن ذكرتم أنه فتح أمام النقد أبوابا ومذاهب، وإن ذكرتم أن له فضلا على أكثر الفصحاء من الخطباء، وإن ذكرتم أنه اشهر مجموعة وأكبر مجموعة حفظة منسوبة إلى عصر الخلفاء، وإن ذكرتم أن له شرق وغرب ولم تخل منه مكتبة عربية أو أعجمية من المكتبات التي تستوفي أصول المراجع، وإن ذكرتم أن مفنّديه لم ينكروا قيمته الأدبية... إن ذكرتم كل هذه الخصائص عرفتم أن الشريف خدم الأدب واللغة والأخلاق بجمع أصول ذلك الكتاب الفريد، وصدق أبو فراس حين قال:

ومن شرفي أن لا يزال يعيبني                حسود على الأمر الذي هو عائب

زكي مبارك

مصر الجديدة في الثامن من صفر سنة ١٣٥٩

من كتاب عبقرية الشريف الرضي

----------------------------------------------
[١] . أمير المؤمنين هو اللقب الاصطلاحي لعلي بن أبي طالب، فان رأى القارئ هذا اللقب في كتاب قديم من غير نص على اسم الملقب به فليعرف أن المراد هو علي بن أبي طالب، وإذا رأيت بين الأسماء اسم عبد الأمير فاعرف أن المراد عبد علي بن أبي طالب.
****************************