وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَد، خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                

Search form

إرسال الی صدیق
الحريّة في نهج البلاغة

الشيخ حسن الصفار
قال الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في[نهج البلاغة]: «لاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً »(١).

عبودية الكون:
حينما نُطلق عنان تفكيرنا في رحاب هذا الكون، ونتأمّل جوانبه ومخلوقاته نجد أنّ كلّ شيء في هذا الكون من أصغر ذرّة إلى أعظم مجرّة، يخضع لحركة قسرية مفروضة عليه.
فالله الّذي خلق الكون والحياة حدّد لكلّ ذرّة وكلّ حركة دوراً معيّناً ووظيفة خاصّة لا تستطيع التخلّف عن أدائها. فالسّماء والأرض لهما نظام معين لا اختيار لهما في الالتزام به، يقول تعالى:{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ إِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }(٢) .
والشّمس والقمر يحكمها قانون صارم لا يمكن لأحدهما أن يتمرّد عليه، يقول القرآن الحكيم:{ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }(٣) .
ويقول الإمام في[نهجه]:« ألاَ وَإنَّ الأَرْضَ الَّتِي تُقِلُّكُمْ ـ تحملكم ـ وَالسَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ، مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ، وَمَا أَصْبَحَتَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجُّعاً لَكُمْ، وَلاَ زُلْفَةً إلَيْكُمْ، وَلاَ لِخَيْرٍ تَرْجُوانِهِ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ أُمِرَتَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَتَا، وَأُقِيمَتَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَتَا »(٤) .
وحتّى الحيوانات تخضع لدوافع غريزية توجّهها وجهة معيّنة فرضها الله تعالى عليها، ولذلك لا تستطيع تغيير حياتها ولا تطوير سلوكها، فالنّحلة مثلاً منذ عرفها الإنسان وإلى اليوم تعيش حياة معيّنة وتمارس دوراً محدوداً لم يطرأ ولن يطرأ عليه أيّ تغيير وتطوير إلى يوم القيامة، وكذلك دودة القزّ وسائر الحشرات والحيوانات تسيرها حركة قسرية تنسجم مع نظام الكون كلّه.

حريّة الإنسان:
أمّا الإنسان فيختلف عن سائر أجزاء الكون في أنّ له بُعدين: بُعد الجسم المادي وبُعد الرُّوح الإرادي، وهو في البُعد المادّي يستوي مع بقيّة المخلوقات في أنّه يخضع لنظام قسري وحركة جبرية لا اختيار له ولا إرادة فيها، فهو لا يختار والديه، ولا يختار وقت ولادته، ولا نوعه ولا شكل جسمه.. بل لا تدخل له في النّظام الفسيولوجي لجسمه، ولذا لم يستطع الإنسان تغيير أو تطوير النّشاط الدّاخلي لجسمه كنشاط الدّورة الدّموية أو عمل الخلايا أو شغل الكلية والكبد، لأنّ ذلك كلّه خارج إرادة الإنسان واختياره.
------------------------------
(١) [نهج البلاغة]: (الكتاب رقم: ٣١).
(٢) سورة فصلت: (الآية: ١١).
(٣) سورة يس: (الآية: ٣٨ـ٤٠).
(٤) [نهج البلاغة]: (الخطبة رقم: ١٤٣).

ولكن الإنسان يتميّز عن سائر المخلوقات ببُعده الثّاني: فهو ليس كتلة من المادة فقط كبقية المخلوقات بل بالإضافة إلى ذلك يحتوي على ومضة من روح الله تجعله الأفضل والأسمى. يقول تعالى عن تركيب الإنسان المادّي والرُّوحي وعن تكريمه بذلك:{ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }(٥) .
ويقول الإمام في[نهجه]:« ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الأرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالْبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ، فَجَعَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَوُصُولٍ، وَأَعْضَاءٍ وَفُصُولٍ:... ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إنساناً ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُهَا، وَفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَجَوارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَأَدَواتٍ يُقَلِّبُهَا، وَمَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلٍ»(٦) .
فبهذه الومضة الرُّوحية يتميّز الإنسان على باقي الكائنات، ولهذه الرُّوح خصائصها من التّفكير والإرادة. وإذا كان الإنسان في أعماله وتصرُّفاته يخضع لحركة قسرية فما هو دور تفكيره وما قيمة إرادته إذاً؟.
التّفكير إنما يكون في الاختيارات المتعدّدة، والإرادة إنما تكون بامتلاك الحرية والقدرة على ممارسة أيّ اختيار.
وهذا ما أعطاه الله للإنسان حيث منحه القدرة على التّفكير والحرية في التصرّف، ولذا حينما يتحدّث القرآن عن عبودية جميع الكائنات وخضوعها لأمر الله يستثني قطاعاً كبيراً من البشر الّذين لم يريدوا عبادة الله ولم يخضعوا في تصرّفاتهم لأمره. يقول تعالى:{ أَلَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ والْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وكَثيرٌ حَقَّ عَلَيهِ الْعَذابُ }(٧) .
وحتّى في مجال الإيمان بالله والاعتراف بوجوده لم يستعمل الله أسلوب القسر والجبر مع الإنسان مع قدرته على ذلك لماذا؟ حتى يمارس الإنسان حرّيته الكاملة في هذه الحياة. يقول تعالى:{ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا }(٨) ، ويقول عزّ وجل:{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرضِ كُلُّهُم جَمِيعاً }(٩)
ويقول جلّ وعلا:{ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإمَّا كَفُوراً }(١٠) .
-----------------------------
(٥) سورة ص: (الآية: ٧١ـ٧٢).
(٦) [نهج البلاغة]: (الخطبة رقم: ١).
(٧) سورة الحج: (الآية: ١٨).
(٨) سورة الأنعام: (الآية: ١٠٧).
(٩) سورة يونس: (الآية: ٩٩).
(١٠) سورة الإنسان: (الآية: ٣).

القضاء والقدر:
أساء بعض النّاس فهم مصطلحات الإسلام، وأخطئوا في تأويل آيات القرآن الكريم وأحاديث الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلّم) كاصطلاح القضاء والقدر وآيات الضّلال والهدى، وتصوّروا أنّها تعني شيئاً من الجبر والتّحديد لحرية الإنسان واختياره.
ولا نريد في هذا الدّرس أن نخوض غمار هذا الموضوع ولكنّنا نُشير إلى أنّ آيات القرآن ومفاهيمه كلٌ مترابط لا تناقض فيه، ولا اختلاف، وحينما نفهم من بعض الآيات تناقضاً مع آيات أُخَر فعلينا أن نتّهم فهمنا وليس القرآن.
جاء رجل شامي يسأل الإمام علياً(عليه السلام) بالسُّؤال التّالي: أكان مسيرنا إلى الشّام بقضاءٍ وقدر؟.
وعرف الإمام أنّ الرّجل أساء فهم معنى القضاء والقدر وتصوّرهما نوعاً من الجبر والقسر والتّحديد لحرية الإنسان، فردَّ عليه فوراً بكلام طويل جاء فيه:« ويحك لعلّك ظننت قضاءً لازماً، وقدراً حاتماً، ولو كان ذلك كذلك لبطل الثّواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد. إنّ الله سبحانه أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يكلّف عسيراً... »(١١) .
والقدر لغة هو:« حدُّ كلّ شيء ومقداره وقيمته وثمنه ».
والقضاء هو:« إحكام أمرٍ وإتقانه وانفاذه لجهته » كما يقول اللغوي المعروف أحمد بن فارس في كتابه[المقاييس](١٢) .
ويروي الكليني عن الإمام علي بن موسى الرّضا(عليه السلام) في تعريف القدر والقضاء قوله:« القدر: هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء. والقضاء: هو الإبرام وإقامة العين »(١٣) .
فالقدر هو الحدود والأنظمة والسُّنن والقوانين التي وضعها الله في الكون والحياة. يقول الإمام علي(عليه السلام):« قدّر ما خلق فأحكَم تقديره »(١٤) .
والقضاء هو نفاذ تلك السُّنن والأنظمة وانطباقها بالفعل، يقول الإمام(عليه السلام):« بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلاَمَاتِ التَّدْبيرِ الْمُتْقنِ وَالْقَضَاء الْمُبرَم »(١٥) .
--------------------------
(١١) [نهج البلاغة]: (قصار الحكم رقم: ٧٨).
(١٢) [الإلهيات]: الشيخ جعفر السبحاني (ج١/ص٥٢٤)، الطبعة الثانية (١٤٠٩هـ) المركز العالمي للدّراسات الإسلامية- قم.
(١٣) [الأصول من الكافي]: الكليني الرازي (ج١/ص١٥٨)، الطبعة الثالثة (١٣٨٨هـ) دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
(١٤) [نهج البلاغة]: (الخطبة رقم: ٩١).
(١٥) [نهج البلاغة]: (الخطبة رقم: ١٨٢).

لذلك يروي الأصبغ بن نُباتة أنّ أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) عدل من حائط مائل إلى حائط آخر سليم فقيل له: يا أمير المؤمنين أتفرُّ من قضاء الله؟ قال(عليه السلام):« أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عزّ وجل »(١٦) .
فلو وقف الإمام في ظلّ الجدار المائل إلى السُّقوط فسقط عليه وأُصيب لكان ذلك مصداقاً لقضاء الله بإنفاذ قانون.
أمّا ابتعاد الإمام إلى جدار سليم فهو مصداق لقدر الله بالاستفادة من قانون يؤمّن السّلامة والحماية.

الوراثة والتربية:
وجاء العلم الحديث فاعترف للوراثة بأثرها الكبير في توجيه حياة الإنسان ليس فسيولوجياً فقط وإنما سيكيولوجياً وسلوكياً. وأعطى للتربية دورها البعيد في صياغة نفس الإنسان وتحديد ممارسته.
وليست هذه حقيقة جديدة على الدين فهو يؤمن بدور الوراثة والتربية في توجيه الإنسان، ولكن في حدود لا تسمح لها بسلب حرية الإنسان واختياره، فالعامل الوراثي والتربوي لا يعدو أن يكون عاملاً مساعداً يدفع الإنسان لسلوك اتجاه ما في حياته، ولكن القرار الأخير والنّهائي بيد الإنسان نفسه، فباستطاعته أن يسير على طريق أبويه وعلى منوال بيئته، وبإمكانه أن يتمرَّد على كلّ ذلك ويسلك طريقاً آخر.
فابن نبي الله نوح(عليه السلام) لم يرث إيمان آبائه ولم يتمسّك بمبادئهم، يقول القرآن الكريم:{ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَّعَ الْكَافِرينَ. قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَــوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِين }(١٧) .
وفي التاريخ الكثير من النّماذج والأمثلة التي تثبت حرية الإنسان في التمرّد على عادات أهله وتقاليد مجتمعه. فهذا مصعب بن عمير وقد تولَّد من أصلاب جاهلية مترفة، يتمرّد على جاهلية أهله وترفهم وينضمّ إلى صفوف الفقراء والعبيد من طلائع الإسلام، وفي حياتنا المعاصرة نشاهد الكثيرين ممّن وُلدوا في أحضان الرأسمالية وتلقّوا تربية برجوازية مستكبرة يثورون على واقعهم وينضمّون إلى صفوف المتمرّدين والثّائرين.
وفي مجال الصّفات النّفسية والسُّلوك والأخلاق، ليس هناك تطابق حتمي، وتوافق دائم، بين الأبناء وعوائلهم التي انحدروا منها، فكم من عائلة صالحة تبتلي بولد سيء فاسد، وكم من ولد صالح انحدر من عائلة شريرة.
لقد كان الجارود العبدي صحابياً جليلاً مستقيم السّيرة والسُّلوك حتى استشهد في سبيل الله، وكان له ولد يُقال له: المنذر بن الجارود، وضع الإمام علي (عليه السلام) فيه ثقته، وولاّه على بعض النّواحي، مؤمّلاً فيه الصلاح لمعرفته بجلالة قدر أبيه الجارود. لكنّ ما حصل هو العكس من ذلك حيث خان الأمانة فكتب إليه الإمام (عليه السلام) كتاباً يؤنّبه فيه على خيانته ويعزله عن منصبه.
--------------------------
(١٦) [الإلهيات]: الشيخ جعفر السبحاني (ج١/ص٥٠٣).
(١٧) سورة هود: (الآية: ٤٢ـ٤٣).

جاء في ذلك الكتاب:
« أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ صَلاَحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ، وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ، وَتَسْلُكُ سَبِيلَهُ، فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لاَ تَدَعُ لِهَواكَ إِنْقِيَاداً، وَلاَ تُبْقِي لآخِرَتِكَ عَتَادَاً، تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ »(١٨) .
مظاهر الحريّة:
وكما خلق الله الإنسان حرّاً أراد له أن يعيش حراً، وأن يمارس إرادته واختياره، ولم يسمح الله تعالى لأيّ أحد أن يسلب من الآخر إرادته أو أن يقف مانعاً له من ممارسة حرّيته، فالرِّسالات السّماوية تعترف للإنسان بحريته وتحمي حريته، والمجالات التي يمكن للإنسان أن يستعمل فيها حريته في الإسلام هي بسعة الحياة وأبرزها ما يلي:
١ـ حرّية الرأي والفكر: فلا يصحّ أن تجبر إنساناً ما على اعتناق عقيدة معينة:{ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ }(١٩) ، { أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِين }(٢٠) ، { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر }(٢١) ، ويقول الإمام علي(عليه السلام):« إِنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِه عَمي »(٢٢) ، وفي ظلّ الحكم الإسلامي عاش اليهود والنّصارى محتفظين بديانتهم وعقائدهم.
وما عدا الأُصول الأساسية للعقيدة الإسلامية، يتمتّع الإنسان المؤمن بحرّيته الكاملة في الإيمان بسائر المفاهيم الثّانوية، ما لم تصل إلى حدِّ المساس بالعقائد الأساسية.
فمثلاً: عالم الذرّ بتفصيله المعروف، للإنسان حريته في أن يؤمن به أو لا يؤمن فإذا ثبت لديه واقتنع بصحّته آمن وإلاّ فليس مسؤولاً عنه فلا يجبر على ذلك.
وأمّا القضايا الكونية والطّبيعية العلمية فلقد أوكلها الدّين إلى تفكير الإنسان ومستوى علمه، فلم يفرض عليه مثلاً: الاعتقاد بحركة الأرض ودوران الشّمس.. كما كانت الكنيسة المسيحية في العصور الوسطى تفرض على المجتمع المسيحي آراءها المتعسّفة في هذا المجال وتكفّر وتقتل كلّ من يخالفها الرّأي في ذلك.
٢ـ حرية القول والمعارضة: وللإنسان في ظلّ الإسلام الحقّ في أن يقول ما يشاء وأن يعارض ما يراه انحرافاً أو مخالفة.
-----------------------------
(١٨) [نهج البلاغة]: (الكتاب رقم: ٧١).
(١٩) سورة البقرة: (الآية: ٢٥٦).
(٢٠) سورة يونس: (الآية: ٩٩).
(٢١) سورة الكهف: (الآية: ٢٩).
(٢٢) [نهج البلاغة]: (قصار الحكم رقم: ١٩٣).

وفي العصر الإسلامي الأوّل كان المسلمون يمارسون هذه الحرية غالباً بشكل رائع وجريء، فقد كان الرجل العادي يعترض على الخليفة ويناقشه، وكانت المرأة العادية تحتجّ على قرار الخليفة وتضطرّه إلى سحبه، كما حدث ذلك في عهد الخليفة عمر، ففي[السُّنن الكبرى] للبيهقي وردت الحادثة التّالية:
« خطب عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) النّاس فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: ألا لا تغالوا في صداق النّساء فإنّه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، أو سيق إليه، إلاّ جعلت فضل ذلك في بيت المال.
ثمّ نزل فعرضت له امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين أكتاب الله تعالى أحقُّ أن يُتّبع أو قولك؟
قال: بل كتاب الله تعالى. فما ذاك.؟
قالت: نهيت الناس آنفاً أن يُغالوا في صداق النّساء والله تعالى يقول في كتابه:{ وَآتَيْتُم إِحْداهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئاً }(٢٣) .
فقال عمر(رضي الله عنه): كـلّ أحـدٍ أفـقـه مـن عـمـر. مرتين أو ثلاثاً، ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إنّي كنتُ نهيتكم أن تغالوا في صداق النّساء، ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له »(٢٤) .
ومرّة جاءت امرأة إلى الإمام علي (عليه السلام) تشكو أحد ولاته، فما كان من الإمام إلاّ أن رحّب بشكواها ودفع إليها كتاباً بعزل ذلك الوالي.
تقول سودة بنت عمارة الهمدانية في حديثها عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): والله لقد جئته في رجل كان قد ولاّه صدقاتنا، فجار علينا فصادفته قائماً يصلّي، فلما رآني إنفتل من صلاته، ثم أقبل عليّ برحمة ورفق وتعطّف، وقال: ألكِ حاجة؟ قلت: نعم. فأخبرته الخبر، فبكى ثم قال: اللهمَّ أنت الشّاهد عليّ وعليهم أنّي لم آمرهم بظلم خلقك، ثمّ أخرج قطعة جلد، فكتب فيها:
« بسم الله الرّحمن الرحيم{ قَدْ جَاءَتْكُم بَيّنَة مِن رَبِّكُم فَأوْفُوا الْكَيْلَ وَالميزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُم وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُم خَيْرٌ لَكُم إِنْ كُنْتُم مُؤمِنِين }(٢٥) .
فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتّى يقدم عليك من يقبضه منك، والسّلام.
ثمّ دفع الرُّقعة إليّ، فوالله ما ختمها بطين ولا خزنها، فجئت بالرّقعة إلى صاحبه فانصرف عنّا معزولاً»(٢٦).
وروى المؤرّخون: أنّ الحريث بن راشد السّامي كان عدواً للإمام علي (عليه السلام) فجاءه قائلاً: والله لا أطعت أمرك، ولا صلّيت خلفك. فلم يغضب لذلك، ولم يبطش به، ولم يأمر له بالسّجن أو العقوبة، وإنّما دعاه إلى أن يناظره حتّى يظهر أيّهما على حق، ويبين له وجه الحقّ لعلّه يتوب. فقال له الحريث: أعود إليك غداً.
فقبل منه الإمام فانصرف الرجل إلى قومه ولم يعد »(٢٧) .
----------------------------
(٢٣) سورة النساء: (الآية: ٢٠).
(٢٤) [السنن الكبرى]: الحافظ البيهقي (ج٧/ص٢٣٣)، دار صادر ـ بيروت.
(٢٥) سورة الأعراف: (الآية: ٥٨).
(٢٦) [علي من المهد إلى اللحد]: محمد كاظم القزويني (ص٢٦٩) الطبعة الحادية عشرة (١٩٨٢)، مؤسسة الوفاء ـ بيروت

والنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومون (عليهم السّلام) كانوا يتيحون المجال للآخرين أن يعلنوا آراءهم وأن يتحدّثوا بحريتهم، وإن كانت آراؤهم تخالف آراء الأئمة وعندها يقوم الإمام بإقناع الطّرف المقابل بوجهة نظره.
فالنبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا رأى أحد العرب مرتبكاً في إبداء رأيه، قال له:« هَوِّن عَلَيـْكَ فَلَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا إبنُ إِمْرَأَةٍ كَانَتْ تَأْكُل القِدَّ »(٢٨) .
والإمام علي حينما بايعته جماهير الأمة، أبى بعض الصّحابة كعبد الله بن عمر أن يبايعوا الإمام، فاقترح البعض على الإمام أن يجبرهم على البيعة فرفض إجبارهم.
جاء في[تاريخ الطّبري]: وخرج علي إلى المسجد فصعد المنبر وعليه إزار وطاق وعمامة خز، ونعلاه في يده، متوكّئاً على قوس، فبايعه النّاس وجاؤوا بسعد بن أبي وقاص.
فقال علي: بايع.
قال: لا أُبايع حتى يُبايع الناس، والله ما عليك مني بأس.
قال: خلُّوا سبيله.
وجاؤوا بإبن عمر-عبد الله- فقال: بايع.
قال: لا أُبايع حتى يبايع النّاس.
قال: إئتني بحميل -كفيل-.
قال: لا أرى حميلاً.
قال الأشتر: حل عني أضرب عنقه.
قال علي: دعوه أنا حميله »(٢٩) .
والإمام الحسن بن علي لما صالح معاوية صارحه الكثير من أصحابه بمعارضتهم.
يقول السُّيوطي : إنّ بعض أصحابه كانوا يقولون له: يا عار المؤمنين!!
فيقول(عليه السلام): العار خير من النّار.
وقال له رجل: السّلام عليك يا مُذلّ المؤمنين.
فقال: لست بمذلّ المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك(٣٠) .
-------------------------
(٢٧) [السبيل إلى إنهاض المسلمين]: السيد محمد الشيرازي (ص٤٤٩).
(٢٨) [بحار الأنوار]: محمد باقر المجلسي (ج١٦/ص٢٢٩) الطبعة الثانية (١٩٨٣م)، مؤسسة الوفاء ـ بيروت.
(٢٩) [تاريخ الأمم والملوك]: محمد بن جرير الطبري (ج٣/ص٤٥١)، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت.
(٣٠) [تاريخ الخلفاء]: جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد .

٣ـ حرية العمل والتصرّف: فالإسلام يمنح الإنسان حرّيته الكاملة في أن يعمل ما يريد ويتصرّف كما يشاء، فلا يمنعه من التملّك الفردي أو التّعامل التّجاري أو النّشاط الاجتماعي، بشرط أن لا يكون في تصرّفه تعدٍ على حقوق الآخرين وحرّيتهم أو إضرارٌ بالمصلحة العامة.
ولا يسمح الإسلام بمصادرة حرّيات النّاس وإجبارهم على عمل أو موقف لا يريدونه، يقول الإمام علي (عليه السّلام):« وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون »(٣١) .

لماذا الحدود والعقوبات:
وقد يتساءل بعضكم عن الحدود والعقوبات التي وضعها الإسلام على بعض الجرائم كالزّنا والخمر والسّرقة أليس فيها تحجيم لحرية الإنسان واعتداء على إرادته واختياره؟
الجواب:
أولاً: المحرّمات التي منع الله الإنسان منها إنما تعني مناطق الضّرر والشّقاء لحياة الإنسان وراحته، والله تعالى لا يسمح للإنسان بأن يُؤذي نفسه ويشقيها{ وَلا تُلْقُوا بِأَيدِيكُم إِلى التَّهْلُكَةِ }(٣٢) .
ثانياً: إنّ أغلب هذه الجرائم تتعدّى آثارها حدود الإنسان نفسه إلى حدود الآخرين وحرّياتهم، فالسّرقة اعتداء على الآخرين والزّنا واللواط وحتى الخمر يسبّب ذلك.. والإسلام لا يتيح للإنسان مجال الاعتداء على راحة الغير.
ثالثاً: محاسبة الإنسان على ما ألزم به نفسه لا تشكّل اعتداءً على حرّيته، فمثلاً: أنت حرٌ في أن تزورني غداً أو لا تزورني ولكنّك إذا وعدتني بذلك وجلست أنتظرك ولم تأتِ حسب الموعد، فيحقّ لي حينئذٍ أن أحاسبك: لماذا تأخّرت ولماذا لم تأت؟ فهل من المعقول أن تجيبني بأنّك حر؟ صحيح أنّك حرٌ ولكنّك ألزمتَ نفسك بالوعد.
لذلك يقول الإمام علي(عليه السلام):« الْمَسْؤُولُ حُرٌ حَتَّى يَعِدَ »(٣٣) .
والعامل له حرّيته الكاملة أن يعمل في بيتك أو لا يعمل، ولكنّه إذا عقد معك اتفاقية أصبح ملزماً بذلك، وهو باختياره قد ألزم نفسه.
------------------------------------
(٣١) [نهج البلاغة]: (الخطبة رقم: ٢٠٨).
(٣٢) سورة البقرة: (الآية: ١٩٥).
(٣٣) [نهج البلاغة]: (قصار الحكم رقم: ٣٣٦).

فكذلك الإنسان حينما يؤمن بالإسلام ويعتنقه يكون قد ألزم نفسه بإتباع نظمه وقوانينه، وكأنّه قد وقّع اتفاقية يقوم بمؤدّاها بالأعمال المفروضة، ويتجنّب الأعمال المحرّمة، وما دام قد اختار هو نفسه الإسلام ولم تفرضه عليه قوّة أخرى وبحرّيته وقّع الاتفاقية، فعليه مسؤولية الالتزام فإذا ما خالف وشرب الخمر أو زنا.. يكون مسؤولاً ومحاسباً.
ولكن هل الإسلام يحاسب المسيحيين على شرب الخمر أوترك الصّوم؟ أو هل يحاسب المجوس على نكاح محارمهم؟ طبعاً في الدنيا لا يحاسبهم على ذلك لأنّهم لم يختاروا الإسلام، أمّا الآخرة فذلك موضوع آخر.

كيف يستعبد الإنسان:
بعد أن عرفنا أنّ الله تعالى خلق الإنسان حراً، وضمن له حريته في هذه الحياة بشرائعه ورسالاته، بقي علينا أن نعرف: من يسلب حرية الإنسان ويفرض عليه العبودية؟ وما هو موقف الدّين وخاصّة[نهج البلاغة] من هذه الجهات التي تُصادر حرية الإنسان؟
١ـ الغرائز والشّهوات: فغرائز الإنسان وشهواته الحيوانية قد تفرض عليه ما يخالف منطق عقله وضميره، فإذا لم يكن الإنسان شجاعاً فسيقع تحت تأثير هذه الغرائز ويخضع لها، متنازلاً عن حرّيته، فيصبح عبداً لشهواته لا يستطيع مخالفتها. يقول الإمام في[نهجه]:« وَكَذِلكَ مَن عَظُمَت الدُّنيا فِي عَيْنِه ـ يعني شهوات الدنيا ـ وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا فِي قَلْبِه، آثَرَهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى فَإنقَطَعَ إِلَيْهَا، وَصَارَ عَبْداً لَهَا »(٣٤) .
ويقول(عليه السلام):« قَدْ خَرقَتِ الشَّهَوات عَقْلَهُ، وَأَمَاتَتْ الدُّنيَا قَلْبه، وَوَلَهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُه، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا وَلِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيءٌ مِنْهَا، حَيْثُ مَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا، وَحَيْثُ مَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ إِلَيْهَا »(٣٥) .
وقال(عليه السّلام):« لا يَسْتَرِقّنك الطّمَع، وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً »(٣٦) .
ويقول(عليه السلام):« مَنْ تَرَكَ الشَّهَوات كَانَ حُراً »(٣٧)
٢- التّقليد الأعمى: حيث يرى الإنسان الآخرين يقومون بعمل ما أو يسيرون في اتجاه ما، فيبادر إلى إتباعهم وتقليدهم دون أن يفسح المجال لتفكيره واختياره، ودون أن يمارس حرّيته وإرادته. يقول الإمام في [نهجه]: « أَلاَ فَالْحَذَر الْحَذَر مِن طَاعَةِ سَادَاتِكُم وَكبرائِكُم »(٣٨) .
٣ـ قوّة الآخرين وتسلّطهم: فيمنعون الإنسان من ممارسة حريته ويفرضون عليه آراءهم وقوانينهم، يقول (عليه السلام):« اتخذتهم الفراعنة عبيداً فساموهم سوء العذاب وجرّعوهم المُرار »(٣٩) .
----------------------------
(٣٤)[نهج البلاغة] :(الخطبة رقم: ١٦٠).
(٣٥) [نهج البلاغة]: (الخطبة رقم: ١٠٩).
(٣٦) [غرر الحكم ودرر الكلام]: عبد الواحد الآمدي.
(٣٧) [غرر الحكم ودرر الكلام]: عبد الواحد الآمدي.
(٣٨) [نهج البلاغة]: (الخطبة رقم: ١٩٢).

ويُعالج الإسلام هذه المشكلة من جانبين: جانب المتسلّط المستعبِد حيث يمنعه من سلب حريات الناس، وجانب المستعبَد الذّليل حيث يحفّزه على المطالبة بحرّيته، ويمنعه من الرُّضُوخ والاستسلام.
ففي الجانب الأول يقول الإمام علي(عليه السّلام):« شَرُّ النَّاسِ مَنْ يَتَّقِيهِ النَّاس مَخَافَةَ شَرِّهِ »(٤٠) .
ويقول الإمام في[نهجه] وفي عهده لمالك الأشتر:« وَأشْعر قَلْبَكَ الرَّحْمَة لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُم، وَالُّلطْفَ بِهِم، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِم سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِم أُكُلهم، فَإنَّهُم صِنْفَان: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ »(٤١) .
ويقول(عليه السلام):« وَلاَ تُقسِّرُوا أَوْلاَدَكُم عَلَى أَخْلاَقِكُم، فَإِنَّهُم خُلِقُوا لِزَمَانٍٍ غَيْرَ زَمَانِكُم »(٤٢) .
وفي الجانب الثّاني يحاسب الله الخانعين على استسلامهم لمن يُسلب حرّياتهم، يقول تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الملائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِم قَالُوا فِيمَ كُنْتم قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُن أَرْضُ الله وَاسِعَة فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولئِكَ مَأْوَاهُم جَهَنَّم وَسَاءَت مَصِيرا }(٤٣) .
ويقول الإمام في[نهجه] الخالد:« لاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُراً »(٤٤) .
ويقول(عليه السلام):« أَيُّهَا النَّاس إِنَّ آدَم لَمْ يَلِدْ عَبْداً وَلا أَمَةً وَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُم أَحْرار »(٤٥) .
ومـن شـعارات ثورة الإمام الحسين(عليه السلام):« كُونُوا
أَحْرَاراً فِي دُنْيَاكُم »(٤٦) .
ويقول الإمام جعفر الصّادق(عليه السلام):« إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ إلَى الْمُؤْمِن أُمُورَهُ كَلّهَا وَلَمْ يُفَوِّض إِلَيْهِ أنْ يَكُونَ ذَلَيلاً أمَا تَسْمَع قَوْلَ الله عَزَّ وَجَلَّ يقول:{ وَلله الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤمِنِين }(٤٧) . فالمؤمن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً، ثم قال:« إنّ المؤمن أعزّ من الجبل إنّ الجبل يستقلّ منه بالمعاول، والمؤمن لا يستقلّ من دينه شيء »(٤٨) .
---------------------------------
(٣٩) [نهج البلاغة]: (الخطبة رقم: ١٩٢)..
(٤٠) [غرر الحكم ودرر الكلام]: عبد الواحد الآمدي (ج١/ ص٤٠٦).
(٤١) [نهج البلاغة]: (الكتاب رقم: ٥٣).
(٤٢) [شرح نهج البلاغة]: إبن أبي الحديد (ج٢٠/ص٢٦٧).
(٤٣) سورة النساء: (الآية: ٩٧).
(٤٤) [نهج البلاغة]: (الكتاب رقم: ٣١).
(٤٥) [نهج السّعادة في مستدرك نهج البلاغة]: محمد باقر المحمودي (ج١/ص١٩٨) مؤسّسة الأعلمي ـ بيروت.
(٤٦) [اللهوف في قتلى الطفوف]: ابن طاووس (ص٥٢)، الطبعة الثانية (١٩٥٠م).
(٤٧) سورة المنافقون: (الآية: ٨).
(٤٨) [الكافي]: الكليني الرازي (ج٥/ص٦٣).

من كتاب رؤى الحياة في نهج البلاغة

****************************