وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَد، خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                

Search form

إرسال الی صدیق
أدب الوصايا في نهج البلاغة قراءة في خصائص الأسلوب

أ. م د. مزاحم مطر حسين

كلية التربية/ جامعة القادسية

الخلاصة :

الوصايا من الفنون النثرية التي حرصت مدونات الأدب العربي على أن تفسح لها مساحة واسعة في صفحاتها ، وأن تخصص لها أبواباً مستقلة تعبيرا منها عن الأهمية البالغة التي تتمتع بها ، فهي زبدة المخاض العسير، وخلاصة التجارب الطويلة ، يصوغها الحكماء من هذه الأمة أقوالا، ليقدموها لمن أراد الانتفاع منها ، فيأخذوا الخبرة وقد كُفوا معاناة مكابدتها .

وقد عُنيت هذه الدراسة باستقراء وصايا رجل من رجال هذه الأمة التي عُرف من بينها بالحكمة وشجاعة القول والعمل وهما قلّما يتهيأن لرجل ، فذهبت الدراسة أولا إلى تقصي عناية كتب التراث بوصايا الإمام علي (ع) عموماً، ثم عكف على دراسة وصايا الواردة في نهج البلاغة خصوصاً ، فأحصت الدراسة الأنواع الفنية التي وردت عليها وصايا الإما ، ثم ذهبت إلى استقراء أهم الخصائص الأسلوبية التي تمتعت بها نصوص الوصايا .

تمهيد:

الوصايا من الفنون الأدبية الموروثة التي تشغل مساحة بارزة من كتب التراث، وتتميز بمكانة مرموقة بينها ، وقد عُني بها الأدب العربي منذ القدم؛ لما تتضمنه تلك الوصايا من قيم وأفكار، فهي خلاصة مكثفة لتجارب عميقة في مختلف شؤون الحياة

ويمكن تعريف الوصية بأنها(لون من الكلام فيه توجيه وإبلاغ) (١) وأنّ محورها (يدورعلى إثارة المشاعر لفعل الخير وتجنّب الشر) (٢) فهي إذن كلام مستخلص من تجارب الحياة، غالباً ما يتفوّه بها من عُرف بين الناس بالحكمة، لينتفع بها من تُلفى إليه ، ويتجنّب الوقوع في الأخطاء .

ولكل وصية ثلاثة ركائز أساسية: المُوصى، والمُوصى إليه، والشيء المُوصى به .

ولعل الركن الأول هو العنصرالذي يُكسب الوصايا أهميتها ولذا لابد أن يكون(المُوصي) ممن رُزق القدرة والتمكن من ناصية القول؛ ليتمكن من إعطاء خلاصة مركزة عن تجربته الذاتية .

ومن هنا تأتي أهمية هذا الموضوع الذي نحن بصدد دراسته؛ إذ لا مشاحة في أن صاحب نهج البلاغة هو من هو في فن القول وقد شهد له بذلك القاصي والداني ولعل الجاحظ ( ت ٢٥٥ هـ) قد اختصرالقول علينا حينما تحدث عن خطابة الخلفاء الأربعة ، إذ رأى أ كلهم كان خطيبا(وكان علي أخطبهم) (٣) .

وصايا الإمام علي (ع) في كتب التراث الأدبي:

وقد التفت مدونو الأدب منذ وقت مبكر إلى أهمية أدب الوصايا على نحو عام ووصايا الإمام علي(ع) على نحو خاص ؛ فاتجهت عنايتهم لأفراد الأبواب الخاصة بأدب الوصايا فأفسحوا لها المجال في مصنفاتهم واعتنوا بهذا الأدب عناية بارزة لا تقل عن عنايتم بالفنون الأدبية الأخرى، ثم إنك لا تجد كتابا من هذه الكتب التي أفردت بابا خاصا لأدب الوصايا إلا وجدت ذلك الكتاب قد احتفل على نحو خاص بوصايا الإمام علي(ع) فأدرجها في الباب الذي خصصه لأدب الوصايا، وفي هذا ما ينبئ بما تتبوأه تكلم الوصايا من أهمية لدى كتّاب الأدب، ولعل من أقدمهم في هذا الشأن سهل بن محمد بن عثمان الجشمي السجستاني(٢٤٨هـ) فقد ألف كتاب (المعمرون والوصايا) وأورد بعض وصايا الإمام (ع) ومنها :

وصيته للحسن والحسين(عليهما السلام) وهي :

(أوصيكما بتقوى الله ، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ، ولا تبكيا على شيء منها زوي عنكما، قولا الحق، وارحما اليتيم ، وأعينا الضائع ، وأضيفا الجائع ، وكنا للظالم خصما ، وللمظلوم عونا ، ولا تأخذكما في الله لومة لائم.

ثم نظر إلى ابن الحنفية، فقال: - هل فهمت ما أوصيت به أخويك ؟ قال : نعم .

قال : أوصيك بمثله ، وأوصيك بتوقير أخويك ، وتزيين أمرهما ، ولا تقطع أمرا دونهما . وقال لها : أوصيكما به ، فإنه شقيقكما ، وابن أبيكما ، وقد علمتما أن أباكما كان يحبّه ، فأحبّاه.) (٤) .

كما أورد وصيته للإمام الحسن (ع) : (هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب ، أوصى أنه يشهد أن لا إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأن محمد عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين .

 وإني أوصيك يا حسن وجميع ولدي ومن بلغع هذا بتقوى الله رربكم ، ولا تموتّن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، فإني سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صلاح ذات البين أفضل من عام الصيام والصلاة، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون عليكم الحساب، والله الله في الأيتام، فلا تغيّرنَ أفواهم بحضرتكن، والله، الله في الضَّعيفين، فإن آخرما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال : أوصيكم بالضعيفين خيرا .

والله الله في القرآن فلا یسبقکم بالعمل به غیرکم، والله الله في الصلاة ، فإنها عمود دينكم، والله ،والله في الزكاة فإنها تطفئ غضب ربكم عنكم ، والله الله في صيام رمضان فإن في صيامه جنَّة لكم من النار، والله ، والله في الحج فإنّ بيت الله أذا خلا لم تناظروا، والله، الله في الفقراء والمساكين ، فشاركوهم في معايشكم وأموالكم .

عليكم يا ينيّ بالبر والتواصل والتبار، وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرّق، وتعاونوا على البّر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، حفظكم الله من أهل بيت ، وحفظ فيكن نبيَّكم ، صلى الله عليه وسلم) (٥) .

وألفّ المبرد(٢٨٦هـ) كتاب  (التعازي والمراثي) وأفرد فيه بابا للوصايا وأورد فيه وصية الإمام (ع) للحسن والحسين (عليهما السلام):

(إني أوصيكما بتقوى الله ، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ، ولا تبكيا على شيئ منها زوي عنكما .

قولا الحق، ارحما اليتيم، وأعينا الضالع، واصنعا للآخرة ، وكونا للظالم خصماً ، وللمظلوم عوناً ، ولا تأخذكما في الله لومة لائم .

ثم نظر إلى ابن الحنفية فقال له : فهمت ما أوصيت به أخويك ؟ قال : نعم .

قال : أوصيك بمثله ، وأوصيك بتوقير أخويك ، وتزيين أمرهما ، ولا تقطع أمراً دونهما ثم قال : وأوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما ، وقد علمتما أن أباه كان يحبه فأحباه (٩) .

وممن افرد بابا لأدب الوصايا واحتفل فيه بوصايا الإمام (عليه السلام) ابن عبد البر( ٤٦٣هـ) صاحب متاب (بهجة المجالس وانس المجالس) فقد خصص بابا بعنوان (باب الوصايا الموجزة) أورد فيه بعض وصايا الإمام قائلا : (كان علي بن أبي طالب أراد أن يستعمل رجلا دعاه فأوصاه ، وقال : عليك بتقوى الله الذي لابد من لقائه ، ولا منتهى لك دونه ، فإنه يملك الدينا والآخرة ، وعليك فيما امرك به بما يقربك من الله ، فإن ما عنده خلف من الدنيا.) (٧) .

كما ذكر أحدى وصايا الإمام لابنه الحسن (ع) (قال عليّ بن أبي طالب في وصيته لابنه : لا مال أعوذ من العقل ، ولا فقر أشدّ من الجهل ، ولا وحدة أوحش من العجب ، ولا مظاهرة كلمشاورة ، ولا حسب كحسن الخلق( (٨) .

أما ابن حمدون (٥٦٢هـ) صاحب (التذكرة الحمدونية) فقد خصص الباب الخامس عشر للعهود والوصايا، وتحدث عن أهمية وصية الإمام لابنه الحسن (ع) وشهرتها وما فيها من الآداب والحكم قائلا : ( وأما علي بن أبي طالب عليه السلام فله وصية طويلة مشهورة إلى ابنه الحسن ، وفيها حكم وآداب قد ضمنت هذا الكتاب بعضها في أماكن منه متفرقة ) (٩) .

كما نقل لنا إحدى وصايا الإمام لابنه محمد ابن الحنفية قائلا : (وله وصية كتبها إلى ابنه محمد بن الحنفية : أن تفقه في الدين وعود نفسك الصبرعلى المكروه ، وكل نفسك في أمورك كلها إلى الله ، فإنك تكلها إلى كاف حريز ومانع عزيز.

وأخلص المسالة لربك فإن في يده العطاء والحرمان ، وأكثر الاستخارة لله والاستنجاد به .

واعلم أن من كان مطيته الليل والنهار يسار به وإن كان لا يسير، وأن الله تعالى قد أبى الإ خراب الدنيا وعمارة الآخرة ، فإن تزهد فيها زهدك كله فلعل ذلك يقيك .

وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فاعلم علماً يقيناً أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك ، فإنك في ديوان من كان قبلك ، فأكرم نفسك عن كل دنية ، وإياك أن ساقتك إلى رغب فإنك لن تعتاض بما ابتذلت من نفسك .

وإياك أن توجف بك مطايا الطمع وتقول : متى ما أؤخره يذهب ، فإن هذا أهلك من هلك قبلك ، وأمسك عليك لسانك ، فإن تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراك ما فان من نطقك .

واحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء ، فحسن التدبير مع الاقتصاد أكفى لك من الكثير مع الفساد ، والعفة مع الحرفة خير من السرور مع الفجور. والمرء أحفظ لسره . ورب ساع في ما يكره . وإياك والاتكال على الأماني فإنها بضائع النوك وتثبيط عن الآخرة والأولى . ومن خير حظ قرين صالح ، فقارن أهل الخير تكن منهم ، وباين أهل الشرتبن منهم ، ولا يغلب عليك سوء الظن فإنه لايدع بينك وبين خليل صلحاً .

أذك قلبك بالأدب كما تذكى الناربالحطب ، واعلم أن كفرالنعمة لؤم ، وصحبة الأحمق شؤم ، ومن الكرم منع الحرم . ومن حلم ساد ، ومن تفهم ازداد .

امحض أخاك النصيحة ، حسنة كانت أو قبيحة ، ولا تصرمه على ارتياب ، ولا تقطعه دون استعتاب .

وليس جزاء من يسرك أن تسوءه . الرزق رزقان : رزق تطلبه ورزق يطلبك وإن لم تأته أتاك.

واعلم يا بني أن مال كل من دنياك إلا ما أصلحت به مثواك . فأنفق من خيرك ، ولا تكن خازناً لغيرك .

وإن جزعت على ما تفلت من يدك ، فاجزع على ما لم يصل إليك . وربما أخطا البصير قصده ، وأبصر الأعمى رشده .

لم يهلك امرؤ اقتصد، ولم يفتقرمن زهد . من ائتمن الزمان خانه ، ومن تعظم عليه أهانه . ورأس الدين اليقين ، وتمام الإخلاص اجتناب المعاصي . وخير المقال ما يصدقه الفعال.  سل عن الرفيق قبل الطريق ، وعن الجار قبل الدار. واحمل لصديقك عليك ، واقبل عذرمن اعتذار إليك . وأخر الشر ما استطعت فإنك إذا شئت تعجلته .

ولا تكوننّ على قطيعة أقوى منك على صلة ، وعلى الإساة  أقوى منك على الإحسان .

لا تملكنّ المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها ، فإن المرأة ريحانة ، وليست بقهرمانة ، فإن ذلك أصلح لحالها .

واغضض بصرها بسترك ، واكففها بحجابك . وأكرم الذين بهم تصول ، فإذا تطاولت فبهم تطول .

أسأل الله أن يلهمك الرشد ، ويقويك على العمل بكل جميل ، ويصرف عنك كل محذور برحمته ، والسلام عليك) (١٠) .

ويأتي أسامة بن منقذ( ٥٨٤ هـ) بعد ذلك ليؤلف كتاب( لباب الآداب) فيخصص بابا مستقلا لأدب الوصايا تحت عنوان (باب الوصايا) ليورد فيه وصية الإمام لولده الحسن (ع) عندما دخل عليه باكيا بعدما ضربه ابن ملجم ( فقال: ما يبكيك يا بني ؟ قال : وما لي لا أبكي ، وأنت في أول يوم من الآخرة وآخر یوم من الدنيا ؟! قال يا بني ، احفظ عني أربعاً وأربعاً ، لا يضرك ما عملت معهن .

قال : وما هن يا أبَه ؟ قال : " أغنى الغنى العقل ، وأكبر الفقرالحمق ، وأوحش الوحشة العُجب ، وأكرم الحسب حسن الخُلق ". قال يا أبَهْ هذه الأربع فأعطني الأربع . قال : " يا بني ، إياك ومصادقة الكذاب ؛ فإنه يقرّب عليك البعيد، ويبعد عليك القريب .

وإياك ومصادقة الأحمق ؛ فإنه يريد أن ينفعك فيضرك .

وإياك ومصادقة البخيل ؛ فإنه يقعد عنك أحوْج ما تكون إليه .

وإياك ومصادقة الفاجر، فإنه يبيعك بالتافه) (١١).

أما النويري (٧٣٣ هـ) صاحب كتاب (نهاية الأرب في فنون الأدب) فقد اعتني بأدب الوصايا بتخصيص أكثر من موضع من كتابه للحديث عنه ، كما هو الحال في القسم الخامس من الجزء السادس الذي جعله في الملك وما يشترط فيه وما يحتاج اليه ، إذ جعل الباب الرابع تحت عنوان (في وصايا الملوك) ذكر فيه مجموعة من وصايا من عُرف بالحكمة ، ثم اتجه للحديث عن وصايا الإمام (ع) قائلا: (ولم أر فيما طالعته من هذا المعنى أجمع للوصايا ول أشمل من عهدٍ كتبه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلى مالك بن الحارث الأشتر حين ولاّه مصر، فأحببت أن أورده على طوله وآتي على جملته وتفصيله ، لأن مثل هذا العهد لا يهمل ، وسبيل فضله لا يجهل) (١٢) .

ثم أخذ بسرد النص بطوله .

وممن عقد بابا الوصاية ابن عاصم (٨٢٩ هـ) صاحب كتاب(حدائق الأزاهر في مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر) فقد جعل الحديقة الرابعة تحت عنوان (في الوصايا والحكم) وقد أورد فيه إحدى وصايا الإمام علي بن أبي طالب (ع) التي يذهب فيها الإمام أنه لا راحة لحسود ، ولا إخاء لملول، ولا محب لسيئ الخلق (١٣) (٩).

أما الابشيهي (٨٥٢هـ) صاحب كتاب ( المستطرف في كل مستظرف) فقد جعل الباب الثاني عشر(في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك) وقد أورد في هذا الباب وصية الإمام للحسن والحسين (ع) : (اوصيكما بتقوى الله تعالى ، والرغبة في الآخرة ، والزهد في الدنيا ، ولا تأسفا على شيء فاتكما منها ، فإنكما عنها راحلان. افعلا الخير وكونا للظالم خصماً ، وللمظلوم عوناً ، ثم دعا محمداً ولده وقال له : أما سمعت ما أوصيت به أخويك ، قال : بلى قال : فإني أوصيك به ، وعليك ببرّ أخويك وتوقيرهما، ومعرفة فضلهما ، ولا تقطع أمراً دونهما ، ثم أقبل عليهما وقال : أوصيكما به خيراً ، فإنه أخوكما وابن أبيكما وأنتما تعلمان أن أباه كان يحبه ، فأحباه ، ثم قال : يا بني أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة ، وكلمة الحق في الرضا والغضب ، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل ، والرضا عن الله في الشدة والرخاء يا بني ما شر بعده الجنة بشر، ولاخير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية ، يا بني من أبصر عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره ، ومن رضي بما قسم الله له لم يحزن على ما فاته ، ومن سل سيف البغي قتل به ، ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها ، ومن هتك حجاب أخيه هتكت عورات بنيه ، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره ، ومن أعجب برأيه ضل ، ومن استغني بعقله زل ، ومن تكبرعلى الناس ذل ، ومن خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل السوء التهم ، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به ، ومن أكثر من شيء عرف به ، ومن كثر كلامه كثرخطؤه وقل حياؤه ، ومن قل حياؤه قل ورعه ، ومن قل ورعه مات قلبه ، ومن مات قلبه دخل النار

يا بني الأدب ميزان الرجل ، وحسن الخلق خير قرين ، يا بني العافية عشرة أجزاء : تسعة منها في الصمت إلا عن ذكرالله تعالى ، وواحدة في ترك مجالسه السفهاء ، يا بني زينة الفقر الصبر، وزينة الغنى الشكر، يا بني لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعزمن التقوى ولا شفيع أنجح من التوبة،ولا لباس أجمل من العافية.

يا بني الحرص مفتاح التعب ومطية النصب) (١٤) .

كانت هذه إطلاقه على وصايا الإمام علي (ع) في الكتب الأدبية التي أفردت أبوابا خاصة لأدب الوصايا ، تبين من خلالها الاهمية التي تتمتع بها هذه الوصايا في كتب التراث الأدبي .

ونريد الآن أن نتوجه لتفحص وصايا الإمام في نهج البلاغة على نحو الخصوص.

الأنواع الفنية للوصايا في نهج البلاغة:

تضمن نهج البلاغة نصوصا قيمة تتدرج تحت أدب الوصايا مبثوثة في الخطب والرسائل والحكم القصيرة، ويمكن إرجاع الوصايا الوردة في نهج البلاغة إلى الأنواع الآتیة :

أولا: وصايا التأديب والإرشاد : وهس الوصايا التي نحت منحى النصح والإرشاد والتوجيه والموعظة، ويمكن تقسيم هذه الوصايا على قسمين اثنين :

١ – ما جاء بلفظ الوصية : وهي الوصايا التي تضمنت لفظ الوصية أوأحد مشتقاتها ، ونجدها متكررة في الخطب التي كان الإمام (عليه السلام) يرتجلها أمام الناس ، وتكون هذه الوصية مصدره بعبارة (أوصيكم) ثم يتبعها الإمام بالشيء الموصى به ، يعقب ذلك تعليل وتوضيح وشرح لسبب ذلك الأمرالمتقدم .

فأسلوب هذه الوصاية التأديبية يجري على النسق الآتي :

أوصيكم + الشيء الموصى به + التعليل

ومن أمثله هذا النوع من الوصايا ما ورد في الخطبة (الغراء) إذ يقول الإمام بعد حمدالله والثناءعليه : (أوصِيكُمْ عَبَادَ اللهِ بتَقْوَى اللهِ الَّذي ضَرَبَ لكُمُ الأمثال ، وَوَقَتَ لكُمُ الآجال ، وَأَلْبَسَكُمُ الرَّيَاشَ ،وأرفع لكُمُ المَعَاشَ ،وَأحَاط بكُمُ الإحصاء ، وَأرْصَدَ لكُمُ الْجَزَاءَ ،وَآثرًكُمْ بالنَّعَم السَّوَابغِ وَالرَّفدِ الرَّوافِغ ،وَأنْذرَكُمْ بالْحُجَج الْبَوَالِغ ، فأحْصَاكُمْ عَدَداً ،ووَظَّفَ لكُمْ مُدَداً ،فِي قرَارخِبْرَة ،وَدَارعِبْرَة ، أنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا وَمُحَاسِبِونَ عَلْيهَا) (١٥) .

ثم ذهب إلى تنفيرالناس من الدنيا، وتذكيرهم بالبعث بعد الموت ، وتنبيه الخلق وتذكيرهم بضروب النعم، والتحذير من هول الصراط ، ثم عاد الإمام إلى الوصية بالتقوى مرة أخرى قائلا :

(أوصِيكُمْ بتَقْوَى اللهِ الَّذِي أعْذرَبمَا أنْذرَ،وَاحْتَجَّ بمَا نَهَجَ ،وَحّذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذ فِي الصَّدُورِخَفيِّاً ، ونَفَثَ فِي الآذان نَجِيَاً ، فأضّلَّ وَأرْدَى ، وَوَعَدَ فمَنَّى ،وَزيَّنَ سَيَّئَاتِ الْجَرَائِمَ ، وَهوَّنَ مُوبقَاتِ العَظائم ، حَتَّى إذا اسْتَدْرَجَ قرينَتَهُ ، وَاستَغْلَقَ رَهِينَتَهُ ، أنْكَرَمَا زَيَّنَ ، وَاسْتَعْظمَ مَا هَوَّنَ ، وَحَذَرَمَا أمَّنَ ) (١٦) .

ومن خطبة له (عليه السلام) في التزهيد من الدنيا : (أوصيِكُمْ عِبادَ اللهِ بالرَّفض لِهذه الدّْنيَا التَّاركَةِ لكُمْ وَإنْ لَمْتُحِبَّوا تَرْكَهَا ، وَالْمُبْلِيَة لأجسامكم وَإنْ كُنْتُمْ تُحِبَّونَ تَجْدِيدَهَا ، فإنَّمَا مَثلُكُمْ وَمثلُهَا كَسَفْرسَلكُوا سَبيلاً فكَأنَّهُمْ قدْ قطعُوهُ وَأمّوا عَلماً فكاأنَّهُمْ قدْ بَلغُوهُ وَكَمْ عَسَى الْمُجْري إلى الْغَايَةِ أنْ يَجْريَ إليْهَا حَتَّى يَبْلُغهَا ! وَمَا عَسَى أنْ يَكُونَ بَقاءُ مَنْ لهُ يَوْمٌ لاَ يَعْدوهُ ، وَطالِبٌ حَثِيثٌ من الموت يَحْدُوهُ ، ومزعج فِي الدَّنُيَا حَتَّى يُفارقهَا رغما عنه) (١٧) .

والأمثلة على هذا النوع من الوصايا متعددة (١٨)

٢ – ما لم يأت بلفظ الوصية : وهي مجموعة من التعاليم والوصايا لم يرد فيها لفظ الوصية أو أحد مشتقاتها صراحة ؛ غير أنها تدورفي إطار الوصايا ذاته ، وتتمتع بميزاتها ، وهو ما حدا بالشريف الرضي إلى أن يسلكها في سلك الوصايا تحت عنوان الوصية في مواضع متعددة من نهج البلاغة ، وقد وردت هذه المجموعة بصورتين :

١ – وصايا الأفراد : وهي مجموعة من الوصايا أسداها الإمام إلى أشخاص معينين معروفين بأسمائهم وشخوصهم ، تتناسب هذه الوصايا مع ظروفهم وتكاليفهم المنوطة لبهم .

ومن أمثله وصايا الأفراد وصيته لعبد الله بن العباس عند استخلافه إياه على البصرة : (سَعِ النَّاسَ بوَجْهكَ وَمَجْلِسِكَ وَحُكْمِكَ ، وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فإنَّهُ طيْرَهٌ مِنَ الشَّيْطان وَاعْلمْ أنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اللهِ يُبَاعِدُكَ مِنْ النَّار، وَمَا بَاعَدَكَ مِنَ اللهِ يُقَرَّبُكَ مِنَ النَّار) (١٩) .

ومن أمثلها وصيته لابن عباس أيضا عندما بعثه للاحتجاج على الخوارج : (لاَ تخَاصِمْهُمْ بالْقرْآن ، فإنَّ الْقرْآنَ حَمَّالٌ ذَو وُجُوه ، تَقْولُ وَيَقْولُونَ ، وَلكِنْ حاجّهُمْ بالسَّنَةِ ، فإنَّهُمْ لنْ يَجِدوا عَنْهَا مَحِيصاً) (٢٠).

ومن مثلها ما وصيّ به شريح بن هانئ لما جعله على مقدمته إلى الشام : (اتَّق اللهَ فِي كُلَّ صَبَاح وَمَسَاء ، وَخَفْ عَلى نَفْسِكَ الدَّنْيَا الْغَرُورَ، وَلاَ تَأمَنْهَا عَلى حَال ، وَاعْلمْ أنَّكَ إنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِير مِمَّا تُحِبُّ ، مَخافة مَكْرُوهِهِ ، سَمعَتْ بكَ الأهواء إلَى كَثيِرمِنَ الضَّرَر. فكُمْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادعاً ، وَلِنَزْوَتِكَ عِنْدَ الْحَفِيظةِ وَاقِماً قامعِاً ) (٢١) .

ومن أمثلتها أيضا وصيته لمعقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدّمة له : (اتَّق اللهَ الَّذي لاَبُدّ لكَ مِنْ لِقائِهِ ، وَلاَ مُنْتَهَى لكَ جُونَهُ ، وَلاَ تُقاتِلَنَّ إلاَّ مَنْ قاتَلكَ ، وَسِرالْبَرْدَيْن ، وغَوَّربالنَّاس ، وَرفَّهْ فِي السَّيْر، وَلاَ تَسِرْأوَّلَ اللَّيْل ، فإنَّ اللهَ جَعَلهُ سَكَناً ، وَقدَّرَهُ مُقاماً لاَظَعْناً ، فأرحُ فِيهِ بَدَنكَ ، وَرَوَّح ظَهْرَكَ ، فإذا وَقفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ السَّحَرُ، أوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ، ففسِرْ عَلَىِ بَرَكَةِ الله ِ، فإذا لقِيتَ الْعَدُوَّ فقِفْ مِنْ أصْحَابكَ وَسطَاً ، وَلاَ تَدْنُ مِنَ الْقَوْم دُنُوَّ مَنْ يُريدُ أنْ يُنشِبَ الْحَرْبَ ، وَلاَ تَبَاعَدْ منهم تَبَاعُدَ مَنْ يَهابُ الْبأسَ، حَتَّى يَأتِيَكَ أمرْي ، وَلاَيَحْمِلتَّكُمْ شَنآنُهُمْ عَلى قِتَالِهمْ ، قبْلَ دُعَائِهمْ وَالاْعذارإليْهمْ) (٢٢).

٢- وصايا الجماعات: وهي مجموعة من الوصايا وجهها الإمام إلى فئات من الناس يربطهم رباط واحد ، كالجيوش وعمال الصدقات ، ومن أمثلتها هذه الوصية التي كان الإمام يكتبها لمن يستعلمه على الصدقات :

(انَطلِقْ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لهُ ، وَلاَ تُرَوَّعَنَّ مُسْلِماً وَلاَتَجْتَازَنَّ عَليْهِ كَارهاً ، وَلاَ تأخُذنَّ مِنْهُ أكثرَمِنْ حَقَّ اللهِ فِي مَالِهِ . فإذا قدِمْتَ عَلى الْحَيَّ فأنْزلْ بمَائِهمْ مِنْ غَيْرأنْ تُخَالِط أبْيَتَهُمْ ، تُمَّ انْض إلَيْهمْ بالسَّكِينَةِ وَالْوَقار، حَتَّى تَقوُمَ بَيْنَهُمْ فتُسَلّمَ عَليْهمْ ،وَلاَ تُخْدِجْ بالتَّحِيَّةِ لهُمْ ، ثُمَّ تَقَولَ : عِبَادَ اللهِ أرْسَلنِي إلَيْكُمْ وَلِيّ الله وَخَليِفتُه ، لآخذ مِنْكُمْ حَقَّ الله فِي أمْوَالِكُمْ ، فهَلْ لِلهِ فِي أمْوَالِكُمْ مِنْ حَقّ فتُؤَدّوهُ إلّى وَلِيَّهِ ؟ فإنْ قائِلٌ : لاَ، فلاَ تُرَاجِعْهُ ، وَإنْ أنْعَم لَكَ مُنْعِمٌ فأنْطلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْر أنْ تُخِيفَهُ أوْتُوعِدَهُ أوْ تَعْسِفَهُ أوْتُرْهِقهُ ، فخُذْ مَا أعْطاكَ مِنْ ذَهَب أوْفِضَّة، فإنْ كَانَتْ لَهُ مَاشِيَةَ أوْ إبلٌ فلاَ تَدْخُلْهَا إلاَّ بإذنِهِ ، فإنَّ أكْثرَهَا لَهُ، فإذا أتَيْتَهَا فلاَ تَدْخُلْها دُخُولَ مُتَسَلَّط عَلَيْهِ وَلاَ عَنيِف بهِ ، وَلاَ تُنَفّرَنَّ بَهيمَة وَلاَ تفْزعَنَّهَا  وَلاَ تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا ، وأصدع الْمَالَ صَدْعَيْن ، ثُمَّ خَيَّرْهُ ، فإذا اخْتَارَ فلاَ تَعْرضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ ، ثُنَّ أصدع الْبَاقيَ صَدْعَيْن ، تُمَّ خّيَّرْهُ فإذا اخْتَار فلاَ تَعْرضَنَّ لِماَ اخْتَارَ، فلاَ تَزَالُ بِذلِكَ حَتَّى يَبْقى مَا فِيِه وَفاءٌ لِحَقَّ اللهِ فِي مَالِهِ فاقبضْ حَقَّ اللهِ مِنْهُ ، فإن استْتَقَالكَ فأقِلهُ ، تُمَّ اخْلِطْهُمَا ، تُمَّ اصْنَعْ مِثلَ الَّذِي صَنَعْتَ أوَّلاَ حتَّى تأخُذ حَقَّ اللهِ فِي مَالِه .

وَلاَ تَأخُذنَّ عَوْداً ، وَلاَ هَرمَة ، وّلاَ مَكْسُورَةَ ، وَلاَ مَهلُوسَةَ ، وَلاَ ذاتَ عَوَار. وَلاَ تَأمَننَّ عَليْهَا إلاَّ مَنْ تَثِقُ بِدينِهِ ، رَافقاً بمَال المُسْلِمِينَ حَتَّى يُوصِلهُ إلَى وَلِيَّهمْ فيَقِسِمَهُ بَيْنَهُمْ . وَلاَ تُوَكَّلْ بهَا إلاَّ نَاصِحاً شَفِيقاً ، وَأمِناً حَفِيظاً ، غَيْرَمُعَنَّف وّلاّ مُجْحِف ،وّلاَ مُلْغِب وَلاَ مُتْعِب. فإذا أخذهَا أمِينُك فأوْعِزْ إلَيْهِ : ألاَّ يَحُولَ بَيْنَ نَاقة وَبَيْنَ فصِيلهَا ، وَلاَ يَمْصُرَلَبَنَهَا فيَضُرَّ ذلِكَ بوَلَدِهَا ، وَلاَ يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً ، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذلِكَ وَبَيْنَهَا ، وَلْيرَفَّهْ عَلَى اللاَّغِبِ ، وَلْيَسْتَأن بالنَّقِبِ وَالظاَّلِع ، وّلْيوردْهَا مَا تَمُرَّ بِهِ مِنَ الْغُدُر، وّلاَ يَعْدِلْ بهَا عَنْ نَبْتِ الأرض إلى جَوَادَّ الطرُق ، وَلْيُرَوَّحْهَا فِي السَّاعَاتِ ، وَلْيُمْهِلْهَا عِنْدَ النَّطافِ والأعشاب ،حَتَّ تأتِيَنَا بإذْن اللهِ بُدَغيّناً مُنْقِيَات ، غيْرَ مُتْعَبَات وَلاَ مَجْهُودَات ، لِنقْسِمَهَا عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبيَّهِ(عليه السلام) فإنَّ ذلِكَ أعْظَمُ لأجرك ، وَأقَرَبُ لِرُشْدِكَ ، إنْ شَاءَ اللهُ) (٢٣) .

ومن أمثلتها هذه الوصية التي وصيّ بها الإمام (عليه السلام) جيشاً بعثه إلى العدو(فإذا نزَلتُمْ بعَدُوّ أوْنَزَلَ بكُمْ ، فلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قبْل الأشراف ، أوْ سِفَاح الْجِبَال ، أوْأتْنَاءِ الأنهار، كَيْما يَكُونَ ردْءاً ، وَدُونَكُمْ مَرَدّاً ، وَلْتَكُنْ مُقَاتَلَاُكُمْ مِنْ وَجْه وَاحِد أواثنيْن ، واجْعَلُوا لَكُمْ رُقبَاءَ فِي صَيَاصِي الْجبَالِ، وَمنَاكِبِ الْهضَاب ، لِئلاَّ يَأتِيَكُمُ الْعَدُوَّ مِنْ مَكَان مَخَاففة أوْأمْن . وَاعْلَمُوا أنَّ مُقدَّمَة الْقَومِ عُيُونُهُمْ ، وَعُيُون الْمُقدَّمَةِ طلاَئعُهُمْ .

وَإيَّاكُمْ وَالتَّفَرّقَ ، فإذا نَزَلْتُمْ فانْزلُوا جَمِيعاً ، وَإذا ارْتحَلْتُمْ فارْتِحِلُوا جَميِعاً ، وَإذا غشيِكُمُ اللَّيْلُ فاجْعَلُوا الرَّمَاحَ ، وَلاَ تَذوقوا النَّوْمَ إلاَّ غِرَاراً أوْ مَضْمَضَة ) (٢٤).

ثانيا : وصايا الوفاة :

أما النوع الثاني من الوصايا التي تضمنها نهج البلاغة فهي وصايا الوفاة ونقصد بها تلك الوصايا التي عادة ما يتفوه بها المرء قبيل شعور باقترابه من نهاية الحياة وفي ساعة الاحتضار وقرب الأجل .

ومن أمثلتها هذه الوصية التي قاله الإمام عليه السلام قبل شهادته : (أيَّهَا النَّاسُ ، كُلّ امرئ لاَق مَا يَفِرّ مِنْهُ فِي فِرَارهِ ، والأجل مَسَاقُ النَّفْس ، وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافاتُهُ . كَمْ أطرْدَتُ الأيام أبْحَتُهَا عَنْ مَكْنُون هذا الأمر، فأبَى اللهُ إلاَّ إخْفَاءَهُ هَيْهَاتَ ! عِلْمٌ مَخْزُونٌ !

إمَّا وَصِيَّتِي : فاللهَ لاَ تُشرْكُوا بهِ شَيْئاً ، وَمُحمَّداً فلاَ تُضَيَّعُوا سُنَّتَهُ ، أقِيمُوا هذيْن الْعَمُودّيْن ، وَأوْقِدُوا هذيْن الْمِصْبَاحَيْن ، وَخَلاَكُمْ ذمّ مَالَمْ تَشْرُدُوا، حُمَّلَ كُلّ امرئ مَجْهُودَهُ ، وَخُفَّفَ عَن الْجَهَلَةِ رَبّ رَحِيمٌ ، وَدِينٌ قويِمٌ ، وَإمَامٌ عَلِيمٌ . أنَا بالأمس صَاحِبُكُمْ ، وأنا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ ، وَغّداً مُفَارقْكُمْ ! غَفَرَلي وَلَكُمْ ! إنْ تَتْبُتِ الْوَطْأةْ فِي هِذِ الْمَزَلَّةِ فذاكَ ، وإنْ تَدْحَض الْقَدَمُ فإنَّا كُنَّا فِي أفيَاءِ أغضصَان ، وَمَهَابَّ ريَاح ، وَتَحْتَ ظِلَّ غمَام، اضْمَحَلَّ فِي الْجوَّ مُتَلَقَّقهَا ، وَعَفَا في الأرض مَخَطٌهَا .  وَإنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أيَّاماً ، وَسَتُعْقبُونَ مِنَّي جُتَّةَ خَلاَءً سَاكِنَة بَعْدَ حَرَاك ، وَصَامِتَة بَعْدَ نُطْق لِيَعِظْكُمْ هُدُوَّي، وَخُفُوتُ إطْرَاقِي ، وَسُكُونُ أطْرَافِي، فإنَّهُ أوْعَظُ لَلْمُعْتَبرينَ مِنَ الْمَنْطِق الْبَلِيغ وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوع . وَدَاعي لكُم وَدَاعُ امرئ مُرْصدِ لِلتَّلاقِي ! غَداً تَروْنَ أيَّامِي ، وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِري ، وَتَعْرِفُونَنِي يَعْدَ خُلُوَّ مَكَانِي وَقِيَامِ غَيْري مَقَامِي ) (٢٥) .

وقد أعاد الشريف الرضي بعض فقرات هذه الوصية في موضع آخر معللً ذلك بقوله ( وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدّم من الخطب ، إلاَ أنَ فيه ها هنا زيادة أوجبت تكريره ) (٢٦) .

مما يعتبر قرينة واضحة على أن الوصيتين ما هما في الحقيقة إلا وصية واحدة ،غير أن الرضي اجتزأ منها في الموضع الأول بعض الفقرات ثم عاد في الموضع الثاني إلى إعادة بعض فقرات الوصية المتقدمة مع زيادة حديث الإمام عن ولي دمه في حال بقائه على قيد الحياة ، وترغيبه أولاده بفضيلة العفو واستشهاده على ذلك بالنص القرآني ، وعدم فجأته بوارد الموت ، إذ يقول الإمام (ع) : (وَصِيَّتِي لَكُمْ : أنْ لاَ تُشْركُوا باللهِ شَيْئاً ، وَمُحَمَّدٌ (صلى الله عليه وآله) فلاَ تُضَيَّعُوا سُنَّتَهُ ، إقِمُوا هذيْن الْعَمُودَين ، َخَلاَكُمْ ذمَّ .

أنَا بالأمس صَاحِبُكُمْ ،وَالْيَوْم عِبْرَةٌ لَكُمْ ، وَغداً مُفَارقَكُمْ ، إنْ أبْقَ فأنَا وَلِيّ دَمِي ، وَإنْ أفنَ فالْفَنَاءُ مِيعَادِي ، وَإنْ أعْفُ فالْعَفْوُ لي قرْبَة ،وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَة ، فأعفوا  ألاَ تُحِبّونَ أنْ يَغْفِرَاللهُ لَكُمْ) وَاللهِ مَا فجَأنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارد كَرهْتُهُ ، وَلَا طالِعٌ أنكَرَتُهُ ، وَمَا كُنْتُ إلاَّ كَقارب وَرَدَ ، وَطالِب وَجَدَ ، (وَمَا عِنْدَ الله خَيْرٌ للأبرار) (٢٧) .

ويظهر واضحا من الجمع بين كلام الشريف الرضي الذي قدّم به للوصيتين ، إن هذه الوصية بقسميها في الموضعين ، قد قالها الإمام بعد أن ضربه ابن ملجم – لعنه الله – قٌبيل شهادته (ع) وأنها قد قِيلت بمحضر جمع من الناس بدليل قولة الإمام في بداية الوصية في الموضع الأول ( أيها الناس)؛ مما يعطي للوصية طابع الوصية العامة في غالب فقراتها ، إلا ما يخص حديثه عن الأخذ بدمه فهي فقرة تخص أهل بيته ، فهم وحدهم من يحق لهم المطالبة بالقصاص بهذا الأمر.

أما المضمون العالم لهذه الوصية بقسميها، فهو يتخلث بدعوة الإمام للتوحيد الخالص وعدم الشرك بالله، والحرص التام على سنة الرسول الكريم ، وتذكير الناس بحتمية لقاء الموت الذي طالما رغب الإنسان في الفرارمنه ، وان المنية تظل طي الغيب مهما اجتهد المرء في معرفة وقتها ، فهي من قبيل العلم المخزون الذي يأبى الله إلا إخفاءه ،وضرورة الاعتبار بالموتى متخذا من نفسه خيرعبرة لمن يريد الاعتبار، فهو بالأمس كان الصاحب ، واليوم صارعبرة .

ومن أمثلة هذا النوع من الوصايا ، ما كتبه الإمام (ع) لابنه الحسن (ع) بحاضرين عند انصرافه من صفين، وقد جاء في مقدمتها : (مِنَ الْوَالدِ الْفَان ، الْمُقِرَّ لِلزَّمَان ، الْمُدْبرالْعُمُر، الْمُسْتَسْلِم لِلدَّهْرِ،الدَّام لِلدَنْيَا ، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى ، الظَّاعِنِ عَنْهَا غداً ، إلَى الْمَوْلُدِ الْمُؤَمَّل مَا لاَ يُدْركُ ، السَّالِكِ سَبيلَ مَنْ قدْ هَلكَ ، غرَض الأسقام ، رَهينَةِ الأيام ، وَرَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ ، وَعَبْدِ الدّنْيَا ، وَتَاجِرالْغُرُور، وَغريم الْمَنَايَا ، وَأسِيرالْمَوْتِ ، وَحَلِيف الْهُمُوم ، قرين الأحزان، ونُصْبِ الآفات ، وَصَريع الشَّهَوَاتِ ، وَخلِيفةِ الأموات) (٢٨) .

والوصية طويلة تضمنت ضروبا من النصح والتوجيه فيما يخص أمور الدين والدنيا والآخرة.

ومن أمثلة وصايا الوفاة تلك الوصية التي كتبها لأولاده يوصيهن بما يُعمل في أمواله ، وقد كتبها أيضا بعد انصرافه من صفين ، جاء في مقدمتها (هذا مَا أمَرَ بهِ عَبْدُاللهِ عَلِيّ بْنُ أبي طالِب أمِيرُالْمُؤْمِنينَ فِي مَالِهِ ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ ، لِيُولِجَه بهِ الْجَنَّة ، وَيُعْطيَه به الاْمَنَة .

منها : فإنَّهُ يَقومُ بذلِكَ الْحَسنُ بْنُ علِيّ ، يأكُلُ مِنْهُ بالْمعْروفِ ، وَيُنْفِقُ مِنْهُ فِي المَعْروفِ ، فإنْ حَدَثَ بحَسَن حَدَثٌ وَحُسَيْنٌ حَيَّ ، قامَ بالأمربَعْدَهُ ، وَأصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ .

وَإنَّ لابْنَيْ فاطِمَة مِنْ صَدَقةِ عَلِيَ مِثلَ الَّذي لِبَني عَلِيّ، وَإنَّي إنَّمَا جَعَلْتُ الْقِيَامَ بذلِكَ إلَى ابْنَيْ فاطِمَة ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ ، وَقرْبَة إلَى رَسُول الله (صلى الله عليه وآله)، وَتَكْريماً لِحُرْمَتِهِ ، وَتَشْريفاً لِوُصْلَتِه .

وَيشْتَرط عَلَى الَّذِي يَجْعَلهُ إلَيْهِ أنْ يَتْرُكُ الْمَالَ عَلَى أصُولِه ، وَيُنْقفِقَ مِنْ ثمَرهِ حَيثُ أمِرَبهِ وَهُدِيَ لهُ ، ألاَّ يَبيعَ مِنْ أوْلاَدِ نَخِيلَ هذِهِ الْقرَى وّدِيَّة حَتَّى تُشْكِلَ أرْضُهَا غِراساً .

وَمَنْ كَانِ مِنْ إمَائِي – اللاَّتِي أطُوفُ عَليْهنَّ – لَها وّلدٌ ، أوْ هِيَ حَامِلٌ ، فتُمْسَكُ عَلَى وَلدِها وَهِيِ مِنْ حَظَّهِ ، فإنْ مَاتَ وَلدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فهيَ عَتِيقةٌ ، قدْ أفرَجَ عَنْهَا الرَّقّ ، وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ) (٢٩) .

هذه كانت الأنواع الفنية للوصايا التي وردت في نهج البلاغة ، وهي كما بدا واضحا من سياق أمثلتها، تدورعلى محورين اثنين : فهي إما وصايا تربوية أخلاقية وإما وصايا إدرية تتعلق بتنظيم شؤون الرعية وترتيب أمورها .

وقد انتظمت هذه الوصايا عموما في قسمين :

الأول : وصايا التأديب والإرشاد التي منها ما جاء بلفظ الوصية ومنها ما لم يجئ بلفظ الوصيى وإنما دار في فلك الوصية ، والثاني : وصايا الوفاة التي توجه بها الإمام عند شعوره باقتراب دنو اجله والتي يكاد يطغى عليها الطابع الخاص إذ هي في غالب شأنها موجهة إلى أفراد أسرته ومتعلقة بشؤونهم الخاصة .

الخصائص الأسلوبية للوصايا في نهج البلاغة :

تبين من خلال عرض الأنواع الفنية لوصايا الإمام علي (ع) في نهج البلاغة أنها تتميز بمجموعة من الخصائص الأسلوبية المميزة ، يمكن إجمالها بالاتي :

التكرار: يلحظ أن أهم خصائص الأسلوب التي تميزوصايا التأديب والإرشاد (التي جاءت بلفظ الوصية) أنها وردت على نسق أراد الإمم منه أن يكون ثابتا ومتكررا ، يجري على ذكر عبارة أوصيكم ثم ذكرالشيء الموصى به ثم تعليل هذه الوصية ، فالإمام يدرك تماما ما يفعله أسلوب التكرار من أثر في النفوس  فهو من أهم وسائل إثبات الفكرة وترسيخها في الأذهان ؛ كما يُلحظ غلبة الجمل الوصفية الخبرية ، التي تميل إلى القصر، وإيضاح الفكرة بإعادتها بأسلوب آخر وهو ما يتناسب مع تصنيفها تماما لأنها وصايا تذكير ووعظ وتأديب وإرشاد .

الاسلوب الانشائي :

أما وصايا التأديب والإرشاد (التي لم تأت بلفظ الوصية) فيبدو واضحاً أن أهم خضائصها الأسلوبية ، هوغلبة الجمل الإنشائية عليها عموما ، كما يلحظ أن أسلوب الأمر بصيغة (فعل الأمر)هو الأكثر ورودا في الوصايا الموجه للأفراد ، يأتي بعده أسلوب النهي ليحققق حضورا اقل ، بينما حقق أسلوب النهي حضورا واضحا في وصايا الجماعات ، ولعل السبب في غلبة أسلوب الأمر في الوصايا الموجهة للأفراد وغلبة أسلوب النهي في الوصايا الموجهة للجماعات يكمن في فهم الإمام لما يُراد من كل منهما ، فالمنتظر من الأفراد – وهم شخصيات قيادية – أن يحققوا المزيد من العطاء ، ويُتوقع منهم مزيدا من التقدم فهم شخصيات غير اعتيادية ؛ ولذا ناسبهم أسلوب الأمر هنا تماما ، لأنه يطلب حصول الأفعال ويحث عليها ، أما الجماعات – وهم السواد الأعظم من الناس – فإن التقدم ليس من شأنهم فهم تابعون لمن يقودهم وإنما يطلب منهم الكف عن الأفعال التي قد  تُسيء إلى سمعة المجموع ؛ ولذا ناسبها غلبة أسلوب النهي عليها .

أما وصايا الوفاة فلا تبتعد كثيرا عن وصايا التأديب والإرشاد في غلبة الجمل الإنشائية ، غير أنها امتازت بمجيء مقدمات استهلالية غلب عليها ورود الجمل الخبرية الوصفية ، كما نجد ذلك في وصية الإمام للحسن (ع) التي كتبها بحاضرين بعد منصرفه من صفين : وغلبة الجمل الإنشائية على الجمل الخبرية ،هي خصيصة أسلوبية لا تكاد تنفك عن أدب الوصايا الذي يعتمد أساسا على أساليب الإنشاء عموما وأساليب الطلب بشكل أخص ؛ ذلك أن أدب الوصية يرتكز على بنية عمادها أن الموصي يمتلك قدرا من المعرفة يؤهله أن يكون بموضع الموجه والمسدد للموصى إليه ، الذي يكون بدوره أحوج ما يكون لهذه المعرفة ، وله سبيل والحال هذه إلا اعتماد أساليب الطلب من أمر ونهي واستفهام ونداء وتمن ، إذ هذه الأساليب بصورها المختلفة هي التي تحقق هذا التأثير في المتلقي ، وبمراجعة عجلى للوصايا المتقدمة يظهر واضحا أن أسلوبي الأمر والنهي قد حققا الحضور الأوفر من بين أساليب الإنشاء على الإطلاق .

الايقاع الصوتي :

كما يلحظ ميل الجمل في الوصايا عموما إلى تحقيق الإيقاع الصوتي عن طريق اعتماد أسلوب السجع الذي كانن حاضرا بوضوح في مجمل الوصايا ، وهو مما يوفر التأثير المرجو من أدب الوصايا لأنه يتعامل في جانب منه على تحريك العاطفة وإثارها لتحقيق العزيمة على المضي في الأمور. وهي ممن يتأثر بالوقع الصوتي ، وتستجيب له .

لا يكتفي الإمام في وصايا بتوجيه الأمر أو النهي ؛ وإنما يتبعه بذكرالسبب الذي كان لأجله الأمر أو النهي، وهو مما يدل على سعة علم الإمام بحقائق الأمور وبواعثها من جانب ، ومن جانب آخر یحقق دافعا قويا للتمسك بذلك الأمر أو الامتناع عن ذلك المنهي عنه ؛ لان علته قد اتضحت ، فالتحذير من الغضب ؛ لأنه طيرة من الشيطان ،والنهي عن المخاصمة بالقرآن سببه أنه حمال ذو وجوه، والأمر بالمحاججة بالسنة ؛ لأنهم لم يجدو عنها محيصا ، والنهي عن أول سير الليل ؛ لان الله جعله سكنا . الى غير ذلك من الوصايا المعللة .

الجمل القصيرة :

كما يظهر واضحا إن الجمل في أدب الوصايا تميل إلى أن تكون جملا قصيرة موجزة ، وهو ما يؤهلها لان تكون مقبولة أكثر لدى المتلقي لان السامع يتمكن من متابعتها وتحصيل مطالبها بيسر وسهولة ، فهي جمل اعتمدت على تركيز المعنى وتقليل المبنى ، وهي خصيصة قد امتدت في غالب فقرات أدب الوصايا ، الجمل الطويلة :  لانكاد نظفر بالجمل الطويلة إلا بعض فقرات الوصايا العملية التي ترد في سياق وصايا الوفاة والمتعلقة بكيفية التصرف في الأموال والإماء وما أشبه ؛ فقد جنحت الجمل فيها إلى الطول ، كما نجد ذلك في وصيته بما يعمل في مواله التي كتبها بعد منصرفه من صفين، فقد ورد فيها بعض الجمل الطويلة نسبيا ، كما في قوله (ع) : وَيَشْتَرطُ عَلى الَّذِي يَجْعَلُهُ إليْهِ أنْ يَترُكَ الْمَالَ عَلى أُصُولِهِ ، وَيُنْقفِقَ مِنْ ثَمَرهِ حَيْثُ أمِرَبه وَهُدِيَ لهُ ،إلاَّ يَبيعَ مِنْ أوْلاَد نَخِيلَ هِذِهِ القرّى وَدِيَّة حّتَّى تَشْكِلَ أرْضُهَا غِرَاساً) (٣٠) .

وقوله (ع) أيضا : ( وَمَنْ كَانَ مِنْ إمَائِي – اللاَّتي أطُوفُ عَليْهنَّ – لهَا وَلدٌ، أوْهِيَ حَامِلٌ ، فَتَمْسَكُ عَلى وَلدِهَا وَهِيَ مِنْ حَظَّهِ ، فَإنْ مَاتَ وَلدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَهيَ عَتِيقَةٌ ، قَدْ أفرَجَ عَنْهَا الرَّقٌ ، وَحَرَّرَهَا الْعِتَقُ )(٣١) .

ولعل السبب في ميل هذه الجمل إلى الطول يكمن في أن هذه الجمل أريد منها التفصيل والإيضاح ، فهي تندرج ضمن الوصايا التي يُعمل بعد بها وفاة الإمام ، فلا بد والحال هذه أن يحتاط لكل احتمال بما يناسبه ؛ ولذا ناسيها أن تكون جملا ذات فقرات طويلة نسبيا ؛ حتى يتسنى من خلالها أداء ذلك الإيضاح والتفصيل .

أما الأساليب التي استعان بها النص في تحقيق غرض الإيضاح والتفصيل فهي الجمل الاعتراضية ، والجمل الشرطية ، وأسلوب التكرار.

الحضور والغياب :

اعتمدت الوصايا على أسلوب الخطاب الموجه من الإمام (عليه السلام) للمتلقين على نحو مباشر، والإمام يتحدث بلغة ضميرالمتكلم في غالب الوصايا ، كما في قوله : ( أنَا بالأمس صَاحِبُكُمْ ، وَأنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لكُم، وَغَداُ مُفَارقِكُمْ! غَفَرَاللهُ لي وَلَكُمْ !) (٣٢) وقوله : (أَنَا بالأمس صَاحِبُكُمْ ، وَأنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لكُم ، وَغَداُ مُفَارقِكُمْ ،إنْ أبْقَ فإنَا وَلِيّ دّمِي ، وَإنْ أفنَ فالْفَنَاءُ مِيعَادِي ، وَإنْ أعْفُ فالْعَفْوُ لِي قْرْبَةٌ) (٣٣)، ولا نجد حديث الإمام بضمير الغائب إلا في بعض فقرات وصايا الوفاة ، كما في قوله(ع):(هذا مَا أمَرَ به عَبْدُ اللهِ عَليّ بْنُ أبي طالِب أمير المؤمنين فِيِ مَالِهِ ، ابْتغَاءَ وَجْهِ اللهِ ، لِيُولِجَه بهِ الْجَنَّة، ويُعْطِيَه به الاْمَنَة .

منها : فإنَّهُ يَقْومُ بذلِكَ الْحسَنُ بْنُ علِيّ ، يأكُلُ مِنْهُ بالْمعْروف ، ويَنْفِقُ مِنْهُ فِي المَعْروفِ ، فإنْ حَدَثَ بحَسَن حَدَثٌ وَحُسَيْنٌ حَيَّ، قامَ بالأمر بَعْدَهُ ، وَأصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ . وَإنَّ لإبْنَيْ فاطِمَة مِنْ صَدَقةِ عَلِيّ مِثلَ الَّذِي لِبَني عَلِيّ) (٣٤).

فالإمام هنا يتحدث عن نفسه بصيغة الشخص الغائب ؛ فنجده بدلا من أن يقول : هذا ما أمرتُ به .

 قال : (هذا ما أمربه عبدالله علي بن أبي طالب) وبدلا من أن يقول : في مالي قال (في ماله) .

وبدلا من أن يقول ليولجني ، ويعطيني . قال : (ليولجه) و(ليعطيه) . وبدلا من أن يقول : من صدقتي .

قال : (صدقة علي) وبدلا من أن يقول : بنييّ . قال (بني علي) ، كل ذلك بلغة ضمير الغائب ، وهو ما يتناسب تماما مع وصايا الوفاة التي غالبا ما يعمل بها بعد رحيل الموصي إلى عالم الآخرة ، فاختيار صوت الغائب استشراف لذلك المقام الذي سيكون فيه الموصي غائبا على وجه الحقيقة ، وهو ما يحقق للوصية حضورا انفعاليا بحسبان أن الصوت الذي يخاطبهم قد أصبح غائبا عنهم .

كما يُلحظ في خطاب الوصايا أنه يميل في بعض فقراته إلى الصبغة العمومية التي تمتد إلى كل الأفراد ، كما في قوله (ع) : (كُلُّ امرئ لاَق مَا يَفِرّ مِنْهُ فِي فِرَارهِ ، والأجل مَسَاقُ النَّفْس ، وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافانُهُ) (٣٥).

وقوله (ع) (حُمَّلَ كُلُّ امرئ مَجْهُودَهُ ، وَخُفَّفَ عَن الْجَهَلةِ) (٣٦) ولا شك أن الخطابات العامة التي تشمل الأفراد كلهم لها وقع مؤثر في النفوس إذ إنها تهيمن عليها بسطوتها الشاملة ، ويوقن الفرد عند سماعها بعدم إمكانية الإفلات منها ، فهي تشمله مثلما تمتد لغيره ، ولذا فاحتفاء أدب الوصايا بعبارات كهذه يعطيها بعدا واضحا في أسر المخاطب وشد انتباهه .

ولهذا النوع من الخطاب العام أمثلة أخرى في كلام الإمام ، منه قوله : ( فكُونُوا مِنْ أْبْنَاْءِ الآخرة ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أبْنَاءِ الدّنْيَا ، فإنَّ كُلَّ سَيْلْحَقُ بأبيهِ يَوْمَ الْقِيَامَة) (٣٧) وقوله : (فإنَّهُ يَنادِي مُناد يَوْمَ الْقِيَامةِ : ألاَ إنَّ كُلَّ حَارث مُبْتلَى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ ، غيْرَ حَرَثهِ الْقرآن ؛ فكُونُوا مِنْ حَرَثتِهِ) (٣٨).

ولعل من نافلة القول أن صياغة عبارات كهذه العبارات الجامعة لا يمكن أن يتهيأ إلا لمن أوتي حظا وافرا في فن القول والبصيرة الثاقبة ، بحيث يتهيأ له أن يدخل كل الأفراد تحت ذلك الحكم من غير أن يشذ منهم أحد .

اسلوب الشرط : كما يلحظ إن الوصايا احتفت على نحوخاص بحضور الجمل الشرطية حضورا واضحا ، إذ أن كثيرمن هذه الوصايا ذهبت إلى فرض الاحتمالات الممكنة التي قد يتعرض لها المرء ، ووضعت لكل احتمال ما يناسبه من حلول ، وهو مما يؤشر بعد النظر والدراية الفاحصة بمجريات الأحداث، كما نرى ذلك في هذه الوصية للإمام الحسن (ع) : (فإن أيْقَنْتَ أنْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ ، وَتَمَّ رأيُكَ وَأجْتَمَعَ ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي ذلِكَ هَمّاً وَاحِداً ،فأنْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لكَ ، وَإنْ أنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ ، وَفَرَاغ نَظركَ وَفِكْركَ ، فَأعْلمْ أنَّكَ إنَّمَا تَخْبطُ الْعَشْوَاءَ) (٣٩).

وقوله : (وَإنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتسْتَقِرَّ إلاَّ عَلَى مَا جَعَلَهَا اللهُ عَليْهِ مِنْ النَّعْمَاءِ وَالاْبْتِلاَءِ ، وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ ، أوْ مَا شَاءَ مِمَّا لاَ تعْلَمُ فإنْ أشْكَلَ عَليْكَ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ فاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالتِكَ بِه ، فإنَّكَ أوَّلُ مَا خُلِقْتَ جَاهِلاً تمَّ عَلِمْتَ ، وَمَا أكْثرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الأمر، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأيُكَ ، وَيَضِلَّ فِيهِ بَصَرُكَ تٌمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذلِكَ !) (٤٠).

وقوله : (وَاعْلمْ يَا بُنَيَّ ، أنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبَّكَ شَريكٌ لأتتك رُسُلُهُ ، وَلرَأيْتَ آثارَمُلْكِهِ وَسُلْطانِهِ ،وَلَعَرَفتَ أفعَالَهُ وصِفَاتِهِ ، وَلكِنَّهُ إلهٌ وّاحدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسهُ) (٤١) والأمثلة على ذلك ظاهرة (٤٢) .

هذه كانت ابرزالخصائص الأسلوبية التي ميزت أدب الوصايا في نهج البلاغة .

-----------------------------------------------------

الهوامش :

(١) معجم النقد العربي القديم : ٢ / ٤٤٠ .

(٢) معجم مصطلحات الأدب : ٤٣٠ .

(٣) البيان والتبيين : ١ / ٣٥٣ .

(٤) المعمرون والوصايا : ٨٨ .

(٥) م . ن : ٨٩ .

(٦) التعازي والمراثي : ٧٤ .

(٧) . (٧) بهجة المجالس وانس المجالس : ٢ / ٢٤٨ .

(٨) . م ن : ١ / ٥٣٥ .

(٩) . (٢) التذكرة الحمدونية : ٣ / ٣٢٩ .

(١٠) . م . ن : ٣ / ٣٢٩ – ٣٣١ .

(١١) . لباب الآداب : ١١ .

(١٢) . نهاية الأرب في فنون الأدب : ٦ / ١٩ . وينظرالنص كاملا من ص ١٩ – ٣٢ .

(١٣) . ينظر: حدائق الازاهر: الحديقة الرابعة (في وصايا والحكم) .

(١٤) . المستطرف في كل فن مستظرف : ١ / ٨٧ .

(١٥) . نهج البلاغة : ١٢١ ، والروافغ : الواسعة .

(١٦) . م . ن : ١٣١ ، واستغلق رهينته : جعله بحيث لا يمكن تخليصه .

(١٧) . م . ن : ١٨٠ .

(١٨) . ينظر : م . ن : ٢١٢ ، ٢٨٧ ، ٣١٢ ، ٣٣١ ، ٣٤٩ ، ٣٥٦ ، ٣٨٥ ، ٣٨٩ ، ٣٩١ ، ٣٩٢ .

(١٩) . م . ن : ٥٩٤ – ٥٩٥ .

(٢٠) . م . ن : ٥٩٥ .

(٢١) . م . ن : ٥٧١ – ٥٧٢ .

(٢٢) . م . ن : ٤٧٠ – ٤٧١ .

(٢٣) . ن : ٤٨١ – ٤٨٤ ،

(٢٤) . م . ن : ٤٩٦ – ٤٧٠ . وينظر : ٣٣٩ ، ٤٧٢ .

(٢٥) . م . ن : ٢٥٩ – ٢٦٠ .

(٢٦) . م . ن : ٤٧٩ .

(٢٧) . م . ن : ٤٧٩ .

(٢٨) . م . ن : ٤٩٦ .

(٢٩) . م . ن : ٤٨٠ – ٤٨١ .

(٣٠) . م . ن : ٤٨٠ .

(٣١) . م . ن : ٤٨١ .

(٣٢) . م . ن : ٢٥٩ .

(٣٣) . م . ن : ٤٧٩ .

(٣٤) . م . ن : ٤٨٠ .

(٣٥) . م . ن : ٢٥٩ .

(٣٦) . م . ن : ٢٥٩ .

(٣٧) . م . ن : ٨٤ .

(٣٨) . م . ن : ٣١٧ .

(٣٩) . م . ن : ٥٠٠ – ٥١ .

(٤٠) . م . : ٥٠١ .

(٤١) . م . ن : ٥٠٢ .

(٤٢) . ينظر: م . ن : ٢٥٩ – ٢٦٠ ، ٤٧٩ ، ٤٨٠ ، ٤٨١ .

المصادر والمراجع :

- القرآن الكريم

- بهجة المجالس وانس المجالس وشحذ الذاهن والهاجس ، ابن عبد البر( ٤٦٣ هـ) ، تح : محمد مرسي خولي ، دارالكتب العلمية ، بيروت – لبنان ، ط ٢ ، ١٩٨٢ .

- البيان والتبيين ، الجاحظ (٢٥٥ هـ) ، تح : عبد السلام محمد هارون ، مطبعة المدني ، مصر، ط ٧ ، ١٩٩٨ م .

-التذكرة الحمدونية ، ابن حمدون (٥٦٢ هـ) ، تح : إحسان عباس وبكرعباس ، دارصادر، بيروت – لبنان ، ط ١ ، ١٩٩٦ م .

- التعازي والمراثي ،المبرد (٢٨٦ هـ) ، تح : خليل منصور، دارالكتب العلمية ، بيروت – لبنان ،

 ١ ، ١٩٩٦ م .

- حدائق الأزاهرفي مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر، أبوبكربن عاصك القيسي الغرناطي ( ٨٢٩ هـ)

- لباب الآداب ، أسامة بن منقذ (٥٨٤ هـ) ، مكتبة السنة ، مصر – القاهرة ، ط ١ ١٩٨٧ م .

- المستطرف في كل فن مستظرف ، الابشيهي ( ٨٥٠ هـ) ، مكتبة الجمهورية العربية ، مصر، ( د .ت) .

- معجم مصطلحات الأدب ، مجدي وهبة ، مكتبة لبنان – بيروت ، ١٩٧٤ م .

- معجم النقد العربي القديم ، د . أحمد مطلوب ، دارالشؤون الثقافية العامة بغداد ، ١٩٨٩م .

-المعمرون والوصايا ، ابوحاتم السجستاني، تح : عبد المنعم عامرمصر، ١٩٦١ م  ،

- نهاية الأرب في فنون الأدب ، النويري ( ٧٣٣ هـ) ن نسخة مصورة عن طبعة دارالكتب ،المؤسسة المصرية ، مصر( د.ت) .

- نهج البلاغة ، مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، تح :د . صبحي الصالح ، مطبعة وفا ، إيران – قم ، ط ٣ ، ١٤٢٩ هـ .

****************************